النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
تفسير سورة التوبة : ٨٢
القول فى تأويل قوله ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ
كَثِيرًا جَزَّلْمٍ بِمَ كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (أ)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فرح هؤلاء المخلفون بمقعدهم خلاف
رسول اللّه، فليضحكوا فرحين قليلاً فى هذه الدنيا الفانية بمقعدهم خلاف رسول
اللّه، ولَهْوهم عن طاعة ربهم، فإنهم سيبكون طويلاً فى جهنم مكانَ ضحكهم
القليل فى الدنيا = ((جزاء))، يقول: ثواباً منا لهم على معصيتهم، بتركهم النفر إذا ١٤٠/١٠
استنفروا إلى عدوّهم، وقعودهم فى منازلهم خلاف رسول الله (١) = ((بما كانوا
يكسبون))، يقول : بما كانوا يجترحون من الذنوب. (٢)
# ٥
#
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
#
١٧٠٣٧ - حدثنى أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية ، عن إسماعيل ،
عن أبى رزين: ((فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيراً))، قال يقول الله تبارك وتعالى:
الدنيا قليل ، فليضحكوا فيها ما شاءوا ، فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا بكاءً
لاينقطع . فذلك الكثير .
١٧٠٣٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن منصور ، عن
أبى رزين، عن الربيع بن خثيم: ((فليضحكوا قليلاً))، قال : فى الدنيا =
((وليبكوا كثيراً))، قال: فى الآخرة .
١٧٠٣٩ - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن ويحيى قالا،
حدثنا سفيان، عن إسمعيل بن سميع ، عن أبى رزين فى قوله: (( فليضحكوا
قليلاً وليبكوا كثيراً )) ، قال : فى الآخرة .
١٧٠٤٠ -حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا
(١) انظر تفسير ((الجزاء))، فيما سلف من فهارس اللغة (جزى).
(٢) انظر تفسير ((الكسب)) فيما سلف من فهارس اللغة (كسب).
ج ١٤ (٢٦)

٤٠٢
تفسير سورة التوبة : ٨٢
شعبة، عن منصور، عن أبى رزين أنه قال فى هذه الآية: (( فليضحكوا قليلاً
وليبكوا كثيراً))، قال: ليضحكوا فى الدنيا قليلاً، وليبكوا فى النار كثيراً. وقال
فى هذه الآية: ﴿وَإِذَا لاَ تُمَّعُونَ إلاَّ قَلِيلاً﴾، [سورة الأحزاب: ١٦]، قال: إلى
آجالهم = أحد هذين الحديثين رفعه إلى ربيع بن خثيم . (١)
١٧٠٤١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن الحسن: ((فليضحكوا قليلاً))، قال: ليضحكوا فى الدنيا = ((وليبكوا
كثيراً))، فى الآخرة، فى نار جهنم = ((جزاء بما كانوا يكسبون)).
١٧٠٤٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((فليضحكوا قليلاً))، أى: فى الدنيا = ((وليبكوا كثيراً))، أى: فى النار. ذكر
لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال: والذى نفسى بيده، لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً . ذكر لنا أنه نودى عند ذلك ، أو قيل له :
لا تُقَنِّط عبادى .
١٧٠٤٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان، عن منصور ،
عن أبى رزين، عن الربيع بن خثيم، ((فليضحكوا قليلاً ))، قال: فى الدنيا =
((وليبكوا كثيراً))، قال: فى الآخرة .
١٧٠٤٤ -.... قال ، حدثنا أبو معاوية، عن إسمعيل بن سميع ، عن
أبى رزين: ((فليضحكوا قليلاً))، قال : فى الدنيا ، فإذا صاروا إلى الآخرة
بكوا بكاءً لا ينقطع . فذلك الكثير.
١٧٠٤٥ - حدثنا على بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى
(١) الأثر: ١٧٠٤٠ - سيأتى هذا الجزء نفسه بإسناده فى تفسيره آية ((سورة الأحزاب)). وكان
فى المطبوعة هنا: ((قال: أجلهم))، وفى المخطوطة: ((قال: آجالهم))، أسقط ((إلى))، أثبتها من
نص الخبر فى تفسير سورة الأحزاب .
وكان فى المطبوعة فى هذا الأثر، والذى قبله، وما سيأتى: ((الربيع بن خثيم))، والصواب:
((خثيم))، كما سلف مراراً، فغيرته ، ولم أنبه عليه .

٤٠٣
تفسير سورة التوبة : ٨٣،٨٢
معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً))،
قال : هم المنافقون والكفار، الذين اتخذوا دينهم هُزُوًا ولعباً . يقول الله تبارك
وتعالى: ((فليضحكوا قليلاً))، فى الدنيا = ((وليبكوا كثيراً))، فى النار .
١٧٠٤٦ - حدثى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:
((فليضحكوا))، فى الدنيا، ((قليلاً)) = ((وليبكوا))، يوم القيامة، ((كثيراً)). وقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾، حتى بلغ: ﴿هَلْ
ثُوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، [ سورة المطففين: ٢٩ - ٣٦].
القول فى تأويل قوله ﴿ فَإِن رَّجَمَكَ اللهُ إِلَى طَآئِفَةٍ
مِنْهُمْ فَاسْتَشْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَخْرُجُواْ مَتِىَ أَبَدًا وَلَنْ
تُقْتِلُوا مَتِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيُ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةً فَتْهُدُواْ مَعَ
الخلفین﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فإن ردّك
اللّه، يا محمد، إلى طائفة من هؤلاء المنافقين من غزوتك هذه (١) = ((فاستأذنوك
للخروج)) معك فى أخرى غيرها = ((فقل)) لهم = (( لن تخرجوا معى أبداً ولن
تقاتلوا معى عدوًّا إنكم رضيتم بالقعود أوّل مرة )) ، وذلك عند خروج النبي صلى
اللّه عليه وسلم إلى تبوك (٢) = ((فاقعدوا مع الخالفين))، يقول: فاقعدوا مع الذين قعدوا
من المنافقين خلافَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنكم منهم، فاقتدوا بهديهم،
(١) انظر تفسير ((طائفة)) فيما سلف ص: ٣٣٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((القعود)) فيما سلف ص: ٣٩٧، تعليق ١، والمراجع هناك.

٤٠٤٠
تفسير سورة التوبة : ٨٣
وإعملوا مثل الذى عملوا من معصية اللّه، فإنّ اللّه قد سَخِط عليكم.
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٠٤٧ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قال : قال رجل : يا رسول اللّه،
الحر شديد، ولا نستطيع الخروج، فلا تنفر فى الحرّ ! = وذلك فى غزوة تبوك=
فقال الله: ((قل نار جهنم أشد حرًّا أو كانوا يفقهون))، فأمره اللّه بالخروج.
فتخلف عنه رجال ، فأدركتهم نفوسهم فقالوا : والله ما صنعنا شيئاً ! فانطلق منهم
ثلاثة، فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أتوه تابوا، ثم رجعوا إلى المدينة،
فأنزل الله: ((فإن رجعك اللّه إلى طائفة منهم)) إلى قوله: ((ولا تقم على قبره))،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلك الذين تخلَّفوا، فأنزل الله عُدْ رَهم لما
تابوا ، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالُهَاحِرِينَ وَالأَنْصَارِ) إلى قوله: ﴿إِنَّ
اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، [سورة التوبة: ١١٧، ١١٨].
١٤١/١٠
١٧٠٤٨ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((فإن رجعك الله إلى طائفة منهم)) إلى قوله: ((فاقعدوا مع الحالفين))، أى:
مع النساء. ذكر لنا أنهم كانوا اثنى عشر رجلاً من المنافقين، قيل فيهم ما قيل . (١)
١٧٠٤٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى
معاوية، عن على، عن ابن عباس: ((فاقعدوا مع الخالفين))، و ((الخالفون))، الرجال.
قال أبو جعفر: والصراب من التأويل فى قوله: ((الخالفين))، ما قال ابن عباس.
(١) فى المطبوعة: ((فقيل فيهم ... ))، وكان فى المخطوطة: ((قتل منهم ما قتل))، صوابه
ما فى المطبوعة .

٤٠٥
تفسير سورة التوبة : ٨٣، ٨٤
٠
فأمّا ما قال قتادة من أن ذلك النساء ، فقولٌ لا معنى له. لأن العرب لا تجمع
النساء إذا لم يكن معهن رجال ، بالياء والنون ، ولا بالواو والنون . ولو كان معنيًاً
بذلك النساء لقيل: ((فاقعدوا مع الخوالف))، أو ((مع الخالفات)) . ولكن معناه
ما قلنا ، من أنه أريد به : فاقعدوا مع مرضى الرِّجال وأهل زمانتهم ، والضعفاء
منهم ، والنساء. وإذا اجتمع الرجال والنساء فى الخبر، فإن العرب تغلب الذكور على
الإناث، ولذلك قيل: ((فاقعدوا مع المخالفين))، والمعنى ما ذكرنا .
ولو وُجِّه معنى ذلك إلى: فاقعدوا مع أهل الفساد، من قولهم: ((خَلَف الرجل
عن أهله يخْلُف خُلُوفاً))، إذا فسد، ومن قولهم: ((هو خَلْفُ سَوْءٍ)) =
كان مذهباً. وأصله إذا أريد به هذا المعنى، من قولهم: ((خَلَف اللبن يَخْلُفُ
خُلُوفاً))، إذا خبث من طول وضعه فى السِّقاء حتى يفسد، ومن قولهم: ((خَلَف
فم الصائم))، إذا تغيرت ريحه . (١)
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّتَ
أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىَّ قَبْرِهِ مَّ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَاتُواْ
وَهُمْ فَسِقُونَ ﴾ (4)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: ولا تصلٍّ،
يا محمد ، على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبداً
= ((ولا تقم على قبره))، يقول: ولا تتولَّ دفنه وتقبيره. (٢)
(١) انظر تفسير ((خلف)) فيما سلف: ١٣: ٢٠٩، ٢١٠
(٢) فى المطبوعة: ((وتقبره))، غير ما فى المخطوطة. و((التقرير)) بمعنى: الدفن، من ألفاظ قدماء
الفقهاء. وقد سلف استخدام أبى جعفر هذه اللفظة ، وتعليق عليها فيما سلف ٩ : ٣٨٧، تعليق : ١ .

٤٠٦
تفسير سورة التوبة : ٨٤
۵
من قول القائل: ((قام فلان بأمر فلان))، إذا كفاه أمره .
...
= ((إنهم كفروا بالله))، يقول: إنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله = وماتوا
وهم خارجون من الإسلام ، مفارقون أمر اللّه ونهيه. (١)
...
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله
ابن أبىّ .
ذكر من قال ذلك :
#
١٧٠٥٠ - حدثنا محمد بن المثنى، وسفيان بن وكيع ، وسوار بن عبد الله
قالوا ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبد اللّه قال ، أخبرنى نافع ، عن ابن عمر
قال: جاء ابن عبد الله بن أبىّ ابن سلول إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين
مات أبوه فقال : أعطنى قميصك حتى أكفّته فيه ، وصلّ عليه، واستغفر له .
= فأعطاه قميصه = وإذا فرغتم فآذنونى. (٢) فلما أراد أن يصلى عليه، [جذبه] عمر، (٣)
وقال: أليس قد نهاك الله أن تُصَلىّ على المنافقين؟ فقال: بل خيرنى وقال:
((استغفر لهم أو لا تستغفر لهم))! قال : فصلى عليه . قال : فأنزل الله تبارك
وتعالى: ((ولا تُصَلِّ أحَدٍ منهم مات أبداً ولا تقم على قبره))، قال: فترك
الصلاة عليهم . (٤)
(١) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف ص: ٣٩٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((قال: وإذا فرغم))، وليس فى المخطوطة: ((قال)) بل فيها: ((وإذا
وإذا فرغم)»، بالتكرار .
(٤) الأثر: ١٧٠٥٠ - خبر ((عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر))، رواه البخارى
فى صحيحه (الفتح ٣: ٨/١١٠: ٢٥١، ٢٥٥)، رواه من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله
ابن عمر، ثم من طريق أبى أسامة، عن عبيد الله، ثم من طريق أنس بن عياض، عن عبيد الله.
(٣) ((جذبه)) التى بين القوسين، ساقطة من المخطوطة، زادها الناشر الأول، وأصاب ..
ورواه مسلم فى صحيحه ١٧ : ١٢١، من طريق أبي أسامة ، عن عبيد الله بن عمر.
وسيأتى من رواية أبى جعفر، من طريق أسامة ، فى الذى يليه ، رقم : ١٧٠٥١.
وخرجه ابن كثير فى تفسيره ٤ : ٢١٧ - ٢١٩، فراجعه هناك.

٤٠٧
تفسير سورة التوبة : ٨٤
١٧٠٥١ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن عبيد الله ، عن
ابن عمر قال : لما توفى عبد الله بن أبى ابن سلول جاء ابنه عبد الله إلى النبي صلى
اللّه عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه ، فأعطاه . ثم سأله أن
يصلى عليه ، فقام عمر بن الخطاب رضى الله عنه فأخذ بثوب النبيّ صلى الله عليه
وسلم ، فقال : ابنَ سلول! أتصلى عليه ، وقد نهاك اللّه أن تصلى عليه؟ فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: إنما خيَّنى ربّى، فقال: ((استغفر لهم أو لا تستغفر لهم
إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم))، وسأزيد على سبعين . فقال : إنه
منافق! فصلى عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: (( ولا تصل على
أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره)). (١)
١٧٠٥٢ - حدثنا سوار بن عبد اللّه العنبرى قال، حدثنا يحيى بن سعيد ،
عن مجاهد قال ، حدثنى عامر ، عن جابر بن عبد اللّه : أن رأسَ المنافقين
مات بالمدينة ، فأوصى أن يصلى عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأن يكفِّن فى
قميصه ، فكفنه فى قميصه ، وصلى عليه ، وقام على قبره، فأنزل الله تبارك وتعالى:
(( ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره)). (٢)
١٧٠٥٣ - حدثنى أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا ١٤٢/١٠
سلمة ، عن يزيد الرقاشى ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد
أن يصلى على عبد الله بن أبى ابن سلول، فأخذ جبريل عليه السلام بثوبه فقال:
(ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره)). (٣)
(١) الأثر: ١٧٠٥١ - انظر التخريج السالف .
(٢) الأثر: ١٧٠٥٢ - حديث جابر بن عبد الله من هذه الطريق، ذكره ابن كثير فى تفسيره
٤ : ٢١٩، عن مسند البزار، من طريق عمرو بن على، عن يحيى، عن مجالد، عن الشعبى ، عن
جابر، وقال: ((وإسناده لا بأس به، وما قبله شاهد له)).
وسيأتى حديث جابر من طريق أخرى رقم : ١٧٠٥٤ .
(٣) الأثر: ١٧٠٥٣ - ((يزيد الرقاشى))، هو ((يزيد بن أبان الرقاشى))، ضعيف،
بل متروك، مضى برقم : ٦٦٥٤، ٦٧٢٨، ٧٥٧٧، وغيرها .

٤٠٨
تفسير سورة التوبة : ٨٤
١٧٠٥٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن جابر
قال : جاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم عبدَ اللّه بن أبىّ وقد أدخل حُفْرته، فأخرجه
فوضعه على ركبتيه، وألبسه قميصه، وتَفَل عليه من ريقه، والله أعلم. (١)
١٧٠٥٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق ،
عن الزهرى ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن عبد اللّه ابن
عباس : قال: سمعتُ عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: لما توفى عبد الله
ابن أبى ابن سلول، دُعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه .
فلما وقف عليه يريد الصلاة ، تحوَّلتُ حتى قمت فى صدره فقلت : يا رسول
الله، أتصلى على عدوّ اللّه عبد الله بن أبى، القائل يوم كذا كذا وكذا !! أعدّد
أيّامه، (٢) ورسول اللّه عليه السلام يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخِّر عنّى
يا عمر، إنى خُيّرت فاخترت، وقد قيل لى: ((استغفر لهم أو لا تستغفر إن تستغفر
لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم))، فلو أنّى أعلم أنّى إن زدت على السبعين غفر له ،
لزدت ! قال : ثم صلى عليه ، ومشى معه ، فقام على قبره ، حتى فرغ منه .
قال: فعجبتُ لى وحُرْأتى (٣) على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله
أعلم، فوالله ما كان إلاّ يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان: ((ولا تصلّ على أحد
منهم مات أبداً))، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام
(١) الأثر: ١٧٠٥٤ - حديث جابر، مضى من طريق الشعبى آنفا رقم : ١٠٧٥٢.
وأما هذه الطريق ، فمنها رواه البخارى فى صحيحه ( الفتح ٣: ١١١)، ومسلم فى صحيحه ١٧٥:
١٢١، وروا أيضاً من طريق ابن جريح، عن عمرو بن دينار .
وقوله: ((والله أعلم))، يعنى: والله أعلم بقضائه، إذ فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل،
مع قضاء الله فى المنافقين بما قضى به فيهم .
(٢) هكذا فى السيرة: ((أعدد أيامه)) وظنها بعضهم خطأ، وهى صواب. يعنى يعدد ما كان
جنه فى أيام من أيامه، يوم قال كذا ، ويوم قال كذا .
(٣) فى المطبوعة: ((أتعجب لى))، وفى المخطوطة: ((تعجبت))، وأثبت نص ابن هشامٍ فى سيرته.
وفى السيرة: ((ولجرأتى)).

٤٠٩
تفسير سورة التوبة : ٨٤
على قبره ، حتى قبضه الله . (١)
١٧٠٥٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق ،
عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما مات عبد الله بن أبى، أتى ابنه عبد الله بن عبد اللّه
رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم، فسأله قميصه، فأعطاه ، فكفَّن فيه أباه . (٢)
١٧٠٥٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى الليث قال ،
حدثنى عقيل ، عن ابن شهاب قال ، أخبرنى عبيد اللّه بن عبد الله بن عتبة ، عن
عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب قال: لما مات عبد اللّه بن أبىّ = فذكر
مثل حديث ابن حميد ، عن سلمة . (٣)
١٧٠٥٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره )) الآية ، قال : بعث
عبد الله بن أبىّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض ليأتيه ، فنهاه عن ذلك
عمر . فأتاه نبىُّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلما دخل عليه، قال نبي الله صلى اللّه
عليه وسلم: أهلكك حبُّ اليهود! قال فقال: يانبي الله، إنى لم أبعث إليك لتؤنبنى ،
ولكن بعثت إليك لتستغفر لى! وسأله قميصه أن يكفن فيه ، فأعطاه إياه ، فاستغفر
له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فمات فكفن فى قميص رسول الله صلى الله عليه
(١) الأثر : ١٧٠٥٥ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٦، ١٩٧، وهو تابع الأثر السالف رقم:
١٧٠٣٦.
وحديث الزهرى ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، رواه البخارى فى صحيحه (الفتح
٨ : ٢٥٤)، من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب الزهرى. وسيأتى من
هذه الطريق برقم : ١٧٠٥٧ .
وخرجه ابن كثير فى تفسيره ٤ : ٢١٨ .
وقوله: ((أخر عنى يا عمر))، أى: أخر عنى رأيك، فاختصر إيجاز وبلاغة - هكذا قالوا:
وقد ذكرت آنفاج ١٠: ٣٣٩، تعليق: ٦، أنهم قصروا من شرحه، وأن معناه: اصرف عنى رأيك
وأبعده ، وأنه مما يزداد على بيان كتب اللغة .
(٢) الأثر : ١٧٠٥٦ - لم أجد هذا الخبر فى سيرة ابن هشام.
(٣) الأثر : ١٧٠٥٧ - سلف تخريجه فى رقم : ١٧٠٥٥.

٤١٠
تفسير سورة التوبة : ٨٥٤٨٤
وسلم، ونفث فى جلده، ودلاَّه فى قبره، فأنزل الله تبارك وتعالى: ((ولا تصل على
أحد منهم مات أبداً)) الآية. قال: ذكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم كُلّم
فى ذلك فقال : وما یغنى عنه قمیصی من اللّه = أو : ربی = وصلى عليه = وإنى
لأرجو أن يسلم به ألفٌ من قومه. (١)
١٧٠٥٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا ابن ثور، عن معمر ،
عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبى ابن سلول وهو مريض إلى النبي صلى اللّه
عليه وسلم ، فلما دخل عليه ، قال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : أهلكك حبُ
بهود ! قال : يا رسول الله، إنما أرسلت إليك لتستغفر لى، ولم أرسل إليك لتؤنبنى!
ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه أن يكفّن فيه ، فأعطاه إياه ، وصلى عليه ،
وقام على قبره، فأنزل الله تعالى ذكره: (( ولا تصل على أحد منهم مات أبداً
ولا تقم على قبره )) .
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا تُحِبْكَ أَمْوَ لُهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ
إِنَّا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّيَهُم بِهاَ فِ الدُّنْيَا وَزْهَقَ أَشُسُهُمْ وَهُمْ
كَفِرُونَ) (٨٠)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تعجبك،
يا محمد ، أموالُ هؤلاء المنافقين وأولادهم، فتصلى على أحدهم إذا مات وتقوم
(١) قوله: ((وصلى عليه))، هكذا فى المخطوطة، وجعلها فى المطبوعة: ((وصلاتى عليه))، كأنه
ظنه معطوفاً على قوله: ((ما يغنى عنه قميصى))، ولكن جائز أن يكون ما أثبته من المخطوطة، هو الصواب،
وهو خبر من قتادة أو غيره، فصل به بين كلام رسول الله صلى الله عليه ومهم . ولذلك وضعته
بين خطين .

٤١١
تفسير سورة التوبة : ٨٦،٨٥
على قبره، من أجل كثرة ماله وولده ، فإنى إنما أعطيته ما أعطيته من ذلك لأعذبه
بها فى الدنيا بالغموم والهموم ، بما ألزمه فيها من المؤن والنفقات والزكوات ، وبما
ينوبه فيها من الرزايا والمصيبات، = ((وتزهق أنفسهم))، يقول : ويموت فتخرج
نفسه من جسده ، (١) فيفارق ما أعطيته من المال والولد ، فيكون ذلك حسرة عليه .
عند موته ، ووبالاً عليه حينئذٍ ، ووبالاً عليه فى الآخرة، بموته جاحداً توحيد
اللّه، ونبوةَ نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
١٤٣/١٠
١٧٠٦٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن
المبارك، عن سفيان، عن السدى: ((وتزهق أنفسهم))، فى الحياة الدنيا.
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُواْ
باللهِ وَجُمِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَاَ
نَكُن مَّعَ الْقُّمِدِينَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا أنزل عليك، يا محمد ، سورة
من القرآن، بأن يقال لهؤلاء المنافقين: ((آمنوا بالله))، يقول: صدَّقُوا بالله =
((وجاهدوا مع رسوله))، يقول: اغزوا المشركين مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم (٢) = ((استأذنك أولو الطول منهم))، يقول: استأذنك ذوو الغنى والمال
منهم فى التخلف عنك، والقعود فى أهله (٣) = ((وقالوا ذرنا))، يقول: وقالوا لك:
دعنا، (٤) نكن ممن يقعد فى منزله مع ضعفاء الناس ومرضاهم ، ومن لا يقدر على
(١) انظر تفسير ((زهق)) فيما سلف ص : ٢٩٧.
(٢) انظر تفسير ((الجهاد)) فيما سلف ص: ٣٩٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الطول)) فيما سلف ٨: ١٨٢ - ١٨٥.
(٤) انظر تفسير ((ذر)) فيما سلف ١٣: ٢٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٤١٢
تفسير سورة التوبة : ٨٦، ٨٧
الخروج معك فى السفر .(١)
...
وبنحو الذى قلنا فى معنى («الطول))، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
١٧٠٦١ - حدثنى على بن داود قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((استأذنك أولو الطول))، قال :
يعنى أهل الغنى .
١٧٠٦٢ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((أولو الطول منهم))، يعنى
الأغنياء .
١٧٠٦٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((وإذا
أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم))، كان
منهم عبد الله بن أبيّ، والجدُّ بن قيس. فنعى اللّه ذلك عليهم. (٢)
#
القول فى تأويل قوله ﴿رَضُوا بِأَن يَكُونُواْ مَعَ أَوَ اِفِ
وَطُبِحَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَمْ لَا يَفْهُونَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : رضى هؤلاء المنافقون = الذين إذا قيل
لهم : آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ، استأذنك أهل الغنى منهم فى التخلف عن
الغزو والخروج معك لقتال أعداء اللّه من المشركين = أن يكونوا فى منازلهم،
(١) انظر تفسير ((القعود)) فيما سلف ص: ٤٠٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) الأثر: ١٧٠٦٣ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٧، وهو تابع الأثر السالف رقم :
١٧٠٥٥، غير أن ابن هشام قال: ((وكان ابن أبى من أولئك، فتعى الله ذلك عليه، وذكره منه)).
ولم يذكر هنا ((الجد بن قيس)).

٤١٣
تفسير سورة التوبة : ٨٧
كالنساء اللواتى ليس عليهن فرض الجهاد ، فهن قعود فى منازلهن وبیوتهن(١)
= ((وطبع على قلوبهم))، يقول: وختم الله على قلوب هؤلاء المنافقين = ((فهم
لا يفقهون))، عن اللّه مواعظه، فيتعظون بها . (٢)
٥ ٠
وقد بينا معنى ((الطبع)) ، وكيف الختم على القلوب ، فيما مضى ، بما أغنى
عن إعادته فى هذا الموضع .. (٣)
٠
٠
وبنحو الذى قلنا فى معنى ((الخوالف)) قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
#
١٧٠٦٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على ، عن ابن عباس قوله: ((رضوا بأن يكونوا مع الخوالف))،
قال: ((الخوالف))، هنّ النساء.
١٧٠٦٥ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((رضوا بأن يكونوا مع الخوالف))،
يعنى النساء .
١٧٠٦٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حبويه أبو يزيد ، عن يعقوب
القمى، عن حفص بن حميد ، عن شمر بن عطية: (( رضوا بأن يكونوا مع
الخوالف))، قال : النساء .
١٧٠٦٧ -.... قال ، حدثنا المحاربى ، عن جويبر، عن الضحاك :
((مع الخوالف))، قال : مع النساء.
١٧٠٦٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
(١) انظر تفسير ((الخوالف)) فيما ساف ص: ٤٠٥، تعليق ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((فقه)) فيما سلف ص: ٣٩٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الطبع)) فيما سلف ١٣: ١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٤١٤
تفسير سورة التوبة : ٨٧، ٨٨
قوله: ((رضوا بأن يكونوا مع الخوالف))، أى: مع النساء.
١٧٠٦٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن قتادة والحسن: ((رضوا بأن يكونوا مع الخوالف))، قالا : النساء .
١٧٠٧٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح، عن مجاهد ، مثله .
١٧٠٧١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .
١٧٠٧٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((رضوا بأن يكونوا مع الخوالف))، قال : مع النساء .
القول فى تأويل قوله ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَ امَنُواْ
مَعَهُو جَهَدُواْ بِأَمْوَالِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُوْلَّكَ لَهُمُ الْخَيْرَتُ وَأُوْ لَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : لم يجاهد هؤلاء المنافقون الذين اقتصصت
قصصهم المشركين ، لكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، والذين صدقوا الله
ورسوله معه ، هم الذين جاهدوا المشركين بأموالهم وأنفسهم ، فأنفقوا فى جهادهم
أموالهم، وأتعبوا فى قتالهم أنفسهم وبذلوها (١) = ((وأولئك))، يقول: وللرسول وللذين آمنوا
١٤٤/١٠ معه، الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم = ((الخيرات))، وهى خيرات الآخرة، وذلك:
نساؤها ، وجناتها ، ونعيمها .
٠ ٠
(١) انظر تفسير ((الجهاد) فيما سلف ص: ٤١١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٤١٥
تفسير سورة التوبة : ٨٨، ٨٩
= واحدتها ((خَيْرَة))، كما قال الشاعر: (١)
وَلَقَدْ طَعَنْتُ مَجَامِعَ الرَّبَلَاَتِ رَبَلَتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكَاتِ (٢)
و((الخيرة))، من كل شىء، الفاضلة. (٣)
= ((وأولئك هم المفلحون))، يقول: وأولئك هم المخلدون فى الجنات، الباقون
فيها ، الفائزون بها . (٤)
#
القول فى تأويل قوله ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن
تَحْتِهَا ◌ْأَنْهَرُ خُلِينَ فِيهاَ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أعد الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم
وللذين آمنوا معه (٥) = ((جنات))، وهى البساتين، (٦) تجرى من تحت أشجارها
الأنهار = ((خالدين فيها))، يقول: لابثين فيها، لا يموتون فيها ، ولا يظعنون
عنها (٧) = ((ذلك الفوز العظيم))، يقول: ذلك النجاء العظيم، والحظّ الجزيل. (٨)
۵
٠
(١) لرجل من بنى عدى، عدى تيم تعميم، وهو جاهلى.
(٢) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٦٧، واللسان (خير)، و((الربلات)) جمع ((ربلة))
(بفتح الراء وسكون الباء، أو فتحها)، وهى لحم باطن الفخذ. عنى أمراً قبيحاً. وقوله ((خيرة ))،
مؤنث ((خير))، صفة، لا بمعنى التفضيل، يقال: ((رجل خير، وامرأة خيرة))، فإذا أردت
التفضيل قلت: ((فلانة خير الناس)).
(٣) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢٦٧ .
(٤) انظر تفسير ((الفلاح)) فيما سلف ١٣ : ٥٧٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) انظر تفسير ((أعد)) فيما سلف ص: ٣١، ٢٧٦
(٦) انظر تفسير ((الجنة)) فيما سلف من فهارس اللغة ( جئن).
(٧) انظر تفسير ((الخلود)) فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد).
(٨) انظر تفسير ((الفوز)) فيما سلف ص: ٣٥٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

٤١٦
تفسير سورة التوبة : ٩٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ
لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ اُلَّذِينَ كَذَبُواْ اللهَ وَرَسُولَهُو سَيُصِيبُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمْ﴾(٥)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وجاء))، رسولَ اللّه صلى اللّه عليه
وسلم = ((المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم))، فى التخلف = ((وقعد))، عن المجىء
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه (١) = ((الذين كذبوا الله ورسوله))،
وقالوا الكذب ، واعتذرُوا بالباطل منهم . يقول تعالى ذكره: سُيصيب الذين جحدوا
توحيد الله ونبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم منهم، عذابٌ أليم. (٢)
#
فإن قال قائل: ((وجاء المعذّرون))، وقد علمت أن ((المعذِّر))، فى كلام
العرب ، إنما هو: الذى يُعَذِّر فى الأمر فلا يبالغ فيه ولا يُحكمه ؟ وليست هذه
صفة هؤلاء ، وإنما صفتهم أنهم كانوا قد اجتهدوا فى طلب ما ينهضون به مع رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عدوّهم، وحرصوا على ذلك، فلم يجدوا إليه السبيل، فهم
بأن يوصفوا بأنهم: ((قد أعذروا))، أولى وأحق منهم بأن يوصفو بأنهم ((عذَّروا)).
وإذا وصفوا بذلك، (٣) فالصَّواب فى ذلك من القراءة، ما قرأه ابن عباس ، وذلك ما :-
١٧٠٧٣ - حدثناه المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى حماد
قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك قال : كان ابن عباس
يقرأ: ﴿وَجَاءَ الُعْذِرُونَ﴾، مخففةً، ويقول: هم أهل العذر.
= مع موافقة مجاهد إياه وغيره عليه ؟
(١) انظر تفسير ((القعود)) فيما سلف ص: ٤١٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((أليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).
(٣) فى المطبوعة: ((بأنهم عذروا، إذا وصفوا بذلك))، كأنه متعلق بالسالف.
والصواب أنه ابتداء كلام، والواو فى ((وإذا» ثابتة فى المخطوطة.

٤١٧
تفسير سورة التوبة : ٩٠
قيل : إن معنى ذلك على غيرما ذهبت إليه، وأن معناه: وجاء المعتذرون من
الأعراب = ولكن ((التاء)) لما جاورت ((الذال)) أدغمت فيها، فصُّيِّرتا ذالاً
مشدّدة، لتقارب مخرج إحداهما من الأخرى، كما قيل: ((يذَّكَّرون)) فى (( يتذكرون))،
و((يذَّكّر)) فى ((يتذكر))، وخرجت العين من ((المعذّرين))، إلى الفتح، لأن حركة
التاء من ((المعتذرين))، وهى الفتحة، نقلت إليها، فحركت بما كانت به محركة.
والعرب قد توجُّه فى معنى ((الاعتذار))، إلى ((الإعذار))، فيقول: ((قد اعتذر
فلان فى كذا )) ، يعنى : أعذر ، (١) ومن ذلك قول لبيد:
إلَى الْحَوْلِ ثُمَّ أْمُ السَّلَاَمِ عَلَيْكُمَا وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فَقَدِ أُعْتَذَرْ(٣)
فقال: ((فقد اعتذر))، بمعنى: فقد أعْذّر.
٠
على أن أهل التأويل قد اختلفوا فى صفة هؤلاء القوم الذين وصفهم الله بأنهم
جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ((معذِّرين)).
فقال بعضهم : كانوا كاذبين فى اعتذارهم ، فلم يعذرهم الله .
. ذكر من قال ذلك :
١٧٠٧٤ - حدثی أبو عبيدة عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثنى أبى،
عن الحسين قال: كان قتادة يقرأ: ((وجاء المعذرون من الأعراب))، قال: اعتذروا
بالكذب .
١٧٠٧٥ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا يحيى
ابن زكريا ، عن ابن جريج، عن مجاهد: (( وجاء المعذرون من الأعراب)) ،
قال : نفر من بنى غفار ، جاءوا فاعتذروا ، فلم يعذرهم الله .
*
#
= فقد أخبر من ذكرنا من هؤلاء: أن هؤلاء القوم إنما كانوا أهل اعتذار
#
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٤٤٧، ٤٤٨.
(٢) سلف البيت وتخريجه ١ : ١١٩، تعليق: ١ .
ج ١٤ ( ٢٧)

٤١٨
تفسير سورة التوبة : ٩٠
بالباطل لا بالحق ، فغير جائز أن يوصفوا بالإعذار ، إلا أن يوصفوا بأنهم أعْذَرُوا
فى الاعتذار بالباطل ، فأمّا بالحق = على ما قاله من حكينا قوله من هؤلاء = فغير
جائز أن يوصّفوا به .
*
وقد كان بعضهم يقول : إنما جاءوا معذّرين غير جادّين ، يعرضون ما لا
يريدون فعله. فمن وجَّهه إلى هذا التأويل فلا كلفة فى ذلك، غير أنى لا أعلم
أحداً من أهل العلم بتأويل القرآن وجَّه تأويله إلى ذلك، فأستحبُّ القول به. (١)
وبعدُ، فإن الذى عليه من القراءة قرأة الأمصار، التشديد فى ((الذال))،
١٤٥/١٠ أعنى من قوله: ﴿المُعَذّرُونَ﴾، ففى ذلك دليلٌ على صحة تأويل من تأوله بمعنى
الاعتذار، لأن القوم الذين وُصفوا بذلك لم يكلفوا أمرًا عَذَّرُوا فيه ، وإنما كانوا
فرقتين: إما مجتهد طائع، وإما منافق فاسقٌ ، لأمر الله مخالف . فليس فى
الفريقين موصوفٌ بالتعذير فى الشخوص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما
هو معذّر مبالغٌ ، أو معتَذِرِ .
فإذا كان ذلك كذلك، وكانت الحجة من القرأة مجمعة على تشديد ((الذال))
من ((المعذرين ))، عُلم أن معناه ما وصفناه من التأويل.
#
وقد ذكر عن مجاهد فى ذلك موافقة ابن عباس .
١٧٠٧٦ - حدثنى المثنى قال، أخبرنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
الزبير ، عن ابن عيينة، عن حميد قال: قرأ مجاهد: ﴿ وَجاءَ الْمُعَذَرُونَ﴾،
مخففةً ، وقال : هم أهل العذر .
١٧٠٧٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال :
كان المعذرون ، [ فيما بلغنى ، نفراً من بنى غفارٍ ، منهم : خفاف بن أيماء بن
(١) فى المطبوعة: ((فاستحبوا)) جمعاً، وإنما جاء الخطأ من سوء كتابة المخطوطة، لأنه
أراد أن يكتب بعد آخر الباء واواً ، ثم عدل عن ذلك ، فأخذ الناشر بما عدل عنه الناسخ ! !

٤١٩
تفسير سورة التوبة : ٩٠، ٩١
رَحَضة، ثم كانت القصة لأهل العذر، حتى انتهى إلى قوله: ((ولا على الذين
إذا أتوك لتحملهم))، الآية ] . (١)
القول فى تأويل قوله ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىْ
وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَحِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ شِهِ
وَرَسُولِهِ ى مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمْ) (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ليس على أهل الزمانة وأهل العجز عن
السفر والغزو، (٢) ولا على المرضى، ولا على من لا يجد نفقة يتبلَّغ بها إلى مغزاه
= ((حرج))، وهو الإثم، (٣) يقول: ليس عليهم إثم، إذا نصحوا لله ولرسوله
فى مغيبهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم = ((ما على المحسنين من
سبيل))، يقول: ليس على من أحسن فنصح لله ولرسوله فى تخلّفه عن رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم عن الجهاد معه، لعذر يعذر به، طريقٌ يتطرَّق عليه فيعاقب
من قبله (٤) = ((والله غفور رحيم))، يقول: والله ساتر على ذنوب المحسنين،
يتغمدها بعفوه لهم عنها = ((رحيم))، بهم، أن يعاقبهم عليها. (٥)
وذكر أن هذه الآية نزلت فى ((عائذ بن عمرو المزنى)).
(١) الأثر : ١٧٠٧٧ - سيرة ابن هشام٤ : ١٩٧، وهو تابع الأثر السالف رقم :
١٧٠٦٣. وكان هذا الخبر فى المخطوطة والمطبوعة مبتوراً، أتممته من سيرة هشام، ووضعت تمامه
بين القوسين .
(٢) انظر تفسير ((الضعفاء)) فيما سلف ٥ : ٨/٥٥١ : ١٩ .
(٣) انظر تفسير ((الحرج)) فيما سلف ١٢: ٢٩٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((المحسن)) و((السبيل)) فيما سلف من فهارس اللغة (حسن)، (سبل).
(٥) انظر تفسير ((غفور)) و((رحيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (غفر)، (رجم)

٤٢٠
تفسير سورة التوبة : ٩.١
وقال بعضهم فى (( عبد الله بن مغفل)).
(* ذكر من قال: نزلت فى ((عائذ بن عمرو)).
١٧٠٧٨ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا
نصحوا لله ورسوله))، نزلت فى ((عائذ بن عمرو)).
* ذكر من قال: نزلت فى ((ابن مغفل)).
١٧٠٧٩ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( ليس على الضعفاء ولا
على المرضى)) إلى قوله: ((حزنًا أن لا يجدوا ما ينفقون))، وذلك أن رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه ، فجاءته عصابة من أصحابه ، فيهم
((عبد الله بن مغفل المزنى))، فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم: والله ما أجد ما أحملكم عليه! فتولوا ولهم بكاءٌ، وعزيزٌ عليهم
أن يجلسوا عن الجهاد، (١) ولا يجدون نفقةٌ ولا محملاً. فلما رأى اللّه حرصَهم على
محبته ومحبة رسوله، أنزل عذرهم فى كتابه فقال: ((ليس على الضعفاء ولا على
المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج)) إلى قوله: ((فهم لا يعلمون)).
(١) فى المطبوعة: ((وعز عليهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو محض صواب.