النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ تغير سورة التوبة : ٢٥ لكنَّا مَعَّك، (١) ثم أنزل الله نصره، وهزَمَ عدوّهم، وتراجع المسلمون. قال: وأخذ رسول اللّه كفًّا من تراب= أو: قبضةً من حَصْباء = فرمى بها وجوه الكفار ، وقال: ((شَاهَت الوجوه!))، فانهزموا. فلما جمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغنائم وأتى الجعرَّانة ، فقسم بها مغانم حنين ، وتألّف أناساً من الناس ، فيهم أبو سفيان ابن حرب ، والحارث بن هشام ، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس ، فقالت الأنصار: ((أمن الرجل وآثر قومه))!(٢) فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى قُبّة له من أَدَم، فقال: يا معشر الأنصار، ما هذا الذى بلغنى؟ ألم تكونوا ضُلاَّلاً فهداكم اللّه، وكنتم أذلَّةٌ فأعزكم الله، وكنتم وكنّم! قال : فقال سعد ابن عبادة رحمه الله: ائذن لى فأتكلم! قال: تكلم. قال: أما قولك: ((كنتم ضلالا فهداكم الله))، فكنا كذلك = ((وكنتم أذلة فأعزكم الله))، فقد علمت العربُ ما كان حىٌّ من أحياء العرب أمنعَ لما وراء ظهورهم منًا! فقال عمر: يا سعد، أتدرى من تُكَلِّم! فقال: نعم! أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذى نفسى بيده، لو سلكَتِ الأنصارُ وادياً والناس وادياً، لسلكتُ وادى الأنصار ، ولولا الهجرةُ لكنت امرءاً من الأنصار. وذكر لنا أن نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: ((الأنْصَار كَرِشى وعَيْبَتى، فاقبلوا من مُحسِنْهم، وتجاوزوا عن مسيئهم)). (٣) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاء ، وتنقلبون برسول اللّه إلى بيوتكم ! فقالت الأنصار : رضينا عن اللّه ورسوله، والله ما قلنا ذلك إلاّ حرصاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله (١) انظر ما سلف فى تفسير ((برك الغماد)) رقم : ١٥٧٢٠. (٢) فى المطبوعة: ((حن الرجل إلى قومه))، غير ما فى المخطوطة بلا ورع. (٣) ((الكرش))، وعاء الطيب، و((العيبة)) وعاء من أدم يكون فيه المتاع والثياب. يقول : الأنصار خاصتى وموضع سرى ، أثق بهم ، وأعتمد عليهم ، وهم أنفس ما أحرز . ١٨٢ تفسير سورة التوبة : ٢٥ ورسوله يصدّ قانكم ويعذِرِانكم .(١) ١٦٥٧٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال: ذكر لنا أن أمَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم التى أرضعته، أو ظِئْره من بنى سعد بن بكر ، أتته فسألته سَبَايا يوم حنين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى لا أملكهم ، وإنما لى منهم نصيبى، ولكن اثتينى غداً فسلِنى والناس عندى ، فإنى إذا أعطيتُك نصيبى أعطاك الناس . فجاءت الغد ، فبسط لها ثوباً فقعدت عليه ، ثم سألته ، فأعطاها نصيبه . فلما رأى ذلك الناس ، أعطوْها أنصباءهم. ١٦٥٧٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة))، الآية ، أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قال: يا رسول اللّه، لن تغلب اليوم من قِلّة ! وأعجبته كثرة الناس، وكانوا اثنى عشر ألفاً . فسار رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فوُكِلوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول اللّه ، غير العباس ، وأبى سفيان بن الحارث ، وأيمن بن أم أيمن ، قتل يومئذ بين يديه . فنادى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أين الأنصار ؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرة ؟ فتراجع الناس ، فأنزل اللّه الملائكةَ بالنصر. فهزموا المشركين يومئذ ، وذلك قوله: (( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها)) ، الآية . ١٦٥٧٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن ٧٢/١٠ معمر، عن الزهرى ، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب ، عن أبيه قال : لما كان يوم حنين ، التقى المسلمون والمشركون ، فولّى المسلمون يومئذ . قال : فلقد رأيتُ النبى صلى اللّه عليه وسلم وما معه أحدٌ إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، آخذاً بغَرْزِ النبى صلى اللّه عليه وسلم ، لا يألو ما أسرع نحو (١) الأثر: ١٦٥٧٤ - رواه ابن سعد مختصراً فى الطبقات ٤ /١١/١، ١٢. ١٨٣ تفسير سورة التوبة : ٢٥ المشركين .(١) قال : فأتيت حتى أخذتُ بلجامه ، وهو على بغلة له شهباء ، فقال: يا عباس. ناد أصحابَ السمرة! وكنت رجلاً صَيِّنّاً، (٢) فأذَّنت بصوتى الأعلى: أين أصحاب السمرة! فالتفتوا كأنها الإبل إذا حُشِرت إلى أولادها، (٣) يقولون: ((يا لبيك، يا لبّيك، يا لبيك))، وأقبل المشركون . فالتقواهم والمسلمون، وتنادت الأنصار: (( يا معشر الأنصار))، ثم قُصرت الدعوة فى بنى الحارث بن الخزرج، فتنادوا: ((يا بنى الحارث بن الخزرج))، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول، إلى قتالهم فقال: ((هذا حين حَمِى الوَطِيس))! (٤) ثم أخذ بيده من الحصباء فرماهم بها، ثم قال: ((انهزموا ورب الكعبة، انهزموا وربٌ الكعبة))! قال: فوالله ما زال أمرُهم مدبراً، وحدُّهم كليلاً، حتى هزمهم الله، قال: فلكأنّى أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يركُضُ خلفهم على بَغْلَتِهِ. (٥) (١) ((الغرز))، ركاب الدابة. و((لا يألو)) لا يقصر. (٢) ((الصيت)) (على وزن: جيد): البعيد الصوت العاليه. (٣) فى المطبوعة: ((إذا حنت إلى أولادها))، غير ما فى المخطوطة، و((الحشر))، الجمع. وفى المراجع الأخرى: ((لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتى عطفة البقر على أولادها)). والذى فى طبقات ابن سعد ، موافق لما فى المطبوعة . (٤) ((الوطيس)): حفرة تحتفر، فتوقد فيها النار، فإذا حميت يختبز فيها ويشوى، ويقال لها ((الإرة)) وهذا من بليغ الكلام، ولم تسمع هذه الكلمة من أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم . (٥) الأثر: ١٦٥٧٧ - ((كثير بن العباس بن عبد المطلب))، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد على عهد رسول اللّه، ولم يسمع منه، تابعى ثقة قليل الحديث. مترجم فى التهذيب، والكبير ٢٠٧/١/٤، وابن أبى حاتم ١٥٣/٢/٣. وهذا الخبر رواه أحمد فى مسنده رقم : ١٧٧٥ من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهرى . وفصل أخى السيد أحمد تخريجه هناك ، ثم رقم : ١٧٧٦ . ورواه مسلم فى صحيحه ١٢ : ١١٣، من طريق يونس، عن الزهرى. ثم رواه أيضاً (١٢: ١١٧) من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، ومن طريق سفيان بن عيينة عن الزهرى . ورواه الحاكم فى المستدرك ٣ : ٣٢٧، من طريق يونس، عن الزهرى. ورواه ابن سعد فى الطبقات ١١٢/١/٢ = ١١/١/٤، الثانى طريق محمد بن عبد الله، عن عمه ، عن ابن شهاب الزهرى ، والأول من طريق محمد بن حميد العبدى ، عن معمر ، عن الزهرى . ثم انظر تاريخ الطبرى ٣: ١٢٨، حديث ابن إسحق، فى سيرة ابن هشام ٤: ٨٧، ٨٨ ١٨٤ تفسير سورة التوبة : ٢٥ ١٦٥٧٨ - حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ؟ عن قتادة ، عن الزهرى ، عن سعيد بن المسيب : أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سَبْىٍ، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك ، فقالوا : يا رسول الله: أنت خيرُ الناس وأبرُّ الناس ، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا! فقال النبى صلى الله عليه وسلم: إن عندى من ترونَ ، وإن خير القولِ أصدقُه، اختاروا: إما ذَراريكم ونساءكم ، وإمّا أموالكم. قالوا: ما كنا نعدِل بالأحساب شيئاً! فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: إن هؤلاء جاءونى مسلمين، وإنا خيَّرناهم بين الذَّرارى والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً، فمن كان بيده منهم شىء فطابت نفسُه أن يردّه فليفعل ذلك ، ومن لا فليُعْطِنا ، وليكن قَرْضاً علينا حتى نصيب شيئاً، فنعطيه مكانه . فقالوا: يا نبى اللّه، رضينا وسلَّمنا! فقال: إنى لا أدرى لعلَّ منكم من لا يرضَّى ، فَمُرُوا عرفاءكم فايرفعوا ذلك إلينا . فرفعتْ إليه العُرَفاء أن قد رَضُوا وسَلَّموا.(١) ١٦٥٧٩ - حدثنا على بن سهل قال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا حماد بن سلمة قال ، حدثنا يعلى بن عطاء ، عن أبى همام ، عن أبى عبد الرحمن = يعنى الفهرىّ = قال : كنت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم فى غزوة حنين ، فلما رَكَدت الشمس ، (٢) لبستُ لأمتى، (٣) وركبت فرسى، حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو فى ظلّ شجرة، فقلت: يا رسول الله، قد حان الرَّواح! فقال: أجل ! فنادى: يا بلال! يا بلال ! فقام بلال من تحت سمرة، فأقبل كأن ظله ظلُّ طير. فقال : لبيك وسعديك ، ونفسى فداؤك ، يا رسول الله! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أسرج فرسى! فأخرج سَرْجاً دَفَّتَاه حشْوهما ليفٌ ، ليس فيهما أثّرٌ (١) الأثر: ١٦٥٧٨ - رواه ابن سعد في الطبقات ١/٢/ ١١٢. ٨٧، ٨٨ . (٢) ((ركدت الشمس))، ثبتت، وذلك حين يقوم قائم الظهيرة. (٣) ((اللأمة)) الدرع، وسلاح الحرب كله. ١٨٥ تفسير سورة التوبة : ٢٥ ولا بَطَرٌ.(١) قال: فركب النبى صلى اللّه عليه وسلم، فصافَفْناهم يومّنا وليلتنا ، فلما التّفى الخيلان، ولىَّ المسلمون مدبرين ، كما قال اللّه. فنادى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: ((يا عباد الله، يا معشر المهاجرين!)). قال: ومال النبى صلى اللّه عليه وسلم عن فرسه، فأخذ حَقْنَةً من تراب فرمى بها وجوههم ، فولوا مدبرين = قال يعلى بن عطاء : فحدثنى أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا : ما بقى مِنّا أحد إلاّ وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب .(٢) ١٦٥٨٠ -حدثنا محمد بن المثی قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة ، عن أبى إسحق قال : سمعت البراء وسأله رجل من قيس: فَرَرتم عن رسول اللّه صلى الله عليه وم يوم حنين؟ فقال البراء: لكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يفرّ، وكانت هَوازن يومئذ رُماةً، وإنَّا لما حملنا عليهم انكشَفُوا، فأكبَبْنا على الغنائم ، فاستقبلونا بالسُّهام، ولقد رأيتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بغلته البيضاء ، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذٌ بلجامها وهو يقول : ٧٣/١٠ (١) ((الأشر))، المرح والخيلاء. و((البطر))، الطغيان فى النعمة من قلة احتمالها. (٢) الأثر: ١٦٥٧٩ - ((يعلى بن عطاء العامرى الطائفى))، ثقة مضى برقم: ٢٨٥٨، ١١٥٢٧، ٠١١٥٢٩ و((أبو همام)) هو ((عبد الله بن يسار))، روى عن عمرو بن حريث. وأبى عبد الرحمن الفهرى. ثقة، مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢٠٢/٢/٢. و «أبو عبد الرحمن الفهرى))، صحابى مختلف فى اسمه ، مترجم فى الإصابة ، والتهذيب ، وأسد الغابة ٥ : ٢٤٥، ٢٤٦، والاستيعاب : ٦٧٦ . وهذا الخبر رواه أحمد فى مسنده ٥ : ٢٨٦ من طريق بهز عن حماد بن سلمة، ومن طريق عفان ، عن حماد . ورواه ابن سعد فى الطبقات ١١٢/١/٢، ١١٣، من طريق عفان، عن حماد بن سلمة . ورواه أبو داود فى سننه ٤ : ٤٨٥، ٤٨٦، برقم : ٥٢٣٣ من طريق موسى بن إسماعيل ، عن حماد مختصراً . ورواه ابن عبد البر فى الاستيعاب ٦٧٦ ، بغير إسناد . ورواه ابن الأثير فى أسد الغابة من طريق موسى بن إسماعيل، عن جاد. وخربه الميشى فى مجمع الزوائد ٦: ١٨١، ١٨٢، وقال : ((رواه البخار، والطبرانى، بورجاله ثقات » . ١٨٦ تفسير سورة التوبة : ٢٢ أَنَا النَّبِىُّ لا كَذِبْ أَنَا أَبْنُ عبدِ الْطَِّبْ (١) ١٦٥٨١ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن إسرائيل ، عن أبى إسحق ، عن البراء قال: سأله رجل : يا أبا ◌ُمارة ، وليتم يوم حنين ؟ فقال البراء وأنا أسمع : أشهد أن رسول الله لم يولُّ يومئذ دُبُره ، وأبو سفيان يقود بغلته. فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول : أَنَا الَّئُّ لاَكَذِب أَنَا أَبْنُ عبدِ الطَّلِبْ فما رُؤى يومئذ أحدٌ من الناس كان أشدَّ منه . ١٦٥٨٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى جعفر بن سليمان ، عن عوف الأعرابى ، عن عبد الرحمن مولى أم برئن قال ، حدثنى رجل كان من المشركين يوم حنين قال : لما التقينا نحن وأصحابَ محمد عليه السلام ، لم يقفوا لنا حَلَبَ شاةٍ أن كشفناهم، فبينا نحن نسوقهم ، إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، فتلقانا رجالٌ بيضٌ حسانُ الوجوه، فقالوا لنا: ((شاهت الوجوه ، ارجعوا ))! فرجعنا، وركبنا القوم، فكانت إياها. (٢) (١) الأثران: ١٦٥٨١،١٦٥٨٠ - خبر البراء بن عازب، رواه مسلم من طرق كثيرة فى صحيحه ١٢ : ١١٧ - ١٢١، ورواه من طريق شعبة، عن أبى إسحق فى ١٢ : ١٢١. ورواه البخارى فى صحيحه ( الفتح ٨ : ٢٤) من طرق . (٢) الأثر: ١٦٥٨٢ - ((عبد الرحمن، مولى أم برثن))، هو ((عبد الرحمن بن آدم، صاحب السقاية)) . وكانت أم برثن تعالج الطيب، فأصابت غلاماً لقطة، فربته حتى أدرك ، وسمته عبد الرحمن، فكان مما يقال له ((عبد الرحمن بن أم برثن))، وإنما قيل له: ((عبد الرحمن بن آدم، نسب إلى أبى البشر جميعاً، ((آدم)) عليه السلام، لم يكن يعرف له أب، وهو ثقة، مضى برقم : ٧١٤٥ ٠ وكان فى المخطوطة: ((مولى برثن))، وهو خطأ، وانظر الخبر التالى رقم : ١٩٥٨٧ من طريق أخرى . وقوله: ((لم يقفوا لنا حلب شاة))، يعنى: إلا قدر ما تحلب شاة، كناية من قلة الزمن، كما يقال: ((فواق ناقة))، و((الفواق)) ما بين الحلبتين إذا قبض الجانب على الضرع ثم أرسله . قوله: ((فكانت إياها))، يعنى، فكانت الهزيمة التى تعلم . وفى حديث معاوية بن عطاء: 1 ١٨٧ تفسير سورة التوبة : ٢٥ ١٦٥٨٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن يعقوب ، عن جعفر، عن سعيد قال : أمدَّ اللّه نبيه صلى الله عليه وسلم يوم حنين بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين. قال: ويومئذ سَّى اللّه الأنصار ((مؤمنين)). قال: فأنزل الله سكينته على رسول الله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم يَروها . ١٦٥٨٤ - حدثنى يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله: (( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً))، قال : كانوا اثنى عشر ألفاً . ١٦٥٨٥ - حدثنا محمد بن یزید الأ دمیّ قال، حدثنا معن بن عيسى ، عن سعيد بن السائب الطائفى ، عن أبيه ، عن يزيد بن عامر ، قال : لما كانت انكشافةُ المسلمين حين انكشفوا يوم حنين، ضَرَب النبى صلى الله عليه وسلم يدَه إلى الأرض فأخذ منها قبضة من تراب ، فأقبل بها على المشركين وهم يتْبعون المسلمين، فحثَاها فى وجوههم وقال: ((ارجعوا، شاهت الوجوه!)). قال: فانصرفنا، ما يلقى أحدٌ أحداً إلاّ وهو يمسحُ القَذَى عن عينيه.(١) (( كان معاوية رضى الله عنه إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة كانت إياها)). قالوا: اسم ((كان)) ضمير ((السجدة))، و((إياها)) الخبر، أى: كانت هى هى، أى: كان يرفع منها وينهض قائماً إلى الركعة الأخرى من غير أن يقعد قعدة الاستراحة . (١) الأثر: ١٦٥٨٥ - ((محمد بن يزيد الأدمى الخراز))، شيخ الطبرى، ثقة زاهد، مضى برقم : ٤٨٩٤ . و ((معن بن عيسى الأشجعى، القزاز))، أحد أئمة الحديث، روى له الجماعة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٩٠/١/٤، وابن أبى حاتم ٢٧٧/١/٤. و ((سعيد بن السائب الطائف))، ثقة، مضى برقم : ١٥٤٠٢. وأبوه ((السائب بن أبي حفص الطائفى))، ثقة، مترجم فى الكبير ١٥٦/٢/٢، وابن أبى حاتم ٢٤٥/١/٢ . و((يزيد بن عامر السواقى)) ((أبو حاجز)) صحابى، مترجم فى التهذيب، والكبير ٣١٦/٢/٤، وابن أبى حاتم ٤ /٢٨١/٢. وهذا الخبر، رواه البخارى فى تاريخه ٣١٦/٢/٤ من طريق إبراهيم بن المنذر ، عن معن بن عيسى . ١٨٨ تفسير سورة التوبة : ٢٥ ١٦٥٨٦ - وبه ، عن يزيد بن عامر السُّوائى قال : قيل له : يا أبا حاجز ، الرعب الذى ألقى الله فى قلوب المشركين ، ماذا وجدتم ؟ قال : وكان أبو حاجز مع المشركين يوم حنين، فكان يأخذ الحصاة فيرمى بها فى الطَّستِ فيطنُّ، ثم يقول : كان فى أجوافِنَا مثل هذا!(١) ١٦٥٨٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنى المعتمر ابن سليمان: عن عوف قال ، سمعت عبد الرحمن مولى أم برثن = أو: أم برثم = قال ، حدثنى رجل كان فى المشركين يوم حنين ، قال : لما التقينا نحن وأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين لم يقوموا لنا حَلَب شاة. قال : فلما كشفناهم جعلنا نسُوقهم فى أدبارهم ، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء ، فإذا هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. قال: فتلقانا عندَه رجالٌ بيضٌ حسانُ الوجوه فقالوا لنا: ((شاهت الوجوه، ارجعوا!))، قال: فانهزمنا، وركبُوا أكتافنا ، فكانت إيَّاهَا . (٢) ورواه ابن الأثير فى أسد الغابة ٥ : ١١٥، ١١٦ . وخرجه الهيشمى فى مجمع الزوائد ( ٦: ١٨٢، ١٨٣)، حديثان، كما جاء هنا فى التفسير، وقال فى الأول والثانى ((رواه الطبرانى، ورجاله ثقات)). (١) ١٦٥٨٦ - مكرر الأثر السالف، وتخريجه هناك. (٢) الأثر: ١٦٥٨٧ - ((عبد الرحمن، مولى أم برثن، أو: أم يرثم))، بإبدال النون ميماً، مضى فى الأثر رقم: ١٦٥٨٢، وكان فى المطبوعة فنا: ((أو: أم مريم)»، وهو خطأ محض، وتصرف فى رسم المخطوطة ، وهى غير منقوطة . ١٨٩ تغير سورة التوبة : ٢٦ القول فى تأويل قوله ( ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَهُ عَلَى رَسُولِهِ ے وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُ واْ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكُفِرِينَ)) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ثم من بعد ما ضاقت عليكم الأرض بما رحبت، وتوليتكم الأعداءَ أدبار كم، كشف الله نازل البلاء عنكم ، بإنزاله السكينة = وهى الأمنة والطمأنينة = عليكم . = وقد بينا أنه ((فعيلة))، من ((السكون))، فيما مضى من كتابنا هذا قبل ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (١) ٧٤/١٠ ٠ ٠ = ((وأنزل جنوداً لم تروها)»، وهى الملائكة التى ذكرتُ فى الأخبار التى قد مضى ذكرها = ((وعذب الذين كفروا))، يقول: وعذب الله الذين جحدوا وحدانيته ورسالة رسوله محمدٍ صلى اللّه عليه وسلم، بالقتل وسَبْ الأهلين والذرارىّ، وسلب الأموال، والذلة = ((وذلك جزاء الكافرين))، يقول : هذا الذى فعلنا بهم من القتل والسبى = (( جزاء الكافرين))، يقول: هو ثواب أهل جحود وحدانيته ورسالة رسوله. (٢) ١٦٥٨٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((وعذب الذين كفروا))، يقول: قتلهم بالسيف . ١٦٥٨٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود الحفرى، عن يعقوب ، عن جعفر، عن سعيد: ((وعذب الذين كفروا))، قال: بالهزيمة والقتل . ١٦٥٩٠ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين))، قال : من بقى منهم. (١) انظر تفسير ((السكينة)) فيما سلف ٣: ٦٦، ٥/٧٠ : ٣٢٦ - ٣٣٠. (٢) انظر تفسير ((الجزاء)» فيما سلف من فهارس اللغة (جزى). ١٩٠ تفسير سورة التوبة : ٢٧، ٢٨ القول فى تأويل قوله ( ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى : مَن يَشَآءِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (٢) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ثم يتفضل اللّه بتوفيقه للتوبة والإنابة إليه، من بعد عذابه الذى به عذّب من هلك منهم قتلاً بالسيف = ((على من يشاء))، أى: يتوب الله على من يشاء من الأحياء، يُقْبِل به إلى طاعته = ((والله غفور))، لذنوب من أناب وتاب إليه منهم ومن غيرهم منها = (( رحيم))، بهم، فلا يعذبهم بعد توبتهم ، ولا يؤاخذهم بها بعد إنابتهم .(١) القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِنَّا الْمُشْرِكُونَ نَجَسْ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَلِهِمْ هُذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةَ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ےَ إِن شَآءَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حكيم ٥١ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ، وأقرُّوا بوحدانيته: ما المشركون إلا نَجَس . واختلف أهل التأويل فى معنى ((النجس))، وما السبب الذى من أجله سماهم بذلك . فقال بعضهم : سماهم بذلك، لأنهم يجنبون فلا يغتسلون ، فقال : هم نجس ، (١) انظر تفسير ((التوبة))، و((غفور)) و((رحيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (توب)، ( غفر) ، (رسم) . ١٩١ تفسير سورة التوبة : ٢٨ ولا يقربوا المسجد الحرام = لأن الجنب لا ينبغى له أن يدخل المسجد . * ذكر من قال ذلك : ١٦٥٩١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، فى قوله: ((إنما المشركون نجس))، لا أعلم قتادة إلاقال: ((النجس ))، الجنابة . ١٦٥٩٢ - وبه ، عن معمر قال : وبلغنى أن النبى صلى الله عليه وسلم الفى حذيفة ، وأخذ النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم بيده، فقال حذيفة: يا رسول اللّه، إنىّ جُنُب! فقال : إنّ المؤمن لا ينجُس. ١٦٥٩٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة فى قوله: ((يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس))، أى: أجْتَابٌ. وقال آخرون : معنى ذلك : ما المشركون إلا رِجْسُ خنزير أو كلب . وهذا قولٌ رُوِى عن ابن عباس من وجه غير حميد، فكرهنا ذكره. # وقوله: ((فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا))، يقول للمؤمنين : فلا تدعوهم أن يقربوا المسجد الحرام بدخولهم الحرم . وإنما عنى بذلك منعَهم من دخول الحرم، لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرم . ٥ ٠ وقد اختلف أهل التأويل فى معنى ذلك . فقال بعضهم فيه نحو الذى قلناه . . ذكر من قال ذلك : ١٦٥٩٤ - حدثنا بشر، وابن المثنى قالا ، حدثنا أبو عاصم قال ، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء: الحرمُ كله قبلةٌ ومسجد. قال: ((فلا يقربوا المسجد الحرام))، لم يعن المسجدَ وحده، إنما عنى مكة والحرم. قال ذلك غير مرَّةٍ. ١٩٢ تفسير سورة التوبة : ٢٨ وذكر عن عمر بن عبد العزيز فى ذلك ما : - ١٦٥٩٥ - حدثنا عبد الكريم بن أبى عمير قال ، حدثنى الوليد بن مسلم قال، حدثنا أبو عمرو: أن عمر بن عبد العزيز كتب: (( أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين))، وأَتْبَعَ فى نهيه قولَ الله: ((إنّما المشركون نجس)). ١٦٥٩٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل ، عن أشعث، عن ٧٥/١٠ الحسن: ((إنما المشركون نجس))، قال: لا تصافحوهم، فمن صافحتهم فليتوضأ. ۵ وأما قوله: ((بعد عامهم هذا))، فإنه يعنى: بعد العام الذى نادَى فيه على رحمة الله عليه ببراءة، وذلك عام حجَّ بالناس أبو بكر ، وهى سنة تسع من الهجرة، كما :- ١٦٥٩٧ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا))، وهو العام الذى حجّ فيه أبو بكر، ونادى علىّ رحمة الله عليهما بالأذان ، وذلك لتسع سنين مضين من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحجَّ نبىُّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم من العام المقبل حجّة الوداع ، لم يحجّ قبلها ولا بعدها . ... وقوله: ((وإن خفتم عيلة))، يقول للمؤمنين: وإن خفتم فاقّةً وفقراً، بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام = ((فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء)). ٠ يقال منه: ((عال يَعِيلُ عَيْلَةَ وعُولاَ))، ومنه قول الشاعر: (١) وَمَا يَدْرِى الْفَقِيرُ مَّتَى غِنَاهُ وَمَا يَدْرِى الفَنِىُّ مَتَى بَعِيِلُ(٢) (١) هو أحيحة بن الجلاح . (٢) سلف البيت وتخريجه وشرحه، فيما سلف ٧ : ٤٥٩، وانظر جاز القرآن ١: ٢٥٥. ١٩٣٠ تفسير سورة التوبة : ٢٨ وقد حكى عن بعضهم أنّ من العرب من يقولُ فى الفاقة: ((عال يعول)) بالواو. (١) # وذكر عن عمرو بن فائد أنه كان تأوّل قوله(٢): ((وإن خفتم عيلة))، بمعنى: وإذ خفتم. ويقول: كان القوم قد خافُوا، وذلك نحو قول القائل لأبيه: ((إن كنت أبى فأكرمنى)) ، بمعنى : إذ كنت أبى . ... وإنما قيل ذلك لهم، لأن المؤمنين خافوا بانقطاع المشركين عن دخول الحرم ، انقطاع تجاراتهم ، ودخول ضرر عليهم بانقطاع ذلك . وأمَّهم الله من العيلة ، وعوَّضهم مما كانوا يكرهون انقطاعَه عنهم ، ما هو خير لهم منه ، وهو الجزية ، فقال لهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحُرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اُلْهُ وَرَسُولُهُ﴾ إلى : ﴿صَاغِرُون﴾. وقال قوم : بإدرار المطر عليهم . * وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٦٥٩٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد اللّه قال ، حدثنى معاوية ، عن على ، عن ابن عباس قوله: (( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا))، قال: لما نَفَّى اللّه المشركين عن المسجد الحرام، ألقى الشيطان فى قلوب المؤمنين الحَزّن، قال: من أين تأكلون ، وقد نُفِىّ المشركون وانقطعت عنهم العِيرُ!(٣) فقال الله: ((وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم اللّه من (١) انظر تفسير ((عال)) فيما سلف ٧ : ٥٤٨، ٥٤٩ . (٢) ((عمرو بن فائد))، أبو على الأسوارى، وردت عنه الرواية فى حروف من القرآن. مترجم فى طبقات القراء ١ : ٦٠٢ رقم: ٢٤٦٢، وابن أبى حاتم ٢٥٣/١/٣، ولسان الميزان ٤: ٣٧٢، وميزان الاعتدال، ٢: ٢٩٨، وهو فى الحديث ليس بشىء، بل هو منكر الحديث، متروك. (٣) فى المطبوعة: ((وانقطعت عنكم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب. ج ١٤ (١٣) ١٩٤ تفسير سورة التوبة ٢٨ فضله إن شاء))، فأمرهم بقتال أهل الكتاب ، وأغناهم من فضله . ١٦٥٩٩ - حدثنا هناد بن السرى قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك ، عن عكرمة فى قوله: (( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا))، قال : كان المشركون يجيئون إلى البيت ، ويجيئون معهم بالطعام، وَيَتّجرون فيه. فلما نُهُوا أن يأتوا البيت، قال المسلمون : من أين لناطعام ؟ فأنزل الله: ((وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء))، فأنزل عليهم المطر ، وكثر خيرهم ، حتى ذهب عنهم المشركون . ١٦٦٠٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن على ابن صالح، عن سماك، عن عكرمة: ((إنما المشركون نجس))، الآية = ثم ذكر نحو حديث هنّاد ، عن أبى الأحوص . ١٦٦٠١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن واقد، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ((إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)) ، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: مَنْ يأتينا بطعامنا، ومن يأتينا بالمتاع؟ فنزلت: (( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء)). ١٦٦٠٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن واقد مولى زيد بن خليدة ، عن سعيد بن جبير قال : كان المشركون يقدمون عليهم بالتجارة، فنزلت هذه الآية: ((إنما المشركون نجس)) إلى قوله: ((عيلة))، قال : الفقر = ((فسوف يغنيكم الله من فضله)). ٧٦/١٠ ١٦٦٠٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن عطية العوفى قال : قال المسلمون : قد كنّا نصيب من تجارتهم وبياعاتهم ، (١) الأثران: ١٦٦٠١، ١٦٦٠٢ - ((واقد، ولى زيد بن خليدة))، ثقة، سلف رقم : ١١٤٥٠ . ١٩٥ تفسير سورة التوبة ٢٨ فنزلت: ((إنما المشركون نجس)) إلى قوله: ((من فضله)). ١٦٦٠٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبى= أحسبه قال: أنبأنا أبو جعفر = عن عطية قال: لما قيل: ((ولا يحج بعد العام مشرك))، قالوا : قد كنا نصيب من بياعاتهم فى الموسم ! قال : فنزلت : (( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرامَ بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغتيكم الله من فضله))، يعنى : بما فاتهم من بيتاعاتهم . ١٦٦٠٥ - حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا ، حدثنا ابن يمان ، عن أبى سنان، عن ثابت ، عن الضحاك: ((وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله))، قال : الجزية . ١٦٦٠٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان وأبو معاوية ، عن أبى سنان، عن ثابت ، عن الضحاك ، قال : أخرج المشركون من مكة ، فشقَّ ذلك على المسلمين وقالوا: كنا نُصيب منهم التجارة والميرة! فأنزل الله: ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)). ١٦٦٠٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله))، كان ناس من المسلمين يتألَّفون العير ، فلما نزلت ((براءة )) بقتال المشركين حيثما ثقفوا، وأن يقعدُوا لهم كل مرصد ، قذف الشيطان فى قلوب المؤمنين : فمن أين تعيشون وقد أمرتم بقتال أهل العير ؟ فعلم الله من ذلك ما علم ، فقال : أطيعونى ، وامضوا لأمرى ، وأطيعوا رسولى ، فإنى سوف أغنيكم من فضلى. فتوكَّلَ لهم الله بذلك . ١٦٦٠٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((إنما المشركون نجس)) إلى قوله: (( فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء))، قال : قال المؤمنون : كنا نصيب ١٩٦ تفسير سورة التوبة : ٢٨ من متاجر المشركين ! فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله ، عوضاً لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام. فهذه الآية مع أول ((براءة))، فى القراءة، ومع آخرها فى التأويل: (١). ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر))، إلى قوله: ((عن يد وهم صاغرون))، حين أمر محمد وأصحابه بغزوة تبوك . ١٦٦٠٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه . ١٦٦٠٩م- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: لما نفى اللّه المشركين عن المسجد الحرام، شقَّ ذلك على المسلمين، وكانوا يأتون بِبَيْعاتٍ ينتفع بذلك المسلمون.(٢) فأنزل الله تعالى ذكره: ((وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله))، فأغناهم بهذا الخراج، الجزيةَ الجارية عليهم ، يأخذونها شهراً شهراً، عاماً عاماً، فليس لأحدمن المشركين أن يقرب المسجد الحرام بعد عامهم بحالٍ ، إلا صاحب الجزية ، أو عبد رجلٍ من المسلمين . ١٦٦١٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، أخبرنا أبو الزبير : أنه سمع جابر بن عبد الله يقول فى قوله : ((إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا))، إلا أن يكون عبداً ، أو أحداً من أهل الذمة . .. قال أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ١٦٦١١- فى قوله: ((فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا))، قال : إلا صاحب جزية ، أو عبد لرجلٍ من المسلمين. ١٦٦١٢ - حدثنى زكريا بن يحيى بن أبى زائدة قال ، حدثنا حجاج ، عن (١) فى المطبوعة: ((من أول براءة ... ومن آخرها))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب مخفس. (٢) فى المطبوعة: ((ببياعات))، وأثبت ما فى المخطوطة. ١٩٧ تفسير سورة التوبة : ٢٨ عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج . قال ، أخبرنى أبو الزبير : أنه سمع جابر ابن عبد الله يقول فى هذه الآية: ((إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام))، إلا أن يكون عبداً ، أو أحداً من أهل الجزية . ١٦٦١٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((وإن خفتم عيلة فسوف یغنیکم الله من فضله )) ، قال : أغناهم الله بالجزية الجارية، شهراً فشهراً ، وعاماً فعاماً . ٧٧/١٠ ١٦٦١٤ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا عباد بن العوام ، عن الحجاج، عن أبى الزبير، عن جابر: ((إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ))، قال : لا يقرب المسجد الحرام بعد عامه هذا مشركٌ ولا زمىٌّ . ١٦٦١٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة ))، وذلك أن الناس قالوا : لتقطعنَّ عنا الأسواق ، ولهلكن التجارة، وليذهبنَّ ما كنا . نصيب فيها من المرافق!(١) فقال الله عزوجل: ((وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله))، من وجه غير ذلك = ((إن شاء)) إلى قوله: ((وهم صاغرون))، ففى هذا عِوض مما تخوّفّم من قطع تلك الأسواق ، فعوَّضهم اللّه بما قطع عنهم من أمر الشرك، ما أعطاهم من أعْناق أهلِ الكتاب مِن الجزية . (٢) # وأما قوله: ((إن الله عليم حكيم))، فإن معناه: ((إن الله عليم))، بما حدثتكم به أنفسكم ، أيها المؤمنون، من خوف العيلة عليها، بمنع المشركين من أن يقربوا (١) فى المطبوعة: ((فنزل: وإن خفتم))، ولم تكن ((فنزل)) فى المخطوطة، سها الكاتب وتجاوز ما كان ينقل منه ، وأثبته من نص ابن إسحق فى سيرة ابن هشام . (٢) الأثر: ١٦٦١٥ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٢، ١٩٣، وهو تابع الأثر السالف رقم : ١٦٥٥٦ . ١٩٨ تفير سورة التوبة ٢٨، ٢٩ المسجد الحرام ، وغير ذلك من مصالح عباده = (( حكيم ))، فى تدبيره إياهم ، وتدبير جميع خلقه .(١) القول فى تأويل قوله ﴿قُتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَ يِاَلْيَوْمِ الْأَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتْبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدِ وَهُمْ مَتِرُونَ)(٦) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم: ((قاتلوا))، أيها المؤمنون، القوم = ((الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر))، يقول: ولا يصدّقون بجنّة ولانار (٢) = (( ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق))، يقول: ولا يطيعون اللّه طاعة الحقَّ، يعنى أنَّهم لا يطيعون طاعة" أهل الإسلام(٣) = ((من الذين أوتوا الكتاب))، وهم اليهود والنصارى . # # وكل مطيع ملكاً وذا سلطان، فهو دائنٌ له. يقال منه: ((دان فلان لفلان فهویدین له، د یناً )) ، قال زهير : فِي دِينِ عَمْرِ و ◌َحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ(٤) لَيْنْ حَلَلْتَ بِجَوّ فِى بَعِ أَسَدٍ (١) انظر تفسير ((عليم)) و((حكيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (علم)، (حكم). (٢) انظر تفسير ((اليوم الآخر)) فيما سلف من فهارس اللغة (أخر). (٣) انظر تفسير ((الدين)) فيما سلف ١: ٣/١٥٥: ٩/٥٧١ : ٥٢٢. (٤) ديوانه: ١٨٣، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٨٦، من قصيدة من جيد الكلام، ١٩٩ تفسير سورة التوبة ٢٩ وقوله: ((من الذين أوتوا الكتاب))، يعنى الذين أعطوا كتاب اللّه، (١) وهم أهل التوراة والإنجيل = ((حتى يعطوا الجزية)). ... و((الجزية))، الفِعْلة من: ((جزى فلان فلاناً ماعليه))، إذا قضاه، ((يجزيه))، و((الجِزْية)) مثل ((القِعْدة)) و((الجِلْسة)). ٠٠٠ ومعنى الكلام : حتى يعطوا الخراجَ عن رقابهم ، الذى يبذلونه للمسلمين دَفْعاً عنها . ٠ ٠ وأما قوله: ((عن يد ))، فإنه يعنى : من يده إلى يد من يدفعه إليه . ٥ وكذلك تقول العرب لكل معط قاهرًا له، شيئاً طائعاً له أو كارهاً: ((أعطاه عن يده، وعن يد)). وذلك نظير قولهم: ((كلمته فماً لفم))، و((لقيته كَفَّةً أنذر بها الحارث بن ورقاء الصيداوى، من بنى أسد ، وكان أغار على بنى عبد اللّه بن غطفان، فغنم ، واستاق إبل زهير ، وراعيه يساراً : لمَ يَلَْهَاَ سُوقَةٌ قَبْلِ ولا مَلِكُ يَا حَرٍ، لَاَ أُرْقَيَنْ مِنْكُ بدَاهِيَةٍ فَارْدُدْ يَسَاراً، وَلاَ تَعْتُفْ عَلَىَّ وَلاَ تَمْعَكْ بِعِرْضِكِ إن الغادِرَ المِكُ يَلْوُونَ مَا عِنْدَهُمْ حََتَى إذَا نُهكوا وَلاَ تَكُونَنْ كَأَقْوَامِ عَلِْتُهُمُ مَخَافَةَ الشَّرِّ، فَارْتَدُوا لِمَ تَرَكُوا طَابَتْ نُفُوسُهُمُ عن حَقِّ خَصِْهُـ فَقْصِدْ بِذَرْعِكَ، وَانْظُرْ أَيْنَ تَنْسَلِكُ تَعَلَّمَنْ: هَا، لَعَمْرُ اللهِ ذَا، قَسَماً لَيْ حَلَتَ . .. لَيَأْتِبَنَّكَ مِىِّ مَنْطِقٌ قَذَعٌ بَقٍ، كما دَنْسَ الْقُبْطِيَّةَ الوَدَكُ ((جو)) اسم لمواضع كثيرة فى الجزيرة، وهذا ((الجو)) هنا فى ديار بنى أسد، و((عمرو))، هو: ((عمرو بن هند بن المنذر بن ماء السماء))، و((فدك)) قرية مشهورة بالحجاز، لها ذكر فى السير كثير . (١) انظر تفسير ((الإيتاء)) فيما سلف من فهارس اللغة (أتى). ٢٠٠ تفسير سورة التوبة : ٢٩ لكفّة)، (١) ركذلك: ((أعطيته عن يد ليد)). . .. وأما قوله: ((وهم صاغرون))، فإن معناه: وهم أذلاء مقهورون . ٠ ٠ يقال للذليل الحقير: ((صاغر)).(٢) . .. وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أمره محرب الروم ، فغزا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد نُزولها غزوة تبوك. · ذكر من قال ذلك : ١٦٦١٦ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون )) ، حين أمر محمدٌ وأصحابه بغزوة تبوك . ١٦٦١٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد ، نحوه . ... واختلف أهل التأويل فى معنى ((الصغار))، الذى عناه اللّه فى هذا الموضع. فقال بعضهم : أن يعطيها وهو قائمٌ، والآخذ جالسٌ. • ذكر من قال ذلك : ١٦٦١٨ - حدثنى عبد الرحمن بن بشر النيسابورى قال، حدثنا سفيان ، عن أبى سعد، عن عكرمة: ((حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون))، قال: ٧٨/١٠ (١) بتاذ: ((لقيته كفة كفة)) ( بفتح الكاف، ونصب التاء)، إذ استقبلته مواجهته، كأن كل واحد منهما تد كف صاحبه عن مجاوزته إلى غيره ومنعه. وانظر تفصيل ذلك فى مادته فى لسان العرب ( "كفف ) . ( ٢) انظر تفسير والصغار، فيما ملف ١٣: ٢٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك .