النص المفهرس

صفحات 41-60

تفسير سورة الأنفال : ٦١
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٢٤٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((وإن جنحوا السلم))، قال : للصلح ، ونسخها قوله :
﴿أَفْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، [سورة التوبة: ٥]
١٦٢٤٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد،
عن قتادة قوله :: ((وإن جنحوا السلم))، إلى الصلح = ((فاجنح لها))،
قال: وكانت هذه قبل ((براءة))، وكان نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوادع
القوم إلى أجل ، فإما أن يسلموا ، وإما أن يقاتلهم، ثم نسخ ذلك بعد فى ((براءة))
فقال: ﴿أَفْتُلُوا الُثْرِ كِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم)، وقال: ﴿فَاتِلُواْ لُشْرِ كِينَ كَانَّةٌ﴾،
[سورة التوبة: ٣٦]، ونبذ إلى كل ذى عهد عهده ، وأمره بقتالهم حتى يقولوا
((لا إله إلا الله))، ويسلموا، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك. وكلّ عهد كان فى هذه
السورة وفى غيرها ، وكل صلح يصالح به المسلمون المشركين يتوادعون به ، فإن
((براءة)» جاءت بنسخ ذلك، فأمر بقتالهم على كل حال حتى يقولوا: (( لا إله إلا الله)).
١٦٢٤٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين ،
عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصرى قالا: ((وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)) ،
نسختها الآية التى فى ((براءة)) قوله: ﴿فَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ
الآخِرِ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة: ٢٩].
عَصَائِبُ طَيْرٍ نَهْتَدِى بِعَصَائِبٍ
إِذَا مَا غَزَوْا بِالْجْشِ، حَلَّقَ فَوْقَهُمْ
مِنَ الضَّرِيَاتِ بالدِّمَاءِ الدَّوَارِبِ
يُصَاحِبْنَهُمْ حَتَّى يُغِرْنَ مُغَآَرَم
جُلُومَ الشَّيُوخِ فِى ثِيَبِ الَرَانِبِ
تَرَاهُنَّ خَلْفَ القَومِ خُزْرًا عُيُرْهاَ
جَوَاِحَ قَدْ أَيْقَنَّ.
وهذا من جيد الشعر وخالصه .

٤٢
تفسير سورة الأنفال : ٦١
١٦٢٤٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وإن جنحوا للسلم فاجنح لها))، يقول: وإن
أرادوا الصلح فأرده .
١٦٢٤٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((وإن
جنحوا للسلم فاجنح لها ))، أى: إن دعوك إلى السلم = إلى الإسلام = فصالحهم
عليه. (١)
١٦٢٥٠ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها))، قال: فصالحهم. قال: وهذا قد نسخه الجهاد.
. ..
قال أبو جعفر : فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله، من أن هذه الآية
منسوخة ، فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل .
وقد دللنا فى غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا
ما نفى حكم المنسوخ من كلوجه . فأما ما كان بخلاف ذلك ، فغير كائنٍ
ناسخاً .(٢)
وقول الله فى براءة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُوُ﴾، غير نافٍ
حكمه حكم قوله: (( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها))، لأن قوله: ((وإن جنحوا للسلم ))،
إنما عنى به بنو قريظة، وكانوا يهوداً أهل كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين
يصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم .
وأما قوله ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُهُمْ﴾ فإنما عنى به مشركو
العرب من عبدة الأوثان ، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم . فليس فى إحدى
:٠
(١) الأثر: ١٦٢٤٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٠، وهو تابع الأثر السالف رقم:
١٦٢٤٤، وفى السيرة: ((إلى السلم على الإسلام)).
(٢) انظر مقالته فى ((النسخ)) فيما سلف ١١: ٢٠٩، وما بعده وما قبله فى فهارس
الكتاب ، وفى فهارس العربية والنحو وغيرها .

٤٣
تفسير سورة الأنفال : ٦١
الآيتين نفى حكم الأخرى ، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه .
١٦٢٥١ -حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وإن جنحوا للسلم))، قال :
قريظة .
٠
وأما قوله: ((وتوكل على الله))، يقول: فوّض إلى اللّه، يا محمد، أمرك،
واستكفه ، واثقاً به أنه يكفيك، (١) كالذى :-
١٦٢٥٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((وتوكل ٢٥/١٠
على الله))، إن الله كافيك. (٢)
#
٠٠
وقوله: ((إنه هو السميع العليم))، يعنى بذلك : إن الله الذى تتوكل عليه ،
(( سميع))، لما تقول أنت ومن تسالمه وتتاركه الحربَ من أعداء اللّه وأعدائك عند
عقد السلم بينك وبينه ، وما يشترط كل فريق منكم على صاحبه من الشروط (٣) =
((العليم))، بما يضمره كل فريق منكم للفريق الآخر من الوفاء بما عاقده عليه ،
ومن المضمر ذلك منكم فى قلبه ، والمنطوى على خلافه لصاحبه . (٤)
(١) انظر تفسير ((التوكل)) فيما سلف ص: ١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) الأثر: ١٦٢٥٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٠، وهو تابع الأثر السالف رقم :
١٦٢٤٩ ٠
(٣) فى المطبوعة: ((ويشرط كل فريق ... ))، وفى المخطوطة: ((ويشترط ... ))،
والصواب بينهما ما أثبت .
(٤) انظر تفسير ((سميع)) و((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع)، (علم) .

٤٤
تفسير سورة الأنفال : ٦٢
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِن يُرِيدُوَاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ
حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِىَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُوَمِنِينَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإن يرد ، يا محمد ، هؤلاء الذين
أمرتك بأن تنبذ إليهم على سواء إن خفت منهم خيانة ، وبمسالمتهم إن جنحوا للسلم ،
خداعَك والمكرَ بك(١) = ((فإن حسبك اللّه))، يقول: فإن الله كافيكهم وكافيك
خداعَهم إياك، (٢) لأنه متكفل بإظهار دينك على الأديان، ومتضمِّنٌ أن يجعل
كلمته العليا وكلمة أعدائه السفلى = ((هو الذى أيدك بنصره))، يقول: الله الذى
قواك بنصره إياك على أعدائه(٣) = ((وبالمؤمنين))، يعنى: بالأنصار.
...
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٢٥٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، ((وإن يريدوا أن يخدعوك))، قال: قريظة .
١٦٢٥٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((وإن
يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله))، هو من وراء ذلك. (٤)
١٦٢٥٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((هو الذى أيدك بنصره))، قال: بالأنصار .
#
٠
(١) انظر تفسير ((الخداع)) فيما سلف ١: ٢٧٣ - ٢٧٧، ٣٠٢ /٩: ٣٢٩.
(٢) انظر تفسير ((حبك)) فيما سلف ١١ : ١٣٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((أيد)) فيما سلف ١٣: ٤٧٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) الأثر: ١٦٢٥٤ - سيرة ابن هشام، ٢: ٣٣١، وهو تابع الأثر السالف
رقم : ١٦٢٥٢ .

٤٥
تفسير سورة الأنفال : ٦٣
القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ
مَا فِى الْأَرْضِ جَمِعَاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلْكِنَّ اللهَ أَلَّفَ
◌َهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴾
قال أبو جعفر: يريد جل ثناؤه بقوله: ((وألف بين قلوبهم))، وجمع بين
قلوب المؤمنين من الأوس والخزرج ، بعد التفرق والتشتت ، على دينه الحق ،
قصيَّرهم به جميعاً بعد أن كانوا أشتاتاً ، وإخواناً بعد أن كانوا أعداء .
وقوله: ((لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم )) ، يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لو أنفقت ، يا محمد ، ما فى الأرض
جميعاً من ذهب ووَرِقٍ وعَرَض، ما جمعت أنت بين قلوبهم بحيلك، (١) ولكن
الله جمعها على الهدى فأتلفت واجتمعت ، تقوية من الله لك وتأييداً منه ومعونة
على عدوك . يقول جل ثناؤه : والذى فعل ذلك وسبَّبه لك حتى صاروا لك أعواناً
وأنصاراً ويداً واحدة على من بغاك سوءاً ، هو الذى إن رام عدوٍّ منك مراماً يكفيك
كيده وينصرك عليه . فثق به ، وامض لأمره ، وتوكل عليه .
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك :
١٦٢٥٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وألف بين قلوبهم ))، قال : هؤلاء الأنصار ،
ألف بين قلوبهم من بعد حرب ، فيما كان بينهم . (٢)
(١) ((الحيل)) (بفتح فسكون)، القوة، مثل ((الحول))، يقال: ((إنه لشديد الحيل))،
وفى الحديث: ((اللهم ذا الحيل الشديد)). وهو لا يزال يستعمل كذلك فى عامية مصر.
(٢) ما بين ((من بعد حرب)) و((فيما كان بينهم))، بياض فى المخطوطة، فيه معقوفة
بالحمرة، لا أدرى أهو بياض تركه لسقط، أم هو سهو من الناسخ ملأه بالحمرة .

٤٦
تفسير سورة الأنفال : ٦٣
١٦٢٥٧ -- حدثنا محمد بن المثی قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة، عن بشير بن ثابت ، رجل من الأنصار: أنه قال فى هذه الآية: (( لو
أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم))، يعنى: الأنصار (١).
١٦٢٥٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: (( وألف
بين قلوبهم))، على الهدى الذى بعثك به إليهم = ((لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً
ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم))، بدينه الذى جمعهم عليه = يعنى
الأوس والخزرج . (٢)
١٦٢٥٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن إبراهيم الخوزىّ،
٢٦/١٠ عن الوليد بن أبى مغيث، عن مجاهد قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غُفِر لهما .
قال قلت لمجاهد: بمصافحة يغفر لهما؟(٣) فقال مجاهد: أما سمعته يقول: ((لو
أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم)) ؟ فقال الوليد لمجاهد : أنت
أعلم منى . (٤)
١٦٢٦٠ - حدثنا عبد الكريم بن أبى عمير قال، حدثنى الوليد ، عن أبى
عمرو قال ، حدثنى عبدة بن أبى لبابة ، عن مجاهد ، ولقيته وأخذ بيدى فقال :
إذا تراءى المتحابَّان فى الله، (٥) فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه، تحاتّت
(١) الأثر: ١٦٢٥٧ - ((بشير بن ثابت الأنصارى))، مولى النعمان ((بن بشير))،
ذكره ابن حبان فى الثقات. روى عنه شعبة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٩٧/٢/١، وابن أبى حاتم
٠٣٧٢/١/١
(٢) الأثر: ١٦٢٥٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣١، وهو تابع الأثر السالف رقم :
٠١٦٢٥٤
(٣) فى المخطوطة: ((يغفر له))، والذى فى المطبوعة أجود.
(٤) الأثر: ١٦٢٥٩ - ((إبراهيم الخوزى))، هو: ((إبراهيم بن يزيد الخوزى الأموى))،
مولى عمر بن عبد العزيز، ضعيف ، مضى برقم: ٧٤٨٤، وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((إبراهيم
الجزرى))، وهو خطأ محض .
و((الوليد بن أبى مغيث)»، نسب إلى جده، ولم أجده منسوباً إليه فى غير هذا المكان ، وإنما
هو: ((الوليد بن عبد اللّه بن أبى مغيث))، مولى بنى عبد الدار، ثقة. روى عن يوسف بن ماهك،
ومحمد بن الحنفية. مترجم فى التهذيب، والكبير ٤ /١٤٦/٢، وابن أبى حاتم ٤ /٠٩/٢
(٥) ((تراسى الرجلان))، رأى أحدهما الآخر.

٤٧
تفسير سورة الأنفال : ٦٣
خطاياهما كما يتحاتُّ ورق الشجر. (١) قال عبدة: فقلت له: إنّ هذا ليسير!
قال: لا تقل ذلك، فإن الله يقول: ((لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألفت
بين قلوبهم))! قال عبدة : فعرفت أنه أفقه منى . (٢)
١٦٢٦١ - حدثنى محمد بن خلف قال، حدثنا عبيد اللّه بن موسى قال ،
حدثنا فضيل بن غزوان قال: أتيت أبا إسحق فسلمت عليه فقلت(٣): أتعرفنى؟
فقال فضيل : نعم ! لولا الحياء منك لقبَّلتك = حدثى أبو الأحوص ، عن
عبد الله قال: نزلت هذه الآية فى المتحابين فى اللّه: ((لو أنفقت ما فى الأرض
جميعاً ما ألفت بين قلوبهم)) . (٤)
١٦٢٦٢ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا ابن عون ،
(١) ((تحات ورق الشجر))، تساقط من غصنه إذا ذبل، ثم انتثر.
(٢) الأثر: ١٦٢٦٠ - ((عبد الكريم بن أبى عمير))، شيخ الطبرى، سلف برقم:
٧٥٧٨ ، ١١٣٦٨ ، ١٢٨٦٧ .
و ((الوليد))، هو ((الوليد بن مسلم))، سلف مراراً .
و ((أبو عمرو))، هو الأوزاعى الإمام.
و ((عبدة بن أبي لبابة الأسدى))، مضى برقم : ٥٨٥٩.
وانظر الخبر الآتى رقم : ١٦٢٦٣ .
(٣) فى المستدرك: ((لقيت أبا إسحق بعد ما ذهب بصره)).
(٤) الأثر: ١٦٢٦١ - ((أبو إسحق)) هو: السبيعى.
و ((أبو الأحوص))، هو ((عوف بن مالك بن نضلة))، تابعى ثقة، مضى مراراً.
و ((عبد الله))، هو ((عبد الله بن مسعود)).
وهذا الخبر رواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٣٢٩، من طريق يعلى بن عبيد، عن فضيل،
وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي.
ورواه الهيشمى فى مجمع الزوائد ٧: ٢٧، ٢٨، من طريق أخرى، وقال: ((رواه البزار ،
ورجاله رجال الصحيح ، غير جنادة بن سلم، وهو ثقة)).
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ١٩٩، وزاد نسبته إلى ابن المبارك ، وابن أبى شيبة،
وابن أبى الدنيا فى كتاب الإخوان ، والنسائى ، وابن أبى حاتم ، وأبى الشيخ ، وابن مردويه، والبيهقى
فى شعب الإيمان .
وسيأتى من طريق أخرى رقم : ١٦٢٦٤.

٤٨
تفسير سورة الأنفال : ٦٣ ، ٦٤
عن عمير بن إسحق قال : كنا نُحدَّث أن أوّل ما يرفع من الناس = أو قال: عن
الناس = الألفة . (١)
١٦٢٦٣ - حدثنى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أيوب بن
سويد ، عن الأوزاعى قال ، حدثنى عبدة بن أبى لبابة ، عن مجاهد = ثم ذكر
نحو حديث عبد الكريم ، عن الوليد . (٢)
١٦٢٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، وابن نمير ، وحفص
ابن غياث =، عن فضيل بن غزوان، عن أبى إسحق، عن أبى الأحوص قال :
سمعت عبد الله يقول: ((لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم))،
الآية ، قال : هم المتحابون فى اللّه .(٣)
...
وقوله: ((إنه عزيز حكيم))، يقول: إن الله الذى ألف بين قلوب الأوس
والخزرج بعد تشتت كلمتهما وتعاديهما ، وجعلهم لك أنصاراً = ((عزيز))، لا يقهره
شىء ، ولا يردّ قضاءه رادٌ ، ولكنه ينفذ فى خلقه حكمه . يقول: فعليه فتو كل،
وبه فثق = (( حكيم ))، فى تدبير خلقه . (٤)
القول فى تأويل قوله ﴿يَدَأَيُّاَ الشِّىُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ
أَتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (( يا أيها
النبى حسبك الله))، وحسب من اتبعك من المؤمنين ، الله. يقول لهم جل ثناؤه: ناهضوا
١٦٢٦٢ . ((عمير بن. سحق ) - مصى قريباً برقم ١٦١٤٨
(١) الأثر
١٦٢٦٣ - انظرما سلف رقم ١٦٢٦٠، والتعليق عليه
(٢) الأثر
١٦٢٦٤ - طريق أخرى للأثر السالف رقم ١٦٢٦١
(٣) الأثر
(٤) انظر تفسير ((عزير)) و ((حكيم)) هيما سلف من مهارس اللغة (عرر). (حكم )

٤٩
تفسير سورة الأنفال : ٦٤
عدوكم ، فإن اللّه كافيكم أمرهم، ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم ، فإن اللّه
مؤيدكم بنصره.(١)
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٢٦٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل بن إسمعیل قال، حدثنا
سفيان، عن شوذب أبى معاذ، عن الشعبى فى قوله: (( يا أيها النبى حسبك الله
ومن اتبعك من المؤمنين))، قال: حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله. (٢)
١٦٢٦٦ - حدثنى أحمد بن عثمان بن حكيم الأودى قال، حدثنا عبيد اللّه
ابن موسى قال ، أخبرنا سفيان ، عن شوذب، عن الشعبى فى قوله: (( يا أيها
النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين))، قال: حسبك اللّه ، وحسب من معك.
١٦٢٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن سفيان ،
عن شوذب ، عن عامر ، بنحوه = إلا أنه قال : حسبك اللّه، وحسب من
شهد معك .
١٦٢٦٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب ، عن ابن زيد فى قوله :
(((يا أيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين))، قال: يا أيها النبي حسبك
اللّه، وحسب من اتبعك من المؤمنين؛ إنّ حسبك أنت وهم ، اللّه .
هـ ((منْ)) من قوله: ((ومن اتبعك من المؤمنين))، على هذا التأويل الذى
٠ ٠٠
(١) انظر تفسير ((حسب)) فيما سلف ص: ٤٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) الأثر: ١٦٢٦٥ - ((شوذب، أبو معاذ))، ويقال: ((أبو عثمان))، مولى البراء
ابن عازب. قال سفيان، عن شوذب: (( كنت قياساً، فنهانى البراء بن عازب عن عسب الفحل)).
روى عنه سفيان الثورى، وشعبة. مترجم فى الكبير ٢٦١/٢/٢، وابن أبى حاتم ٣٧٧/١/٢،
وكان فى المطبوعة: ((شوذب بن معاذ))، وهو خطأ، صوابه فى المخطوطة.
وسيأتى فى الإسنادين التاليين .
ج ١٤ ( ٤ )

٥٠
تفسير سورة الأنفال : ٦٤ ، ٦٥، ٦٦
ذكرناه عن الشعبى، نصب، عطفاً على معنى ((الكاف)) فى قوله: ((حسبك
اللّه))، لا على لفظه، لأنها فى محل خفض فى الظاهر ، وفى محل نصب فى المعنى.
لأن معنى الكلام : يكفيك اللّه ، ويكفى من اتبعك من المؤمنين .
*
وقد قال بعض أهل العربية فى (( من )) ، أنها فى موضع رفع على العطف
على اسم ((اللّه))، كأنه قال: حسبك اللّه ومتبعوك إلى جهاد العدو من المؤمنين،
٢٧/١٠ دون القاعدين عنك منهم. واستشهد على صحة قوله ذلك بقوله: ((حرض المؤمنين
على القتال)).(١)
القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيُّهَاَ النَّىُّ حَرِّض الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
الْقِتَلِ إن يَكُن ◌ِنَكُمْ عِثْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنٍ وَإِن
يَكُنْ مِّنَكُم مَّاتَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَ مِّنَ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَّهُمْ قَوْمٌ
لَا يَفْهُونَ ٣ الثَّنَ خَقَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيَكُمْ ضَعْفًا فَإِن
◌َكُن مِّنَكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائْتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنَكُمْ أَلْفٌ
يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّبِرِينَ)(١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « یا أيها
النبى حرِّض المؤمنين على القتال))، حُثَّ متبعيك ومصدّقيك على ما جثهم به
من الحق ، على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين(٢) = ((إن يكن منكم
عشرون)) رجلاً = ((صابرون))، عند لقاء العدو ، ويحتسبون أنفسهم ويثبتون
(١) هو الفراء فى معانى القرآن ١ : ٤١٧ .
(٢) انظر تفسير ((التحريض)) فيما سلف ٨ : ٥٧٩.

٥١
تفسير سورة الأنفال : ٦٥، ٦٦
لعدوهم = ((يغلبوا مئتين))، من عدوهم ويقهروهم = ((وإن يكن منكم مئة))،
عند ذلك ((يغلبوا))، منهم ((ألفاً)) = ((بأنهم قوم لا يفقهون))، يقول : من أجل أن
المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب ، ولا لطلب أجر ولا احتساب ، لأنهم
لم يفقهوا أن اللّه مُوجِبٌ لمن قاتل احتساباً، وطلب موعود الله فى الميعاد ، ما وعد
المجاهدين فى سبيله ، فهم لا يثبتون إذا صدقوا فى اللقاء ، خشية أن يُقتلوا فتذهب
دنياهم.(١) ثم خفف تعالى ذكره عن المؤمنين ، إذ علم ضعفهم فقال لهم :
((الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً))، يعنى : أن فى الواحد منهم عن
لقاء العشرة من عدوهم ضعفاً = ((فإن يكن منكم مئة صابرة))، عند لقائهم للثبات
لهم = ((يغلبوا مئتين)) منهم = (( وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين)) منهم = ((بإذن
اللّه))، يعنى: بتخلية اللّه إياهم لغلبتهم، ومعونته إياهم (٢) = ((والله مع الصابرين))،
لعدوهم وعدو الله ، احتساباً فى صبره ، وطلباً لجزيل الثواب من ربه ، بالعون منه
له ، والنصر عليه .
٠ ٠ ٠
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل :
* ذكر من قال ذلك :
١٦٢٦٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن محبب قال ، حدثنا
سفيان، عن ليث ، عن عطاء فى قوله: ((إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا
مئتين))، قال : كان الواحد لعشرة ، ثم جعل الواحد باثنين ، لا ينبغى له أن
يفرّ منهما. (٣)
١٦٢٧٠ - حدثنا سعيد بن يحيى قال، حدثنا أبى قال، حدثنا ابن جريج ،
(١) انظر تفسير ((فقه)) فيما سلف ١٣ : ٢٧٨؛ تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الإذن)) فيما سلف ١١: ٢١٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) الأثر: ١٦٢٦٩ - ((محمد بن محبب بن إسحق القرشى))، ثقة، مضى برقم: ٦٣٢٠.

٥٢
تفسير سورة الأنفال : ٦٥ ، ٦٦
عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس قال : جعل على المسلمين على الرجل عشر
من الكفار، فقال: ((إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين))، فخفف
ذلك عنهم ، فجعل على الرجل رجلان . قال ابن عباس : فما أحبّ أن يعلم الناس
تخفيف ذلك عنهم .
١٦٢٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال: قال محمد بن إسحق،
حدثنى عبد الله بن أبى نجيح المكى ، عن عطاء بن أبى رباح ، عن عبد اللّه
ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ، ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل
عشرون مئتين ، ومئة ألفاً ، فخفف الله عنهم . فنسخها بالآية الأخرى فقال :
((الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا
مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين)) ، قال : وكانوا إذا كانوا على الشطر
من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم. وإن كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم أن يقاتلوا،
وجاز لهم أن يتحوّزوا عنهم .(١)
١٦٢٧٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على، عن ابن عباس قوله: ((إن يكن منكم عشرون صابرون
يغلبوا مثتين))، قال : كان لكل رجل من المسلمين عشرة ، لا ينبغى له أن يفرّ
منهم . فكانوا كذلك حتى أنزل الله: ((الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً
فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين))، فعبأ لكل رجل من المسلمين رجلين من
المشركين ، فنسخ الأمر الأول = وقال مرة أخرى فى قوله: ((إن يكن منكم
عشرون صابرون يغلبوا مئتين))، فأمر الله الرجل من المؤمنين أن يقاتل عشرة من
الكفار، فشق ذلك على المؤمنين، ورحمهم الله، فقال: ((إن يكن منكم مئة.
صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين))،
٢٨/١٠
(١) الأثر: ١٦٢٧١ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣١، وهو تابع الأثر التالى رقم:
١٦٢٨٥، قدم الطبرى وأخر فى هذا الموضع، فاختلف ترتيب نقله من تفسير ابن إسحق فى سيرته .

٥٣
تفسير سورة الأنفال : ٦٥ ، ٦٦
فأمر الله الرجلَ من المؤمنين أن يقاتل رجلين من الكفار.
١٦٢٧٣ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( يا أيها النبى حرض المؤمنين
على القتال))، إلى قوله: ((بأنهم قوم لا يفقهون))، وذلك أنه كان جعل على كل
رجل من المسلمين عشرة من العدو يؤشُّبهم = يعنى: يغريهم (١) = بذلك، ليوطنوا
أنفسهم على الغزو ، وأن الله ناصرهم على العدو ، ولم يكن أمراً عزمه الله عليهم
ولا أوجبه ، ولكن كان تحريضاً ووصية أمر اللّه بها نبيه ، ثم خفف عنهم فقال:
((الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً))، فجعل على كل رجلٍ رجلين
بعد ذلك ، تخفيفاً ، ليعلم المؤمنون أن الله بهم رحيم ، فتوكلوا على الله وصبروا
وصدقوا . ولو كان عليهم واجباً، كفّروا إذنْ كلَّ رجل من المسلمين [نكل] عمن
لقى من الكفار إذا كانوا أكثر منهم فلم يقاتلوهم. (٢) فلا يغرَّنَك قولُ رجال! فإنى
قد سمعت رجالاً يقولون : إنه لا يصلح لرجل من المسلمين أن يقاتل حتى يكون
على كل رجل رجلان ، وحتى يكون على كل رجلين أربعة ، ثم بحساب ذلك .
وزعموا أنهم يعصون الله إن قاتلوا حتى يبلغوا عدة ذلك ، وأنه لا حرج عليهم أن لا
يقاتلوا حتى يبلغوا عدَّةً أن يكون على كل رجل رجلان ، وعلى كل رجلين
أربعة، وقد قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ أُبْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ
رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٧]، وقال الله: ﴿فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ
إلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النساء: ٨٤]، فهو التحريض الذى أنزل الله
(١) ((التأشيب)) التحريش بين القوم بالشر، ومثله ((التأشيب)) بمعنى الإغراء بالعدو،
انظر ما سلف فى التعليق على رقم: ١٦٠٥٩، ج ١٣: ٥٣١، تعليق رقم: ٢، وكتب اللغة
مقصرة فى بيان معنى هذا الحرف من العربية .
(٢) فى المطبوعة: ((ولو كان عليهم واجباً الغزو إذا بعد كل رجل من المسلمين عمن لقى من
الكفار)»، جاء بكلام لا معنى له . وكان فى المخطوطة: ((ولو كان عليهم واجباً كفروا إذا كل رجل
من المسلمين عمن لقى من الكفار))، وصواب الجملة ما أثبت، ولكن الناسخ أسقط، والله أعلم ،
[ فكل] التى وضعها بين القوسين. و ((نكل عن عدوه))، نكم .

٥٤
تفسير سورة الأنفال : ٦٥ ، ٦٦
عليهم فى ((الأنفال))، فلا تعجزنً، قاتل"، قد سقطت بين ظَهْرَىْ أناس كما شاء
الله أن يكونوا. (١)
١٦٢٧٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح ، عن الحصين ،
عن زيد، عن عكرمة والحسن قالا: قال فى ((سورة الأنفال)) = ((إن يكن منكم
عشرون صابرون يغلبوا مثتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم
قوم لا يفقهون))، ثم نسخ فقال: ((الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً))،
إلى قوله: ((والله مع الصابرين)).
١٦٢٧٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن عكرمة
فى قوله: ((إن يكن منكم عشرون صابرون))، قال : واحد من المسلمين وعشرة
من المشركين . ثم خفف عنهم ، فجعل عليهم أن لا يفرّ رجل من رجلين .
١٦٢٧٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ، عن ابن أبى نجیح، عن مجاهد قوله: (( إن يكن منكم عشرون صابرون))،
إلى قوله: ((وإن يكن منكم مئة))، قال : هذا لأصحاب محمد صلى الله عليه
وسلم يوم بدر ، جعل على الرجل منهم قتال عشرة من الكفار، (٢) فضجوا من
ذلك ، فجعل على الرجل قتال رجلين ، تخفيفاً من الله .
١٦٢٧٧ - حدثنا أحمد بن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
إبراهيم بن يزيد ، عن عمرو بن دينار ، وأبى معبد ، عن ابن عباس قال : إنما
أمر الرجل أن يصبر نفسه لعشرة ، والعشرة لمئة ، إذ المسلمون قليل ، فلما كثر
(١) فى المطبوعة: ((فلا يعجزك قائل قد سقطت))، وهو بلا معنى، صوابه ما فى المخطوطة
كما أثبته، وهو فيها غير منقوط، وهذا صواب قراءة. وقوله: ((فلا تعجزن))، يعنى لا تقعد عن
القتال عجزاً ، ولكن قاتل ، فإنك قد وقعت بين عدد من العدو ، كما شاء الله أن يكون عددهم ،
قلوا أو كثروا .
(٢) فى المطبوعة فى الموضعين حذف ((قتال))، لأنها فى المخطوطة: ((فقال))، وصواب
قراءتها ما أثبت .

٥٥
تفسير سورة الأنفال : ٦٥ ، ٦٦
المسلمون ، خفف الله عنهم . فأمر الرجل أن يصبر لرجلين ، والعشرة للعشرين ،
والمئة للمثتين .
١٦٢٧٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن ابن أبى نجيح: ((إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين)) ،
قال : كان فرض عليهم إذا لقى عشرون مئتين أن لا يفروا ، فإنهم إن لم يفروا
غَلّبوا، ثم خفف الله عنهم وقال: ((إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن
يكن منكم ألف يغلبوا ألفين)) ، فيقول : لا ينبغى أن يفر ألف من ألفين ،
فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم .
٢٩/١٠
١٦٢٧٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة
يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين))، جعل الله على كل رجل رجلين ،
بعد ما كان على كل رجل عشرة = وهذا الحديث عن ابن عباس .
١٦٢٨٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هرون ، عن جرير بن
حازم ، عن الزبير بن الخرِّيت، عن عكرمة ، عن ابن عباس : كان فُرِض
على المؤمنين أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين، قوله: ((إن يكن منكم
عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً))، فشق ذلك عليهم،
فأنزل الله التخفيف ، فجعل على الرجل أن يقاتل الرجلين، قوله: (( إن يكن منكم
مئة صابرة يغلبوا مئتين))، فخفف الله عنهم، ونُقِصوا من النصر بقدر ذلك. (١)
١٦٢٨١ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين)) ،
يقول : يقاتلوا مئتين ، فكانوا أضعف من ذلك ، فنسخها الله عنهم، فخفف
(١) فى المطبوعة: ((ونقصوا من الصبر))، زاد ((واواً))، وغير ((النصر))، فأفسد
الكلام . غفر الله له .

٥٦
تفسير سورة الأنفال : ٦٥ ، ٦٦
فقال: ((فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين))، فجعل أول مرة الرجل لعشرة ،
ثم جعل الرجل لاثنين .
١٦٢٨٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((إن يكن منكم عشرون
صابرون يغلبوا مئتين ))، قال : كان فرض عليهم إذا لقى عشرون مئتين أن لا
يفروا، فإنهم إن لم يفرُّوا غَلَبوا. ثم خفف الله عنهم فقال: ((إن يكن منكم مئة
صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله))، فيقول : لا ينبغى
أن يفرّ ألف من ألفين ، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم .
١٦٢٨٣ - حدثنا الحسن قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثورى ،
عن جويبر ، عن الضحاك قال : كان هذا واجباً : أن لا يفر واحد من عشرة .
١٦٢٨٤ - وبه قال : أخبرنا الثورى ، عن لليث ، عن عطاء ، مثل ذلك .
#
*
وأما قوله: (( بإنهم قوم لا يفقهون))، فقد بينًا تأويله.(١)
٠ ٠٠
وكان ابن إسحق يقول فى ذلك ما : -
١٦٢٨٥ - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق :
((بأنهم قوم لا يفقهون))، أى: لا يقاتلون على نِيَّة ولا حقّ فيه، ولا معرفة بخير
ولا شر .(٢)
قال أبو جعفر: وهذه الآية = أعنى قوله: ((إن يكن منكم عشرون صابرون
يغلبوا مئتين)) = وإن كان مخرجها مخرج الخبر، فإن معناها الأمر. يدلّ على
(١) انظر ما سلف ص : ٠٥١,
(٢) الأثر: ١٦٢٨٥ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣١، وهو تابع الأثر السالف رقم:
١٦٢٥٧، وقد أخره أبو جعفر عن موضعه إلى هذا الموضع، وقدم عليه الخبر رقم: ١٦٢٧١ ،
وهو تال له فى تفسير السورة فى سيرة ابن هشام .
وكان فى المطبوعة. ((ولا معرفة لخير))، وأثبت ما فى المخطوطة والسيرة.

٥٧
تفسير سورة الأنفال : ٦٥، ٦٦
ذلك قوله: ((الآن خفف الله عنكم))، فلم يكن التخفيف إلا بعد التثقيل. ولو كان
ثبوت العشرة منهم للمئة من عدوهم كان غير فرض عليهم قبل التخفيف ، وكان
ندباً ، لم يكن للتخفيف وجه، لأن التخفيف إنما هو ترخيص فى ترك الواحد من
المسلمين الثبوتَ للعشرة من العدو . وإذا لم يكن التشديد قد كان له متقدّماً، لم
يكن للترخيص وجه ، إذ كان المفهوم من الترخيص إنما هو بعد التشديد . وإذ
كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن حكم قوله: «الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم
ضعفاً))، ناسخ لحكم قوله: ((إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن
يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا)). وقد بينا فى كتابنا ( كتاب البيان
عن أصول الأحكام)، (١) أن كل خبرٍ من اللّه وعد فيه عباده على عملٍ ثواباً وجزاء،
وعلى تركه عقاباً وعذاباً ، وإن لم يكن خارجاً ظاهرُه مخرج الأمر ، ففى دمنى
الأمر = بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع .
٠ ٠
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((وعلم أن فيكم ضعفاً)) .
فقرأه بعض المدنيين وبعض البصريين: ﴿وَعَلَمَ أَنّ فِيَكُمْ ضُعْفًا﴾، بضم (الضاد))
فى جميع القرآن، وتنوين ((الضعف))، على المصدر من: ((ضَعُف الرجل ضُعْفً)).
*
#
وقرأه ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿وَعَلَمَ أَنّ فِيكُمْ ضَعْفاً)، بفتح(( الضاد))، على
المصدر أيضاً من ((ضَعُف)).
وقرأه بعض المدنيين: (صُعَفَاء)، على تقدير (( فعلاء)) جمع ((ضعيف )) على
((ضعفاء))، كما يجمع ((الشريك))، ((شركاء))، و((الرحيم))، ((رُحماء)).
٣٠/١٠
قال أبو جعفر: وأولى القراءات فى ذلك بالصواب، قراءة من قرأه: ﴿ وَعَلِمَ
(١) فى المطبوعة: ((كتاب لطيف البيان))، وأثبت ما فى المخطوطة، والكتاب هو هو.

٥٨
تفسير سورة الأنفال : ٦٢ ، ٦٧
أَنَّ فِيَكُمْ ضَعْفاً)، و(ضُعْفًا)، بفتح الضاد أو ضمها، لأنهما القراءتان المعروفتان،
وهما لغتان مشهورتان فى كلام العرب فصيحتان بمعنى واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ
فهو مصيبٌ الصوابَ .
. .
فأما قراءة من قرأ ذلك: ((ضعفاء))، فإنها عن قراءة القرأة شاذة ، وإن كان
لها فى الصحة مخرج ، فلا أحبُّ لقارئٍ القراءةَ بها .
القول فى تأويل قوله ﴿ مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَ أَسْرَى
حَّى يُْخِنَ فِىِ الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ مُرِيدُ الْأَخِرَةَ
وَأَللهُ عَزِيزٌ حَكِيمْ) (*)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ما كان لنبى أن يحتبس كافراً قدر عليه
وصار فى يده من عبدة الأوثان للفداء أو للمنّ .
#
و((الأسر)) فى كلام العرب: الحبس، يقال منه: ((مأسورٌ))، يراد به :
محبوس. ومسموع منهم: ((أبَاله اللّه أسْراً)).(١)
٠ ٠
وإنما قال الله جل ثناؤه [ ذلك النبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يعرِّفه أن قتل
المشركين الذين أسرهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثم فادى بهم، كان أولى بالصواب
من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم .
#
٠ ٠
(١) انظر تفسير ((الأسير)) فيما سلف ٢: ٣١١، ٣١٢.
وأما قوله: ((أباله اللّه أسرا))، فإن ((الأسر)) ((بضم الألف وسكون السين))، وهو احتباس
البول، يقال: ((أخذه الأسر)). وهذه الجملة كانت فى المخطوطة: ((أبى الله أسراً))، وفى لسان
العرب، كما فى المطبوعة ((أناله بالنون))، وفى أساس البلاغة: ((وفى أدعيتهم: أبى لك الله أسرا)).
والذی فی المخطوطة وأساس البلاغة یرجح صواب ما قرأته بالباء .

٥٩
تفسير سورة الأنفال : ٦٧
وقوله: (( حتى يثخن فى الأرض)) ، يقول: حتى يبالغ فى قتل المشركين
فيها ، ويقهرهم غلبة وقسراً .
#
#
يقال منه: ((أثخن فلان فى هذا الأمر))، إذا بالغ فيه. وحكى: ((أثخنته
معرفةٌ )) ، بمعنى: قتلته معرفةً.
#
#
= ((تريدون))، يقول للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((تريدون))، أيها المؤمنون، ((عرض الدنيا))، بأسركم المشركين = وهو ما عَرَض
للمرء منها من مال ومتاع. (١) يقول : تريدون بأخذكم الفداء من المشركين متاع
الدنيا وطُعْمها = ((واللّه يريد الآخرة))، يقول: والله يريد لكم زينة الآخرة وما
أعدّ للمؤمنين وأهل ولايته فى جناته، بقتلكم إياهم، وإنخانكم فى الأرض. يقول
لهم: فاطلبوا ما يريد الله لكم وله اعملوا، (٢) لا ما تدعوكم إليه أهواء أنفسكم من الرغبة
فى الدنيا وأسبابها = ((والله عزيز))، يقول: إن أنتم أردتم الآخرة ، لم يغلبكم
عدوّ لكم، لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب- وأنه ((حكيم)) (٣) فى تدبيره أمرَ خلقه .
#
#
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال هل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٢٨٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على ، عن ابن عباس قوله: (( ما كان لنی أن یکون له أسرى حتى
يثخن فى الأرض )) ، وذلك يوم بدر ، والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد
سلطانهم، أنزل الله تبارك وتعالى بعد هذا فى الأسارى: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِدَاءٌ﴾،
[سورة محمد: ٤]، فجعل اللّه النبيَّ والمؤمنين فى أمر الأسارى بالخيار، إن
(١) انظر تفسير ((العرض)) فيما سلف ٩: ١٣/٧١: ٢١١
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((واطلبوا))، والسياق للفاء لا الواو .
(٣) انظر تفسير ((عزيز)) و((حكيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (عزز)، (حكم).

٦٠
تفسير سورة الأنفال : ٦٧
شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم ، وإن شاؤوا فادَوْهم .
١٦٢٨٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض
الدنيا))، الآية، قال: أراد أصحاب نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداءَ،
ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف. (١) ولعمرى ما كان أثخن رسول الله صلى
الله عليه وسلم يومئذ! وكان أول قتال قاتله المشركين .
١٦٢٨٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن حبيب بن أبى
عمرة، عن مجاهد قال: ((الإثخان))، القتل.(٢)
١٦٢٨٩ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا شريك،
عن الأعمش، عن سعيد بن جبير فى قوله: (( ما كان لنبى أن يكون له أسرى
حتى يثخن فى الأرض ))، قال : إذا أسرتموهم فلا تفادوهم حتى تثخنوا فيهم
القتل .
١٦٢٩٠ -.... قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا إسرائيل ، عن
خصيف ، عن مجاهد: (( ما كان لنبى أن يكون له أسرى))، الآية ، نزلت
الرخصة بعدُ ، إن شئت فمنّ ، وإن شئت ففاد.
١٦٢٩١ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ،
٣١/١٠ حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((ما كان لنبى أن
يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض )) ، يعنى الذين أسروا ببدر .
١٦٢٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: (( ما
كان لنبى أن يكون له أسرى))، من عدوه = ((حتى يثخن فى الأرض)) ، أى:
(١) فى المطبوعة حذف ((أربعة آلاف))، الثانية، كأنها لم تعجبه، غفر الله له ! !
(٢) الأثر: ١٦٢٨٨ - ((حبيب بن أبى عمرة))، القصاب، أو: اللحام، ((أبو عبد الله
الحمانى))، ثقة قليل الحديث سلف برقم: ١٠٢٢٤ .