النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
تفسير سورة الأعراف : ١٤٣
(حمراء))، و((سوداء)). وكان ممن يقرأه كذلك، عكرمة، ويقول فيه ما : -
١٥٠٩١ - حدثنى به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال ،
حدثنا عباد بن عباد، عن يزيد بن حازم، عن عكرمة قال: ((دكَّاء من
الدكّوات)). وقال: لما نظر الله تبارك وتعالى إلى الجبل صار صحراء تراباً. (١)
واختلف أهل العربية فى معناه إذا قرئ كذلك .
فقال بعض نحوبى البصرة: العرب تقول: (( ناقة دكَاء»، ليس لها سنام. وقال:
((الجبل)) مذكر، فلا يشبه أن يكون منه، إلا أن يكون جعله: « مثلد کاء))،
حذف ((مثل))، وأجراه مجرى: ﴿وَأَسْأْلِ القَرْيَةَ﴾ [ سورة يوسف: ٨٢].
وكان بعض نحوبى الكوفة يقول : معنى ذلك : جعل الجيل أرضاً دكاء ، ثم
حذفت ((الأرض))، وأقيمت ((الدكاء)) مقامها، إذْ أدَّت عنها.
٠٠٠
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين فى ذلك بالصواب عندى، قراءةُ من قرأ :
(جَعَلَهُ دَ كَّاء)، بالمد وترك الجر، لدلالة الخبر الذى رويناه عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم على صحته. وذلك أنه روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فساخ
الجبل))، (٢) ولم يقل: ((فتفتت)) ولا ((تحول تراباً)). ولا شك أنه إذا ساخ
فذهب ، ظهرَ وجهُ الأرض، فصار بمنزلة الناقة التى قد ذهب سنامها، وصارت
(١) الأثر: ١٥٠٩١ - ((عباد بن عباد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدى))، ثقة، روى له
الجماعة. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٠٨٢/١/٣
و ((يزيد بن حازم بن زيد الأزدى الجهضمى))، وثقه أحمد وابن معين، وهو أخو ((جرير
ابن حازم))، أكبر منه. مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٢٥/٢/٤، وابن أبى حاتم ٢٥٧/٢/٤.
وقوله: ((دكاء من الدكاوات))، ((الدكاوات)) جمع (( دكاء))، وهى الرابية من الطين
ليست غليظة، وأجروه مجرى الأسماء، لغلبته، كقولهم: ((ليس فى الخضراوات صدقة)) ..
وكان فى المطبوعة: ((صار صخرة تراباً))، وفى المخطوطة: ((صار صحرا ترابا))، وهذا صواب
قراءتها .
(٢) يعنى فى الأثرين رقم: ١٥٠٨٧، ١٥٠٨٨.

١٠٢
تفسير سورة الأعراف : ١٤٣
دكاء بلا سنام . وأما إذا دك بعضه ، فإنما يكسر بعضه بعضاً ويتفتت ولا يَسُوخ
وأما ((الذكاء) فإنها خَلَفٌ من ((الأرض))، فلذلك أنثت، (١) على ما قد
بينت .
فمعنى الكلام إذاً: فلما تجلى ربه للجبل ساخ ، فجعل مكانه أرضاً دكاء .
٠ ٠٠٠
وقد بينا معنى ((الصعق)) بشواهده فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته فى هذا
(٢)
الموضوع
القول فى تأويل قوله ﴿فَلَمَّا أَفَقَ قَلَ سُبْطَلْنَكَ ثُبْتُ إِلَيْكَ
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلما ثاب إلى موسى عليه السلام فهمه
من غشيته ، وذلك هو الإفاقة من الصعقة التى خرّ لها موسى صلى الله عليه وسلم=
((قال سبحانك))، تنزيهاً لك، يا رب، وتبرئةً أن يراك أحد فى الدنيا، (٣) ثم يعيش
= ((تبت إليك))، من مسألتى إياك ما سألتك من الرؤية = ((وأنا أوّل المؤمنين))،
بك من قومى ، أن لا يراك فى الدنيا أحد إلا هلك.
٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
١٥٠٩٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن موسى، عن أبى
(١) فى المطبوعة: ((فلذلك أتت))، وفى المخطوطة: ((فلذلك أتيت))، وصواب ذلك ما
أثبت .
(٢) انظر تفسير ((الصعق)) فيما سلف ٢: ٨٣، ٨٤ / ٩: ٣٥٩.
(٣) انظر تفسير ((سبحان)) فيما سلف ١٢: ١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.

١٠٣
تفسير سورة الأعراف : ١٤٣
.جعفر الرازى، عن الربيع بن أنس، عن أبى العالية فى قوله: (( تبت إليك وأنا
أوّل المؤمنين))، قال: كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أوّل من آمن بأنه
لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة
١٥٠٩٣ -- حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : لما رأى موسى ذلك وأفاق ، عرف أنه قد
سأل أمرًا لا ينبغى له، فقال: ((سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين))، قال
أبو العالية : عنى : إنى أوّل من آمن بك أنه لن يراك أحدٌ قبل يوم القيامة.
١٥٠٩٤ - حدثنى عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال ،
قال سفيان ، قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((وخر موسى صعقاً))،
فمرّت به الملائكة وقد صعق، فقالت: يا ابن النساء الحيّض، لقد سألت ربك
أمرًاً عظيماً! فلما أفاق قال : سبحانك لا إله إلا أنت تبت إليك وأنا أوّل
المؤمنين! قال: أنا أوّل من آمن أنه لا يراك أحدٌ من خلقك = يعنى: فى الدنيا .
١٥٠٩٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على ، عن ابن عباس قوله: ((قال سبحانك تبت إليك وأنا أول
المؤمنين)) ، يقول : أنا أوّل من يؤمن أنه لا يراك شىء من خلقك .
٣٩/٩
١٥٠٩٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن رجل ،
عن مجاهد: ((سبحانك تبت إليك))، قال: من مسألتى الرؤية .
١٥٠٩٧ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد ،
عن مجاهد: ((قال سبحانك تبت إليك))، أن أسألك الرؤية .
١٥٠٩٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم ، عن سفيان ، عن
عيسى بن ميمون، عن رجل، عن مجاهد: ((سبحانك تبت إليك))، أن أسألك
الرؤية .
١٥٠٩٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا

١٠٤
تفسير سورة الأعراف : ١٤٣
ابن عيينة، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد فى قوله: ((سبحانك تبت إليك))،
قال : تبت إليك من أن أسألك الرؤية .
٠
وقال آخرون : معناه : قوله : وأنا أول المؤمنين بك من بنى إسرائيل
• ذكر من قال ذلك :
١٥١٠٠ - حدثنى الحسين بن عمرو بن محمد العنقزى قال، حدثنا أبى قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((وأنا أول المؤمنين))،
قال : أول من آمن بك من بنى إسرائيل.
١٥١٠١ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال،
حدثنا أسباط، عن السدى، عن عكرمة، عن ابن عباس: (( وأنا أول المؤمنين)،
يعنى : أول المؤمنين من بنى إسرائيل .
١٥١٠٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وأنا أول المؤمنين))، أنا
أول قومى إيماناً .
١٥١٠٣ - حدثنا ابن وكيع والمثنى قالا، حدثنا أبو نعيم، عن سفيان ،
عن عيسى بن ميمون ، عن رجل، عن مجاهد: (( وأنا أول المؤمنين))، يقول :
أول قومى إيماناً .
١٥١٠٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وأنا أول المؤمنين))، قال: أنا أول قومى إيماناً.
١٥١٠٥ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد
قال، سمعت بجاهداً يقول فى قوله: ((وأنا أول المؤمنين))، قال: أول قومى آمن.
قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذى اخترناه فى قوله: ((وأنا أول المؤمنين»،

١٠٠
تفسير سورة الأعراف : ١٤٤،١٤٣
علی قول من قال: معناه : أنا أول المؤمنین من بنى إسرائيل = لأنه قد کان قبله فى
بنى إسرائيل مؤمنون وأنبياء، منهم ولدُ إسرائيل لصُلْبه، وكانوا مؤمنين وأنبياء.
فاذلك اخترنا القول الذى قلناه قبل .
القول فى تأويل قوله ﴿قَلَ يُمُوسَىآَ [فِى أَمْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ
بِمَلَتٍ وَبِكَمِ فَتُذْ مَآ ءَ اتَبْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّكِرِينَ) (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، قال الله لموسى: يا موسى: ((إنى اصطفيتك
على الناس))، يقول: اخترتك على الناس (١) = ((برسالاتى)) إلى خلقى، أرسلتك
بها إلیهم= (( وبكلامی » ، کلمتك وناجیتك دون غیرك من خلقی = (( فخذ ما
آ تبتك)) يقول: فخذها أعطيتك من أمرى ونهى وتمسك به، واعمل به [ ... ] (٢)
= ((وكن من الشاكرين))، لله على ما آتاك من رسالته، وخصك به من النجوى، (٣)
بطاعته فى أمره ونهيه ، والمسارعة إلى رضاه .
(١) انظر تفسير ((الاصطفاء)) فيما سلف٣: ٩١، ٥/٩٦: ٣٢٦:٦/٣١٢، ٠٣٩٣
(٢) فى المطبوعة: ((واعمل به يريد))، وفى المخطوطة: ((واعمل به يديك))، ولا معنى لذلك
هنا، وكأنها محرفة عن (بجد)) أوما أشبه ذلك، ولكنى لم أحسن معرفتها، فيركت مكانها نقطا بين
قوسين، وانظر تفسير قوله فى ((سورة البقرة)): ٦٣- ((خذوا ما آتيناكم بقوة)) ج ٢: ١٦٠، ١٦١.
(٣) فى المطبوعة والخطوطة: ((وحصل به من النجوى))، وصواب قراءتها ما أثبت.

١٠٠
تفسير سورة الأعراف : ١٤٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءُ
مَوْعِظَةً وَتَقْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾
قال أبو جعفر يقول : تعالى ذكره : وكتبنا لموسى فى ألواحه .
وأدخلت الألف واللام فى ((الألواح))، بدلاً من الإضافة، كما قال الشاعر: (١)
والأحْلاَمُ غَيْرُ عَوَازِب .(٢)
وكما قال جل ثناؤه: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [سورة النازعات: ٤١]،
يعنى : هى مأواه. (٣)
: وقوله: ((من كل شىء))، يقول: من التذكير والتنبيه على عظمة الله وعز
سلطانه = ((موعظة))، لقومه ومن أمر بالعمل بما كتب فى الألواح (٤) = ((وتفصيلاً)
لكل شىء))، يقول: وتبييناً لكل شىء من أمر اللّه ونهيه. (٥)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك .:
٠
١٥١٠٦ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ، عن ابن أبى نجیح،عن مجاهد= أو : سعيد بن جبير ، وهو فى أصل
(١) هو النابغة الذبياني.
(٢) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٥: ١٦٠، تعليق: ٣، ولم يذكر هناك موضعه
هنا ، فليقيد ، والبيت ، بروايتة آنفاً :
لَهُمْ شِيمَةٌ لم يُعْطِهِا الدَّهْرُ غَيْرَهُمْ
مِنَ الناسِ، نَالأحْلَامُ غَيْرُ عَوَازِبٍ
(٣) انظر ما سلف ٥: ١٦٠، ١٦١.
٠٠
(٤) انظر تفسير ((الموعظة)) فيما سلف من فهارس اللغة (وعظ).
(٥) انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ص: ٦٨، تعليق: ٥، والمراجع هناك.

١٠٧
تفسير سورة الأعراف : ١٤٥
كتابى: عن سعيد بن جبير = فى قول الله: ((وتفصيلا" لكل شىء))، قال:
ما أمروا به ونهوا عنه .
٤٠/٩
١٥١٠٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد ، بنحوه .
١٥١٠٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( وكتبنا له فى الألواح من كل شىء موعظة وتفصيلا
لكل شىء))، من الحلال والحرام.
١٥١٠٩ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد
قال ، سمعت مجاهداً يقول فى قوله: ((وتفصيلاً لكل شىء))، قال : ما أمروا به
وهوا عنه .
١٥١١٠ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( وكتبنا له فى الألواح من
كل شىء موعظة وتفصيلاً لكل شىء))، قال عطية: (١) أخبرنى ابن عباس:
أن موسى صلى الله عليه وسلم انْصَلتَ لما كربه الموت، (٢) قال: هذا من أجل
آدم! قد كان اللّه جعلنا فى دار مثوى لا نموت ، فخطأ آدم أنزلنا ههنا ! فقال
اللّه لموسى : أبعث إليك آدم فتخاصمه؟ قال: نعم! فلما بعث الله آدم ، سأله
(١) هو ((عطية العوقى))، وهو جد ((محمد بن سعد)) الأعلى. انظر تفسير هذا الإسناد فى
رقم : ٣٠٥ ٠
(٢) فى المطبوعة، والدر المنثور ٣: ٢١: ((أن موسى صلى الله عليه وسلم لما كربه الموت)).
أسقط الذى كتبت: ((انصلت))، وهى فى المخطوطة هكذا: ((الطيب)) غير منقوطة، ولم أجد لها
لفظاً يطابق رسمها، ويجرى فى معناها أقرب من ((انصلت)). يقال: ((انصلت فى الأمر))، إذا انجرد
وأسرع. يقال: ((انصلت يعدو)))) إذا أسرع، و((المنصلت)): المسرع من كل شىء. وقد
روى البخارى فى صحيحه ، عن أبى هريرة قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام. فلما جاءه مكه
فرجع إلى ربه عز وجل فقال: أرسلتنى إلى عبد لا يريد أن يموت))، الحديث . فكأن هذا كان منه
لما كره الموت وأبغضه، فأسرع لما رآه يقول ما قال. هذا ما رأيت، وفوق كل ذي علم عليم . وانظر
أخبار وفاة موسى عليه السلام فى البداية والنهاية ١ : ٣١٦ - ٣١٩ .

١٠٠٨
تفسير سورة الأعراف : ١٤٥
موسى ، فقال أبونا آدم عليهما السلام: يا موسى ، سألت الله أن يبعثى لك !
قال موسى: لولا أنت لم نكن ههنا! قال له آدم: أليس قد آتاك الله من كل
شىء موعظة وتفصيلاً ، التفلست تعلم أنه ما أصاب فى الأرض من مصيبة ولا فى
النفسكم الآنفى كتاب من قبل أن يبرأها؟ (١) قال موسى: بلى! فخصمه آدم
صلى الله عليهمما .. (٣)
١١٥١١١١١١ - حدثنا الحسن بين يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهباً يقول فى قوله: ((وكتبنا له فى
الألواح عن كل شى ء موعظة وتفصيلاً لكل شىء))، قال: كتب له: لا تشرك
إلى شيئاً من العل السماء ولا من أهل الأرض، فإن كل ذلك خالق. لا تحلف
يلاسمى كناذناً ،، فظانت من طلق يباسمى كثانياً قلا الزكيه، ووقّر والدلك.
القول فى تأويل قوله ﴿فَعُذْهَا يَقُوَّةٍ﴾
تقال أبو جنشر: يقول تعالى ذكره: وقلنا لموسى، إذ كتبنا له فى الألواح
ح كل شى ءموعظة وتفصيلاً الكل شىء : خذ الألواح بقرة .
وأخرج الكبير عن ((الألواح)»، ولمزاد ما فيها.
((١١)) هذا تتضمن آلية،(سورة الحديد)» :: ٠٣٣
((٣٢)) الأثر: ١١٥١١١١٠٠ - هذا خبر ضيف الإستاد جداً، كما مطلق فى شرح الإستاده قم:
٠.٣٢٠٠٥٥
ووالحيفاج الصم ووموسى عليها للسلام ، ربى غيره البخارى ومسلم، وسائر كب الستن، وانظر فصلا
بعيداً جسمهاابن كثير فى البداية والنهاية !!: ٨١١ - ٢٥. ويقال: ((علمه)، قصه))، أى
تظليه فى الخصام. وهو الاحتجاج .

١٠٩
تفسير سورة الأعراف : ١٤٥
واختلف أهل التأويل فى معنى ((القوة))، فى هذا الموضع.
فقال بعضهم : معناها : يجدّ
. ذكر من قال ذلك :
١٥١١٢ - حدثنى عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال ، حدثنا
ابن عيينة قال، قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((فخذها بقوة))،
قال : بجدّ
١٥١١٣ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((فخذها بقوة))، قال: بجد واجتهاد.
٠٠٠
وقال آخرون : معنى ذلك ، فخذها بالطاعة لله.
٠ ذكر من قال ذلك :
١٥١١٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرحمن
ابن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس فى قوله: ((فخذها بقوة))،
قال: بالطاعة .
٠
وقد بينا معنى ذلك بشواهده، واختلاف أهل التأويل فيه، فى ((سورة البقرة ))
عند قوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بقُوَّةٍ﴾ [سورة البقرة: ٦٣]، فأغنى ذلك عن
إعادته فى هذا الموضع . (١)
القول فى تأويل قوله ﴿وَأُمُنْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَخْسَيِهَا﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قلنا لموسى: ((وأمر قومك))، بنى إسرائيل =
((يأخذوا بأحسنها))، يقول: يعملوا بأحسن ما يجدون فيها، كما : -
(١) انظر ما سلف ٢ : ١٦٠، ١٦١.

١١٠
تفسير سورة الأعراف : ١٤٥
١٥١١٥ - حدثنی موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((وأمر قومك يأخذوا بأحسنها))، بأحسن ما يجدون فيها :
١٥١١٦ - حدثنى عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم قال ، حدثنا سفيان
قال ، حدثنا أبو سعد، عن عكرمة ، عن ابن عباس: ((وأمر قومك يأخذوا
بأحسنها )» ، قال : أمر موسى أن يأخذها بأشدّ مما أمر به قومه .
٠ ٠
فإن قال قائل . وما معنى قوله: (( وأمر قومك يأخذوا بأحسنها)) ، أكان من
خصالهم ترك بعض ما فيها من الحسن ؟
قيل: لا، ولكن كان فيها أمرٌ ونهىٌّ، فأمرهم الله أن يعملوا بما أمرهم بعمله،
٤١/٩ ويتركوا ما نهاهم عنه، فالعمل بالمأمور به، أحسنُ من العمل بالمنهى عنه.
٠
القول فى تأويل قوله (سأُوْرِيَكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ) (
١٤٥
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لموسى ، إذ كتب فى الألواح من كل
شىء : خذها بجدّ فى العمل بما فيها واجتهاد ، وأمر قومك يأخذوا بأحسن ما فيها ،
وانههم عن تضييعها وتضييع العمل بما فيها والشرك بى ، فإن من أشرك بى منهم ومن
غيرهم، فإنى سأريه فى الآخرة عند مصيره إلىّ، ((دار الفاسقين))، وهی نار الله التى
أعدها لأعدائه . (١)
#
٠
وإنما قال: ((سأريكم دار الفاسقين))، كما يقول القائل لمن يخاطبه:
((سأريك غداً إلامَ يصير إليه حال من خالف أمرى!))، على وجه التهدُّد والوعيد
لمن عصاهُ وخالف أمره . (٢)
٠ ٠
(١) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف. ص: ١١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((على وجه التهديد)). وأثبت ما فى المخطوطة، وهو محض الصواب.

تفسير سورة الأعراف : ١٤٥
وقد اختلف أهل التأويل فى معنى ذلك .
فقال بعضهم بنحو ما قلنا فى ذلك .
* ذكر من قال ذلك .
١٥١١٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((سأريكم دار الفاسقين))،
قال : مصيرهم فى الآخرة .
١٥١١٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٥١١٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا مسلم قال، حدثنا مبارك ، عن الحسن
فى قوله: ((سأريكم دار الفاسقين))، قال : جهنم .
#
وقال آخرون : معنى ذلك : سأدخلكم أرض الشام ، فأريكم منازل الكافرين
الذين هم سكانها من الجبابرة والعمالقة .
* ذكر من قال ذلك :
١٥١٢٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((سأريكم دار الفاسقين))، منازلهم .
١٥١٢١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: (( دار الفاسقين))، قال : منازلهم .
#
وقال آخرون : معنى ذلك : سأريكم دار قوم فرعون ، وهى مصر .
ذكر من قال ذلك :

١١٢
تفسير سورة الأعراف : ١٤٦،١٤٥
(١)
. .
قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذى اخترناه فى تأويل ذلك ، لأن الذى
قبل قوله جل ثناؤه: ((سأريكم دار الفاسقين))، أمرٌ من اللّه لموسى وقومه بالعمل
بما فى التوراة . فأولى الأمور بحكمة الله تعالى أن يختم ذلك بالوعيد على من ضيعه ،
وفرَّط فى العمل لله ، وحاد عن سبيله ، دون الخبر عما قد انقطع الخبر عنه ، أو
عما لم يجر له ذكر .
القول فى تأويل قوله (سَأَصْرِفُ عَنِْيَت ◌ِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ
فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْقّ )
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى معنى ذلك .
فقال بعضهم : معناه : سأنزع عنهم فهم الكتاب .
• ذكر من قال ذلك :
١٥١٢٢ - حدثنا أحمد بن منصور المروزى قال، حدثنى محمد بن عبد الله
ابن بكر قال: سمعت ابن عيينة يقول فى قول الله: (( سأصرف عن آیاتی الذین یتكبرون
فى الأرض بغير الحق))، قال يقول: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتى. (٢)
(١) هكذا بياض بالمخطوطة قدره خمسة أسطر، وبهامش المخطوطة بالمداد الأحمر: ((نقص،
كذا الأصل)) .
(٢) الأثر: ١٥١٢٢ - ((أحمد بن منصور بن سيار الرمادى))، شيخ الطبرى، مضى
برقم : ١٠٢٦٠، ٠١٠٥٢١
و ((محمد بن عبد الله بن بكر بن سليمان الخزاعى الصنعانى الخلنجى))، صدوق. روى عنه
النسائى، وأبو حاتم وغيرهما. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢٩٥/٢/٣.

١١٣
تفسير سورة الأعراف : ١٤٦
قال أبو جعفر : وتأويل ابن عيينة هذا يدل على أن هذا الكلام كان عنده
هن اللّه وعيداً لأهل الكفر بالله ممن بعث إليه نبينا صلى الله عليه وسلم، دون قوم
موسى ، لأن القرآن إنما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، دون موسى
عليه السلام .
وقال آخرون فى ذلك : معناه : سأصرفهم عن الاعتبار بالحجج .
ذكر من قال ذلك :
١٥١٢٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، ص
عن ابن جريج: ((سأصرف عن آياتى))، عن خلق السموات والأرض والآيات
فيها ، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا .
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر أنه
بيصرف عن آياته ، وهى أدلته وأعلامه على حقيقة ما أمر به عباده وفرض عليهم
من طاعته فى توحيده وعدله، (١) وغير ذلك من فرائضه. والسموات والأرض
وكل موجود من خلقه ، فمن آياته ، والقرآن أيضًا من آياته ، (٢) وقد عم بالخبر
أنه يصرف عن آياته المتكبرين فى الأرض بغير الحق ، وهم الذين حقَّت عليهم
کلمة الله أنهم لا يؤمنون ، فهم عن فهم جميع آياته والاعتبار والادّ کار بها
مصر وفون، لأنهم لووفُّقُوا لفهم بعض ذلك فهُدوا للاعتبار به، اتعظوا وأنابوا إلىالحق،
وذلك غير كائن منهم، لأنه جلّ ثناؤه قال: ﴿﴿وَ إِنْ يَرَوْا كُلّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِها)،
فلا تبدیل لكلمات اللّه .
٤٢/٩
٥
٠
(١) فى المطبوعة: ((على حقيقة ما أمر به عباده))، فعل بها ما فعل بسوابقها. انظر ما سلف
ص: ٦٨، تعليق: ٤، والمراجع هناك .
(٢) انظر تفسير ((آية)» فيما سلف من فهارس اللغة (أبي)
ت ١٢ (٨)

١١٤
تفسير سورة الأعراف : ١٤٦
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِن يَرَوْ كُلَّ ،ايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِاَ
وَإِن يَرَوْسَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذِوهُ سَبِيلًا وَ إِن يَرَوْ أْسَبِيلَ الْغَيّ يَتَّخِذُوهُ
سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنْهُمْ كَذَّبُواْ بِهَا يُِنَا وَكَانُواْ عَنْهَ غَفِلِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإن ير هؤلاء الذين يتكبرون فى الأرض
بغير الحق و= ((تكبرهم فيها بغير الحق))، تجبرهم فيها ، واستكبارهم عن الإيمان
بالله ورسوله، والإذعان لأمره ونهيه، (١) وهم الله عبيدٌ يغذوهم بنعمته، (٢) ويربح عليهم
رزقه بكرة وعشياً، (٣) = (( كل آية))، يقول: کل حجة لله على وحدانيته وربوبته،
وكل دلالة على أنه لا تنبغى العبادة إلا له خالصة دون غيره (٤)= ((لا يؤمنون بها))،
يقول : لا يصدقوا بتلك الآية أنها دالة على ما هى فيه حجة ، ولكنهم يقولون:
((هى سحر وكذب)) = ((وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً))، يقول: وإن ير
هؤلاء الذين وصف صفتهم طريق الهدى والسداد الذى إن سلكوه نجوا من الهلكة
والعطب، وصاروا إلى نعيم الأبد ، لا يسلكوه ولا يتخذوه لأنفسهم طريقاً، جهلاً
منهم وحيرة (٥) = ((وإن يروا سبيل الغى))، يقول: وإن يروا طريق الهلاك الذى
إن سلكوه ضلّوا وهلكوا .
وقد بينا معنى (( الغى)) فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته. (٦)
(١) انظر تفسير ((التكبر)) فيما سلف: ٧٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((يغدوهم)) بالدال المهملة، والصواب ما أثبت
(٣) ((أراح عليه حقه))، رده عليه، يقول الشاعر:
إلَّا تُرِيحِى عَلَيْنَا الْحَقِّ طَائِعَةٌ.
دُونَ الْقُضَاةِ ، فَقَاضِيِنَا إلَى حَكَ.
(٤) انظر تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبي)
(٥) انظر تفسير ((السبيل)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .
= وتفسير ((الرشد)) فيما سلف ٣: ٥/٤٨٢ : ٤١٦/ ٧ : ٥٧٦ .
٦) انظر تفسير ((الغى)) فيما سلفه: ٤١٦ /٣٣٣:١٢.

١١٥
تفسير سورة الأعراف : ١٤٦
((يتخذوه سبيلاً))، يقول: يسلكوه ويجعلوه لأنفسهم طريقاً، لصرف الله إياهم
عن آياته ، وطبعه على قلوبهم ، فهم لا يفلحون ولا ينجحون = (( ذلك بأنهم
كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين)) ، يقول تعالى ذكره : صرفناهم عن آياتنا أن
يعقلوها ويفهموها فيعتبروا بها ويذكروا فينيبوا، عقوبةً منا لهم على تكذيبهم
بآياتنا = ((وكانوا عنها غافلين))، يقول: وكانوا عن آياتنا وأدلتنا الشاهدة على
حقيقة ما أمرفاهم به ونهيناهم عنه = ((غافلين))، لا يتفكرون فيها ، لا هين عنها ،
لا يعتبرون بها، فحق عليهم حينئذ قول ربنا فعطبوا. (١)
واختلف القرأة فى قراءة قوله (( الرشد)).
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض المكيين وبعض البصريين : ﴿الرّشْدِ﴾،
بضم ((الراء)) وتسكين ((الشين)).
#
#
*
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة وبعض المكيين: (الرَّشَدِ)، بفتح ((الراء))
و((الشين)).
٠
*
ثم اختلف أهل المعرفة بكلام العرب فی معنی ذلك إذا ضمت راؤه وسكنت
شينه ، وفيه إذا فتحتا جميعاً .
فذ کر عن أبی عمرو بن العلاء أنه کان یقول : معناه إذا ضمت رائه وسكنت
شينه: الصلاح، كما قال الله: ﴿فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾، [سورة النساء: ٦]،
بمعنى : صلاحاً . وكذلك كان يقرأه هو = ومعناه إذا فتحت راؤه وشينه : الرشد
فى الدين، كما قال جل ثناؤه: ﴿فُعَلِّمَنِى مِمَّا عُلَّمْتَ رَشَدًا) [سورة الكهف: ٦٦]،(٢)
(١) انظر تفسير (الغفلة)) فيما سلف ص: ٧٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٢) قراءتنا وقراءة السبعة: ((رشدا)) (بضم الراء وسكون الشين)، وقراءة أبى عمرو من السبعة
كما ذكر أبو جعفر ، ولذلك استدل بها أبو عمرو فى هذا الموضع . ولم يذكر هذه القراءة أبو جعفر
فى تفسير الآية من سورة الكهف .

١١٦
تفسير سورة الأعراف : ١٤٦، ١٤٧
بمعنى الاستقامة والصواب فى الدين .
٠
۵
۵
وكان الكسائى يقول: هما لغتان بمعنى واحد، مثل ((السَّقم)) و((السَّقْمَ))،
و((الحُزْن)) و((الحَزّن)) وكذلك ((الرُّشْد)) و((الرَّشَد)).
٠
٠
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءتان
مستفيضةٌ القراءة بهما فى قرأة الأمصار، متفقتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ
نصيبٌ الصوابَ بها.
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَالَّذِينَ كَذَبُواْ بِآَيَقِنَا وَ لِقَاءِ اْأَخِرَةِ
حَبِطَتْ أَعْمَلُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كَانُواْ يُعْمَلُونَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهؤلاء المستكبرون فى الأرض بغير
الحق، وكلّ مكذِّبٍ حججَ الله ورسله وآياته ، وجاحد أنه يوم القيامة مبعوث
بعد مماته ، ومنكر لقاء الله فى آخرته = ذهبت أعمالهم فبطلت ، وحصلت لهم
أوزارها فثبتت، لأنهم عملوا لغير اللّه، وأتعبوا أنفسهم فى غير ما يرضى الله،
فصارت أعمالهم عليهم وبالاً . يقول الله جل ثناؤه: ((هل يجزون إلا ما كانوا
يعملون))، يقول: هل يثابون إلاّ ثواب ما كانوا يعملون؟ (١) فصار ثواب أعمالهم
الخلود فى نار أحاط بهم سرادقها ، إذ كانت أعمالهم فى طاعة الشيطان، دون
طاعة الرحمن ، فعوذ بالله من غضبه .
وقد بينا معنى ((الحبوط)) و((الجزاء)) و((الآخرة))، فيما مضى، بما أغنى
عن إعادته . (٢)
(١) فى المطبوعة: ((هل ينالون إلا ثواب))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((الحبوط)) فيما سلف ٥١٤:١١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
وتفسير ((الجزاء))، و((الآخرة))، فيما سلف من فهارس اللغة (جزى) و (أخر).

١١٧
تفسير سورة الأعراف : ١٤٨
القول فى تأويل قوله (وَأَتَخَذْ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ
حُلِّهِمْ عِجْلَا جَسَدًا لَّهُ وَ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْأَنَّهُ لَا يُكُلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِهِمْ
سَبِيلًا الْخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتخذ بنو إسرائيل قوم موسى ، من بعد
ما فارقهم موسى ماضياً إلى ربه لمناجاته، ووفاءً للوعد الذى كان ربه وعده = ((من
حليهم عجلاً ))، وهو ولد البقرة، فعبدوه. (١) ثم بين تعالى ذكره ما ذلك العجل
فقال: ((جسدًا له خوار))= و((الخوار)) صوت البقر = يخبر جل ذكره عنهم أنهم
ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل . وذلك أن الرب جلّ جلاله الذى له ملك
السموات والأرض ، ومدبر ذلك ، لا يجوز أن يكون جسداً له خوار ، لا يكلم
أحداً ، ولا يرشد إلى خير. وقال هؤلاء الذين قص الله قصَصهم لذلك: ((هذا إلهنا
وإله موسى))، فعكفوا عليه يعبدونه ، جهلاً منهم ، وذهاباً عن اللّه وضلالاً .
٠
وقد بينا سبب عبادتهم إياه ، وكيف كان اتخاذ من اتخذ منهم العجل .
فيما مضى بما أغنى عن إعادته.(٢)
مـ
وفى (( الحلی )) لغتان: ضم «الحاء» وهو الأصل= و کسرها، و کذلك ذلك فى
كل ما شاكله من مثل (صلى)) و((جثّى)) و((عتىّ))، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب
الصواب ، لاستفاضة القراءة بهما فى القرأة، ولاتفاق معنييهما. (٣)
٠
(١) مضى ذكر ((العجل)) فيما سلف ٢: ٦٣، ٧٢، ٣٥٤، ٩/٣٥٧: ٣٥٦،
ولم يفسره إلا فى هذا الموضع .
(٢) انظر ما سلف ٢: ٦٣ - ٦٨ / ثم ص : ٧٤ - ٧٨.
(٣) فى المطبوعة: ((لا تفارق بين معنييهما))، غير ما فى المخطوطة، فأفسد الكلام ومسخه.
والصواب ما فى المخطوطة ، ولكنى زدت الواو ، لأنها حق الكلام .
م

١١٨
تفسير سورة الأعراف : ١٤٨، ١٤٩
وقوله: ((ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً))، يقول: ألم ير الذين عكفوا
على العجل الذى اتخذوه من حليهم يعبدونه ، أن العجل لا يكلمهم ولا يهديهم
سبيلاً ؟ يقول: ولا يرشدهم إلى طريق ؟ (١) وليس ذلك من صفة ربهم الذى له
العبادة حقاً ، بل صفته أنه يكلم أنبياءه ورسله ، ويرشد خلقه إلى سبيل الخير ،
وينهاهم عن سبيل المهالك والردى .
يقول الله جل ثناؤه: ((اتخذوه))، أى: اتخذوا العجل إلهاً، وكانوا باتخاذهم
إياه ربًّا معبوداً ظالمين لأنفسهم ، لعبادتهم غير من له العبادة ، وإضافتهم الألوهة
إلى غير الذى له الألوهة .
#
وقد بينا معنى ((الظلم)) فيما مضى بما أغنى عن إعادته . (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَّمَا سُقِطَ فِىَ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ
ضَلُواْ قَلُواْ لَبِ لَّمْ يَرْتَعْنَ رَبَّ وَ يَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْحُسِرِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ولما سقط فى أيديهم))، ولما ندم
الذين عبدوا العجل الذى وصف جل ثناؤه صفته ، عند رجوع موسى إليهم ،
واستسلموا لموسى وحكمه فيهم .
وكذلك تقول العرب لكل نادم على أمر فات منه أو سلف ، وعاجز عن
شىء: ((قد سقط فى يديه))و((أسقط))، لغتان فصيحتان، وأصله من الاستثسار،
وذلك أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه ، فيرمى به من يديه إلى الأرض ليأسره ،
(١) انظر تفسير ((سبيل)» فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل).
(٢) انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم).

١١٩
تفسير سورة الأعراف : ١٤٩
فيكتفه . فالمرمىّ به مسقوط فى يدى الساقط به . فقيل لكل عاجز عن آشىء ،
وضارع لعجزه، (١) متندم على ما قاله: ((سقط فى يديه)) و((أسقط)). (٢)
وعمی بقوله: (( ورأوا أنهم قد ضلوا ))، ورأوا أنهم قد جاروا عن قصد السبيل،
وذهبوا عن دين الله ، وكفروا بربهم ، قالوا تائبين إلى الله منيبين إليه من كفرهم
به: (( لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين)».
#
ثم اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأه بعض قرأة أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة: ﴿ لَمُنْ لَمْ يَرَْحْنَاَ رَبُّنَ﴾،
بالرفع ، على وجه الخبر .
#
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ﴿ لَكَّنْ لَمْ تَرْخْنَاَ رَبَّنَا)، بالنصب، بتأويل:
لتن لم ترحمنا يا ربنا = على وجه الخطاب منهم لربهم .
واعتلّ قارئو ذلك كذلك بأنه فى إحدى القراءتين: ﴿قَالُوا رَبََّا لَئِنْ لَمْ
تَرْجْنَا وَ تَغْفِرْ لَنَا﴾، وذلك دليل على الخطاب. (٣)
قال أبو جعفر: والذى هو أولى بالصواب من القراءة فى ذلك، القراءةُ على وجه
٠
٠٠
(١) فى المطبوعة :: ((ومضارع لعجزه))، والصواب من المخطوطة.
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٩٣، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٢٨، والذى
قاله أبو جعفر تفصيل جيد ، وبيان عن أصل الحرف ، قلما تصيبه فى كتب اللغة .
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((قالوا لئن ترحمنا ربنا وتغفر لنا))، كسياق الآية فى مصحفنا،
وهذا لا دليل فيه على الخطاب . ولكن ما أثبته هو الذى فيه الدليل على الخطاب ، لتقديم قوله :
((ربنا))، وهى قراءة أبي بن كعب، وهى كذلك فى مصحف عبد الله بن مسعود، كما ذكر الفراء
فى معانى القرآن ١: ٣٩٣. فقوله: ((واعتل قارئو ذلك كذلك بأنه فى إحدى القراءتين))، أرجح
أنه يعنى إحدى قراءتى عبد الله بن مسعود. وأيضاً، فإن الآية ستأتى بعد أسطر على الصواب فى المخطوطة،
ولكن يغيرها ناشر المطبوعة ، كما فى التعليق التالى .

١٢٠
تفسير سورة الأعراف : ١٥٠٠١٤٩
الخبر بالباء فى ﴿يَرَْحْنَا)، وبالرفع فى قوله: ﴿رَ بُّنَا﴾، لأنه لم يتقدم ذلك ما يوجب
أن يكون ، وجَّهاً إلى الخطاب.
والقراءة التى حكيت على ما ذكرنا من قراءتها: ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا﴾،(١)
لا نعرف صحتها من الوجه الذى يجب التسليم إليه .
٤٤/٩
ومعنى قوله: ((لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا))، لئن لم يتعطف علينا ربنا
بالتوبة برحمته، ويتغمد بها ذنوبنا، لنكونن من الهالكين الذين حبطت أعمالهم. (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَنَ
أَسِفَ قَالَ بِثْسَمَاَ خَلَقْتُمُونِى مِن ◌ْ بَعْدِىّ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ولما رجع موسى إلى قومه من
بنى إسرائيل، رجع غضبان أسفاً، لأن الله كان قد أخبره أنه قد فتن قومه، وأن
السامرى قد أضلّهم ، فكان رجوعه غضبان أسفاً لذلك.
٥
و((الأسف)) شدة الغضب، والتغيظ به على من أغضبه، كما :-
١٥١٢٤ - حدثنى عمران بن بكار الكلاعى قال، حدثنا عبد السلام بن
محمد الحضرمى قال ، حدثنى شريح بن يزيد قال ، سمعت نصر بن علقمة يقول :
قال أبو الدرداء: قول الله:((غضبان أسفاً))، قال: ((الأسف))، منزلة وراء الغضب،
(١) فى المطبوعة: ((قالوا لئن ترحمنا ربنا))، بتأخير ((ربنا))، والصواب تقديمها
كما فى المخطوطة. وهو تصرف سىء من الناشر. انظر التعليق السالف.
(٢) انظر تفسير ((الرحمة)) و((المغفرة)) و((الخسران)) فيما سلف (رحم) (غفر)
( خسر ) .