النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ تفسير سورة الأعراف : ١٣٣ السنين ونقص من الثمرات ، وأراهم يدَ موسى عليه السلام وعصاه . ١٥٠١٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على ، عن ابن عباس: ((فأرسلنا عليهم الطوفان ))، وهو المطر ، حتى خافوا الهلاك ، فأتوا موسى فقالوا: يا موسى ، ادع لنا ربك أن يكشف عنّاء. المطر، [إنا نؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم المطر].(١) فأنبت اللّه به حربهم ، وأخصب به بلادهم، فقالوا: ما نحبُّ أنا لم تُمطر بترك ديننا ، فلن نؤمن لك ، ولن نرسل معك بنى إسرائيل ! فأرسل الله عليهم الجراد ، فأسرعَ فى فسادٍ ثمارهم وزروعهم، فقالوا : يا موسى ، ادع لنا ربك [أن يكشف عنا الجراد ، فإنا سنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل!]. (٢) فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد ، وكان قد بقى من زرعهم ومعاشهم بقايا ، فقالوا ، قد بقى لنا ما هو كافينا ، فلن نؤمن لك، ولن نرسل معك بنى إسرائيل. فأرسل الله عليهم القُمَّل= وهو الدَّبى - فتتبع ما كان ترك الجراد، فجزعوا وأحسُّوا بالهلاك ، قالوا : يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا الدَّبى ، فإنا سنؤمن لك ، ونرسل معك بنى إسرائيل ! فدعا ربه فكشف عنهم الدَّبى ، فقالوا : ما نحن لك بمؤمنين، ولا مرسلين معك بنى إسرائيل! فأرسل الله عليهم الضفادع، فملأ بيوتهم منها ، ولقُوا منها أذَّى شديداً لم يلقوا مثله فيما كان قبله ، أنها كانت تثبُ فى قدورهم ، فتفسد عليهم طعامهم ، وتطفىء نيرانهم . قالوا : يا موسى ، ادع لنا ربك أن يكشف عنا الضفادع، فقد لقينا منها بلاءً وأذى، فإنا سنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل ! فدعا ربه ، فکشفعنهم الضفادع ، فقالوا: لا نؤمن لك ، ولا نرسل معك بنی إسرائيل! فأرسل الله عليهم الدّم ، فجعلوا لا يأكلون إلا الدم ، ولا يشربون إلا الدم ، فقالوا : يا موسى، ادع لنا ربك أن يكشف عنّا الدم ، فإنا سنؤمن لك ، (١) فى المخطوطة، أسقط ما بين القوسين، وإثباته حق الكلام. (٢) ما بين القوسين ، ليس فى المخطوطة. ٦٢ تفسير سورة الأعراف : ١٣٣ ٢٥/٩ وترسل معك بنى إسرائيل! فدعا ربه ، فكشف عنهم الدم ، فقالوا : يا موسى ، لن نؤمن لك ، ولن نرسل معك بنى إسرائيل ! فكانت آيات مفصّلات بعضها على إثر بعض، ليكون لله عليهم الحجة ، فأخذهم اللّه بذنوبهم، فأغرقهم فى اليم". ١٥٠٢٠ - حدثنى عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم قال ، حدثنا سفيان قال ، حدثنا أبو سعد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : أرسل على قوم فرعون الآيات: الجراد ، والقمّل ، والضفادع، والدم ، آياتٌ مفصّلات . قال: فكان الرجل من بنى إسرائيل يركبُ مع الرجل من قوم فرعون فى السّفينة ، فيغترف الإسرائيلى ماءً ، ويغترف الفرعونى دماً . قال : وكان الرجل من قوم فرعون ينام فى جانب ، فيكثر عليه القمل والضفادع حتى لا يقدر أن ينقلب على الجانب الآخر . فلم يزالوا كذلك حتى أوحى الله إلى موسى: أنْ أسْرٍ بعبادي إنكم متَّبعون. ١٥٠٢١ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثی أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قال : لما أتى موسى فرعون بالرسالة، أبى أن يؤمن وأن يرسل معه بنى إسرائيل ، فاستكبر، قال : لن أرسل معك بنى إسرائيل! (١) فأرسل الله عليهم الطوفان = وهو الماء = أمطر عليهم السماء ، حتى كادوا يهلكون ، وامتنع منهم كل شىء ، فقالوا : يا موسى ، ادع لنا ربك بما عهد عندك ، لأن كشفت عنّا هذا لنؤمننّ لك ولنرسلن ، مك بنى إسرائيل! فدعا الله فكشف عنهم المطر، فأنبت الله لهم حُروثهم، وأحيى بذلك المطركلّ شيء من بلادهم ، فقالوا: والله ما نحبَ أنا لم نكن أمطرنا هذا المطر ، ولقد كان خيراً لنا ، فلن نرسل معك بنى إسرائيل ، ولن نؤمن لك يا موسى ! فبعث الله عليهم الجراد ، فأكل عامة حروبهم ، وأسرع الجراد فى فسادها ، فقالوا : يا موسى ، ادع لنا ربك يكشف عنا الجراد ، فإنا مؤمنون لك ، ومرسلون معك بنى إسرائيل ! (١) فى المطبوعة: ((لن نرسل))، وأثبت ما فى المخطوطة. ٦٣ تفسير سورة الأعراف : ١٣٣ فكشف الله عنهم الجراد. وكان الجراد قد أبقى لهم من حروبهم بقيّة، فقالوا: قد لنا بَفى من حروثنا ما كان كافِينًا، فما نحن بتاركى ديننا، ولن نؤمن لك ، ولن ترسل معك بنى إسرائيل! فأرسل الله عليهم القمّل = و((القمّل))، الدبى، وهو الجراد الذى ليست له أجنحة = فتتبع ما بقى من حروثهم وشجرهم وكل نبات كان لهم، فكان القمّل أشدّ عليهم من الجراد، فلم يستطيعوا للقمل حيلةٌ، وجزعوا من ذلك . وأتوا موسى فقالوا : يا موسى ، ادع لنا ربك يكشف عنا القمل ، فإنه لم يبق لنا شيئاً ، قد أكل ما بقى من حروثنا! ولئن كشفت عنا القمل لنؤمن لك، ولنرسلن معك بنى إسرائيل! فكشف الله عنهم القمل، فنكثوا ، وقالوا: لن نؤمن لك، ولن نرسل معك بنى إسرائيل! فأرسل الله عليهم الضفادع، فامتلأت منها البيوتُ، فلم يبق لهم طعام ولا شراب إلا وفيه الضفادع ، فلقوا منها شيئاً لم يلقوه فيما مضى ، فقالوا: يا موسى ، ادع لنا ربّك لئن كشفت عنا الرَّجز لنؤمنن لك ولترسلن معك بنى إسرائيل! قال : فكشف الله عنهم ، فلم يفعلوا ، فأنزل الله: ((فلمَّا كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون))، إلى ((وكانوا عنها غافلين )) . ١٥٠٢٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال ، حدثنا الحسن بن واقد ، عن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كانت الضفادع برِّيّة ، فلما أرسلها اللّه على آل فرعون ، سمعت وأطاعت ، فجعلت تغرق أنفسها فى القُدُور وهى تغلى، وفى التنانير وهى تفور ، فأثابها الله بحسن طاعتها بَرْدَ الماء. ١٥٠٢٣ - حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال: فرجع عدوّ الله - يعنى فرعون، حين آمنت السحرة = مغلوباً مغلولاً ، ثم أبى إلا الإقامة على الكفر ، والتمادى فى الشر ، فتابع اللّه عليه بالآيات ، وأخذه بالسنين ، فأرسل عليه الطوفان ، ثم الجراد ، ثم القمل ، ثم الضفادع، ثم الدم ، آيات مفصلات، فأرسل الطوفان = وهو الماء = ففاض على وجه الأرض ثم ركد، لا يقدرون على أن ٦٤ تفسير سورة الأعراف : ١٣٣ يحرُتُوا ولا يعملوا شيئاً، حتى جُهِدوا جوعاً . فلما بلغهم ذلك، قالوا: يا موسى ، ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنين لك ولنرسلن معك بنى إسرائيل ! فدعا موسى ربه، فكشفه عنهم ، فلم يفُوا له بشىء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم الجراد ، فأكل الشجر، فيما بلغنى ، حتى إنْ كان ليأكل مساميرَ الأبواب من الحديد ، حتى تقع دورهم ومساكنهم ، فقالوا مثل ما قالوا ، فدعا ربه فكشفه عنهم، فلم يفوا له بشىء مما قالوا . فأرسل الله عليهم القمّل، فذكر لى أنّ موسى أمر أن يمشى إلى كثيب حتى يضربه بعصاه. فمضى إلى كثيبٍ أهيل عظيم ، (١) فضربه بها، فانثَالَ عليهم قمَّلاً ، (٢) حتى غلب على البيوت والأطعمة، ومنعهم النوم والقرار . فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا ، فدعا ربه فكشفه عنهم ، فلم يفوا له بشىء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم الضفادع، فملأت البيوت والأطعمة والآنية، فلا يكشف أحدٌ ثوباً ولا طعاماً ولا إناء إلاّ وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه . فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا ، فدعا ربه فكشفه عنهم ، فلم يفوا له بشىء مما قالوا. فأرسل الله عليهم الدم ، فصارت مياه آل فرعون دماً ، لا يستقون من بئر ولا نهر، ولا يغترفون من إناء، إلا عاد دماً عبيطاً. (٣) ١٥٠٢٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنا محمد بن إسحق ، عن محمد بن كعب القرى: أنه حُدِّث: أن المرأة من آل فرعون كانت تأتى المرأةَ من بنى إسرائيل حين جهدهم العطش، فتقول : اسقينى من مائك ! فتغرف لها من جرَّتها أو تصبّ لها من قربتها، فيعود فى الإناء دماً، حتى إن كانت لتقول لها: اجعليه فى فيك ، ثم مُجِّه فى فىَّ فتأخذ فى فيها ماءً، فإذا مجته فى فيها صار دماً، فمكثوا فى ذلك سبعة أيام . (٤) (١) ((كثيب أهيل)) (على وزن أفعل): منهال لا يثبت رمله حتى يسقط. (٢) ((انثال التراب انثيالا)): انصب انصباباً من كل وجه. (٣) الأثر: ١٥٠٢٣ - هذا الخبر رواه أبو جعفر فى تاريخه ١ : ٢١٥. (٤) الأثر : ١٥٠٢٤ - هذا الخبر رواه أبو جعفر فى تاريخه مطولا ١: ٢١٥، ٢١٦. ٢٦/٩ ٦٥ تفسير سورة الأعراف : ١٣٣ ١٥٠٢٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد : الجراد يأكل زروعهم ونباتهم، والضفادع تسقط على فرشهم وأطعمتهم، والدم يكون فى بيوتهم وثيابهم ومائهم وطعامهم . = قال ، حدثنا شبل ، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: لما سال النَّيْلُ دماً، فكان الإسرائيلى يستقى ماء طيّباً ، ويستقى الفرعونى دماً . ويشتركان فى إناء واحد ، فيكون ما يلى الإسرائيلى ماءً طيّباً، وما يلى الفرعونى دماً . ١٥٠٢٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن أبى بكر قال، حدثنى سعيد بن جبير : أن موسى لمّا عالج فرعون بالآيات الأربع : العصا ، واليد ، ونقص من الثمرات ، والسنين = قال . يارب ، إن عبدك هذا قد علا فى الأرض وَعَتَا فى الأرض، وبغى علىّ وعلا عليك، وعالى بقومه، ربِّ خذ عبدك بعقوبة تجعلها له ولقومه نِقْمةً، وتجعلها لقومى عظةً، ولمن بعدى آيةً فى الأمم الباقية ! فبعث الله عليهم الطوفان = وهو الماء = وبيوت بنى إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة بعضها فى بعض، فامتلأت بيوت القبط ماء" حتى قاموا فى الماء إلى تراقيهم، من جلس منهم غرق ، (١) ولم يدخل فى بيوت بنى إسرائيل قطرة . فجعلت القبط تنادى موسى : ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لتؤمنين لك ولنرسلن معك بنى إسرائيل! قال : فواثقوا موسى ميثاقاً أخذَ عليهم به عهودهم . وكان الماء أخذهم يوم السبت، فأقام عليهم سبعة أيام إلى السبت الآخر . فدعا موسى ربه ، فرفع عنهم الماء، فأعشبت بلادهم من ذلك الماء، فأقاموا شهراً فى عافية، ثم جحدوا وقالوا : ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا ، وخصباً لبلادنا ، ما نحب أنه لم يكن . = قال : وقد قال قائل لابن عباس : إنى سألت ابن عمر عن الطوفان، فقال : ما أدرى، موتاً كان أوماء! فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر ((سورة العنكبوت))، حین (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((من حبس))، والصواب ما أثبت. ج ١٣ (٥) ٦٦ تفسير سورة الأعراف : ١٣٣ ٢٧/٩ ذكر الله قوم نوح فقال: ﴿فَأَخَذَّهُمُ الطُّوْفَنُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [سورة العنكبوت: أرأيت لو ماتوا ، إلى مَنْ جاء موسى عليه السلام بالآيات الأربع بعد الطوفان ؟ = قال فقال موسى : يارب إن عبادك قد نقضُوا عهدك ، وأخلفوا وعدى ، وب خذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومى عظة، ولمن بعدهم آية فى الأمم الباقية ! قال: فبعث الله عليهم الجراد، فلم يدع لهم ورقةً ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلا أكله، (١) حتى لم يُبْقِ جَنّى، (٢) حتى إذا أفنى الخضر كلها ، أكل الخشب، حتى أكل الأبواب وسقوف البيوت . وابتلى الجراد بالجوع ، فجعل لا يشبع ، غير أنه لا يدخل بيوتَ بنى إسرائيل، فعجُّوا وصاحُوا إلى موسى، (٣) فقالوا: يا موسى، هذه المرّة ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك ولنرسلنّ معك بنى إسرائيل! فأعطوه عهدَ الله وميثاقه، فدعا لهم ربّه ، فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ، ثم أقاموا شهراً فى عافية، ثم عادوا لتكذيبهم والإنكارهم ولأعمالهم أعمال السَّوْء . قال: فقال موسى : يا رب ، عبادُك، قد نقضوا عهدى، وأخلفوا موعدى ، فخذهم بعقوبة تجعلُها لهم نقمة، ولقومى عظة ، ولمن بعدى آية فى الأمم الباقية ! فأرسل الله عليهم القمَّل = قال أبو بكر : سمعت سعيد بن جبير والحسن يقولان: كان إلى جنبهم کثیب أعفر بقریة من قری مصر تدعی (( عین شمس »، (٤) فمشی موسی إلى ذلك الكئيب، فضربه بعصاه ضربةً صارَ قمّلاً تدبّ إليهم = وهی دواب سود صغار. فدبَّ إليهم القمثّل، فأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفارَ عيونهم وحواجبهم، ولزم جلود هم كأنه الجدرىّ عليهم، فصرخوا وصاحوا إلى موسى : إنا نتوب ولا نعود ، (١) فى المطبوعة: ((إلا أكلها))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب. (٢) ((الجنى)) الثمر كله. (٣) ((عج يعج عجا)): رفع صوته وصاح بالدعاء والاستغاثة. (٤) ((الكثيب الأعفر)): هو هنا الأحمر. ٦٧ تفسير سورة الأعراف : ١٣٣ فادع لنا ربك! فدعا ربه فرفع عنهم القمل بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت . فأقاموا شهراً فى عافية ، ثم عادوا وقالوا: ما كنّا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر مِنّا اليوم، جعل الرَّمل دوابٌ! وعزّة فرعون لا نصدّقُه أبداً ولا نتبعه ! فعادوا لتكذيبهم وإنكارهم، فدعا موسى عليهم فقال: يارب إن عبادك نقضوا عهدى ، وأخلفوا وعدى ، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ، ولقومى عظة ، ولمن بعدى آية فى الأمم الباقية ! فأرسل الله عليهم الضفادع، فكان أحدهم يضطجع فتركبه الضفادع، فتكون عليه رُكاماً حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى الشق الآخر، ويفتح فاه لأكثلته، فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه، ولا يعجن عجيناً إلا تسدّحّت فيه ، (١) ولا يطبخ قِدْراً إلا امتلأت ضفادع، فعذِّبوا بها أشد العذاب، فشكوا إلى موسى عليه السلام وقالوا: هذه المرة نتوب ولا نعود! فأخذَ عهدهم وميثاقهم . ثم دعا ربه فكشف الله عنهم الضفادع بعد ما أقام عليهم سبعاً من السبت إلى السبت . فأقاموا شهراً فى عافية، ثم عادوا لتكذيبهم وإنكارهم وقالوا: قد تبيَّن لكم سحره ، يجعل التراب دوابًّ ، ويجىء بالضفادع فى غير ماء! فآذوا موسى عليه السلام ، فقال موسى : يا رب إن عبادك نقضوا عهدى ، وأخلفوا وعدى ، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم عقوبة، ولقومى عظة، ولمن بعدى آية فى الأمم الباقية ! فابتلاهم اللّه بالدم ، فأفسد عليهم معايشهم ، فكان الإسرائيلى والقبطىّ يأتيان النيل فيستقيان ، فيخرج للإسرائيلىّ ماءً، ويخرج القبطى دمًا. ويقومان إلى الحُبِّ فيه الماءُ، (٢) فيخرج الإسرائيلى فى إنائه ماءً، والقبطى دمًا. ١٥٠٢٧ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد (١) فى المطبوعة: ((تشدخت)) بالشين والخاء، ولا معنى لها هنا، وهى من المخطوطة غير منقوطة، وكأن هذا صواب قراءتها. يقال: ((سدح الشىء) إذا بسطه على الأرض أو أضجعه. و ((انسدح الرجل)) استلقى وفرج رجليه. وقوله ((تسلح)) (بتشديد الدال)، قياس عربى صحيح . (٢) ((الحب)) (بضم الجاء) : الجرة الضخمة يكون فيها الماء . ٦٨ تفسير سورة الأعراف : ١٣٣ قال، سمعت مجاهداً فى قوله: ((فأرسلنا عليهم الطوفان))، قال: الموت = ((والجراد)) قال: الجراد يأكل أمتعتهم وثيابهم ومسامير أبوابهم = ((والقمل))، هو الدّبى، سلطه الله عليهم بعد الجراد = قال: ((والضفادع))، تسقط فى أطعمتهم التى فى بيوتهم وفى أشربتهم . (١) وقال بعضهم: ((الدم))، الذى أرسله الله عليهم، كان رُعافاً. • ذكر من قال ذلك : ١٥٠٢٨ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا أحمد بن خالد قال ، حدثنا. يحيى بن أبى بكير قال، حدثنا زهير قال، قال زيد بن أسلم: أما ((القمل)) فالقمل = وأما ((الدم))، فسلط الله عليهم الرُّعاف. (٢) وأما قوله: ((آيات مفصلات))، فإن معناه: علامات ودلالات على صدّة ٢٨/٩ نبوة موسى، (٣) وحقيقة ما دعاهم إليه (٤)- (مفصلات))، قد فصل بينها، فجعل بعضها يتلو بعضاً، وبعضها فى إثر بعض. (٥) (١) الأثر: ١٥٠٢٧ - ((أبو سعد المدنى))، وكان فى المخطوطة، والمطبوعة: ((ابن سعد))، وهو خطأ، وهو إسناد مر مراراً، أقربه رقم : ١٤٩١٦. (٢) الأثر: ١٥٠٢٨ - ((أحمد بن خالد))، كأنه ((أحمد بن خالد بن موسى الوابى))، مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ١ / ١ / ٤٩ و ((يحيى بن أبى بكير الأسدى))، مضى مراراً، آخرها رقم: ٧٥٤٤، و((زهير))، هو: ((زهير بن محمد التميمى))، مضى برقم: ٥٢٣٠، ٦٦٢٨. (٣) انظر تفسير (آية)) فيما من فهارس اللغة اللغة (أي) (٤) فى المطبوعة: ((وحقية)) مكان ((وحقيقة))، فعل بها كما فعل بكل أخواتها من قبل. انظر ما سلف ١٢ : ٢٤٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٥) وانظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ١٢: ٤٧٧، تعليق: ١، والمراجع هناك. ٦٩ تفسير سورة الأعراف : ١٣٣ وبنحو الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : ٠ ١٥٠٢٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن"عباس قال: فكانت آيات مفصلات بعضها فى إثر بعض، ليكون لله الحجة عليهم، فأخذه الله بذنوبهم: فأغرقهم فى المّ .. ١٥٠٣٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى [حجاج، عن ابن جريج قوله: ((آيات مفصلات))، قال: يتبع بعضها بعضاً، ليكون لله عليهم الحجة، فينتقم منهم بعد ذلك. وكانت الآية تمكث فيهم من السبت إلى السبت، وترفع عنهم شهراً، قال الله عز وجل: ((فانتقمنا منهم فأغرقناهم فى اليمّ)) الآية. ١٥٠٣١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحق : ((آيات مفصلات))، أى: آية بعد آية، يتبع بعضها بعضاً. (١) وكان مجاهد يقول فيما ذكر عنه فى معنى ((المفصلات))، ما :- ١٥٠٣٢ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهداً يقول فى ((آيات مفصلات))، قال: معلومات . (١) الأثر: ١٥٠٣١ - هو قطعة من الأثر السالف رقم: ١٥٠٢٣، أسقطها أبو جعفر من صلب الكلام، وأفردها ههنا . وأما فى التاريخ ١ : ٢١٥، فقد ساق الخبر متصلا، وفيه هذه الجملة من التفسير . ٧٠ تفسير سورة الأعراف : ١٣٣، ١٣٤ القول فى تأويل قوله ﴿ فَاسْتَكْبَرُاْ وَكَانُواْ قَوْمَاً مُجْرِمِينَ﴾ ( قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فاستكبر هؤلاء الذين أرسل الله عليهم ما ذكر فى هذه الآيات من الآيات والحجج ، عن الإيمان بالله وتصديق رسوله موسى صلى الله عليه وسلم، واتباعه على ما دعاهم إليه، وتعظموا على اللّه وعتوا عليه (١) = ((وكانوا قوماً مجرمين))، يقول: كانوا قوماً يعملون بما يكرهه الله من المعاصى والفسق، عتوًّا وتمرّداً. (٢) ٠ ٠ ٠ ١٣٣ القول فى تأويل قوله ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يُمُوسَى ادْعُ لَنَرَبَّكَ بِمَ عَهِدَ عِندَكَ لَبِن كَثَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَغُرْسِلَنَّ مَعَكَ بِىَ إِسْرَآءَيلَ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((ولما وقع عليهم الرجز))، ولما نزل بهم عذاب الله، وحلّ بهم سخطه . ثم اختلف أهل التأويل فى ذلك ((الرجز)) الذى أخبر الله أنه وقع بهؤلاء القوم. فقال بعضهم : كان ذلك طاعوناً . · ذكر من قال ذلك : ١٥٠٣٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمى ، عن جعفر بن المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال: وأمر موسى قومه من بنى إسرائيل = وذلك (١) انظر تفسير ((الاستكبار)) فيما سلف ١٢: ٥٦١، تعليق: ٣، والمراجع هناك: (٢) انظر تفسير ((الإجرام)) فيما سلف ١٢: ٢٠٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك. ٧١ تفسير سورة الأعراف : ١٣٤ بعد ما جاء قوم فرعون بالآيات الخمس: الطوفان وما ذكر اللّه فى هذه الآية ، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل = فقال: ليذبح كل رجل منكم كبشاً ، ثم ليخضب كفّه فى دمه ، ثم ليضرب به على بابه ! فقالت القبط لبنى إسرائيل : لم تعالجُون هذا الدمَ على أبوابكم؟ (١) فقالوا: إن اللّه يرسل عليكم عذاباً ، فنسلم وتهلكون. فقالت القبط: فما يعرفكم الله إلاّ بهذه العلامات؟ فقالوا: هكذا أمرنا به نبيّنا! فأصبحوا وقد طُعِن من قوم فرعون سبعون ألفاً، فأمسوا وهم لا يتدافنون. فقال فرعون عند ذلك: ((ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفتَ عنا الرجز))، وهو الطاعون، ((لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى إسرائيل)). فدعا ربه ، فكشفه عنهم ،فکان أوفاهم کلّهم فرعون، فقال لموسى : اذهب ببنى إسرائيل حيث شئت . ١٥٠٣٤ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حبويه الرازى وأبوداود الحفرى ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير = قال حبويه ، عن ابن عباس= ((لئن كشفت عنا الرجز))، قال : الطاعون . وقال آخرون : هو العذاب . * ذكر من قال ذلك : ١٥٠٣٥ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((الرجز)) ، العذاب . ١٥٠٣٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله . ١٥٠٣٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((فلما كشفنا عنهم الرجز)) ، أى العذاب . ١٥٠٣٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال ، (١) فى المطبوعة: ((لم تجعلون))، وفى المخطوطة كما أثبتها. سيئة الكتابة، ومعناها قريب من الصواب إن شاء الله ٧٢ تفسير سورة الأعراف : ١٣٤ حدثنا معمر ، عن قتادة: ((ولما وقع عليهم الرجز))، يقول : العذاب. ١٥٠٣٩ - حدثنى يونس قال : أخبرنا بن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((ولما وقع عليهم الرجز))، قال، ((الرجز))، العذاب الذى سلط الله عليهم من الجراد والقمل وغير ذلك ، وكلّ ذلك يعاهدونه ثم ينكثون . ٠ ٠٠ وقد بينا معنى ((الرجز)) فيما مضى من كتابنا هذا ، بشواهده المغنية عن إعادتها .(١) قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب فى هذا الموضع أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن فرعون وقومه أنهم لما وقع عليهم الرجز = وهو العذاب والسخط من اللّه عليهم = فزعوا إلى موسى بمسألته ربَّه كشفَ ذلك عنهم . وجائز أن يكون ذلك ((الرجز)) كان الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، لأن كل ذلك كان عذاباً عليهم = وجائز أن يكون ذلك ((الرجز)) كان طاعوناً، ولم يخبرنا اللّه أىّ ذلك كان ، ولا صحَّ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأىٌّ ذلك كان، خبرٌ ، فتسلم له. فالصواب أن نقول فيه كما قال جل ثناؤه: ((ولما وقع عليهم الرجز)»، ولا تتعداه إلا بالبيان الذى لا تمانع فيه بين أهل التأويل، وهو: لما حل بهم عذاب الله وسخطه . ٠ ٥ = ((قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك))، يقول: بما أوصاك وأمرك به. ٠٠ وقد بينا معنى: ((العهد))، فيما مضى. (٢) = (( لْن كشفت عنا الرجز))، يقول: من رفعت عنا العذاب الذى نحن (١) انظر تفسير ((الرجز)) فيما سلف ٢: ١١٦ - ١٢/١١٨: ٥٢١. (٢) انظر تفسير ((العهد)) فيماسلف ص: ١٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك. : ٢٩/٩ ٧٣ تفسير سورة الأعراف : ١٣٤، ١٣٥ فيه (١) = ((لنؤمننّ لك))، يقول: لنصدقن بما جئت به ودعوت إليه، ولنقرَّنّ به لك = ((وانرسلن معك بنى إسرائيل))، يقول: ولنخلِّين معك بنى إسرائيل ، فلا نمنعهم أن يذهبوا حيث شاؤوا . ٥ القول فى تأويل قوله ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ مُ بَلِعُوهُ إِذَاُمْ يَتَكُثُونَ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فدعا موسى ربه فأجابه ، فلما رفع الله عنهم العذاب الذى أنزله بهم = ((إلى أجل هم بالغوه))، ليستوفوا عذاب أيامهم التى جعلها الله لهم من الحياة أجلاً، إلى وقت هلاكهم (٢)= ((إذا هم ينكثون ))، يقول : إذا هم ينقضون عهود هم التى عاهدوا ربِّهم وموسى، ويقيمون على كفرهم وضلالهم . وبنحو الذى قلنا فى ذلك فال أهل التأويل . # ذکر من قال ذلك : ١٥٠٤٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((إلى أجل هم بالغوه))، قال : عدد مسمّى لهم من أيامهم. ١٥٠٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، نحوه ١٥٠٤٢ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، (١) انظر تفسير ((الكشف)) فيما سلف ١١: ٣٥٤. (٢) انظر تفسير ((الأجل)) فيما سلف ١٢: ٤٠٥، تعليق: ٢، والمرجع هناك. ٧٤ تفسير سورة الأعراف : ١٣٥، ١٣٦ حدثنا أسباط، عن السدى: ((فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون))، قال: ما أعطوا من العهود، وهو حين يقول الله: ((ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين))، وهو الجوع = ((ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون)). القول فى تأويل قوله ﴿فَأَنتَقْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فى أَلْيَمِ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بَّايُقِنَا وَكَانُواْ عَنْهَ غَفِلِينَ) (١٠) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما نكثوا عهودهم = ((انتقمنا منهم)) يقول : انتصرفا منهم بإحلال نقمتنا بهم، (١) وذلك عذابه (فأغرقناهم فى اليم))، وهو البحر ، كما قال ذو الرمة : دَاوِيَّةٌ وَدُجَىْ لَيْلٍ كَأَنَّهُاَ يَّ تَرَاطَنُ فِى حَافَتِ الرُّومُ(٣) (١) انظر تفسير ((الانتقام)) فيما سلف ١١ : ٤٧ ، ٥٦ ، ٥٧ . (٢) ديوانه: ٥٧٦، من قصيدة باذخة، وهذا البيت منها فى صفه فلاة مخوفة، يقول قبله: يَهَاءَ، خَبِطُهَا بِالخَوْفِ مَكْتُومُ بَيْنَ الرَّجَ والرَّجَ مِن جَنْبٍ وَاصِيَةٍ ◌ِجِنِّ بِلَّيْلِ فِى حَفَتِهَا زَجَلٌ. كَمَا تَجَوَبَ يَوْمَ الرِّيحِ عَيْشُومُ ذَاتَ الثَّعَائِلِ وَالأَيْمَنِ هَيْنَومُ هَنَّا، وَهَنَّا، وَمِنْ هَنَّا، لَهُنَّ بِهِاَ دَوِّيَّةٌ وَدُجَى لَيْلُ. ((الرجا) الناحية. و((الواصية))، فلاة تتصل بفلاة مخوفة أخرى، كأن بعضها يوصى بعضاً بالأهوال. و((خابطها)) السارى فيها لا يكاد يهتدى. ((يهباء))، مبهمة لايكاد المرء يهتدى فيها. و((مكعوم)) مشدود الفم، لا يطيق أن ينطق من الرعب، و((زجل الجن))، صوتها وعزيفها. و ((العيشوم)) فبت له خشخشة إذا هبت عليه الريح. و((الهينوم))، الهينمة، وهو صوت تسمعه ولا تفهمه. يقول: تأتيه هذه الأصوات من يمين وشمال. و(الدوية)) و((الداوية، الفلاة التى يسمح فيها دوى الصوت ، لبعد أطرافها . وهذا شعر فاخر . ٧٥ تفسير سورة الأعراف : ١٣٦ وكما قال الراجز : (١) كَبَاذِخِ الْيَمِّ سَقَاهُ أَلَء .(٢) = ((بأنهم كذبوا بآياتنا))، يقول : فعلنا ذلك بهم بتكذيبهم بحججنا وأعلامنا التى أريناهموها(٣)= ((وكانوا عنها غافلين))، يقول: وكانوا عن النقمة التى أحللناها بهم ، غافلين قبل حلولها بهم أنّها بهم حالَّةٌ . ... و((الهاء والألف)) فى قوله: ((عنها))، كنابة من ذكر ((النقمة)). فلوقال قائل: هى كناية من ذكر (الآيات))، ووجه تأويل الكلام إلى : وكانوا عنها معرضين = فجعل إعراضهم عنها غفولاً منهم عنها إذْ لم يقبلوها ، كان مذهباً . ٥ يقال من ((الغفلة))، ((غفل الرجل عن كذا يغفُل عنه غَفْلة وغُفُولاً" وغَفَلاً)). (٤) (١) هو العجاج . (٢) ديوانه: ٦٣، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٢٧، من أرجوزة ذكر فيها مسعود بن عمرو العتكى الأزدى، وما أصابه وقومه من تميم رهط العجاج . فقال يذكر تميما وخزيمة ، وقيس عيلان ، حين اجتمعت كتائبهم وجيوشهم : بِذِى عُبَبٍ بَجَرُهُ غِطَمُّ وَأَصْحَروا حين أُسْتَجَمَّ الجَمُّ كَبَاذِخِ البَمِّ سَقَاءُ الْيَمُّ لَهُ نَوَاحٍ وَلَهُ أُسْطُمُ وكان فى المطبوعة: ((كمادح اليم))، وهو خطأ، لم يحسن قراءة المخطوطة، وقوله: ((كباذخ اليم))، يعنى موج البحر، ((سقاه اليم))، أى: أمده اليم، فهو لا يزال فى علو وارتفاع. و ((الغطم))، البحر الكثير الماء الملتطم الموج. و((أسطم البحر))، مجتمعه ووسطه، حيث يضرب بعضه بعضاً من كثرته . (٣) انظر تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة ( أبى ) (٤) انظر تفسير ((الغفلة)) فيما سلف ٢: ٢٤٤، ٣١٦ /٣: ١٢٧، ١٨٤ /٩: ١٦٢ ولم يبين فيما سلف هذا البيان الذى جاء به هنا . ٧٦ تفسير سورة الأعراف : ١٣٧ القول فى تأويل قوله ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشْرِقَ الْأَرْضِ وَمَغْرِهَا الَّتِى بَرَكْنَاَ فِيهَاَ وَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ اُلْسْنَى عَلَى نَِىَ إِسْرََّيلَ بَِ صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُو وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ) (٦) ٢٠/٩ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأورثنا القوم الذين كان فرعون وقومه يستضعفونهم فيذبحون أبناءهم ، ويستحيون نساءهم ، ويستخدمونهم تسخيراً واستعباداً من بنى إسرائيل(١) = ((مشارق الأرض))، الشأم، وذلك ما يلى الشرق منها = ((ومغاربها التي باركنا فيها))، يقول: التى جعلنا فيها الخير ثابتاً دائماً لأهلها . (٢) وإنما قال جل ثناؤه: ((وأورثنا))، لأنه أورث ذلك بنى إسرائيل بمهلك من كان فيها من العمالقة . ٥ وبمثل الذى قلنا فى قوله: ((مشارق الأرض ومغاربها))، قال أهل التأويل. · ذکر من قال ذلك : ١٥٠٤٣ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا یحی بن یمان ، عن إسرائيل ، عن فرات القزاز، عن الحسن فى قوله: ((وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها))، قال : الشأم . ١٥٠٤٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا إسرائيل، عن فرات القزاز قال ، سمعت الحسن يقول ، فذكر نحوه . ١٥٠٤٥ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان ، عن فرات (١) انظر تفسير ((الاستضعاف)) فيما ملف ١٢ : ٥٤٢. (٢) انظر تفسير ((البركة)) فيما سلف من فهارس اللغة (برك) ٧٧ تفسير سورة الأعراف : ١٣٧ القزاز، عن الحسن، ((الأرض التي باركنا فيها))، قال : الشأم. ١٥٠٤٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض الأرض ومغاربها التي باركنا فيها)) ، هى أرض الشام . ١٥٠٤٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة قوله: (( مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها))، قال : التى بارك فيها ، الشأم. وكان بعض أهل العربية يزعم أن ((مشارق الأرض ومغاربها))، نصب على المحلّ، بمعنى: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون فى مشارق الأرض ومغاربها = وأن قوله: ((وأورثنا)) إنما وقع على قوله: ((التى باركنا فيها)). (١) وذلك قولٌ لا معنى له ، لأن بنى إسرائيل لم يكن يستضعفهم أيام فرعون غيرُ فرعون وقومه ، ولم يكن له سلطان إلا بمصر ، فغير جائز والأمر كذلك أن يقال : الذين يستضعفون فى مشارق الأرض ومغاربها . فإن قال قائل : فإن معناه : فى مشارق أرض مصر ومغاربها - فإن ذلك بعيد من المفهوم فى الخطاب، مع خروجه عن أقوال أهل التأويل والعلماء بالتفسير. ٠ وأما قوله: ((وتمت كلمة ربك الحسنى))، فإنه يقول: وَفَى وعدُ اللّه الذى وعد بنى إسرائيل بتمامه على ما وعدهم ، من تمكينهم فى الأرض، ونصره إياهم على عدوّهم فرعون= ((وكلمته الحسنى)) قوله جل ثناؤه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضِْفُوا فِى الأَرْضِ وَبَجْعَلَهُمْ أَئِيَّةً وَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ (١) يعنى بالوقوع ، أنه تعدى إليه ، فهو له مفعول به. ٧٨ تفسير سورة الأعراف : ١٣٧ فِ الأَرْضِ وَتُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ [ سورة القصص: ٦،٥]. وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٥٠٤٨ -حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عیسی ، عن ابن أبى نجیح، عن مجاهد فى قول الله: ((وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل))، قال: ظهرَ قوم موسى على فرعون، و((تمكين اللّه لهم فى الأرض ))، ما ورثهم منها.(١) ١٥٠٤٩ - حدثنى المثى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، بنحوه. وأما قوله: ((ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه))، فإنه يقول: وأهلكنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع = ((وما كانوا يعرشون))، يقول : وما كانوا يبنون من الأبنية والقصور ، وأخرجناهم من ذلك كله ، وخرَبنا جميع ذلك. وقد بينا معنى ((التعريش ))، فيما مضى بشواهده. (٢) وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . . ذكر من قال ذلك : ١٥٠٥٠ - حدثی المثی قال، حدثنا عبد الله بن صالحقال، حدثنى معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((وما كانوا يعرشون))، يقول: يبنون. (١) فى المطبوعة: ((ظهور قوم موسى٠٠٠) ثم: ((وما ورهم منها)) بزيادة الواو، وأثبت ما فى المخطوطة ، فهو مستقيم غاية الاستقامة . (٢) انظر تفسير ((التعريش)) فيما سلف ١٢ : ١٥٦. ٧٩ تفسير سورة الأعراف : ١٣٧ ١٥٠٥١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((يعرشون))، يبنون البيوت والمساكن ما بلغت ، وكان عنبهم غير معرَّش .(١) ٣١/٩ ١٥٠٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله . واختلفت القرأة فى قراءة ذلك فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿ يَعْرِ شُونَ ) بكسر الراء = سوى عاصم ابن أبى النجود ، فإنه قرأه بضمها . ١٠٠ قال أبو جعفر: وهما لغتان مشهورتان فى العرب يقال: ((عَرَش يعرِش ويعْرُش)). فإذ كان ذلك كذلك، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، لا تّفاق مَعْنّى ذلك، (٢) وأنهما معروفان من كلام العرب. وكذلك تفعل العرب فى ((فَعَل))، إذا ردّته إلى الاستقبال تضمُّ العين منه أحياناً وتكسره أحياناً. غير أن أحبَّ القراءتين إلىّ كسر ((الراء))، لشهرتها فى العامة، وكثرة القرأة بها، وأنها أصحُّ اللغتين. # (١) فى المطبوعة: ((غير معروش))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((معنى ذلك)) بالإفراد، وأثبت ما فى المخطوطة بالتثنية. ٨٠ تفسير سورة الأعراف : ١٣٨ القول فى تأويل قوله ﴿وَجَلُوَزْنَا بِيَنِىّ إِسْرََّيلَ الْبَحْرَ فَأَنَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىَّ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْمَلِ لَّنَا إِلَهَاَ كَمَاً لَهُمْ ءَالِيَةٌ قَلَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٦) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وقطعنا ببنى إسرائيل البحر بعد الآيات التى أريناهموها ، والعبر التى عاينوها على يدى فىّ اللّه موسى، فلم تزجرهم تلك الآيات، ولم تعظهم تلك العبر والبينات ! حتى قالوا= مع معاينتهم من الحجج ما يحق أن يذكُرَ معها البهائم، إذ مرُّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ، يقول: يقومون على مُثُل لهم يعبدونها من دون الله (١) -(اجعل لنا)) يا موسى ((إلها)، يقول: مثالاً نعبده وصما نتخذُه إلهاً، كما لهؤلاء القوم أصنامٌ يعبدونها. ولا تنبغى العبادة لشىء سوى الله الواحد القهار. وقال موسى صلوات الله عليه: إنكم، أيها القوم ، قوم تجهلون عظمة اللّه وواجبَ حقه عليكم، ولا تعلمون أنه لا تجوز العبادة لشىء سوى الله الذى له ملك السموات والأرض . ٠ # وذكر عن ابن جريج فى ذلك ما :- ١٥٠٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج : (( وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم))، قال ابن جريج: ((على أصنام لهم))، قال: تماثيل بقر. فلما كان عجل السامرىّ شبه لهم أنه من تلك البقر، فذلك كان أوّل شأن العجل: ((قالوا : يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهاون)). ٠ ٠ ٠ (١) انظر تفسير ((العكوف)) فيما سلف ٣ : ٤١، ٥٣٩، ٥٤٠ . و((المثل)) (بضمتين) جمع ((مثال)) (بكسر الميم)، وهو الصورة، مثل ((التمثال)).