النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٣٧
تفسير سورة الأعراف : ١٦
يقال: ((توجّه مكة))، أى: إلى مكة، وكما قال الشاعر: (١)
كَأَتِى إِذْ أَنْقَى لِأَظْفَرَ طَائِرًا مَعَ النَّجْمِ مِنْ جَوِّ الَّمَاءِ يَصُوبُ(٢)
بمعنى: لأظفر بطائر، فألقى ((الباء))، وكما قال: ﴿أَعَجِلْتُ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾،
[سورة الأعراف: ١٥٠]، بمعنى: أعجلتم عن أمر ربكم .
٠
٠ ٠
وقال بعض نحوبى الكوفة ، المعنى ، والله أعلم: الأقعدن لهم على طريقهم ، ١٠١/٨
وفى طريقهم. قال: وإلقاء الصفة من هذا جائز، (٣) كما تقول: ((قعدت
لك وجهَ الطريق)) و((على وجه الطريق))، لأن الطريق صفة فى المعنى ، (٤)
فاحتمل ما يحتمله (اليوم)) و((الليلة)) و((العام))، (٥) إذا قيل: ((آتيك غداً))،
و « آ تیك فی غد)».
قال أبو جعفر : وهذا القول هو أولى القولين فى ذلك عندى بالصواب ، لأن:
((القعود)) مقتضٍ مكاناً يقعد فيه، فكما يقال: ((قعدت فى مكانك))، يقال:
((قعدت على صراطك))، و((فى صراطك))، كما قال الشاعر: (٦)
فِيهِ، كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ(٧)
لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفَةِّ يَعِْلُ مَثْنُهُ
(١) لم أعرف قائله.
(٢) لم أجد البيت فى غير هذا المكان.
(٣) ((الصفة)) هنا حرف الجر، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف، وستأتى بعد قليل
بمعنى ((الظرف)). انظر التعليق التالى .
(٤) ((الصفة)) هنا، هى ((الظرف))، وكذلك يسميه الكوفيون.
(٥) فى المطبوعة: ((يحتمل ما يحتمله))، وفى المخطوطة سقط، كتب: ((فى المعنى ما يحتمله))
ولكنى أثبت ما فى معانى القرآن للفراء ١ : ٣٧٥، فهذا نص كلامه .
(٦) هو ساعدة بن جؤية الهذلى.
(٧) ديوان الهذليين ١: ١٩٠، سيبويه ١: ١٦، ١٠٩، الخزانة ١ : ٤٧٤،
وغيرها كثير من قصيدة طويلة ، وصف فى آخرها رمحه ، وهذا البيت فى صفة رمح من الرماح الخطية .
ورواية الديوان ((لذ))، أى تلذ الكف بهزه. و((يعسل))، أى يضطرب، وقوله: ((فيه)):
ج ١٢ (٢٢)

٣٣٨
تفسير سورة الأعراف: ١٧،١٦
فلا تكاد العرب تقول ذلك فى أسماء البلدان ، لا یکادون يقولون : (( جلست
مكة))، و((قمت بغداد)).
.. .
القول فى تأويل قوله (ثُمَّلَأَتِنَّهُمْ مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
وَعَنْ أَيْمَنِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَ كْثَرَهُمْ شَكِرِينَ﴾(٢)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم : معنى قوله: ((لآتيتهم من بين أيديهم))، من قبل الآخرة =
((ومن خلفهم))، من قبل الدنيا = ((وعن أيمانهم))، من قِبَل الحق = ((وعن
شمائلهم )) ، من قبل الباطل .
· ذكر من قال ذلك :
١٤٣٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على ، عن ابن عباس قوله: ((ثم لآتينهم من بين أيديهم))، يقول:
أشككهم فى آخرتهم = ((ومن خلفهم))، أرغبهم فى دنياهم = ((وعن أيمانهم))،
أشبِّه عليهم أمرَ دينهم = ((وعن شمائلهم))، أشَهَى لهم المعاصى .
وقد روى عن ابن عباس بهذا الإسناد فى تأويل ذلك خلاف هذا التأويل،
وذلك ما : -
١٤٣٧٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی
معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: (ثم لآنیهم من بین أیدیهم))،
أى فى الهز. وقوله: ((عسل الطريق الثعلب))، أى: عسل فى الطريق الثعلب واضطربت مشيته .
شبه اهتزاز الرمح فى يد الذى يهزه ليضرب به ، باهتزاز الثعلب فى عدوه فى الطريق .

٣٣٩
تفسير سورة الأعراف : ١٧
يعنى من الدنيا = ((ومن خلفهم))، من الآخرة = ((وعن أيمانهم ))، من قبل
حسناتهم = ((وعن شمائلهم))، من قبل سيئاتهم .
. ..
وتحقق هذه الرواية، الأخرى التى : -
١٤٣٧١ - حدثی بها محمد بن سعد قال ، حدثنی ابی قال ، حدثی عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : ( ثم لآتيتهم من بين أيديهم
ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم))، قال: أما بين (أيديهم )) ، فمن قبلهم ،
وأما ((من خلفهم))، فأمر آخرتهم، وأما ((عن أيمانهم )) فمن قبل حسناتهم ،
وأما ((عن شمائلهم)) ، فمن قبل سيئاتهم .
١٤٣٧٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( ثم لآتينهم من بين أيديهم)) الآية ، أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه
لا بعث ولا جنة ولانار = ((ومن خلفهم)»، من أمر الدنيا ، فزيَّنها لهم ودعاهم
إليها = ((وعن أيمانهم))، من قبل حسناتهم بطَّأهم عنها = (( وعن شمائلهم))، زین
لهم السيئات والمعاصى ، ودعاهم إليها ، وأمرهم بها. أتاك يا ابن آدم من كل وجه ،
غير أنه لم يأتك من فوقك ، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله!
. ..
٠٫٠
وقال آخرون: بل معنى قوله: (( من بين أيديهم ))، من قبل دنياهم = ((ومن
خلفهم )) ، من قبل آخرتهم .
• ذكر من قال ذلك :
١٤٣٧٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان،
عن منصور ، عن إبراهيم فى قوله: ( ثم لآتینھم من بين أيديهم ومن خلفھما،
قال: ((من بين أيديهم))، من قبل دنياهم = ((ومن خلفهم))، من قبل
آخرهم = ((وعن أيمانهم))، من قبل حسناتهم = (وعن شمائلهم))، من قبل سيئاتهم.
١٤٣٧٤ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان، عن منصور ،
٠٩

٣٤٠
تفسير سورة الأعراف : ١٧
عن الحكم: (( ثم لآتینهم من بین أیدیهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ))،
قال: ((من بين أيديهم))، من دنياهم = ((ومن خلفهم))، من آخرتهم = ((وعن
١٠٢/٨ أيمانهم))، من حسناتهم = ((وعن شمائلهم))، من قِبَل سيئاتهم.
١٤٣٧٥ - حدثنا سفيان قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم :
((ثم لآتينهم من بين أيديهم))، قال: من قبل الدنيا يزيِّنها لهم = ((ومن خلفهم))،
من قبل الآخرة ببطئهم عنها = ((وعن أيمانهم))، من قبل الحق يصدّهم عنه =
((وعن شمائلهم))، من قبل الباطل يرغّبهم فيه ويزينه لهم.
١٤٣٧٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى : (( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم
وعن شمائلهم))، أما ((من بين أيديهم))، فالدنيا، أدعوهم إليها وأرغبهم فيها = ((ومن
خلفهم))، فمن الآخرة، أشككهم فيها وأباعدها عليهم (١) = ((وعن أيمانهم))،
يعنى الحق، فأشككهم فيه = ((وعن شمائلهم )) ، يعنى الباطل، أخفّفه عليهم
وأرغبهم فيه .
١٤٣٧٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج قوله: ((من بين أيديهم))، من دنياهم، أرغبهم فيها = ((ومن
خلفهم))، آخرتهم، أكفّرَهم بها وأزهِّدهم فيها = ((وعن أيمانهم))، حسناتهم
أزهدهم فيها = (( وعن شمائلهم )) ، مساوی أعمالهم ، أحسنها إليهم .
٠
وقال آخرون : معنى ذلك : من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون .
* ذكر من قال ذلك :
١٤٣٧٨ - حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: قول الله: (( من بين أيديهم وعن
(١) فى المطبوعة: ((وأبعدها))، وأثبت ما فى المخطوطة.
-7

:٣٤١
تفسير سورة الأعراف : ١٧
أيمانهم ))، قال : حیث یبصرون = (( ومن خلفهم )) = (( وعن شمائلهم )) ، حيث
لا يبصرون .
١٤٣٧٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٤٣٨٠ - حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا، حدثنا جرير ، عن منصور
قال: تذاكرنا عند مجاهد قوله: (( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن
أيمانهم وعن شمائلهم )) ، فقال مجاهد : هو كما قال ، يأتيهم من بين أيديهم ومن
خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم = زاد ابن حميد، قال: ((يأتيهم من ثمّ)).
١٤٣٨١ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد
المدنی قال ، قال مجاهد ، فذ کر نحو حديث محمد بن عمرو ، عن أبى عاصم .
...
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب ، قولُ من قال : معناه:
ثم لآتينهم من جميع وجوه الحقّ والباطل، فأصدّهم عن الحق، وأحسِّن لهم الباطل .
وذلك أن ذلك عَقِيب قوله: ((لأقعدن لهم صراطك المستقيم))، فأخبر أنه يقعد
لبنى آدم على الطريق الذى أمرّهم الله أن يسلكوه، وهو ما وصفنا من دين الله
دين الحق ، فيأتيهم فى ذلك من كل وجوهه ، من الوجه الذي أمرهم الله به،
فيصدّهم عنه، وذلك ((من بين أيديهم وعن أيمانهم)) = ومن الوجه الذى نهاهم
الله عنه، فيزيّنه لهم ويدعوهم إليه، وذلك ((من خلفهم وعن شمائلهم)). شعبة
وقيل: ولم يقل: ((من فوقهم))، لأن رحمة الله تنزل على عباده من فوقهم.
... ذكر من قال ذلك :
١٤٣٨٢ - حدثنا سعد بن عبد اللّه بن عبد الحكم المصرى قال، حدثنا
حفص بن عمرقال ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس فى قوله :
((ثم لآنينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم))، ولم يقل:

٣٤٢
تفسير سورة الأعراف : ١٧ ، ١٨
((من فوقهم )) ، لأن الرحمة تنزل من فوقهم .
٠٠٠
وأما قوله: ( ولا تجد أكثرهم شا کرین ». فإنه يقول : ولا تجد ، رہِّ،
أكثر بنى آدم شاكرين لك نعمتك التى أنعمت عليهم ، كتكرمتك أباهم آدم
بما أكرمته به، من إسجادك له ملائكتك، وتفضيلك إياه علىّ= و« شكرهم
إياه))، طاعتهم له بالإقرار بتوحيده ، واتّباع أمره ونهيه .
٥٠٠
وكان ابن عباس يقول فى ذلك بما : -
١٤٣٨٣ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((ولا تجد أكثرهم
شاكرين))، يقول : موحِّدين .
١٠٣/٨
٥
القول فى تأويل قوله ﴿قَالَ أَخْرُجْ مِنْهَاَ مَذْهومَا مَّدْهُورًا )
قال أبو جعفر : وهذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن إحلاله بالخبيث عدوًّ اللّه
ما أحلّ به من نقمته ولعنته ، وطرده إياه عن جنته ، إذ عصاه وخالف أمره ،
وراجعه من الجواب بما لم يكن له مراجعته به . يقول: قال اللّه له عند ذلك :
(((اخرج منها))، أى من الجنة = ((مذؤُوماً مدحوراً))، يقول: مَعِيباً.
٠
٥
و((الذأم))، العيب. يقال منه: ((ذأمُه بذأمه ذأماً فهو مذؤوم ))، ويتركون
الهمز فيقولون: ((ذِمْته أذيمه ذيماً وذاماً))، و((الذأم)) و((الذيم))، أبلغ فى العيب
من ((الذمّ))، وقد أنشد بعضهم هذا البيت: (١)
(١) هو الحارث بن خالد المخزومى.

٣٤٣
تفسير سورة الأعراف: ١٨
فَلَمَّا أَنْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِى أَذِيمُهاَ(١)
صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِى عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ
وأكثر الرواة على إنشاده: ((ألومها)).
٠٠٠
وأما ((المدحور))، فهو أُلمقْصَى، يقال: ((دحره يدحَرُه دَحْرًا ودُحُوراً))،
إذا أقصاه وأخرجه، ومنه قولهم: ((ادحَرْ عنكَ الشيطان)).(٢)
٠٠٠
وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٤٣٨٤ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((اخرج منها مذؤوماً مدحوراً))، يقول: اخرج منها لعيناً منفيًّا.
١٤٣٨٥ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس: ((مذؤوماً))، ممقوتاً .
١٤٣٨٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبى قال ، حدثی عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((قال اخرج منها مذؤوماً)) ،
يقول : صغيراً منفيًّا .
١٤٣٨٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((اخرج منها مذؤوماً مدحوراً))، أما ((مذؤوماً))،
فنفيًّا، وأما ((مدحوراً))، فمطروداً.
١٤٣٨٨ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجبح، عن مجاهد: ((مذؤوماً))، قال: منفيًّا= ((مدحوراً))،
قال : مطروداً .
١٤٣٨٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى
(١) مضى البيت وشرحه وتخريجه، وبغير هذه الرواية فيما سلف ١ : ٢٦٥ .
(٢) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢١٢.

٣٤٤
تفسير سورة الأعراف: ١٨
جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ((اخرج منها مذؤوماً))، قال: منفيًّا.
= و((المدحور))، قال: المصغّر.
١٤٣٩٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
الزبير ، عن ابن عيينة ، عن يونس وإسرائيل ، عن أبى إسحق ، عن التميمى ،
عن ابن عباس: ((أخرج منها مذؤوماً))، قال: منفيًّا.
١٤٣٩١ - حدثنى أبو عمرو القرقسانى عثمان بن يحيى قال ، حدثنا سفيان ،
عن أبى إسحق، عن التیمی: سأل ابن عباس: ما ((اخرج منها مذؤوماً مدحوراً))،
قال : مقيتاً .(١)
١٤٣٩٢ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((اخرج منها مذؤوماً مدحوراً))، فقال: ما نعرف ((المذؤوم)) و ((المذموم))
إلا واحداً ، ولكن تكون حروف منتقصة ، وقد قال الشاعر لعامر : يا(( عام ))،
والحارث: ((يا حار))،(٢) وإنما أنزل القرآن على كلام العرب .
٠
٥
#
(١) الأثر: ١٤٣٩١ - ((أبو عمرو القرقسانى))، ((عثمان بن يحيى))، شيخ الطبرى،
لم أجد له ترجمة فيما بين يدى من الكتب . ويزيد الأمر إشكالا أنى وجد أبا جعفر فى تاريخه يذكر
إسناداً عن شيخ يقال له ((عثمان بن يحيى))، فيه ما نصه: ((حدثنى عثمان بن يحيى، عن عثمان القرقسانى،
قال حدثنا سفيان بن عيينة))، فجعل بين (عثمان بن يحيى)) و((سفيان بن عيينة)) رجلا يقال له
((عثمان القرقسانى))! والذى فى التفسير يدل على أن الراوى عن سفيان بن عيينة هو ((عثمان بن يحيى))
نفسه. فظنى أن فى إسناد التاريخ خطأ، ولعل صوابه: ((حدثنى عثمان بن يحيى بن عثمان القرقسانى ،
قال حدثنا سفيان بن عيينة)) . هذا ما وجدت ، فعسى أن يجتمع عندى ما أتبين به صواب ذلك
أو خطأه .
منتقصة، وقال العرب لعامر ... )، وبين
(٢) فى المطبوعة: ((ولكن يكون
فى منتقصة. وقد قال الشاعر ... )) بياض
الكلام بياض. وفى المخطوطة: ((ولكن تكون
بين الكلام، فغير ناشر المطبوعة ما فى المخطوطة بلا أمانة. وفى المخطوطة فوق البياض ((كذا)) وفى
الهامش حرف (ط) للدلالة على الخطأ. ودلتنى الفاء المفردة بعد البياض أن صواب هذا الذى بيض
له ناسخ المخطوطة هو ((حروف )»، فاستقام الكلام .
ومثال الترخيم فى ((عامر)) قول الخطيئة لعامر بن الطفيل :

٣٤٥
تفسير سورة الأعراف : ١٨، ١٩
القول فى تأويل قوله ﴿الََّنَ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَّمَ مِنكُمْ
أَجْمِينَ ))
قال أبو جعفر : وهذا قسم من الله جل ثناؤه. أقسم أن من اتبع من بنى آدم
عدوَّ اللّه إبليس وأطاعه وصَدَّق ظنه عليه ، أن يملأ من جميعهم = يعنى : من
كفرة بنى آدم تُبّاع إبليس، ومن إبليس وذريته = جهنم. فرحم الله امراً كذّب
ظن عدوًّ اللّه فى نفسه، وخيَّب فيها أمله وأمنيته، ولم يمكّن من طمعَ طمعٍ فيها
عدوّه، (١) واستغشَّه ولم يستنصحه، فإن الله تعالى ذكره إنما نبه بهذه الآيات ١٠٤/٨
عباده على قدمعداوة عدوه وعدوهم إِبليس لهم ،وسالفما سلفمن حسده لأبيهم،
وبغیه علیه وعليهم، وعر فهم مواقع نعمه عليهم قديماً فى أنفسهم ووالدهم ليد بروا آياته،
وليتذكر أولو الألباب ، فينزجروا عن طاعة عدوه وعدوهم إلى طاعته ويُنيبوا إليها .
القول فى تأويل قوله ﴿وَيَنَاَدَمُ أَسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
فَكُلَا مِنْ حَيْثُ سِتْتُاَوَّلَا تَقْرَ بَ هَذِهِالشَّجَرَةَ فَتَكُونَمِنَ الَّطَلِنَ) )
قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: وقال الله لآدم: ((يا آدم اسكن
أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما))، فأسكن جل ثناؤه آدم وزوجته الجنة
ياَ عَامٍ، قد كُنْتَ ذَا بَاعٍ وَمَكْرُمَةٍ لَوْ أَنَّ مَسْمَةَ مَنْ جَارَيْتَهُ أَعَمُ
ومثال الترخيم فى (( الحارث )) ، قول زهير :
ياً حارٍ ، لَ أَرْمَنْ مِنْكُمْ بِدَاهِيَةٍ لَمَ يَلْقَهَا سُوقَةٌ قَبْلِ وَلاَ مَلِكٍ
(١) فى المطبوعة: ((ولم يكن ممن طمع فيها عدوه))، غير ما فى المخطوطة لأنه لم يفهمه،
فأساء غاية الإساءة ، وأفسد الكلام .
:

.
٣٤٦
تفسير سورة الأعراف : ١٩، ٢٠
بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها ، وأباح لهما أن يأكلامن ثمارها من أىّ مكان
شاءا منها ، ونهاهما أن يقربا ثمر شجرة بعينها .
...
:
وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فى ذلك ، وما نرى من القول فيه صواباً ،
فى غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته .(١)
...
=(فتكونا من الظالمين))، يقول: فتكونا ممن خالف أمر ربّه، وفعل ماليس له فعله.
٠ ٥
القول فى تأويل قوله ﴿ فَوَسْوَسَ لَّهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُّبْدِىَ لَهُما
مَاوُدُرِىَ عَنْهُمَاَ مِن سَوْتِمَاَ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((فوسوس لهما )) ، فوسوس إليهما ،
وتلك ((الوسوسة)) كانت قوله لهما: ((ما نها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن
تكونا ملكين أوتكونا من الخالدين)» ، وإقسامه لهما على ذلك .
...
وقيل: ((وسوس لهما))، والمعنى ما ذكرت، كما قيل: ((غَرِ ضت إليه)» بمعنى:
اشتقْتُ إليه ، وإنما تعنى: غَرضت من هؤلاء إليه. (٢) فكذلك معنى ذلك .
(١) انظر ما سلف ١ : ٥١٢ - ٥٢٤.
(٢) فى المطبوعة: ((كما قيل: عرضت له، بمعنى: استبنت إليه))، غير ما فى المخطوطة
تغييراً تاماً، فأتانا بلغو مبتذل لا معنى له. كان فى المخطوطة: (( كما قيل: عرضت إليه بمعنى:
اشتقت إليه» ، هكذا ، وصواب قراءتها ما أثبت .
وقوله: ((غرضت إليه)) بمعنى: اشتقت إليه، ((إنما تعنى: غرضت من هؤلاء إليه))"،
هذا كأنه نص قول الأخفش فى تفسير قول ابن هرمة :
مَنْ ذَا رَسُولٌ ناصِحٌ فَمُبِّغٌ عَّى عُلَيّةَ غَيْرَ قَوْلِ الكَاذِبِ ؟
أَنِّى غَرِضْتُ إِلَى تَنَاصُفِ وَجْهِهاَ غَرَضَ الْمُحِبِّ إلى الحَبِيبِ الذائِبِ

٣٤٧
تفسير سورة الأعراف : ٢٠
فوسوس من نفسه إليهما الشيطان بالكذب من القیل ، لیبدی لهما ما وُوُرى عنهما
من سوآتهما ، كما قال رؤبة :
* وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ القَلَقْ, (١)
...
ومعنى الكلام: فجذب إبليس إلى آدم حوّاء، وألقى إليهما: ما نها كما ربكما
عن أكل ثمر هذه الشجرة ، إلا أن تكونا ملکین أو تكونا من الخالدین= ليبدی
لهما ما واراه الله عنهما من عوراتهما فغطاه بستره الذى ستره عليهما .
...
وكان وهب بن منبه يقول فى الستر الذى كان اللّه سترهما به ، ما :-
١٤٣٩٣ - حدثنى به حوثرة بن محمد المنقرى قال، حدثنا سفيان بن عيينة،
عن عمرو، عن ابن منبه فى قوله: ((فبدت لهما سوآتهما ))، قال : كان عليهما
نور، لا ترى سوآتهما. (٢)
#
قوله: ((تناصف وجهها))، أى محاسن وجهها التى ينصف بعضها بعضاً فى الحسن. قال
الأخفش: ((تفسيره: غرضت من هؤلاء إليه، لأن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل)).
ويريد الأخفش أنهم يقولون: ((غرض غرضاً))، إذا ضجر وقلق ومل، فلما أدخل مع الفعل
(((إلى))، صار معناه: ضجر من هذا نزاعاً واشتياقاً إلى هذا.
وموضع الاستشهاد أن ((الوسوسة)» الصوت الخفى من حديث النفس، فنقل إبليس ما حاك فى
نفسه إليهما، فلذلك أدخل على ((الوسوسة)) ((اللام)) و((إلى)). ولكن أبا جعفر أدمج الكلام
ههنا إدماجاً.
(١) ديوانه: ١٠٨، اللسان (وسس)، وهذا بيت من أرجوزته التى مضت منها أبيات
كثيرة . وهذا البيت من أبيات فى صفة الصائد المختفى ، يترقب حمر الوحش ، ليصيب منها . يقول :
لما أحس بالصيد وأراد رميه، وسوس نفسه بالدعاء حذر الخيبة ورجاء الإصابة.
(٢) الأثر: ١٤٣٩٣ - ((حورة بن محمد بن قديد المنقرى))، أبو الأزهر الوراق
روى عنه ابن ماجة، وابن خزيمة، وابن صاعد، وغيرهم. ذكره ابن حبان فى الثقات. مترجم
فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٠٢٨٣/٢/١

٣٤٨
تفسير سورة الأعراف : ٢٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَقَلَ مَا نَهَكُمَا رَبْكُمَا عَنْ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَ مِنَ الْخَلِدِينَ) )
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : وقال الشيطان لآدم وزوجته حواء :
مانها كما ربكما عن هذه الشجرة أن تأكلا ثمرَها ، إلا لئلا تكونا ملكين .
٠ ٠
- وأسقطت ((لا)) من الكلام، لدلالة ما ظهر عليها، كما أسقطت من قوله :
﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، [سورة النساء: ١٧٦]. والمعنى: يبين الله لكم أن
لا تضلوا .
وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يزعم أن معنى الكلام : ما نها كما
ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تكونا ملكين، كما يقال: ((إياك أن تفعل))
كراهية أن تفعل .
#
= ((أو تكونا من الخالدين))، فى الجنة، الماكثين فيها أبداً، فلا تموتا. (١)
*
والقراءة على فتح ((اللام))، بمعنى : ملكين من الملائكة.
*
ورویعن ابن عباس ، ما : ۔
١٤٣٩٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى حماد
قال ، حدثنا عيسى الأعمى ، عن السدىّ قال: كان ابن عباس يقرأ:
﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مَلِكَيْنِ)، بكسر ((اللام)).
#
وعن يحيى بن أبى کثیر ، ما : -
(١) انظر تفسير (الخلود)) فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .

٣٤٩
تفسير سورة الأعراف : ٢١،٢٠
١٤٣٩٥ - حدثنى أحمد بن يوسف قال، حدثنى القاسم بن سلام قال ،
حدثنا حجاج، عن هرون قال ، حدثنا يعلى بن حكيم ، عن يحيى بن أبي كثير: ١٠٥/٨
أنه قرأها: ﴿مَلِكَيْنِ)، بكسر ((اللام)).
وكأنَّ ابن عباس ويحيى وجَّها تأويل الكلام إلى أن الشيطان قال لهما: ما نها كما
ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين من الملوك = وأنهما تأوّلا فى ذلك قول
اللّه فى موضع آخر: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلَّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍَ لاَ يَبْلَ﴾،
[سورة طه: ١٢٠].
#
قال أبو جعفر: والقراءة التى لا أستجيز القراءة فى ذلك بغيرها، القراءةُ التى
عليها قرأة الأمصار وهى، فتح ((اللام)) من: (مَلَكَيْنِ)، بمعنى: ملكين ، من
الملائكة ، لما قد تقدم من بياننا فى أن كل ما كان مستفيضاً فى قرأة الإسلام من
القراءة ، فهو الصواب الذى لا يجوزُ خلافه .
القول فى تأويل قوله ﴿وَقَسَهُمَآ إِنّى لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾
٢١
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وقاسمهما))، وحلف لهما ، كما
قال فى موضع آخر: (تَقَسَمُوا بِاللهِ لْتُبَيِّتَنَّهُ﴾، [ سورة النمل: ٤٩]، بمعنى
تحالفوا بالله ، و کما قال خالد بن زهیر [ ابن] عم أبي ذؤيب: (١)
(١) جاء فى المطبوعة والمخطوطة ((خالد بن زهير عم أبى ذؤيب))، ولم أجد هذا القول لأحد،
بل الذى قالوه أن ((خالد بن زهير الهذلى))، هو ابن أخت أبى ذؤيب، أو : ابن أخيه ، أو :
ابن عم أبي ذؤيب. فالظاهر أن صواب الجملة هو ما أثبت. انظر خزانة الأدب ٢: ٣٢٠،
٣/٣٢١: ٥٩٧، ٥٩٨، ٦٤٧ ، ٦٤٨ .

٣٥٠
تفسير سورة الأعراف : ٢١
أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُها(١)
.٠٤ مم
لأنهُ
وَقَسَمَهَا بِاللهِ جَهْداً
بمعنى : وحالفها باللّه ، وكما قال أعشى بنى ثعلبة:
رَضِيعَىْ رِبَانٍ، قَدْىَ أُنْ تَقَمَا بِأَسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لاَ نَتَفَرَّقُ(٢)
بمعنى : تحالفاً
#
(١) ديوان الهذليين ١: ١٥٨، من قصائده التى تقارضها هو وأبو ذؤيب فى المرأة التى
كانت صديقة عبد عمرو بن مالك ، فكان أبو ذؤيب رسوله إليها ، فلما كبر عبد عمرو احتال لها
أبو ذؤيب فأخذها منه وخادنها . وغاضبها أبو ذؤيب، فكان رسوله إلى هذه المرأة ابن عمه خالد بن زهير ،
ففعل به ما فعل هو بعبد عمرو بن مالك ، أخذ منه المرأة فخادنها ، فغاضبه أبو ذؤيب وغاضبها ،
وقال لها حين جاءت تعتذر إليه :
وَهَلْ يُجْمَعْ السَّيْفَن وَتْحَكِ فِى عِنْدِ!
تُرِيدِينَ كَيْئاً تَجْمَعِينِى وَخَالِدًا !
فَتَحْفَظَِ بِالْغَيْبِ ، أوْ بَعْضَ مَا تَبْدِى
أَخْاَلِدُ، مَ رَاعَيْتَ من ذِى قَرَابَةٍ
فَمِلْتَ كَمَا مَالَ المُحِبُّ عَلَى عَمْدِ
دَعَكَ إِلَيْهَا مُقْلَتَه! وَجِيدُهَا
ثم قال خالد :
رَغَى خَالِدٌ سِرِّى، لَيَالِىَ نَفْسُهُ تَوَالَى على قَصْدِ السَّبِيلِ أُمُورُهَا
وَفِى النَّفْسِ مِنْهُ فِتْنَةٌ وَفُجُورُهَا
أَغَانِيجُ خَوْدٍ كَانَ قِدْمَا يَزُورُهَا
فَلَمَّا تَرَامَاهُ الشَّبَابُ وَغَيُّهُ،
لَوَى رَأْسَهُ عَِّى، ومَالَ بِوُدِّه
فأجابه خالد من أبيات :
وَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا
فَلاَ تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا
لَفِيكَ، وَلَكِّى أَرَاكَ تَجُورُهَا
فَإِنَّ الَّتِ فِيْنَا زَعَمْتَ، وَمِثْلُهَا
وَأَنْتَ صَفِيُّ النَّفْسِ مِنْهُ وَخِيرُها
وَهَيْهَاتَ مِنْهُ دُورُهَا وَقُصُورِها
تَنَقَّذْتَهَا مِنْ عَبْدٍ عَمْرو بن مَالِكٍ
يُطِلُ ثَوَاءٌ عِنْدَهَا لِيَرُدَّهَا
وَقَاسَهَا بالله .
و ((السلوى))، العسل. ((شار العسل يشوره))، أخذه من موضعه فى الخلية.
(٢) ديوانه: ١٥٠، اللسان (عوض) (سم) من قصيدة مضت منها أبيات كثيرة .

٣٥١
تفسير سورة الأعراف : ٢١، ٢٢
وقوله : (( إنی لکما من الناصحین )» أی :لممن ینصح لكما فی مشورته لكما،
وأمره إيا كما بأكل ثمر الشجرة التى نهيتماعن أكل ثمرها، وفى خبرى إيا كما بما أخبر كما
به ، من أنكما إن أكلتماه كنتما ملكين أو كنتما من الخالدين ، كما : -
١٤٣٩٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين))، فحلف لهما بالله حتى
خدعهما، وقد يُخْدع المؤمن بالله، فقال : إنى خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما ،
فاتبعانى أرشد كما . وكان بعض أهل العلم يقول: (( من خادَ عنا باللّه خُدٍعْنا)).
القول فى تأويل قوله ﴿فَدَلَّهُمَاَ بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ بَدَتْ
لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَنِ عَلَيْهِمَ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( فدلاهما بغرور))، فخدعهما
بغرور .
٠
يقال منه: ((ما زال فلان يدلىّ فلاناً بغرور))، بمعنى: ما زال يخدعه
بغرور ، ويكلمه بزخرف من القول باطل . (١)
...
= ((فلما ذاقا الشجرة))، يقول: فلما ذاق آدم وحواء ثمر الشجرة، يقول :
طعماه (٢) = ((بدت لهما سوآتهما))، يقول: انكشفت لهما سوآتهما، لأن الله
و ((الأسم))،
وقد ذكرت هذا البيت فى شرح بيت سالف ١٠ : ٤٥١، تعليق : ١ ==
الضارب إلى السواد، و ((عوض)) لما يستقبل من الزمان بمعنى: ((أبداً)). واختلفوا فى معنى ((بأسم
داج))، وإقسامه به . فقالوا: أراد الليل. وقالوا: أراد سواد حلمة ثدى أمه. وقيل أراد الرحم
وظلمته . وقيل : أراد الدم ، لسواده ، تغمس فيه اليد عند التحالف .
(١) انظر تفسير ((الغرور)) فيما سلف ص: ١٢٣، تعليق: ٢ والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((ذاق)) فيما سلف ص: ٢٠٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٣٥٢
تفسير سورة الأعراف : ٢٢
أعراهما من الكسوة التى كان كساهما قبل الذنب والخطيئة ، فسلبهما ذلك بالخطيئة
التى أخطآ والمعصية التى ركبا (١) = ((وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة))،
يقول : أقبلا وجعلا يشدّان عليهما من ورق الجنة ، ليواريا سوآتهما، كما : -
١٤٣٩٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن
سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة))،
قال : جعلا يأخذان من ورق الجنة، فيجعلان على سوآتهما .
١٤٣٩٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن أبى بكر ، عن الحسن ، عن أبى بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: كان آدم كأنه نخلةٌ سَحُوق، (٢) كثيرُ شعر الرأس، فلما وقع بالخطيئة
بدت له عورته ، وكان لا يراها ، فانطلق فارًّا ، فتعرّضت له شجرة فحبسته
بشعره ، فقال لها : أرسلينى ! فقالت : لست بمرسلتك ! فناداه ربه : يا آدم ،
أمنِّى تفرّ ؟ قال: لا، ولكنى استحييتك. (٣)
١٤٣٩٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، أخبرنا عبد الرزاق
٠١٠٦/٨ قال ، أخبرنا سفيان بن عيينة وابن مبارك، عن الحسن بن عمارة ، عن المنهال بن
عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانت الشجرة التى نهى اللّه
عنها آدم وزوجته ، السنبلة . فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما ، وكان الذى
(١) انظر تفسير ((بدا)) فيما سلف ٥ : ٩/٥٨٢: ٣٥٠.
= وتفسير ((السوأة)) فيما سلف ١٠: ٢٢٩، وما سيأتى ص: ٣٦١، تعليق: ٣
(٢) ((نخلة سحوق)). هى الطويلة المفرطة التى تبعد ثمرها على المجتنى.
(٣) الأثر: ١٤٣٩٨ - ((الحجاج)) هو: ((الحجاج بن المنهال))، مضى مراراً.
و((أبو بكر)) هو ((أبو بكر الهذلى))، مضى برقم : ٥٩٧ ، ٨٣٧٦، ١٣٠٥٤،
وهو ضعيف ليس بثقة .
وهذا الخبر، ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٤٥٨، عن سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة ،
عن الحسن ، عن أبى بن کعب موقوفاً غیر مرفوع، ثم قال ابن كثير : «وقد رواه ابن جرير وابن مردويه،
من طرق، عن الحسن عن أبى بن كعب مرفوعاً، والموقوف أصح إسناداً)). وهو كما قال. وسيأتى
برقم : ١٤٤٠٣، من طريق سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة ، موقوفاً .

٣٥٣
تفسير سورة الأعراف : ٢٢
وارى عنهما من سوآتهما أظفارُهما ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، ورق
التين ، يلصقان بعضها إلى بعض. فانطلق آدم مولّياً فى الجنة ، فأخذت برأسه
شجرة من الجنة ، فناداه : أى آدم أمنى تفرّ ؟ قال : لا، ولكنى استحييتك
يارب ! قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتُك منها مندوحةٌ عما حرمت
عليك ؟ قال: بلى يا رب ، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحداً يحلف بك كاذباً !
قال: وهو قول الله: ((وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين)). قال: فبعزّى لأهبطنك
إلى الأرض ، ثم لاتنال العيش إلا كدًّا . قال : فأهبط من الجنة ، وكانا يأكلان
فيها رغداً ، فأهبطا فى غير رغد من طعام وشراب، فعُلّم صنعة الحديد ، وأُمر
بالحرث، فحرث وزرع ثم سقى، حتى إذا بلغ حصد، ثم داسته، ثم ذرّاه، ثم طحنه،
ثم عجنه ، ثم خبزه، ثم أكله ، فلم يبلعْه حتى بُلِّعَ منه ما شاء الله أن يبلغَ. (١)
١٤٤٠٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((يخصفان))، قال :
يرفعان ، كهيئة الثوب .
١٤٤٠١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد : يخصفان عليهما من الورق كهيئة الثوب .
١٤٤٠٢ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما))، وكانا قبل ذلك
(١) الأثر: ١٤٣٩٩ - ((الحسن بن عمارة بن المضرب البجلى))، كان على قضاء بغداد
فى ولاية المنصور. قال أحمد: ((متروك الحديث ، كان منكر الحديث ، وأحاديثه موضوعة ،
لا يكتب حديثه)). والقول فيه أشد من هذا. مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٠٠/٢/١، وابن
أبى حاتم ٢٧/٢/١.
وكان فى المطبوعة: ((عن الحسن عن عمارة))، وهو خطأ محض، صوابه ما أثبت من المخطوطة ،
وابن كثير فى تفسيره ٣ : ٤٥٩ .
وفى المطبوعة وابن كثير: ((فلم يبلغه، حتى بلغ ... )) كل ذلك بالغين المعجمة، والذى
فى المخطوطة مهمل ، وظنى أنه الصواب المطابق السياق .
ج ١٢ (٢٣)

٣٥٤
تفسير سورة الأعراف : ٢٢
لا يريانها = ((وطفقا يخصفان))، الآية .
١٤٤٠٣ - ٠٠ .. قال،حدثناسعيد، عنقتادةقال، حدثنا الحسن، عن أبى
ابن كعب: أن آدم عليه السلام كان رجلاً طُوالاً كأنه نخلة سَحُوق ، كثير
شعر الرأس . فلما وقع بما وقع به من الخطيئة ، بدت له عورته عند ذلك ، وكان
لا يراها . فانطلق هارباً فى الجنة ، فعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة ، فقال
لها : أرسلينى ! قالت : إنى غير مرسلتك! فناداه ربه: يا آدم ، أمنّى تفرّ ؟
قال : رب إنى استحییتك .(١)
١٤٤٠٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جعفر بن عون ، عن سفيان
الثوری ، عن ابن أبى ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن
ابن عباس: ((وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة))، قال : ورق التين .
١٤٤٠٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ،
عن ابن أبى ليلى ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: (( وطفقا
يخصفان عليهما من ورق الجنة )) ، قال : ورق التين .
١٤٤٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
حسام بن مصك ،عن قتادة = وأبی بکر ، عن غير قتادة = قال: كان لباس
آدم فى الجنة ظُفُراً كله . فلما وقع بالذنب، كُشِط عنه وبدت سوأته = قال
أبو بكر: قال غير قتادة: ((فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة))، قال :
ورق التين . (٢)
١٤٤٠٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
(١) الأثر : ١٤٤٠٣ - انظر التعليق على الأثر السالف رقم : ١٤٣٩٨، فهذا هو
الخبر الموقوف ، وهو أصح إسناداً من ذاك المرفوع .
(٢) الأثر: ١٤٤٠٦ - ((حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدى))، ضعيف
فاحش الخطأ والوهم. مضى برقم: ١١٧٢٠. وكان فى المطبوعة: ((حسام بن معبد)) لم يحسن
قراءة المخطوطة .
و((أبو بكر))، هو ((أبو بكر الهذلى))، ضعيف أيضاً، مضى قريباً برقم : ١٤٣٩٨.

٣٥٥
تفسير سورة الأعراف : ٢٢
معمر، عن قتادة فى قوله: ((بدت لهما سوآتهما))، قال : كانا لا يريان
سوآتهما .
١٤٤٠٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
الزبير ، عن ابن عيينة قال ، حدثنا عمرو قال : سمعت وهب بن منبه يقول :
﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾، [ سورة الأعراف: ٢٧]. قال: كان لباس آدم
وحواء عليهما السلام نوراً على فروجهما ، لا يرى هذا عورة هذه ، ولا هذه عورة
هذا . فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوآتهما. (١).
القول فى تأويل قوله ﴿وَنَدَنْهُمَاَ رَبّهُمَا أَلَمْ أَنْتَكُمَا عَنْ
◌ِتِلَكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَّا إِنَّ الشَّيْطَنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ))
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ونادى آدمَ وحواءَ ربُّهما: ألم أنهكما ١٠٧/٨
عن أکل ثمرة الشجرة التى أكلتما ثمرها ، وأعلمكما أن إبليس لکما عدو مبین =
يقول: قد أبان عداوته لكما، بترك السجود لآدم حسداً وبغياً، (٢) كما :-
١٤٤٠٩ -حدثنا القاسم قال،حدثنا الحسین قال،حدثی حجاج ، عن أبى
معشر ، عن محمد بن قيس قوله: (( وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة
وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين))، لم أكلتها وقد نهيتك عنها ؟ قال:
يا رب ، أطعمتنى حواء ! قال لحواء : لم أطعمته ؟ قالت : أمرتنى الحية ! قال
للحية ، لم أمرتها ؟ قالت : أمرنى إبليس! قال : ملعون مدحور ! أما أنت يا حواء
(١) الأثر: ١٤٤٠٨ - قال ابن كثير فى تفسيره ٣: ٤٦٠: ((رواه ابن جرير بسند
صحيح إليه)» .
(٢) انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين).

٣٥٦
تفسير سورة الأعراف : ٢٢، ٢٣
فكما دمَّيت الشجرة تَدْمَيْن كل شهر. وأما أنت يا حية، فأقطع قوائمك فتمشين
على وجهك ، وسيشدخُ رأسك من لقيك ، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ . (١)
١٤٤١٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا عباد بن العوّام ،
عن سفيان بن حسین ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس
قال : لما أكل آدم من الشجرة قيل له : لم أكلت من الشجرة التى نهيتك عنها ؟
قال : حواء أمرتنى! قال : فإنى قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كَرْهاً ، ولا تضع
إلا كرهاً . قال: فرنَّت حواء عند ذلك ، فقيل لها : الرنّة عليك وعلى ولدك. (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿قَلَا رَبََّ ظَلَمْنَا أَنفُسَنَاَ وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ
لَنَا وَتَرْتَحْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخِرِينَ) )
قال أبو جعفر : وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه عن آدم وحواء فيما أجاباه به ،
واعترافِهما على أنفسهما بالذنب ، ومسألتهما إياه المغفرة منه والرحمة ، خلاف
جواب اللعين إبليس إياه .
ومعنى قوله: ((قالا ربنا ظلمنا أنفسنا))، قال آدم وحواء لربهما : يا ربنا ،
فعلنا بأنفسنا من الإساءة إليها بمعصيتك وخلاف أمرك، (٣) وبطاعتنا عدوًّنا وعدوَّك
فيما لم يكن لنا أن نطيعه فيه ، من أكل الشجرة التى نهيتنا عن أكلها = ((وإن لم
تغفر لنا)) ، يقول : وإن أنت لم تستر علينا ذنبنا فتغطيه علينا ، وتترك فضيحتنا
(١) الأثر: ١٤٤٠٩ - مضى الخبر مطولا بهذا الإسناد رقم: ٧٥٢، مع اختلاف
يسير فى لفظه . وانظر تخريجه هناك .
(٢) ((رفت المرأة ترن ربيناً)): أى صوتت وصاحت من الحزن والجزع. و((الرفة)):
١
الصيحة الحزينة عند البكاء .
(٣) هكذا فى المخطوطة والمطبوعة، ولعل الصواب: ((فعلنا الظلم بأنفسنا)).
وانظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم).