النص المفهرس
صفحات 321-340
٣١٩ تفسير سورة الأعراف : ١١ معمر ، عن قتادة قال : خلق الله آدم ، ثم صوّر ذريته من بعده . ١٤٣٤٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمر بن هرون ، عن نصر بن مُشارس، عن الضحاك: ((خلقناكم ثم صورناكم))، قال : ذريته .(١) ١٤٣٤٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: ((ولقد خلقناكم))، يعنى آدم = ((ثم صورنا كم)) ، يعنى ذريته . وقال آخرون: بل معنى ذلك: (( ولقد خلقناكم)) ، فى أصلاب آبائكم = ((ثم صورناكم))، فى بطون أمهاتكم. ذكر من قال ذلك : ١٤٣٤٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن شريك ، عن سماك ، عن عكرمة: ((ولقد خلقناكم ثم صورناكم)): قال : خلقناكم فى أصلاب الرجال ، وصوّرناكم فى أرحام النساء . ١٤٣٤٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن سماك ، عن عكرمة ، مثله . ١٤٣٤٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان قال، سمعت الأعمش يقرأ: ((ولقد خلقناكم ثم صورناكم)) ؟ قال: خلقناكم فى أصلاب الرجال ، ثم صورناكم فى أرحام النساء . ... وقال آخرون : بل معنى ذلك : (( خلقنا كم )) ، یعنی آدم= «ثم صورنا کم))، يعنى : فى ظهره . (١) الأثر: ١٤٣٤٥ - ((عمر بن هرون بن يزيد البلخى))، متكلم فيه وجرح، مضى برقم : ١٢٣٨٩ . و ((نصر بن مشارس)) أو ((نصر بن مشيرس))، هو ((أبو مصلح الخراسانى)» مشهور :بكنيته ، وكذلك مضى فى الأثر رقم : ١٢٣٨٩ . وكان فى المطبوعة: ((مشاوش))، وفى المخطوطة: ((مشاوس)) والصواب ما أثبته. ٣٢٠ تفسير سورة الأعراف : ١١ ذكر من قال ذلك : ٠ ١٤٣٥٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((ولقد خلقناكم))، قال: آدم = ((ثم صورناكم))، قال : فى ظهر آدم . ١٤٣٥١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولقد خلقنا كم ثم صورناكم))، فى ظهر آدم . ١٤٣٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((ولقد خلقنا كم ثم صورناكم))، قال : صورناكم فی ظهر آدم . ١٤٣٥٣ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدنى قال: سمعت مجاهداً فى قوله: ((ولقد خلقناكم ثم صورناكم))، قال : فى ظهر آدم ، لما تصيرون إليه من الثواب فى الآخرة . # وقال آخرون: معنى ذلك: ((ولقد خلقناكم))، فى بطون أمهاتكم = ((ثم صورنا کم ))، فیها . ٩٥/٨ ذكر من قال ذلك : ٠ ١٤٣٥٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عمن ذكره قال: ((خلقناكم ثم صورناكم))، قال: خلق الله الإنسان فى الرحم ، ثم صوّره، فشقّ سمعه وبصره وأصابعه . قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: ((ولقد خلقناكم))، ولقد خلقنا آدم = ((ثم صورناكم))، بتصويرنا آدم ، كما قد بينا ٣٢١ تفسير سورة الأعراف : ١١ فيما مضى من خطاب العرب الرجلَ بالأفعال تضيفها إليه، والمعنىُّ فى ذلك سلفه، (١) وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَ فَوْقَكُمُ العُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاَ كُمْ بِقُوَّةٍ﴾، [ سورة البقرة: ٦٣]. وما أشبه ذلك من الخطاب الموجَّه إلى الحىّ الموجود، والمراد به السلف المعدوم ، فكذلك ذلك فى قوله: (( ولقد خلقناكم ثم صورناكم)) ، معناه : ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صوَّرناه . وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، لأن الذى يتلو ذلك قوله: (( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم))، ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم، قبل أن يصوّر ذريته فى بطون أمهاتهم ، بل قبل أن يخلق أمهاتهم . و((ثم)) فى كلام العرب لا تأتى إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، (٢) وذلك كقول القائل: ((قمت ثم قعدت))، لا يكون ((القعود)) إذ عطف به بـ (( ثم )) على قوله: ((قمت)) إلا بعد القيام ، (٣) وكذلك ذلك فى جميع الكلام . ولو كان العطف فى ذلك بالواو ، جاز أن يكون الذى بعدها قد كان قبل الذى قبلها ، وذلك كقول القائل: ((قمت وقعدت))، فجائز أن يكون ((القعود)» فى هذا الكلام قد كان قبل ((القيام))، لأن ((الواو)) تدخل فى الكلام إذا كانت عطفاً ، لتوجب للذى بعدها من المعنى ما وجب للذى قبلها ، من غير دلالة منها بنفسها على أن ذلك كان فى وقت واحد أو وقتين مختلفين ، أو إن كانا فى وقتين ، أيهما (١) انظر هذا من خطاب العرب فيما سلف ٢: ٣٨، ٣٩ ثم ص: ١٦٤، ١٦٥، ومواضع أخرى بعد ذلك فى فهرس مباحث العربية والنحو وغيرها . (٢) انظر القول فى ((ثم)) فيما سلف ص: ٢٣٣. (٣) كان فى هذه الجملة فى المخطوطة تكرار، ووضع الناسخ فى الهامش (كذا) ، والصواب ما فى المطبوعة . ج١٢ (٢١) ٣٢٢ تفسير سورة الأعراف : ١١ المتقدم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إنّ قوله: ((ولقد خلقنا كم ثم صورنا كم))، لا یصح تأويله إلا على ما ذ کرنا . فإن ظن ظان" أن العربَ، إذ كانت ربما نطقت بـ ((ثم ))فى موضع ((الواو)) فى ضرورة شعره ، كما قال بعضهم : أَبَا ثُمَّ أُمَّا؟ فَقَالَتْ: ◌َِهْ!(١) سَأَلْتُ رَبِيعَةَ: مَنْ خَيْرُهَا يعنى : أباً وأمَّا، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره = فإن ذلك بخلاف ما ظن . وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب ، وغير جائز توجيه شىء منه إلى الشاذّ من لغاتها، وله فى الأفصح الأشهر معنى مفهومٌ ووجه معروف . ... وقد وجَّه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذى معناه التقديم ، وزعم أن معنى ذلك : ولقد خلقناكم ، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. وذلك غير جائز فى كلام العرب، لأنها لا تدخل ((ثم)) فى الكلام وهى مرادٌ بها التقديم على ما قبلها من الخبر ، وإن كانوا قد يقدّمونها فى الكلام ، (٢) إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير، وذلك كقولهم: ((قام ثم عبد اللّه عمرو))، فأما إذا قيل: ((قام عبد الله ثم قعد عمرو))، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد اللّه، إذا كان الخبر صدقاً. فقول الله تبارك وتعالى: ((ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا »، نظير قول القائل: ((قام عبد اللّه ثم قعد عمرو))، فى أنه غير جائز أن يكون أمرُ اللّه الملائكة بالسجود لآدم كان إلاّ بعد الخلق والتصوير ، لما وصفنا قبل. ٠٠ وأما قوله للملائكة: ((اسجدوا لآدم))، فإنه يقول جل ثناؤه : فلما صوّرنا ٩٦/٨ (١) لم أعرف قائله . (٢) فى المخطوطة: ((وإن كان يعبر فيربها فى الكلام))، فلم أستبن لقراءتها وجهاً أرضاه، فتركت ما فى المطبوعة على حاله ، لأنه مستقيم المعنى إن شاء الله . ٣٢٣ تفسير سورة الأعراف : ١٢،١١ آدم، وجعلناه خلقاً سويًا، ونفخنا فيه من روحنا، قلنا للملائكة: (( اسجدوا لآدم))، ابتلاء منا واختباراً لهم بالأمر ، ليعلم الطائع منهم من العاصى، = ((فسجدوا))، يقول: فسجد الملائكة ، إلا إبليس فإنه لم يكن من الساجدين لآدم ، حين أمره اللّه مع من أمرَ من سائر الملائكة غيره بالسجود . ... وقد بينا فيما مضى ، المعنى الذى من أجله امتحن جَلّ جلاله ملائكته بالسجود لآدم، وأمْرَ إبليس وقصصه، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (١) ٥ القول فى تأويل قوله ﴿ قَلَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِىِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْتُهُ مِنْ طِينٍ) ) قال أبو جعفر : وهذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن قيله لإبليس ، إذ عصاه فلم يسجد لآدم إذ أمره بالسجود له. يقول: قال اللّه لإبليس : = ((ما منعك))، أيّ شيء منعك = ((أن لا تسجد))، أن تدع السجود لآدم = ((إذا أمرتك)) أن تسجد = « قال أنا خیر منه )) ، يقول : قال إبليس : أنا خیر من آدم= ( خلقتی من نار وخلقته من طين » . ٠ ٠ # فإن قال قائل : أخبرنا عن إبليس ، ألحقته الملامة على السجود ، أم على ترك السجود؟ فإن تكن لحقته الملامة على ترك السجود، فكيف قيل له: ((ما منعك أن لا تسجد إذا أمرتك)»؟ وإن كان النكير على السجود ، فذلك خلاف ما جاء به التنزيل فى سائر القرآن ، وخلاف ما يعرفه المسلمون ! (١) انظر ما سلف ١ : ٥٠١ - ٥١٢ . ٣٢٤ تفسير سورة الأعراف : ١٢ قيل : إن الملامة لم تلحق إبليس إلا على معصيته ربه بتركه السجود لآدم إذ أمره بالسجود له . غير أن فى تأويل قوله: (( ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك)) بين أهل المعرفة بكلام العرب اختلافاً، أبدأ بذكر ما قالوا، ثم أذكر الذى هو أولى ذلك بالصواب. فقال بعض نحوبى البصرة: معنى ذلك: ما منعك أن تسجد = و((لا)) ههنا زائدة، كما قال الشاعر : (١) أَبَى جُودُهُ لا البُخْلَ، وَأُسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَّمْ، مِنْ فَتَّى لاَ يَمْنَعُ الجُوعَ فَتِلهُ(٢) وقال: فسرته العرب: ((أبى جوده البخل))، وجعلوا ((لا)) زائدةً حشوًا ههنا، وصلوا بها الكلام. قال: وزعم يونس أن أباعمرو كان يجر (( البخل))، ويجعل ((لا)) مضافة إليه، أراد: أبى جوده ((لا)) التى هى للبخل، ويجعل ((لا )) مضافة، لأن ((لا)) قد تكون للجود والبخل، لأنه لو قال له: ((امنع الحق ولا تعط المسكين)) فقال: ((لا))، كان هذا جوداً منه . . . وقال بعض نحوبى الكوفة نحو القول الذى ذكرناه عن البصريين فى معناه وتأويله، غير أنه زعم أن العلة فى دخول ((لا)) فى قوله: ((أن لا تسجد))، أن فى أول الكلام جحداً = يعنى بذلك قوله: ((لم يكن من الساجدين ))، فإن العرب ربما أعادوا فى الكلام الذى فيه جحد ، الجحدَ، كالاستيثاق والتوكيد له . قال: وذلك كقولهم : (٣) (١) لا يعرف قائله . (٢) اللسان (نعم)، أمالى ابن الشجرى ٢: ٢٢٨، ٢٣١، شرح شواهد المغنى : ٢١٧، وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((لا يمنع الجوع))، كما أثبته، وكذلك ورد عن الفارسى فى اللسان. وأما فى المراجع الأخرى، فروايته: ((لا يمنع الجود)). (٣) لم يعرف قائله . ٣٢٥ تفسير سورة الأعراف : ١٢ مَ إِنْ رَأَيْنَا مِثْلَهُنَّ ◌ِلَمْشَرِ سُودِ الرُّؤُوسِ، فَوَالِجٌ وَفُيُولُ(١) فأعاد على الجحد الذى هو ((ما)) جحداً، وهو قوله: ((إن))، فجمعهما للتوكيد . وقال آخر منهم: ليست ((لا))، بحشو فى هذا الموضع ولا صلة، (٢) ولكن (المنع)) ههنا بمعنى ((القول)). وإنما تأويل الكلام: من قال لك لا تسجد إذ أمرتك بالسجود = ولكن دخل فى الكلام ((أن))، إذ كان ((المنع)) بمعنى القول))، لا فى لفظه ، كما يُفعل ذلك فى سائر الكلام الذى يضارع القول ، وهو له فى اللفظ مخالف ، کقولهم: (( نادیت أن لاتقم )) و ( حلفت أن لا تجلس )) ، وما أشبه ذلك من الكلام. وقال: خفض ((البخل)) من روى: ((أبى جوده لا البخل))، (٣) بمعنى: كلمة البخل، لأن ((لا)) هى كلمة البخل ، فكأنه قال: كلمة البخل . ٩٧/٨ وقال بعضهم: معنى ((المنع))، الحول بين المرء وما يريده. قال: والممنوع مضطرّ به إلى خلاف ما منع منه ، كالممنوع من القيام وهو يريده ، فهو مضطر من الفعل إلى ما كان خلافاً للقيام ، إذ كان المختار للفعل هو الذي له السبيل إليه وإلى خلافه ، فيؤثر أحدهما على الآخر فيفعله . قال : فلما كانت صفة ((المنع)) ذلك، فخوطب إبليس بالمنع فقيل له: ((ما منعك ألا تسجد))، كان معناه كأنه قيل له : أيّ شيء اضطرك إلى أن لا تسجد ؟ ٥ ٠ قال أبو جعفر : والصواب عندى من القول فى ذلك أن يقال : إن فى الكلام محذوفاً قد كفى دليلُ الظاهر منه ، وهو أن معناه : ما منعك من السجود ، (١) معانى القرآن الفراء ١: ١٧٦، ٣٧٤ و((الفوالج)) جمع ((فالج))، وهو جمل ذو سنامين كان يجلب من السند الفحلة. و((الفيول))، جمع ((فيل)). (٢) ((الصلة)): الزيادة، كما سلف، انظر فهارس المصطلحات. (٣) فى المطبوعة: ((وقال بعض من روى: أبى جود لا البخل))، فغير ما فى المخطوطة، وأفسد الكلام إفساداً . ٣٢٦ تفسير سورة الأعراف : ١٢ فأحوجك أن لا تسجد = فترك ذكر ((أحوجك))، استغناء بمعرفة السامعين قوله : ((إلا إبليس لم يكن من الساجدين))، أن ذلك معنى الكلام، من ذكره. (١) ثم عمل قوله: ((ما منعك))، فى ((أن))، ما كان عاملاً فيه قبل ((أحوجك)) لو ظهر ، إذ كان قد ناب عنه . وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب ، لما قد مضى من دلالتنا قبل على أنه غير جائز أن يكون فى كتاب اللّه شىء لا معنى له، وأن لكل كلمة معنّی صحيحاً. فتبين بذلك فسادُ قول من قال: ((لا))، فى الكلام حشو لا معنى لها . وأما قول من قال: معنى ((المنع)) ههنا ((القول))، فلذلك دخلت ((لا)) مع ((أن)) = فإن ((المنعَ)) وإن كان قديكون قولاً وفعلاً، فليس المعروف فى الناس استعمال (المنع))، فى الأمر بترك الشىء ، لأن المأمور بترك الفعل إذا كان قادراً على فعله وتركه ففعله ، لا يقال: ((فعله))، وهو ممنوع من فعله، إلا على استكراه للكلام . وذلك أن المنع من الفعل حَوْلٌ بينه وبينه، فغير جائز أن يكون وهو محُولٌ بينه وبينه فاعلاً له، لأنه إن جاز ذلك، وجب أن يكون مَحُولاً بينه وبينه لا محولاً، ومنوعاً لا ممنوعاً.(٢) وبعدُ، فإن إبليس لم يأتمر لأمر الله تعالى ذكره بالسجود لآدم كبرًا، فكيف كان يأتمر لغيره فى ترك أمر الله وطاعته بترك السجود لآدم ، فيجوز أن يقال له: ((أى شىء قال لك: لا تسجد لآدم إذ أمرتك بالسجود له))؟ ولكن معناه إن شاء اللّه ما قلت: (( ما منعك من السجود له فأحوجك ، أو: فأخرجك ، أو : فاضطرك إلى أن لا تسجد له)) ، على ما بینت. ٠ ٥ وأما قوله : (( أنا خير منه خلقتی من نار وخلقته من طین )) ، فإنه خبرٌ من الله جل ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله : ما الذى منعه من السجود لآدم، (١) السياق: ((استغناء بمعرفة السامعين ... من ذكره)). (٢) يعنى أنه يجمع الصفتين معاً (مخول بينه وبينه، وغير محول = ومنوع، وغير ممنوع))، وهو تناقض . ٣٢٧ تفسير سورة الأعراف : ١٢ فأحوجه إلى أن لا يسجد له ، واضطره إلى خلافه أمره به ، وتركه طاعته = أنّ المانعَ كان له من السجود، والداعىّ له إلى خلافه أمر ربه فى ذلك: أنه أشد منه أيْداً، (١) وأقوى منه قوة، وأفضل منه فضلاً ، لفضل الجنس الذى منه خلق، وهو النارُ، على الذى خلق منه آدم، (٢) وهو الطين. فجهل عدوّ اللّه وجه الحق، وأخطأ سبيل الصواب . إذا كان معلوماً أن من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علوًّا، والذى فى جوهرها من ذلك هو الذى حملَ الخبيث بعد الشقاء الذى سبق له من اللّه فى الكتاب السابق ، على الاستكبار عن السجود لآدم ، والاستخفاف بأمر ربه ، فأورثه العطبَ والهلاك" . وكان معلوماً أن من جوهر الطين الرزانةُ والأناةُ والحلم والحياء والتثبُّت، وذلك الذى هو فى جوهره من ذلك، (٣) كان الداعى لآدم بعد السعادة التى كانت سبقت له من ربه فى الكتاب السابق ، إلى التوبة من خطيئته، ومسألته ربَّه العفوَ عنه والمغفرة . ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: ((أول من قاسَ إبليس))، يعنيان بذلك: القياسَ الخطأ، وهو هذا الذی ذکرنا من خطأ قوله ، وبعده من إصابة الحق ، فى الفضل الذى خص الله به آدم على سائر خلقه : من خلقه إياه بيده ، ونفخه فيه من روحه ، وإسجاده له الملائكة ، وتعليمه أسماء كل شىء ، مع سائر ما خصه به من كرامته . فضرب عن ذلك كلِّه الجاهلُ صفحاً، وقصد إلى الاحتجاج بأنه خُلِقٍ من نار وخلق آدم من طين !! (٤) وهو فى ذلك أيضاً له غير كفؤ، لو لم يكن لآدم من الله جل ذكره تكرمة شىء غيره ، فکیف والذی خصّ به من كرامته یکثر تعداده ، ويمل إحصاؤه . ٩٨/٨ (١) فى المطبوعة: ((أشد منه يدا))، والصواب من المخطوطة، و((الأيد))، القوة. (٢) فى المطبوعة: ((من الذى خلق منه آدم))، زاد ((من))، والمخطوطة سقط منها حرف الجر المتعلق بفضل الجنس ، والصواب ما أثبت . (٣) فى المطبوعة: ((وذلك الذى فى جوهره ... )) حذف ((هو))، وفى المخطوطة: ((وذلك الذى هو من جوهره من ذلك))، وصوابها ((فى جوهره))، وإنما هو خطأ من الناسخ. (٤) فى المطبوعة: ((بأنه خلقه من نار))، والجيد ما فى المخطوطة. ٣٢٨ تفسير سورة الأعراف : ١٢ ١٤٣٥٥ - حدثنى عمرو بن مالك قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفى ، عن هشام، عن ابن سيرين قال: أوّل من قاس إبليس، وما عُبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس .(١) ١٤٣٥٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق، عن الحسن قوله: (( خلقتنى من نار وخلقته من طین )) ، قال : قاس إبليس ، وهو أول من قاس . وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٤٣٥٧ - حدثنا أبو کریب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : لما خلق اللّه آدم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة ، دون الملائكة الذين فى السموات: (( اسجدوا لآدم))، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر ، لما كان حدّث نفسه، من كبره واغتراره، فقال: ((لا أسجد له ، وأنا خير منه ، وأكبر سناً، وأقوى خلقاً ، خلقتنى من نار وخلقته من طين!))، يقول: إنّ النار أقوى من الطين . ١٤٣٥٨ -حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((خلقتنى من نار))، قال : ثم جعل ذريته من ماء # (١) الأثر: ١٤٣٥٥° - ((عمرو بن مالك الراسبى الغبرى))، أبو عثمان البصرى، شيخ الطبرى. قال ابن عدى: ((منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث))، وقال ابن أبى حاتم: ((ترك أبى التحديث عنه)). مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢٥٩/١/٣. و((يحيى بن سليم الطائف))، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم : ٤٨٩٤، ٧٨٣١. ٣٢٩ تفسير سورة الأعراف : ١٣،١٢ قال أبو جعفر : وهذا الذى قاله عدوّ اللّه ليس لما سأله عنه بجواب . وذلك أن الله تعالى ذكره قال له : ما منعك من السجود ؟ فلم يجب بأن الذى منعه من السجود أنه خُلِقَ من نار وخلق آدم من طين، (١) ولكنه ابتدأ خبراً عن نفسه، فيه دليل على موضع الجواب فقال: (« أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين )). القول فى تأويل قوله ﴿قَلَ فَأَهْبِطْ مِنْهاَ فَمَا يَكونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهاَ فَاخْرُجْ إنّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ)) قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: قال اللّه لإبليس عند ذلك: ((فاهبط مهـا )). وقد بينا معنى ((الهبوط)) فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.(٢) * # = ((فما يكون لك أن تتكبر فيها))، يقول تعالى ذكره: فقال الله له : ((اهبط منها))، يعنى من الجنة = ((فما يكون لك))، يقول: فليس لك أن تستكير فى الجنة عن طاعتى وأمرى . # فإن قال قائل : هل لأحد أن يتكبر فى الجنة ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ ، وإنما معنى ذلك : فاهبط من الجنة ، فإنه لا يسكن الجنة متكبر عن أمر اللّه، فأما غيرها ، فإنه يسكنها المستكبر عن أمر اللّه، والمستكين لطاعته . ٥ (١) فى المطبوعة: ((أنه خلقه من نار))، والجيد ما فى المخطوطة. (٢) انظر تفسير ((الحيوط)) فيما سلف ١: ٥٣٤، ٢/٥٤٨: ١٣٢، ٢٣٩. ٣٣٠ تفسير سورة الأعراف : ١٣، ١٤، ١٥ وقوله: ((فاخرج إنك من الصاغرين))، يقول : فاخرج من الجنة ، إنك من الذين قد نالهم من اللّه الصَّغَار والذل والمهانة. ٠٠٠ يقال منه: ((صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَرًا وصغارًا وصُغْرَاناً))، وقد قيل: ((صغُرَ يصْغُرُ صَغَارًا وصَغَارَة)).(١) ... وبنحو ذلك قال السدى. (٢) ١٤٣٥٩ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي: ((فاخرج إنك من الصاغرين))، و ((الصغار))، هو الذل . # القول فى تأويل قوله ﴿ قَالَ أَنْظِرْ بِىَ إِلَى يَوْمٍ يُبْثُونَ ﴾ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظُرِينَ﴾ ١٥ قال أبو جعفر : وهذه أيضاً جَهْلة أخرى من جَهَلاته الخبيثة . سأل ربه ما قد علم أنه لاسبيل لأحد من خلق الله إليه . وذلك أنه سأل النَّظِرة إلى قيام الساعة ، وذلك هو يوم يبعث فيه الخلق . ولو أعطى ما سأل من النَّظِرة ، كان قد أعطى الخلودَ وبقاءً لا فناء معه ، وذلك أنه لا موت بعد البعث . فقال جل ثناؤه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِ ينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [سورة الحجر: ٣٨،٣٧/ سورة ص: ٨١،٨٠]، وذلك إلى اليوم الذى قد كتب اللّه عليه فيه الهلاك والموت والفناء، لأنه لاشىء يبقى فلا يفنى، غير ربِّنا الحىِّ الذى لا يموت. يقول الله تعالى ٩٩/٨ (١) انظر تفسير ((الصغار)) فيما سلف ص: ٩٦ (٢) فى المطبوعة: ((وبنحو الذى قلنا قال السدى))، وأثبت ما فى المخطوطة. ٣٣١ تفسير سورة الأعراف : ١٥ ذكره: (كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، [سورة آل عمران: ١٨٥ ٪ سورة الأنبياء: ٣٥٪ سورة العنكبوت : ٥٧]. و((الإنظار)) فى كلام العرب، التأخير. يقال منه: ((أنظُرته بحقى عليه أنظره به إنظاراً)).(١). فإن قال قائل: فإن الله قد قال له إذ سأله الإنظار إلى يوم يبعثون: ((إنك من المنظرين)) فى هذا الموضع ، فقد أجابه إلى ما سأل ؟ قيل له : ليس الأمر كذلك ، وإنما كان مجيباً له إلى ما سأل لو كان قال له: (( إنك من المنظرين إلى الوقت الذى سألت = أو : إلى يوم البعث = أو : إلى يوم يبعثون))، أو ما أشبه ذلك ، مما يدل على إجابته إلى ما سأل من النظرة . وأما قوله: (( إنك من المنظرين))، فلا دليل فيه لولا الآية الأخرى التى قد بيَّن فيها مدة إنظاره إياه إليها، وذلك قوله: ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، [سورة الحجر: ٣٧، ٣٨/ سورة ص: ٨٠، ٨١]، كم المدة التى أنظره إليها، (٢) لأنه إذا أنظره يوماً واحداً أو أقل منه أو أكثر ، فقد دخل فى عداد المنظرين ، وتمَّ فيه وعد الله الصادق، ولكنه قد بيَّن قدر مدة ذلك بالذى ذكرناه ، فعلم بذلك الوقت الذى أُنظِر إليه . ٠ ٠ ٠ وبنحو ذلك كان السدى يقول : ١٤٣٦٠ - حدثی موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْ نِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ* قَلَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، [سورة الحجر: ٣٦- ٣٨/ سورة ص: ٧٩-٨١]، فلم ينظره إلى يوم البعث ، ولكن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم ، وهو يوم ينفخ (١) انظر تفسير ((الإنظار)) فيما سلف ٢ : ٤٦٧، ٢٦٧:١١/٥٧٧:٦/٢٦٤:٣/٤٦٨ (٢) فى المطبوعة: ((على المدة))، وأثبت ما فى المخطوطة. ٣٣٢ تفسير سورة الأعراف : ١٥ ، ١٦ فى الصور النفخة الأولى، فصعق من فى السموات ومن فى الأرض ، فمات.(١) ... قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: قال إبليس لربه: ((أنظرنى))، أى أخّرنى وأجلنى ، وأنسىْ فى أجلى، ولا تمتنى = ((إلى يوم يبعثون))، يقول: إلى يوم يبعث الخلق. فقال تعالى ذكره: ((إنك من المنظرين))، إلى يوم ينفخ فى الصور ، فيصعق فى السموات ومن فى الأرض إلاّ من شاء الله . ٠ فإن قال قائل: فهل أحَدٌ مُنْظرٌ إلى ذلك اليوم سوى إبليس، فيقال له : (( إنك منهم)) ؟ قيل : نعم ، من لم يقبض الله روحه من خلقه إلى ذلك اليوم ، ممن تقوم عليه الساعة ، فهم من المنظرين بآجالهم إليه . ولذلك قيل لإبليس: ((إنك من المنظرين))، بمعنى: إنك ممن لا يميته اللّه إلاّ ذلك اليوم. # القول فى تأويل قوله ﴿قَلَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِ لَأَقْمُدَنَّ لَهُمْ صِرََّكَ الْمُسْتَقِيمَ) (١) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال إبليس لربه: ((فما أغويتنى))، يقول : فيما أضللتنى، كما :- ١٤٣٦١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((فيما أغويتنى ))، يقول : أضللتی . ١٤٣٦٢ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى (١) الأثر: ١٤٣٦٠ - ((موسى بن هرون الهمدانى))، مضى مراراً، وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((يونس بن هرون))، وهو خطأ محض، فهذا إسناد دائر فى التفسير. ٣٣١ تفسير سورة الأعراف : ١٥ ذكره: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ اْمَوْتِ﴾، [سورة آل عمران: ١٨٥ ٪ سورة الأنبياء: ٣٥/ سورة العنكبوت : ٥٧] . و((الإنظار)) فى كلام العرب، التأخير. يقال منه: ((أنظُرته بحقى عليه أنظره به إنظارًا)).(١) .. فإن قال قائل: فإن الله قد قال له إذ سأله الإنظار إلى يوم يبعثون: ((إنك من المنظرين)) فى هذا الموضع ، فقد أجابه إلى ما سأل ؟ قيل له : ليس الأمر كذلك ، وإنما كان مجيباً له إلى ما سأل لو كان قال له : ((إنك من المنظرين إلى الوقت الذى سألت = أو : إلى يوم البعث = أو : إلى يوم يبعثون))، أو ما أشبه ذلك ، مما يدل على إجابته إلى ما سأل من النظرة . وأما قوله: ((إنك من المنظرين))، فلادليل فيه لولا الآية الأخرى التى قد بيَّن فيها مدة إنظاره إياه إليها، وذلك قوله: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، [سورة الحجر: ٣٨،٣٧/ سورة ص: ٨٠، ٨١]، كم المدة التى أنظره إليها، (٢) لأنه إذا أنظره يوماً واحداً أو أقل منه أو أكثر ، فقد دخل فى عداد المنظرين ، وتمَّ فيه وعد الله الصادق، ولكنه قد بيَّن قدر مدة ذلك بالذى ذكرناه ، فعلم بذلك الوقت الذى أُنظر إليه . ٠ ٠ وبنحو ذلك كان السدى يقول : ١٤٣٦٠ -حدثی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِى إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِ ينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، [سورة الحجر: ٣٦ - ٣٨/سورة ص: ٧٩-٨١]، فلم ينظره إلى يوم البعث ، ولكن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم ، وهو يوم ينفخ (١) انظر تفسير ((الإنظار)) فيما سلف ٢: ٤٦٧، ٣/٤٦٨: ٢٦٧:١١/٥٧٧:٦/٢٦٤ (٢) فى المطبوعة: (على المدة))، وأثبت ما فى المخطوطة. ٣٣٢ تفسير سورة الأعراف : ١٥ ، ١٦ فى الصور النفخة الأولى ، فصعق من فى السموات ومن فى الأرض ، فمات .(١) ٠٠٠ قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: قال إبليس لربه: ((أنظرنى))، أى أخّرِنى وأجلنى ، وأنسئْ فى أجلى، ولا تمتنى= ((إلى يوم يبعثون))، يقول: إلى يوم يبعث الخلق. فقال تعالى ذكره: ((إنك من المنظرين))، إلى يوم ينفخ فى الصور ، فيصعق فى السموات ومن فى الأرض إلاّ من شاء الله . ٠٠٠ فإن قال قائل: فهل أحَدٌ مُنْظرٌ إلى ذلك اليوم سوى إبليس، فيقال له : ((إنك منهم)) ؟ قيل : نعم ، من لم يقبض اللّه روحه من خلقه إلى ذلك اليوم ، ممن تقوم عليه الساعة، فهم من المنظرين بآجالهم إليه. ولذلك قيل لإبليس: (( إنك من المنظرين))، بمعنى: إنك ممن لا يميته اللّه إلاّ ذلك اليوم. القول فى تأويل قوله ﴿قَلَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْهُدَنَّ لَهُمْ صِرَّطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) ) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال إبليس لربه: ((فما أغويتنى))، يقول : فيما أضللتی ، كما :-- ١٤٣٦١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((فما أغويتنى))، يقول: أضالتى . ١٤٣٦٢ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى (١) الأثر: ١٤٣٦٠ - ((موسى بن هرون الهمدائى))، مضى مراراً، وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((يونس بن هرون))، وهو خطأ محض، فهذا إسناد دائر فى التفسير. ٣٣٣ تفسير سورة الأعراف : ١٦ قوله: ((فيما أغويتنى)) ، قال : فما أضللتنى . * ٥ وكان بعضهم يتأول قوله: ((فما أغويتنى)) ، بما أهلكتنى، من قولهم : ((غَوِىَ الفصيل يَغْوَى غَوّى))، وذلك إذا فقد اللبن فمات، من قول الشاعر: (١) مُعَطَّفَةُ الأَثْنَاءِ لَيْسَ فَصِيلُها بِرَازِيْهَا دَرًّا وَلاَ مَّيِّتٍ غَوَى(٣) وأصل ((الإغواء)) فى كلام العرب: تزيين الرجل للرجل الشىء حتى يحسنه عنده ، غارًّا له . (٣) وقد حكى عن بعض قبائل طيئ، أنها تقول: ((أصبح فلان غاوياً)) ، أي : أصبح مريضاً . (٤) وكان بعضهم يتأوّل ذلك أنه بمعنى القسم ، كأن معناه عنده : فبإغوائك إياى، لأقعدن لهم صراطك المستقيم، كما يقال: ((باللّه لأفعلن كذا)). ١٠٠/٨ وكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى المجازاة، كأن معناه عنده : فلأنك أغويتى = أو : فبأنك أغويتى = لأقعدن لهم صراطك المستقيم . (١) هو ((مدرج الريح الجرمى))، واسمه ((عامر بن المجنون)) كما فى الشعر والشعراء: ٧١٣، وفى الوحشيات رقم: ٣٨٠، والأغانى ٣: ١١٥، وجاء فى المعانى الكبير : ١٠٤٧ ((عامر المجنون))، صوابه ما أثبت . (٢) المعافى الكبير: ١٠٤٧، المخصص ٧: ٤١، ١٨٠، تهذيب إصلاح المنطق ٢: ٥٤، السان (غرى). يصف قوماً. قال التبريزى فى شرحه: ((أثناؤها))، أطرافها المتلثبة. و((فصيلها))، السهم، و((رازتها)) أى: أخذ منها شيئاً. يقول: ليس فصيل هذه القوس يشرب منها لبناً كفصيل الناقة ، ولا يؤذيه كثرة الشرب ، يريد أنه لا يشرب فى حال من الأحوال = ولا يموت إذا فقد اللبن . (٣) انظر تفسير ((النى)) و((الإغواء)) فيما سلف ٥ : ٤١٦. (٤) هذا نص ينبغى إثباته فى كتب اللغة، فلم يذكر فيها فيما علمت . ٣٣٤ تفسير سورة الأعراف : ١٦ قال أبو جعفر : وفى هذا بيان واضح على فساد ما يقول القدرية، (١)من أن كل من كفر أو آمن فبتفويض اللّه أسبابَ ذلك إليه، (٢) وأن السبب الذى به يصل المؤمن إلى الإيمان ، هو السبب الذى به يصل الكافر إلى الكفر . وذلك أنّ ذلك لو کان کما قالوا: لكان الخبيث قد قال بقوله: ((فما أغویتی))،((فما أصلحتنى))، إذا كان سبب ((الإغواء)) هو سبب ((الإصلاح))، وكان فى إخباره عن الإغواء إخبارٌ عن الإصلاح ، ولكن لما كان سبباهما مختلفين ، وكان السبب الذى به غوّى وهلك من عند الله. أضاف ذلك إليه فقال: ((فيما أغويتنى)). ٠ ٥ وكذلك قال محمد بن كعب القرظى، فيما : - ١٤٣٦٣ - حدثی موسی بن عبد الرحمن المسروقی قال، حدثنا زید بن الحباب قال ، حدثنا أبو مودود : سمعت محمد بن كعب القرظى يقول : قاتل اللّه القدريّة، لأبليس أعلمُ بالله منهم! ... وأما قوله: ((لأقعدن لهم صراطك المستقيم))، فإنه يقول: لأجلسن لبنى آدم ((صراطك المستقيم))، يعنى: طريقك القويم، وذلك دين الله الحق ، وهو الإسلام وشرائعه. (٣) وإنما معنى الكلام: لأصدَّن بنى آدم عن عبادتك وطاعتك ، ولأغوينهم كما أغويتنى ، ولأضلنهم كما أضللتنى . وذلك كما روى عن سبرة بن أبى الفاكة :- (٤) ١٤٣٦٤ - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الشيطان قعد لابن آدم (١) ((القدرية)) هو نفاة القدر الكافرون به، وأما المؤمنون بالقدر، وهم أهل الحق، فيقال لهم ((أهل الإثبات))، وانظر فهارس المصطلحات والفرق فيما سلف. (٢) ((التفويض))، رد الأسباب إليه، وانظر بيان ذلك فيما سلف ١: ١٦٢، تعليق: ٢٣٤٠:١١/٣ / ٩٢:١٢، وهو مقالة المعتزلة وأشباههم. (٣) انظر تفسير ((الصراط المستقيم))، فيما سلف ص: ٢٨٢، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٤) فى المطبوعة: ((سبرة بن الفاكه))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب. انظر التعليق التالى ص ٣٣٥، تعليق: ٢ : ٣٣٥ تفسير سورة الأعراف : ١٦ بأَطْرِقَةٍ ، (١) فقعد له بطريق الإسلام فقال : أتسلم وتذرُ دينك ودين آبائك ؟ فعصاه فأسلم . ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك ، وإنما مثل المهاجر كالفرس فى الطِّول؟(٢) فعصاه وهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد، وهو جَهْدُ النفس والمال، فقال: أتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال ؟ قال : فعصاه فجاهد . (٣) وروی عن عون بن عبد الله فیذلك ما :- ١٤٣٦٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حَبّويه أبو يزيد ، عن عبد الله ابن بكير، عن محمد بن سوقة ، عن عون بن عبد اللّه: ((لأقعدن لهم صراطك المستقيم ))، قال : طريق مكة . (٤) ٥ (١) ((أطرقة)) جمع ((طريق))، مثل ((رغيف)) و((أرغفة))، وهو جمعه مع تذكير ((طريق))، ويجمع أيضاً على ((أطرق)) (بضم الراء)، وهو جمع ((طريق)) إذا أنشتها ، نحو ((يمين))، و((أيمن)). وبهذه الأخيرة ضبط فى أكثر الكتب. (٢) ((الطول)) (بكسر الطاء وفتح الواو): وهو الحبل الطويل، يشد أحد طرفيه فى وقد أو فى غيره، والآخر فى يد الفرس، فيدور فيه ويرعى، ولا يذهب لوجهه . ويعنى بذلك : أن الهجرة تحبسه عن التصرف والضرب فى الأرض، والعودة إلى أرضه وسمائه، والهجرة أمرها شديد كما تعلم . (٣) الأثر : ١٤٣٦٤ - هذا خبر رواه الأئمة، ذكره أبو جعفر بغير إسناده . و ((سبرة بن أبى فاكه))، مختلف فى اسمه، يقال: ((سبرة بن أبى الفاكه))، و((سبرة ابن الفاكه))، و((سبرة بن الفاكهة))، و(سبرة بن أبى الفاكهة))، صحابى نزل الكوفة. مترجم فى التهذيب، وأسد الغابة ٢: ٢٦٠، والإصابة فى اسمه، والكبير للبخارى ١٨٨/٢/٢، وابن أبى حاتم ٢٩٥/١/٢. وهذا الخبر، رواه أحمد فى مسنده مطولا ٣: ٤٨٣، والنسائى ٦: ٢١، ٢٢، والبخارى فى التاريخ ١٨٨/٢/٢، ١٨٩، وابن الأثير فى أسد الغابة ٢: ٢٦٠، قال الحافظ ابن حجر فى الإصابة فى ترجمته: (( له حديث عند النسائى، بإسناد حسن، إلا أن فى إسناده اختلافاً ))، ثم قال: ((وصححه ابن حبان)). (٤) الأثر: ١٤٣٦٥ - ((حبويه أبو يزيد)) هكذا فى المخطوطة، ولكنه غير منقوط، وكان فى المطبوعة: (( حيوة أبو يزيد))، تغيير بلا دليل. و ((حبويه))، أبو زيد، هو: ((إسحق بن إسماعيل الرازى)»، روى عن نافع بن عمر الجمحى ، وعمرو بن أبى قيس، ونعيم بن ميسرة - روى عنه محمد بن سعيد الأصفهانى ، وعمان ٣٣٦ تفسير سورة الأعراف: ١٦ والذى قاله عون ، وإن كان من صراط الله المستقيم ، فليس هو الصراط كله. وإنما أخبر عدوّ اللّه أنه يقعد لهم صراط الله المستقيم، ولم يخصص منه شيئاً دون شىء . فالذى روى فى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشبهُ بظاهر التنزيل ، وأولى بالتأويل ، لأن الخبيث لا يألو عباد اللّه الصدّ عن كل ما كان لهم قربة إلى الله . وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل فى معنى ((المستقيم))، فى هذا الموضع. • ذكر من قال ذلك : ١٤٣٦٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((صراطك المستقيم)) ، قال : الحق . ١٤٣٦٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله . ١٤٣٦٨ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدنى قال: سمعت مجاهداً يقول ((لأقعدن لهم صراطك المستقيم))، قال : سبيل الحق ، فلأضلنَّهم إلا قليلاً . قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية فى ذلك . فقال بعض نحوبى البصرة: معناه : لأقعدن لهم على صراطك المستقيم ، كما وأبو بكر ابنا أبى شيبة، وإبراهيم بن موسى. قال يحيى بن معين: ((أرجو أن يكون صدوقاً)). مترجم فى الجرح والتعديل ٢١٢/١/١، وعبد الغنى بن سعيد فى المؤتلف والمختلف: ٤٣، ((حبويه)) بالباء المشددة بعد الحاء . وسيأتى أيضاً فى الإسناد رقم : ١٤٥٥٠ . و((عبد الله بن بكير الفنوى الكوفى))، روى عن ((محمد بن سوقة))، وهو ليس بقوى، وإن كان من أهل الصدق، وذكر له ابن عدى مناكير مترجم فى لسان الميزان، وابن أبى حاتم ١٦/٢/٢، وميزان الاعتدال ٢ : ٢٦.