النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
تفسير سورة الأنعام : ١٥١ ، ١٥٢
أو ترتدَّ عن دينها الحقّ فتقتل. فذلك ((الحق) الذى أباح الله جل ثناؤه قتل النفس
التى حرم على المؤمنین قتلها به = (( ذلكم )) ، یعنی هذه الأمور التی عهد إلينا
فيها ربُّنا أن لانأتيه وأن لا ندعه ، هى الأمور التى وصَّانا والكافرين بها أن نعمل
جميعاً به = ((لعلكم تعقلون))، يقول: وصاكم بذلك لتعقاوا ما وصاكم به ربكم. (١)
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلّ بِأَلَّتِى هِىَ
أحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى
أحسن))، ولا تقربوا ماله إلا بما فيه صلاحه وتثميره ، كما : -
١٤١٤٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن
ليث، عن مجاهد: ((ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتى هى أحسن))، قال: التجارة
فيه .
١٤١٤٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن ))،
فليثمر مالَه .
١٤١٤٩ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا فضيل بن
مرزوق العنزى، عن سليط بن بلال ، عن الضحاك بن مزاحم فى قوله: (( ولا تقربوا
مال اليتيم إلاّ بالتى هى أحسن))، قال: يبتغى له فيه، ولا يأخذ من ربحه شيئاً. (٢)
(١) انظر تفسير ((وصى)) فيما سلف ص: ١٨٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) الأثر: ١٤١٤٩ - ((فضيل بن مرزوق العنزى))، الرقاشى، الأغر . مضى برقم :
٥٤٣٧. و((سليط بن بلال))، لا أدرى من هو، ولم أجد له ترجمة.

٢٢٢
تفسير سورة الأنعام : ١٥٢
١٤١٥٠ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن))، قال: ((التى هى أحسن))،
أن يأكل بالمعروف إن افتقر، وإن استغنى فلا يأكل. قال الله: ﴿ وَمَنْ كَانَ
غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقَيْرًا فَلْيَأْ كُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: ٦].
قال: وسئل عن الكسوة، فقال: لم يذكر الله الكسوة، إنما ذكر الأكل .
٠
وأما قوله: ((حتى يبلغ أشده))، فإن ((الأشُدّ)) جمع ((شَدُّ))، كما ((الأضُرّ))
جمع ((ضر))، وكما ((الأشُرّ)) جمع ((شر))، (١) و((الشد )) القوة، وهو استحكام
قوة شبابه وسنه، كما (( شَدُّ النهار)) ارتفاعه وامتداده. يقال: ((أتیته شدَّ النهار ،
ومدّ النهار))، وذلك حين امتداده وارتفاعه، وكان المفضل فيما بلغنى ينشد بيت عنترة:
عَهْدِى بِهِ شَدَّ الَّهَارِ كَأَنََّ خُضِبَ اللَّبَانُ وَرَأْسُهُ بِالِْظْلِ (٣)
ومنه قول الآخر: (٣)
طَوِيلَةُ أَنْقَاءِ الْيَدَيْنِ سَحُوقُ (٤)
تُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّارِ ظَمِينَةٌ
(١) هكذا جاء فى المخطوطة والمطبوعة: ((الأضر)) و((الأشر))، ولم أجد لشىء من ذلك
أصلا فى كتب العربية ، وهذان اللفظان محرفان فيما أرجح ، ولكنى تركتهما على حالها ، حتى أقف
على الصواب فى قراءتهما إن شاء الله. ولكنهم مثلوا له بقولهم ((قد)) و((أقد))، وهو قريب التحريف
فى الأولى ، ولكن الثانية مبهمة .
(٢) من معلقته المشهورة، وهذا البيت من أبيات وصف فيها بطلا مثله ، يقول قبله :
لَمَّا رَآنِ قَدْ قَصَدْتُ أُرِيدُهُ أَبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسْمِ
فَطَعَنْتُهُ بِلُّمْحِ ثُمَّ عَلَوْتُهُ بِهَنَّدٍ مَفِىِ الحَدِيدَةِ مِخْذَمٍ
و((البان)) الصدر. و((العظام)»، صبغ أحمر . يصفه قتيلا سال دمه، فخصب رأسه
وأطرافه ، لا حراك به .
(٣) لم أعرف قائله .
(٤) ((الظعينة))، يعنى زوجته.((الأنقاء)) جمع ((نقو)) (بكسر فسكون)، وهو كل
عظم فيه مخ، كعظام اليدين والساقين، وامرأة ((سحوق)): طويلة كأنما نخلة مستوية قد انجرد
عنها كربها .

٢٢٣
تفسير سورة الأنعام : ١٥٢
وكان بعض البصريين يزعم أن ((الأشد)) مثل ((الآنُك)).(١)
...
فأما أهل التأويل، فإنهم مختلفون فى الحين الذى إذا بلغه الإنسان قيل: ((بلغ
أشده )).
فقال بعضهم : يقال ذلك له إذا بلغ الخُلُم .
• ذکر من قال ذلك :
١٤١٥١ - حدثنى أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا عمى قال ، أخبرنى
يحيى بن أيوب، عن عمرو بن الحارث، عن ربيعة فى قوله: ((حتى يبلغ أشده))،
قال : الحلم .
١٤١٥٢ - حدثنى أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا عمى قال ، حدثنى
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، مثله = قال ابن وهب : وقال لى
مالك مثله . (٢)
١٤١٥٣ - حدثت عن الحمانی قال، حدثنا هشيم، عن مجاهد ، عن عامر:
((حتى يبلغ أشده))، قال: ((الأشد))، الحلم، حيث تكتب له الحسنات ،
وتكتب عليه السيآت .
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : إنما يقال ذلك له ، إذا بلغ ثلاثين سنة .
• ذكر من قال ذلك :
١٤١٥٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( حتى يبلغ أشده))، قال: أما (( أشده))، فثلاثون
(١) ((آنك)) (بالمد وضم النون) هو. الرصاص القلعى، وهو القزدير. ويعنى أنه
مفرد لا جمع .
(٢) الأران: ١٤١٥١، ١٤١٥٢ - ((أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصرى)»،
مضى برقم: ٢٧٤٧، ٦٦١٣، ١٠٣٣٠، وهو ابن أخى (عبد الله بن وهب)) و(( عمه))،
هو: ((عبد اللّه بن وهب)).

٢٢٤
تفسير سورة الأنعام : ١٥٢
سنة، ثم جاء بعدها: ﴿حَّ إذَا بَلَغُوا النِّكَحَ﴾ [ سورة النساء: ٦
...
وفى الكلام محذوف ، ترك ذكره اكتفاءً بدلالة ما ظهر عما حذف . وذلك
أن معنى الكلام: ((ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده))،
فإذا بلغ أشده فآنستم منه رشداً ، فادفعوا إليه ماله = لأنه جل ثناؤه لم ينه أن
يُقرب مال اليتيم فى حال يُتمه إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده، ليحِلَّ لوليه
بعد بلوغه أشده أن يقربه بالتى هى أسوأ، (١) ولكنه نهاهم أن يقرّبوه حياطةً منه
له ، وحفظاً عليه، (٢) ليسلموه إليه إذا بلغ أشده .
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَأَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ
لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم أن لا
تشركوا به شيئاً))= وأن أوفوا الكيل والميزان. يقول: لا تبخسوا الناس الكيل
إذا كلمتوهم، والوزن إذا وزنتموهم ، ولكن أوفوهم حقوقهم . وإيفاؤهم ذلك ،
إعطاؤهم حقوقهم تامة (٣) = ((بالقسط))، يعنى بالعدل ، كما :-
١٤١٥٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( بالقسط )) ، بالعدل .
وقد بينا معنى: (( القسط)) بشواهده فيما مضى، وكرهنا إعادته . (٤)
...
(١) فى المطبوعة: ((ويحل)) بالواو، والذى فى المخطوطة حق السياق.
(٢) فى المطبوعة: ((أن يقربوا))، والصواب ما فى المخطوطة.
(٣) انظر تفسير ((الإيفاء)) فيما سلف ٩: ٤٢٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((القسط)) فيما سلف ١٠: ٣٣٤، تعليق: ٤، والمراجع هناك.

٢٢٥
تفسير سورة الأنعام : ١٥٢
وأما قوله: ((لا نكلف نفساً إلاّ وسعها))، فإنه يقول : لا نكلف نفساً ،
من إيفاء الكيل والوزن،أ إلا ما يسعها فيحلّ لها ولا تحرَّجُ فيه. (١) وذلك أن اللّه
جل ثناؤه ، علم من عباده أنّ كثيراً منهم تضيق نفسه عن أن تطيب لغيره بما
لا يجبُ عليها له ، فأمر المعطى بإيفاء رب الحق حقَّه الذى هو له، ولم يكلّفه
الزيادة ، لما فى الزيادة عليه من ضيق نفسه بها . وأمر الذى له الحق ، بأخذ
حقه، ولم يكلفه الرضى بأقل منه ، لما فى النقصان عنه من ضيق نفسه . فلم يكلف
نفساً منهما إلاّ ما لا حرج فيه ولا ضيق، فلذلك قال: ((لا نكلف نفساً إلاّ
وسعها )).
وقد استقصينا بيان ذلك بشواهده فى موضع غير هذا الموضع ، بما أغنى
عن إعادته . (٢)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَ إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِىُ
وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْقُواْ ذَلِكُمْ وَصَّكُمْ بِهِـه لَمُلْكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وإذا قلتم فاعدلوا))، وإذا حكمتم
بين الناس فتكلمتم فقولوا الحق بينهم ، واعدلوا وأنصفوا ولا تجوروا ، (٣) ولو كان
الذى يتوجه الحق عليه والحكم ، ذا قرابة لكم ، ولا تحملنكم قرابه قريب أو صداقة
صدیق حکمتم بينه وبين غيره ، أن تقولوا غیر الحق فيما احتكم إلیکم فیه= (( وبعهد
الله أوفوا))، يقول: وبوصية اللّه التى أوصاكم بها فأوفوا. وإيفاء ذلك : أن
(١) انظر تفسير ((التكليف)) فيما سلف ٥: ٦/٤٥: ١٢٩، ٨/١٣٠: ٥٧٩ .
= وتفسير ((الوضع)) فيما سلف ه: ٦/٤٥: ١٢٩، ١٣٠.
(٢) انظر ما سلف ٥: ٤٥، ٦/٤٦: ١٢٩، ١٣٠.
(٣) انظر تفسير ((العدل)) فيما سلف من فهارس اللغة (عدل).
ج ١٢ (١٣)

٢٢٦
تفسير سورة الأنعام : ١٥٢
يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم ، وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ،
وذلك هو الوفاء بعهد الله. (١)
وأما قوله: ((ذلكم وصاكم به))، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه
وسلم: قل للعادلين باللّه الأوثان والأصنام من قومك: هذه الأمور التى ذكرت
لكم فى هاتين الآيتين ، هى الأشياء التى عهد إلينا ربنا ، ووصاكم بها ربكم ،
وأمركم بالعمل بها - لا بالبحائر، والسوائب، والوصائل ، والحام ، وقتل الأولاد ،
ووأد البنات، واتباع خطوات الشيطان(٢) = ((لعلكم تذكرون))، يقول: أمركم
بهذه الأمور التى أمركم بها فى هاتين الآيتين ، ووصاكم بها وعهد إليكم فيها ،
لتتذكروا عواقبَ أمركم ، وخطأ ما أنتم عليه مقيمون ، فتنزجروا عنها ، وترتدعوا
وتُنيربوا إلى طاعة ربكم .
#
#
وكان ابن عباس يقول : هذه الآيات ، هُنَّ الآيات المحكمات .
١٤١٥٦ -حدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا أبى، عن على بن صالح ، عن
أبى إسحق ، عن عبد الله بن قيس ، عن ابن عباس قال : هن الآيات
المحكمات، قوله: ((قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً)). (٣)
٦٤/٨
(١) انظر تفسير ((العهد)) فيما سلف من فهارس اللغة (عهد) .
= وتفسير ((الإيفاء)) فيما سلف ص: ٢٢٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((وصى)) فيما سلف ص: ٢٢١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) الأثر: ١٤١٥٦ - ((على بن صالح بن صالح بن حى الهمدانى)) ثقة، مضى
برقم : ١٧٨ ، ١١٩٧٥ .
وفى المخطوطة والمطبوعة: ((على بن أبى صالح))، وهو خطأ لاشك فيه، والزيادة سهو من
الناسخ، وإنما هو ((على بن صالح))، فهو الذى يروى عن أبى إسحق السبيعى ، ويروى عنه وكيع ،
وكما فى المستدرك ، كما سيأتى فى التخريج .
و((أبو إسحق)) هو السبيعى.
و((عبد الله بن قيس))، راوى هذا الخبر، خص برواية هذا الخبر عن ابن عباس، ورواية
أبي إسحق السبيعى عنه. مترجم فى التهذيب (٥: ٣٦٥)، وابن أبى حاتم ١٣٨/٢/٢.
وهذا الخبر رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٨٨، وقال: ((صحيح))، ووافقه الذهبي. وقد

٢٢٧٠
تفسير سورة الأنعام : ١٥٢
١٤١٥٧ - حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا، حدثنا وهب بن
جرير قال ، حدثنا أبى قال ، سمعت يحيى بن أيوب يحدّث ، عن يزيد بن أبى
حبيب ، عن مرثد بن عبد الله، عن عبيد الله بن عدىّ بن الخيار قال: سمع
كعب الأحبار رجلاً يقرأ: ((قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم))، فقال: والذى
نفس كعب بيده، إنّ هذا لأوَّل شىء فى التوراة: ((بسم الله الرحمن الرحيم*
قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم )). (١)
١٤١٥٨ -حدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا أبی، عن أبيه ، عن سعيد بن
مسروق ، عن رجل ، عن الربيع بن خيثم : أنه قال لرجل : هل لك فى صحيفة
عليها خاتم محمد؟ ثم قرأ هؤلاء الآيات: (( قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم أن لا
تشركوا به شيئاً)) ..
١٤١٥٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحق الرازى ، عن أبى سنان ،
عن عمرو بن مرة قال: قال الربيع: ألا أقرأ عليكم صحيفة من رسول الله صلى الله
عليه وسلم؟ = لم يقل: ((خاتمه)) = فقرأ هذه الآيات: ((قل تعالوا أقل ما حرم
ریکم علیکم )).
أشرت إلى ذلك فى تخريج الخبر رقم : ٦٥٧٣، فراجعه .
ورواه الحاكم أيضاً فى المستدرك ٢ : ٣١٧، بإسناد آخر من طريق إسرائيل، عن أبى إسحق ،
عن عبد الله بن خليفة، عن ابن عباس، وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))،
ووافقه الذهبي .
و ((عبد الله بن خليفة الهمدانى))، مضى برقم : ٥٧٩٦ .
(١) الأثر: ١٤١٥٧ - ((وهب بن جرير بن حازم الأزدى))، الحافظ الثقة.
وأبو ((جرير بن حازم الأزدى))، ثقة، روى له الجماعة.
و((يحيى بن أيوب الغافق))، ثقة، مضى برقم: ٣٨٧٧، ٤٣٣٠.
و ((يزيد بن أبى حبيب المصرى))، مضى مراراً، آخرها : ١١٨٧١.
و ((مرثد بن عبد اللّه اليزنى))، الفقيه المصرى، مضى برقم: ٢٨٣٩، ٢٨٤٠، ١٠٨٩٠.
و ((عبيد الله بن عدى بن الخيار النوفل القرشى)) ثقة، قليل الحديث، من فقهاء قريش وعلمائهم،
أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرين. مترجم فى التهذيب.
وهذا خبر إسناده صحيح إلى كعب الأحبار .

٢٢٨
تفسير سورة الأنعام : ١٥٢، ١٥٣
١٤١٦٠ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن
إبراهيم ، عن علقمة قال : جاء إليه نفر فقالوا : قد جالست أصحاب محمد ،
فحدثنا عن الوَحى. فقرأ عليهم هذه الآيات من ((الأنعام)): ((قل تعالوا أتل
ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً )). قالوا: ليس عن هذا نسألك ! قال :
فما عندنا وحى غيره !
١٤١٦١ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : هؤلاء الآيات التى أوصى بها من محكم القرآن .
١٤١٦٢ -حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((وإذا قلتم فاعدلوا))، قال : قولوا الحق .
. ..
القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرِّطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
وَلَا تَتَّبُواْ السُّبُلَ فَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ـ، ذَلِكُمْ وَصُّكُمْ ◌ِهِے
◌َعَلَّكُمْ تَقُونَ﴾ ٥
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهذا الذى وصا كم به ربكم ، أيها
الناس، فى هاتين الآيتين من قوله: (( قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم )) ،
وأمركم بالوفاء به، هو ((صراطه )) = يعنى : طريقه ودينه الذى ارتضاه لعباده =
((مستقيماً))، يعنى: قويماً لا اعوجاج به عن الحق (١) = ((فاتبعوه))، يقول: فاعملوا
به، واجعلوه لأنفسكم منهاجاً تسلكونه، فاتبعوه(٢) = ((ولا تتبعوا السبل))، يقول:
ولا تسلكوا طريقاً سواه ، ولا تركبوا منهجاً غيره ، ولا تبغوا ديناً خلافه ، (٣)، من
(١) انظر تفسير ((الصراط المستقيم)) فيما سلف ص: ١١٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الاتباع)) فيما سلف من فهارس اللغة (تبع).
(٣) فى المخطوطة: ((دينا خلاه))، وعلى ((خلاه))، حرف (ط) دلالة على الخطأ أو الشك،
والذى فى المخطوطة مستقيم جيد

٢٢٩
تفسير سورة الأنعام : ١٥٣
اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان ، وغير ذلك من الملل ، فإنها بدع
وضلالات = (( فتفرق بكم عن سبيله))، يقول، فيشتّت بكم ، إن اتبعتم
السبل المحدثة التى ليست اللّه بسبل ولا طرق ولا أديان، اتباعُكم إياها = ((عن
سبيله))، يعنى : عن طريقه ودينه الذى شرعه لكم وارتضاه ، وهو الإسلام الذى
وحتى به الأنبياء، وأمر به الأمم قبلكم(١) = ((ذلكم وصاكم به))، يقول تعالى
ذكره: هذا الذى وصاكم به ربكم من قوله لكم: ((إن هذا صراطى مستقيماً
فاتبعوه ولا تتبعوا السبل))، وصاكم به ((لعلكم تتقون))، يقول: لنتقوا الله فى
أنفسكم فلا تهلكوها ، وتحذروا ربكم فيها فلا تسخطوه عليها ، فيحل بكم نقمته
وعذابه . (٢)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٤١٦٣ - حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((ولا تتبعوا السبل فتفرق ٦٥/٨
بكم عن سبيله))، قال : البدع والشبهات .
١٤١٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة، عن شبل ، عن ابن
أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٤١٦٥ - حدثی المثی قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( ولا تتبعوا السبل))، البدع والشبهات .
١٤١٦٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا
معاوية ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((فاتبعوه ولا تتبعوا السبل
(١) انظر تفسير ((السبيل)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
(٢) انظر تفسير ((الوصية)) و((الابقاء)) فيما سلف من فهارس اللغة (وصى) و (وق).

٢٣٠
تفسير سورة الأنعام : ١٥٣
فتفرق بكم عن سبيله))، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الدِّينِ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [ سورة الشورى: ١٣]،
ونحو هذا فى القرآن . قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ، ونهاهم عن الاختلاف
والفرقة ، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات فى
دين الله .
١٤١٦٧ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم
عن سبيله))، يقول : لا تتبعوا الضلالات .
١٤١٦٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحمانى قال، حدثنا حماد ، عن
عاصم، عن أبى وائل ، عن عبد اللّه قال: خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
يوماً خطًا فقال : هذا سبيل الله . ثم خط عن يمين ذلك الخطّ وعن شماله خطوطاً
فقال : هذه سُبُل ، على كل سبيل منها شيطانٌ يدعوإليها . ثم قرأ هذه الآية :
(((وأن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)).(١)
١٤١٦٩ -حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((وأن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله))،
قال: ((سبيله))، الإسلام، و((صراطه))، الإسلام . نها هم أن يتبعوا السبل سواه =
((فتفرق بكم عن سبيله))، عن الإسلام .
١٧٠ ١٤ -حدثی محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن أبان: أن رجلاً قال لابن مسعود: ما ((الصراط المستقيم)) ؟ قال:
تركنا محمد صلى الله عليه وسلم فى أدناه ، وطرفُه فى الجنة ، وعن يمينه جوادُّ ،
وعن يساره جَوَادُّ، وثمّ رجال يدعون من مرّ بهم. فمن أخذ فى تلك الجواد انتهت به
(١) الأثر: ١٤١٦٨ - مصحيح الإسناد، رواه أحمد فى المسند رقم : ٤١٤٢، ٤٤٣٧،
بنحوه . وقد فصل ابن كثير فى تفسيره شرح هذا الإسناد ، وما فيه من اختلاف الرواية ٣ : ٤٢٧ -
٤٢٩. وسيأتى برقم: ١٤١٧٠، موقوفاً على ابن مسعود.

٢٣١
تفسير سورة الأنعام : ١٥٣
إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة. ثم قرأ ابن مسعود: ((وأن
هذا صراطى مستقيماً)) ، الآية .
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((وأنّ هذا صراطي مستقيماً)).
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿ وَأَنَّ) بفتح ((الألف)
من ((أن))، وتشديد ((النون))، ردًّا على قوله: ((أن لا تشركوا به شيئاً))، بمعنى:
((قل تعالوا أل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً))، (( وأن هذا صراطى
مستقيماً)).
*
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿وإِنَّ) بكسر ((الألف)) من ((أن )) وتشديد
((النون)) منها ، على الابتداء وانقطاعها عن الأول ، إذ كان الكلام قد انتهى
بالخبر عن الوصية التى أوصى الله بها عباده دونه، عندهم.(١)
. .
٥
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى، أنهما قراءتان مستفيضتان
فى قرأة الأمصار وعوام المسلمين، (٢) صحيح معنياهما، فبأىِّ القراءتين قرأ القارئ
فهو مصيبٌ الحقَّ فى قراءته .
وذلك أن الله تعالى ذكره قد أمر باتباع سبيله، كما أمر عباده الأنبياء. (٣)
وإن أدْخَل ذلك مُدْخِلٌ فيما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين:
(((تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم))، وما أمركم به، ففتح على ذلك ((أن))،
(١) يعنى بقوله: ((دونه عندهم))، دون النبى صلى الله عليه وسلم، عند من قرأ ذلك كذلك،
كما سيظهر ذلك من الآتى بعد، انظر التعليق رقم : ٣ .
(٢) ((عوام المسلمين)) يعنى: عامة المسلمين، لا يعنى ((العوام)) كما استعملت بمعنى:
الذين لم يتعلموا العلم .
(٣) فى المطبوعة: ((عباده بالأشياء))، وهو كلام ساقط، لم يحسن قراءة المخطوطة فغير وزاد.
وفى المخطوطة: ((عباده الأساء))، وصواب قراءتها ما أثبت. ويعنى أن هذا خطاب لرسول الله
صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء .

٢٣٢
تفسير سورة الأنعام : ١٥٤،١٥٣
فمصيب = وإن كسرها، إذ كانت (التلاوة)) قولا، وإن كان بغير لفظ (( القول)» لبعدها
من قوله: ((اتل))، وهو يريد إعمال ذلك فيه ، فمصيبٌ = وإن كسرها بمعنى
٦٦/٨ ابتداء وانقطاع عن الأول ((التلاوة))، وأن ما أُمير النبى صلى الله عليه وسلم بتلاوته
على من أمير بتلاوة ذلك عليهم قد انتهى دون ذلك، فمصيب .
٠٠٠
وقد قرأ ذلك عبد الله بن أبى إسحق البصرى: ( وَأَنْ) بفتح ((الألف ))من
((أن)) وتخفيف ((النون)) منها، بمعنى: (( قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم
أن لا تشركوا به شيئاً))، «وأنْ هذا صراطى))، فخففها، إذ كانت ((أن)) فى
قوله: ((أن لا تشركوا به شيئاً))، مخففة، وكانت ((أن)) من قوله: ((وأن
هذا صراطى ))، معطوفة عليها ، فجعلها نظيرةَ ما عُطفت عليه .
وذلك وإن كان مذهباً، فلا أحب القراءة به، لشذوذها عن قراءة قرأة الأمصار،
وخلاف ما هم عليه فى أمصارهم .
٠ ٠٠
القول فى تأويل قوله (ثُمَّ اتَبْنَاَ مُوسَى اَلْكِتَبَ تَمَا عَلَى
الَّذِىَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لُِّكُلِّ شَىْء)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ثم آتينا موسى الكتاب))، ثم
قل بعد ذلك يا محمد: آتى ربك موسى الكتاب - فترك ذكر ((قل))، إذ كان
قد تقدم فى أول القصّة ما يدلّ على أنه مرادٌ فيها، وذلك قوله(١): ((قل تعالوا
أقل ما حرم ربكم عليكم ))، فقص ما حرم عليهم وأحلّ ، ثم قال : ثم قل :
(آتينا موسى))، فحذف ((قل)) لدلالة قوله: ((قل)) عليه، وأنه مراد فى الكلام.
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ذلك قوله)) بغير واو، والسياق يقتضى إثباتها.

٢٣٣
تفسير سورة الأنعام : ١٥٤
وإنما قلنا : ذلك مرادٌ فى الكلام، لأن محمداً صلى اللّه عليه وسلم لا شك أنه
بُعث بعد موسى بدهر طويل ، وأنه إنما أمر بتلاوة هذه الآيات على من أمر
بتلاوتها عليه بعد مبعثه . ومعلوم أن موسى أوتى الكتاب من قبل أمر الله محمداً
بتلاوة هذه الآيات على من أمر بتلاوتها عليه. و ((ثم ))، فى كلام العرب ، حرف
يدل على أن ما بعده من الكلام والخبر ، بعد الذى قبلها .
٠
ثم اختلف أهل التأويل فى معنى قوله: ((تماماً على الذى أحسن)).
فقال بعضهم : معناه : تماماً على المحسنين .
* ذكر من قال ذلك :
١٤١٧١ - حدثی محمد بن عمرو قال،حدثنا أبو عاصم قال ، حدثناعیسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((تماماً على الذى أحسن))، قال : على المؤمنين.
١٤١٧٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((تماماً على الذى أحسن))، المؤمنين والمحسنين .
٠
= وكأنّ مجاهداً وجّه تأويل الكلام ومعناه إلى أن الله جل ثناؤه أخبر عن
موسى أنه آتاه الكتاب فضيلة على ما آتى المحسنين من عباده .
٠٠
فإن قال قائل: فكيف جاز أن يقال: ((على الذى أحسن))، فيوحِّد
((الذى))، والتأويل على الذين أحسنوا ؟
قيل: إن العرب تفعل ذلك خاصة فى ((الذى)) وفى ((الألف واللام))، إذا
أرادت به الكل والجميع، كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾،
[سورة العصر: ٢،١ ]، وكما قالوا: ((كثر الدُّرهم فى أيدى الناس)).(١)
٠
٠
٠
(١) فى المطبوعة: ((أكثر الذى هم فيه فى أيدى الناس))، وهو كلام غث لا معنى له،
زاد ((فيه)) على ما كان فى المخطوطة. وكان فيها: ((أكثر الدرهم فى أيدى الناس))، وصواب

٢٣٤
تفسير سورة الأنعام : ١٥٤
وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود: أنه كان يقرأ ذلك: ﴿عاماً عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾،
وذلك من قراءته كذلك ، یؤید قول مجاهد .
وإذا كان المعنى كذلك، كان وله: ((أحسن )) ، فعلاً ماضياً ، فيكون
نصبه لذلك .
٠ ٠
وقد يجوز أن يكون ((أحسن)) فى موضع خفض ، غير أنه نصب إذ كان
((أفعل))، و (( أفعل))، لا يجرى فى كلامها.(١)
فإن قيل : فبأيّ شىء خفض ؟
قيل: ردًّا على ((الذى))، إذ لم يظهر له ما يرفعه = فيكون تأويل الكلام حينئذ:
ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذى هو أحسن، ثم حذف ((هو))، وجاور
((أحسن)) ((الذى))، فعرِّب بتعريبه، (٢) إذ كان كالمعرفة، من أجل أن ((الألف
واللام)) لا يدخلانه، و(( الذى)) مثله، كما تقول العرب: « مررت بالذی خیرٍ
منك، وشرّ منك))، (٣) كما قال الراجز : (٤)
إِنَّالزُّبَيْرِىَّالَّذِىِ مِثْلَ الَحَلَّ مَسَّى بِأَمْلاَ بِكُمُ أَهْلَ الْعَلّ (٥)
٦٧/٨
قراءتها ما أثبت، أو: ((ما أكثر الدرهم فى أيدى الناس)).
وقد سلف هذا البحث فيما مضى، وفيه نحو هذا الشاهد ٤ : ٢٦٣، ٦/٢٧٠ : ١٢٥.
(١) الإجراء : الصرف.
(٢) فى المطبوعة: ((فعرف بتعريفه))، وهو كلام لا معنى له، لم يحسن قراءة المخطوطة،
إذا كانت غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها. و((التعريب))، هو ((الإعراب)).
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٦٥، وفيها خطأ ظاهر، لأنه كتب هناك: ((مررت
بالذى هو خير منك، وشر منك))، فزادوا ((هو))، والصواب حذفها، فلتصحح هناك.
(٤) لم أعرفه .
(٥) معانى القرآن الفراء ١: ٣٦٥، وروايته كما فى مطبوعة المعانى:
• مَشَّى بِأَسْلاَ بِكَ فِى أَهْلِ العَلَّمْ
كأنه يعنى أنه سلبه ثيابه ولبسها، وهو يمشى بها فى الناس. ((ومشى)» بتشديد الشين. يقال:
(مشى)) و ((تمثى)) و((مشى)) بمعنى واحد.

٢٣٥
تفسير سورة الأنعام : ١٥٤
فأتبع ((مثل)) ((الذى))، فى الإعراب. ومن قال ذلك، لم يقل مررت: ((بالذى
عالم))، لأن ((عالماً)) نكرة، و((الذى)) معرفة، ولا تتبع نكرة معرفة. (١)
٥
وقال آخرون: معنى ذلك: ((تماماً على الذى أحسن))، موسى ، فيما امتحنه
الله به فى الدنيا من أمره ونهيه .
• ذكر من قال ذلك :
١٤١٧٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر، عن أبيه ، عن الربيع: ((ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذى أحسن))،
فيما أعطاه الله .
١٤١٧٤ - حدثنى محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: (( ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذى أحسن ))، قال :
من أحسن فى الدنيا ، تم اللّه له ذلك فى الآخرة .
١٤١٧٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذى أحسن )) ، يقول : من أحسن فى
الدنيا ، تمت عليه كرامة اللّه فى الآخرة .
٠٠٥
وعلى هذا التأويل الذى تأوّله الربيع ، يكون ((أحسن ))، نصباً ، لأنه فعل
ماض، و((الذى)) بمعنى ((ما)) = وكأنّ الكلام حينئذ: ثم آتينا موسى الكتاب
تماماً على ما أحسن موسى = أى : آتيناه الكتاب لأتم له كرامتى فى الآخرة ،
تماماً على إحسانه فى الدنيا فى عبادة الله والقيام بما كلفه به من طاعته .
٠ ٥
وأما رواية أبى جعفر ، فهى بالسين لا بالشين ، لا شك فى ذلك ، كأنه يقول : صبحه بالغارة ،
ثم أمسى بما سلبه عند ((أهل العلم))، وهو موضع. و((العلم))، الجبل. و((الحلم)) (بفتحتين):
القراد الصغير ، يصف هذا الزبيرى الذى سلبه ثيابه وأمواله ، بأنه قمى قصير .
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٦٥.

٢٣٦
تفسير سورة الأنعام : ١٥٤
وقال آخرون فى ذلك: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على إحسان اللّه
إلی أنبيائه وأیادیه عندهم .
• ذكر من قال ذلك :
١٤١٧٦ -حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذى أحسن))، قال: تماماً من الله
وإحسانه الذى أحسن إليهم وهداهم للإسلام ، وآتاهم ذلك الكتاب تما أً ،
لنعمته عليهم وإحسانه .
و((أحسن)) على هذا التأويل أيضاً، فى موضع نصب، على أنه فعل ماض،
و((الذى)) على هذا القول والقول الذى قاله الربيع، بمعنى: ((ما)).
...
وذكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك: ﴿يَاماً عَلَى الَّذِى أُخْسَنُ﴾
رفعاً = بتأويل : على الذى هو أحسن .
١٤١٧٧ - حدثنى بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام
قال، حدثنا الحجاج، عن هرون، عن أبى عمرو بن العلاء، عن يحيى بن يعمر.
٠
قال أبو جعفر : وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها ، وإن كان لها فى العربية
وجه صحيح ، لخلافها ما عليه الحجة مجمعة من قرأة الأمصار .
٠ ٠٠
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب ، قول من قال : معناه :
ثم آتينا موسى الکتاب تماماً لنعمنا عنده ، علی الذی أحسن موسی فی قیامه بأمرنا
ونهينا = لأن ذلك أظهرُ معانيه فى الكلام، وأن إيتاء موسى كتابه نعمةٌ من الله
عليه ومنة عظيمة . فأخبر جل ثناؤه أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح
عمل وحُسن طاعة .

٢٣٧
تفسير سورة الأنعام : ١٥٤
ولو كان التأويل على ما قاله ابن زيد، كان الكلام : ثم آتينا موسى الكتاب
تماماً على الذى أحسنًا = أو: ثم آتى الله موسى الكتاب تماماً على الذى أحسن .
وفى وصفه جل ثناؤه نفسه بإيتائه الكتاب، ثم صرفه الخبر بقوله: ((أحسن ))
إلى غير المخبر عن نفسه بقرب ما بين الخبرين = الدليلُ الواضح على أن القول
غير القول الذى قاله ابن زيد .
...
وأما ما ذكر عن مجاهد من توجيهه ((الذى )) إلى معنى الجميع ، فلا دليل
فى الكلام يدل على صحة ما قال من ذلك ، بل ظاهر الكلام بالذى اخترنا من
القول أشبه . وإذا تنوزع فى تأويل الكلام ، كان أولى معانيه به أغلبُه على الظاهر، ٦٨/٨
إلاّ أن يكون من العقل أو الخبر دليلٌ واضح على أنه معنىٌّ به غير ذلك.
٠
. .
وأما قوله: (( وتفصيلاً لكل شىء)) ، فإنه يعنى : وتبييناً لكل شىء من أمر
الدين الذى أمروا به .(١)
٠ ٠ ٠
= فتأويل الكلام إذاً : ثم آتينا موسى التوراة تماماً لنعمنا عنده وأيادينا قبله ،
تتم به كرامتنا عليه على إحسانه وطاعته ربّه وقيامه بما كلّفه من شرائع دينه ، وتبييناً
لكل ما بقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم ، (٢) كما : -
١٤١٧٨ - حدثنى بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة :
(( وتفصيلاً لكل شىء)) ، فيه حلاله وحرامه .
(١) انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ١١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((ما لقومه)) باللام، لم يحسن قراءة المخطوطة.

٢٣٨
تفسير سورة الأنعام : ١٥٤ ، ١٥٥
القول فى تأويل قوله ﴿ وَهُدَى وَرَْحَةً لَّمَلَّهُم بِقَآءِ رَبِهِمْ
يُؤْمِنُونَ ) (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : آتينا موسى الكتاب تماماً وتفصيلاً لكل
شىء = ((وهدى))، يعنى بقوله: ((وهدى))، تقويماً لهم على الطريق المستقيم ،
وبياناً لهم سُبُل الرشاد لئلا يضلوا = ((ورحمة))، يقول : ورحمة منا بهم ورأفة ،
لتنجيهم من الضلالة وتمى الحيرة .(١)
وأما قوله: (( لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون )) ، فإنه يعنى : إیتائى موسى الكتاب
تماماً لكرامة الله موسى ، على إحسان موسى ، وتفصيلاً لشرائع دينه ، وهدمی لمن
اتبعه ، ورحمة لمن كان منهم ضالاً لينجيه اللّه به من الضلالة ، وليؤمن بلقاء ربه
إذا سمع مواعظ الله التى وعظ بها خلقه فيه ، فيرتدع عما هو عليه مقيمٌ من الكفر
به ، وبلقائه بعد مماته ، فيطيع ربه ، ويصدّق بما جاءه به نبيه موسى صلى الله
عليه وسلم .
٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَهْذَا كِتَبْ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ
وَأَتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْعَمُونَ﴾ (١٥)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وهذا كتاب أنزلناه مبارك))، وهذا
القرآن الذى أنزلناه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم = ((كتاب أنزلناه مبارك
فاتبعوه))، (٢) يقول: فاجعلوه إماماً تتّبعونه وتعملون بما فيه ، أيها الناس (٣) =
(١) انظر تفسير ((الهدى)) و((الرحمة)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) و (رسم).
(٢) انظر تفسير ((مبارك)) فيما سلف ٧: ١١/٢٥ : ٥٣٠
(٣) انظر تفسير ((الاتباع)) فيما سلف من فهارس اللغة (تبع).

٢٣٩
تفسير سورة الأنعام : ١٥٦،١٥٥
((واتقوا))، يقول: واحذروا اللّه فى أنفسكم، أن تضيعوا العمل بما فيه ، وتتعدّوا
حدودَه، وتستحلُّوا محارمه، (١) كما : -
١٤١٧٩ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((وهذا كتاب أنزلناه مبارك))، وهو القرآن الذى أنزله الله على محمد عليه
السلام = ((فاتبعوه )) ، يقول : فاتبعوا حلاله ، وحرّموا حرامه .
#
وقوله: ((لعكم ترحمون))، يقول: لترحموا، فتنجوا من عذاب الله، وأليم
عقابه .
القول فى تأويل قوله ﴿أَن تَقُولُواْ إِنْمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى
طَآَتَيْنِ مِن قَبْلِنَ وَ إِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَّفِلِينَ)
١٥٦
قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية فى العامل فى ((أن)) التى فى قوله:
((أن تقولوا)) وفى معنى هذا الكلام .
فقال بعض نحوبى البصرة: معنى ذلك: ((ثم آتينا موسى الكتاب تماماً
على الذى أحسن))، (٢) كراهيةَ أن تقولوا: ((إنما أنزل الكتاب على طائفتين
من قبلنا )) .
وقال بعض نحوبى الكوفة : بل ذلك فى موضع نصب بفعل مضمر . قال :
ومعنى الكلام : فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون = اتقوا أن تقولوا . قال : ومثله يقول الله:
(١) انظر تفسير ((التقوى)) فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).
(٢) أرجح أن صواب العبارة: ((معنى ذلك: وهذا كتاب أنزلناه مبارك، كراهية أن تقولوا ... ))
فإنه هو القول الذى اختاره أبو جعفر بعد . ولعله سهو منه أو من الناسخ .

٢٤٠
تفسير سورة الأنعام : ١٥٦
﴿أَنْ تَخْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْهُ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، [سورة الحجرات: ٢].
٠ ٠
وقال آخرون منهم : هو فى موضع نصب . قال : ونصبه من مكانين :
أحدهما : أنزلناه لئلا يقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا(١)= والآخر من
قوله: (اتقوا)). قال: ولا يصلح فى موضع ((أن)) كقوله: ﴿يُبَيُِّ اللهُ لَكَمُ
أَنْ تَضِلُّوا﴾ [سورة النساء: ١٧٦].(٢)
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب، قول من قال : نصب
(((أن)) لتعلقها: بالإنزال، لأن معنى الكلام : وهذا كتاب أنزلناه مبارك لئلا تقولوا :
٦٩/٨ ((إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا)).
فأما الطائفتان اللتان ذكرهما اللّه ، وأخبر أنه إنما أنزل كتابه على نبيه محمد
لئلا يقول المشركون: ((لم ينزل علينا كتاب فنتبعه، ولم تؤمر ولم نُنْه ، فليس علينا
حجة فيما نأتى ونَذَر، إذ لم يأتنا من الله كتاب ولا رسول))، (٣) وإنما الحجة على
الطائفتين اللتين أنزل عليهما الكتاب من قبلنا = فإنهما اليهود والنصارى ، (٤)
وكذلك قال أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك :
١٤١٨٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال. حدثنى
معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( أن تقولوا إنما أنزل
الكتاب على طائفتين من قبلنا)) ، وهم اليهود والنصارى .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((إنما أنزل الكتاب على)) وقطع، وزدت بقية الآية.
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٦٦.
(٣) فى المطبوعة: ((لم يأت))، وفى المخطوطة مثلها، وضرب عليها، ووضع حرف (ط)
دلالة على الخطأ أو الشك، ورأيت قراءتها كما أثبتها ، فهذا حق السياق.
(٤) انظر تفسير ((الطائفة)) فيما سلف ٦: ٥٠٠، ٩/٥٠٦: ١٤١.