النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
تفسير سورة الأنعام : ١٤٢
حدثنا أسباط، عن السدى: (ومن الأنعام حمولة وفرشاً))، أما ((الحمولة))،فالإبل،
وأما ((الفرش))، فالفُصْلان والعَجَاجيل والغنم. (١) وما حمل عليه فهو( حمولة)).
١٤٠٦٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا
عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((حمولة وفرشاً))، ((الحمولة))،
الإبل، و((الفرش))، الغنم.
١٤٠٦٤ -حدثنا ابن وکیع قال، حدثنا أبى ، عن أبى بكر الهذلى ، عن
الحسن: ((وفرشاً))، قال: ((الفرش))، الغنم.
١٤٠٦٥ - حدثی يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((حمولة وفرشاً))، قال: ((الحمولة))، ما تركبون، و((الفرش))، ما تأكلون
وتحلبون ، شاة لا تحمل ، تأكلون لحمها ، وتتخذون من أصوافها لحافاً وفرشاً .
٥
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن ((الحمولة))،
هى ما حمل من الأنعام ، لأن ذلك من صفتها إذا حملت ، لا أنه اسم لها ،
كالإبل والخيل والبغال، فإذا كانت إنما سميت ((حمولة)) لأنها تحمل، فالواجب
أن يكون كل ما حمل على ظهره من الأنعام فحمولة . وهى جمع لا واحد لها من
لفظها، كالرَّكوبة، و«الجزورة)). وكذلك ((الفرش))، إنما هو صفة لما لطف
فقرب من الأرض جسمه، ويقال له: ((الفرش)). وأحسبها سميت بذلك تمثيلاً.
لها فى استواء أسنانها ولطفها بالفَرْش من الأرض، وهى الأرض المستوية التى
يتوطَُّها الناس.
٤٨/٨
فأما ((الحمولة))، بضم (الحاء))، فإنها الأحمال، وهى ((الحمول)) أيضاً بضم
الحاء.
٥
٥
(١) ((العجاجيل)) جمع ((عجول)) (بكسر العين، وتشديد الجيم وفتحها، وسكون الواو) وهو
((العجل)) ولد البقر.

١٨٢
تفسير سورة الأنعام : ١٤٢
القول فى تأويل قوله ﴿ُلُواْ بِمَا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ
خُطُوَّتِ الشَّيْطَنِ إِنَّهُوَ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ) )
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: كلوا مما رزقكم اللّه، أيها المؤمنون، فأحلّ
لكم ثمرات حروثكم وغروسكم ، ولحوم أنعامكم ؛ إذ حرّم بعض ذلك على أنفسهم
المشركون بالله، فجعلوا لله مما ذراً من الحرث والأنعام نصيباً وللشيطان مثله ، فقالوا:
((هذا الله بزعمهم وهذا لشركائنا)) = ((ولا تتبعوا خطوات الشيطان))، كما اتبعها باحرُو
البحيرة ، ومسيبو السوائب، فتحرمو على أنفسكم من طيب رزق الله الذى رزقكم
ما حرموه ، فتطيعوا بذلك الشيطان ، وتعصوا به الرحمن ، كما :-
١٤٠٦٦ - حدثی يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( ولا تتبعوا خطوات الشيطان))، لا تتبعوا طاعته ، هى ذنوب لكم ، وهى
طاعة للخبيث .
= إن الشيطان لكم عدویبغی ھلا ککم وصد کم عن سبیل ربكم = (( میین ))،
قد أبان لكم عدواته ، (١) بمناصيته أباكم بالعداوة ، حتى أخرجه من الجنة بکیده،
وخدَعَه حسداً منه له، (٢) وبغياً عليه. (٣)
٠
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أبان لكم عدوانه))، وصوابها ما أثبت.
(٢) فى المطبوعة: ((وحسداً منه)) بالواو، والصواب ما فى المخطوطة.
(٣) انظر تفسير ((خطوات الشيطان)) فيما سلف ٢: ٣٠٠ - ٤/٣٠٢: ٢٥٨.

١٨٣
تفسير سورة الأنعام : ١٤٣
القول فى تأويل قوله (تَمَنِيَةَ أَزْوُجِ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَّ
اُلْتَعْزِ أَثْنَيْنِ قُلْ، الذَّ كَرَيْنِ حَرَّمَ أَم ◌ِلْأُنْتَبَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ
اُلْأُنْتَّيْنِ نِّوْنِ بِلْمِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾(
قال أبو جعفر : وهذا تقريعٌ من الله جل ثناؤه العادلين به الأوثان من عبدة
الأصنام ، الذين بحروا البحائر ، وسيَّبوا السوائب، ووصلوا الوصائل = وتعليم منه
نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين به، الحجةَ عليهم فى تحريمهم ما حرموا من ذلك.
فقال للمؤمنين به وبرسوله: وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغیر معروشات ، ومن
الأنعام أنشأ حمولة وفرشاً. ثم بين جل ثناؤه ((الحمولة)) و((الفرش))، فقال:
(( ثمانية أزواج)).
٠ ٠
وإنما نصب ((الثمانية))، لأنها ترجمة عن ((الحمولة))، و((الفرش))، وبدل
منها . كأن معنى الكلام: ومن الأنعام أنشأ ثمانية أزواج - فلما قدّم قبل ((الثمانية))
((الحمولة)) و((الفرش))، بيّن ذلك بعد فقال: ((ثمانية أزواج))، على ذلك المعنى.
٠
٠
= (( من الضأن اثنين ومن المعز اثنين))، فذلك أربعة ، لأن كل واحد من
الاثنين من الضأن زوج، فالأنثى منه زوج الذكر، والذكر منه زوج الأنثى ، وكذلك
ذلك من المعز ومن سائر الحيوان. فلذلك قال جل ثناؤه: ((ثمانية أزواج )) ،
كما قال: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَاَ زَوْجَيْنِ﴾، [سورة الذاريات: ٤٩]، لأن الذكر
زوج الأنثى، والأنثى زوج الذكر، فهما وإن كانا اثنين فيهما زوجان ، كما قال
جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إلَيْهاَ﴾، [سورة الأعراف: ١٨٩]، وكما قال:
﴿أَمْسِكْ عَلَّيْكَ زَوْجَكَ﴾، [ سورة الأحزاب: ٣٧]، وكما :-
١٤٠٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن جويبر ، عن

١٨٤
تفسير سورة الأنعام : ١٤٣
الضحاك: ((من الضأن اثنين))، ذكر وأنثى، ((ومن البقر اثنين))، ذكر
وأنثى = ((ومن الإبل اثنين))، ذكر وأنثى .
٠
٠
ويقال للاثنين: ((هما زوج))، (١) كما قال لبيد :
مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِعِيَّهُ زَوْجٌ عَلَيْ كِلَةٌ وَقِرَامُها(٢)
٠
٠
ثم قال لهم: كلوا مما رزقكم الله من هذه الثمار واللحوم، واركبوا هذه الحمولة ،
أيها المؤمنون ، فلا تتبعوا خطوات الشيطان فى تحريم ما حرم هؤلاء الجهلة بغير
:
أمرى إياهم بذلك .
= قل، يا محمد، لهؤلاء الذين حرّموا ما حرموا من الحرث والأنعام اتباعاً للشيطان،
٤٩/٨ من عبدة الأوثان والأصنام الذين زعموا أن الله حرم عليهم ما هم محرمون من ذلك -:
آلذكرين حرم ربكم، أيها الكذبة على اللّه، من الضأن والمعز ؟ فإنهم إن
ادعوا ذلك وأقرّوا به، كذبوا أنفسهم وأبانوا جهلهم. لأنهم إذا قالوا: (( يحرم
الذكرين من ذلك))، أوجبوا تحريم كل ذكرين من ولد الضأن والمعز ، وهم
يستمتعون بلحوم الذكران منها وظهورها . وفى ذلك فساد دعواهم وتكذيب قولهم =
((أم الأنثيين))، فإنهم إن قالوا: ((حرم ربنا الأنثيين))، أوجبوا تحريم لحوم
كل أنثى من ولد الضأن والمعز على أنفسهم وظهورها . وفى ذلك أيضاً تكذيب
لهم ، ودحض دعواهم أنّ ربهم حرم ذلك عليهم ، إذ كانوا يستمتعون بلحوم
بعض ذلك وظهوره = (( أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين)) ، يقول: أم حرم
ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، يعنى أرحام أنثى الضأن وأنثى المعز ،
(١) انظر تفسير ((الزوج)) فيما سلف ١: ٢/٥١٤: ٧/٤٤٦: ١٢/٥١٥: ١٥٠
(٢) من قصيدته العجيبة المعلقة، وهذا البيت فى أوائل الشعر، يصف هوادج ظعن الحى .
و ((المحفوف))، يعنى الهودج، حف بالثياب والأنماط. و((العصى))، خشب الهودج، تظلله
وتستره الثياب والأنماط. و((الكلة)) الستر الرقيق. و((القرام)) ستر فيه رقم ونقوش وتماثيل.

١٨٥
تفسير سورة الأنعام : ١٤٣
فلذلك قال: ((أرحام الأنثيين))، وفى ذلك أيضاً لو أقرّوا به فقالوا: (( حرم
علينا ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين))، بُطُولُ قولهم وبيان كذبهم ، لأنهم كانوا
يقرون بإقرارهم بذلك أنّ اللّه حرّم عليهم ذكور الضأن والمعز وإنائها، أن يأكلوا
لحومها أو يركبوا ظهورها ، وقد كانوا يستمتعون ببعض ذكورها وإناثها .
٠ ٠٠
و((ما)) التى فى قوله: ((أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين))، نصب عطفاً
بها على ((الأنثيين)).(١)
٥
٠
= ((نبئونى بعلم))، يقول: قل لهم: خبرونى بعلم ذلك على صحته: أىَّ ذلك
حرم ربكم عليكم، وكيف حرم؟(٢)= ((إن كنتم صادقين))، فيما تنحلونه ربكم
من دعوا کم ، وتضيفونه إليه من تحریمکم .
وإنما هذا إعلامٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه أنّ كل ما قاله هؤلاء المشركون فى
ذلك وأضافوه إلى اللّه، فهو كذب على الله، وأنه لم يحرم شيئاً من ذلك ، وأنهم
إنما اتّبعوا فى ذلك خطوات الشيطان ، وخالفوا أمره .
...
وبنحو الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٤٠٦٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين )) الآية ، إن كل
هذا لم أحرم منه قليلاً ولا كثيراً ، ذكراً ولا أنثى.
١٤٠٦٩ -حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((من الضأن اثنين ومن المعز اثنين))، قال: سلهم: ((الذكرين
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٦٠.
(٢) انظر تفسير ((النبأ))، فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ).

١٨٦
تفسير سورة الأنعام : ١٤٣
حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين )) ، أى : لم أحرم من هذا
شيئاً = ((بعلم إن كنتم صادقين))، فذكر من الإبل والبقر نحو ذلك.
١٤٠٧٠ -حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((ثمانية أزواج))، فى شأن ما نهى
اللّه عنه من البحيرة .
١٤٠٧١ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((ثمانية أزواج))، قال : هذا فى شأن ما نهى اللّه
عنه من البحائر والسُّيّب = قال ابن جریج یقول: من أين حرمت هذا ؟ من قبل
الذكرين أم من قبل الأنثيين ، أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ؟ وإنها لا تشتمل
إلا على ذكر أو أنثى ، فمن أين جاء التحريم ؟ فأجابوا هم : وجدنا آباءنا كذلك
يفعلون .
١٤٠٧٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، ومن
البقر اثنين ومن الإبل اثنين ، يقول : أنزلت لكم ثمانية أزواج من هذا الذى
عددت ، ذكر وأنثى ، فالذكرين حرمت عليكم أم الأنثيين ، أما اشتملت
عليه أرحام الأنثيين ؟ يقول : أى: ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، ما تشتمل
إلا على ذكر أو أنثى، فما حرمت عليكم ذكراً ولا أنثى من الثمانية . إنما ذكر
هذا من أجل ما حرَّموا من الأنعام .
١٤٠٧٣ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أبى رجاء ،
عن الحسن: ((أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين))، قال: ما حملت الرَّحم.
١٤٠٧٤ -حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((قل الذکرین حرم أم الأنثيين)»، قال، هذا لقولهم: «ما فى بطون هذه
الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا)) . قال ، وقال ابن زيد فى قوله :
٥٠/٨

١٨٧
تفسير سورة الأنعام : ١٤٣
((ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعزاثنين))، قال: ((الأنعام))، هى الإبل
والبقر والضأن والمعز، هذه (الأنعام)) التى قال الله: ((ثمانية أزواج)). قال: وقال
فى قوله : « هذه أنعام وحرث حجر ))، نحتجرها على من نريد ، وعمن نريد .
وقوله: ((وأنعام حرمت ظهورها))، قال: لا يركبها أحد = (( وأنعام لا يذكرون
اسم الله عليها))، فقال: ((الذكرين حرم أم الأنثيين))، أىّ هذين حرم على
هؤلاء؟ أى : أن تكون لهؤلاء حلاً ، وعلى هؤلاء حرامًا .
١٤٠٧٥ - حدثنى المثى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((ثمانية أزواج
من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل الذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه
أرحام الأنثيين))، يعنى: هل تشتمل الرحم إلاّ على ذكر أو أنثى؟ فهل يحرمون
بعضاً ويحلون بعضاً ؟
١٤٠٧٦ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ثمانية أزواج من الضأن
اثنين ومن المعز اثنين))، فهذه أربعة أزواج = ((ومن الإبل اثنين ومن البقر
اثنين قل الذكرين حرم أم الأنثيين))، يقول: لم أحرم شيئاً من ذلك = ((نبئونى
بعلم إن كنتم صادقين)) ، يقول : كله حلال .
٠.٠
و((الضأن)) جمع لا واحدٍ له من لفظه، وقد يجمع ((الضأن))، ((الضَّين،
والضَّتين))، مثل (الشَّعير)) و(الشَّعير) كما يجمع (العبد)) على ((عبيد، وعبيد)).(١)
وأما الواحد من ذكوره فوضائن))، والأنثى ((ضائنة))، وجمع ((الضائنة)) ((ضوائن)).
(١) كل ذلك بفتح الضاد، والشين، والعين = ثم بكسر الضاد، والشين، والعين . وقد
نصوا على ذلك فى ((الضئين)) و((الشعير))، ولم أوفق إلى العثور على ذلك فى ((العبيد))، وهو
موجود إن شاء الله فيما أذكر. وقالوا: إن كسر ((الضاد)) لغة تميمية.

١٨٨
تفسير سورة الأنعام : ١٤٣، ١٤٤
وكذلك ((المعز))، جمع على غير واحد، وكذلك ((المعزى)). وأما ((الماعز))
فجمعه (( مواعز)).
٥
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ أَثْنَيْنِ
قُلْء آلَّ كَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَّتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ أَلْأُنَيْنِ
أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءٍ إِذْ وَصَُّكُ اللهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلُ ثِّنِ أَفْتَرَىُ عَلَى اللهِ
كَذِبًا لِيُضِلْ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِنَ) (١)
قال أبو جعفر: وتأويل قوله: ((ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين
حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين )) ، نحو تأويل قوله : (( من.
الضأن اثنين ومن المعزاثنين))، وهذه أربعة أزواج ، على نحو ما بيّنا من الأزواج
الأربعة قبلُ من الضأن والمعز ، فذلك ثمانية أزواج ، كما وصف جل ثناؤه .
٠٠
وأما قوله: ((أم كنتم شهداء إذ وصّاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله
كذباً ليضل الناس بغير علم))، فإنه أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم
أن يقول لهؤلاء الجهلة من المشركين الذين قص قصصهم فى هذه الآيات التى
مضَت . يقول له عز ذكره: قل لهم، يا محمد: أىَّ هذه سألتكم عن تحريمه حرم
ربكم عليكم من هذه الأزواج الثمانية ؟ فإن أجابوك عن شىء مما سألتهم عنه من
ذلك، فقل لهم : أخبرًا قلتم: ((إن الله حرم هذا عليكم ))، أخبركم به رسول عن
ربكم ، أم شهدتم ربكم فرأيتموه فوضًّا كم بهذا الذى تقولون وتزوّرون على الله ؟ !! )
فإن هذا الذى تقولون من أخباركم عن اللّه أنه حرام بما تزعمون على ما تزعمون ،
(١) فى المطبوعة: ((وتردون على الله))، وفى المخطوطة: ((وتررون))، وصواب قراءتها
ما أثبت .

١٨٩
تفسير سورة الأنعام : ١٤٤
لا يعلم إلا بوحی من عنده مع رسول یرسله إلى خلقه ، أو بسماع منه ، فبأی هذين
الوجهين علمتم أنّ اللّه حرم ذلك كذلك ، برسول أرسله إليكم ، فأنيؤتى بعلم إن
كنتم صادقين؟ أم شهدتم ربكم فأوصًاكم بذلك، وقال لكم: (( حرمت ذلك
عليكم))، فسمعتم تحريمه منه، وعهدَه إليكم بذلك؟ (١) فإنه لم يكن واحدٌ من ٥١/٨
هذين الأمرين. يقول جل ثناؤه: ((فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً))، يقول:
فمن أشد ظلماً لنفسه ، وأبعد عن الحق ممن تخرَّص على اللّه قيل الكذب ،
وأضاف إليه تحريم ما لم يحرّم ، وتحليل ما لم يحلل (٢)= ((ليضل الناس بغير
علم))، يقول: ليصدّهم عن سبيله (٣) = ((إن الله لا يهدى القوم الظالمين))،
يقول: لا يوفّق الله الرشد من افترى على الله وقال عليه الزُّور والكذب، وأضاف
إليه تحريم ما لم يحرّم، كفرًا باللّه، وجحوداً لنبوة نبيّه محمد صلى الله عليه
وسلم ، (٤) كالذى :-
١٤٠٧٧ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((أم كنتم شهداء إذا وصاكم الله بهذا))، الذى تقولون .
١٤٠٧٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : كانوا يقولون = يعنى الذين كانوا يتّخذون
البحائر والسوائب =: إن الله أمر بهذا. فقال الله: ((فمن أظلم ممن افترى على الله
كذباً ليضل الناس بغير علم)).
(١) انظر تفسير ((شهداء)) فيما سلف من فهارس اللغة (شهد).
= وتفسير ((وصى)) فيما سلف ٩: ٢٩٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير (الافتراء)) فيما سلف ص: ١٥٣، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
(٤) انظر تفسير (الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
= وتفسير ((الظلم)) فيما سلف منها (ظلم) .

١٩٠
تفسير سورة الأنعام : ١٤٥
القول فى تأويل قوله ﴿ قُل لََّ أَجِدُ فِىِ مَّا أُوحِىَ إِلَىْ مُحَرَّمَاً
عَلَى طَاعِ يَطْمَنُهُ وَ إِلَّ أَن ◌َكُونَ مَيْتَةٌ أَوْ دَمَا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِتْرِيِرٍ
فَإِنَّهُ ورِجْسٌ أَوْ فِئْقَا أُمِلٌّ لِغَيْرِ اللهِبِهِ ے)
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ،
يا محمد، لهؤلاء الذين جعلوا لله ممّا ذَرأ من الحرث والأنعام نصيباً، ولشركائهم
من الآلهة والأنداد مثله = والقائلين: هذه أنعام وحرث حجرٌ لا يطعمها إلاّ من
نشاء بزعمهم = والمحرّمين من أنعام أُخَرَ ظهورها = والتاركين ذكر اسم الله على
أُخَرمنها = والمحرِّمين بعض ما فى بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم،
ومحلِّيه لذكورهم، المحرّمين ما رزقهم الله افتراء على اللّه، وإضافةً منهم ما يحرمون
من ذلك إلى أنَّ اللّه هو الذى حرّمه عليهم =: أجاءكم من اللّه رسولٌ بتحريمه
ذلك عليكم، فأنبئونا به ، أم وصاكم الله بتحريمه مشاهدةً منكم له، فسمعتم منه
تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه ؟ فإنكم كذبة إن ادعيتم ذلك ، ولا يمكنكم دعواه ،
لأنکم إذا اد عيتموه علم الناس کذبکم - فإنى لا أجد فيما أوحى إلىّ من كتابه وآی
تنزيله، (١) شيئاً محرَّماً على آكل يأكله مما تذكرون أنه حرمه من هذه الأنعام التى
تصفون تحريمَ ما حَرّم عليكم منها بزعمكم (٢) = ((إلا أن يكون ميتة))، قد
ماتت بغير تذكية = ((أودماً مسفوحاً))، وهو المنصب = أو إلا أن يكون لحم خنزير
= ((فإنه رجسّ أو فسقاً))، يقول: أو إلاّ أن يكون فسقاً يعنى، بذلك: أو إلاّ
أن يكون مذبوحاً ذبحه ذابحٌ من المشركين من عبدة الأوثان لصنعه وآلهته ، فذكر
(١) انظر تفسير ((الوحى)) فيما سلف من فهارس اللغة (وحى).
(٢) انظر تفسير ((طعم)) فيما سلف ٥: ١٠/٣٤٢ : ٥٧٦

١٩١
تفسير سورة الأنعام : ١٤٥
عليه اسم وثنه ، فإن ذلك الذبح فسق نهى الله عنه وحرّمه، ونهی من آمن به عن
أكل ما ذبح كذلك ، لأنه ميتة .
٠
٠
وهذا إعلام من الله جلَّ ثناؤه للمشركين الذين جادلوا فيَّ اللّه وأصحابه فى
تحريم الميتة بما جاد لوهم به، أنّ الذى جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذى حرّمه
الله، وأن الذى زعموا أنّ اللّه حرمه حلالٌ قد أحلَّه الله، وأنهم كذبة فى إضافتهم
تحريمه إلى الله .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٤٠٧٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن ابن طاوس ، عن أبيه فى قوله: ((قل لا أجد فيما أوحى إلىَّ محرّمًا ))،
قال: كان أهل الجاهلية يحرِّمون أشياء ويحلُّون أشياء، فقال: قل لا أجد مما كنتم
تحرمون وتستحلُّون إلاّ هذا: ((إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه
رجس أو فسقاً أهل لغير الله به)) .
١٤٠٨٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك ، عن
معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه فى قوله: ((قل لا أجد فيما أوحى إلىّ محرَّمَاً))
الآية ، قال: كان أهل الجاهلية يستحلون أشياء ويحرّمون أشياء، فقال الله لنبيه:
قل لا أجدُ فيما أوحى إلىّ محرماً مما كنتم تستحلون إلاّ هذا = وكانت أشياء
يحرِّمونها ، فهى حرام الآنَ .
٠٢/٨
١٤٠٨١ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: ((قل لا أجد فيما أوحى إلى محرماً على
طاعم يطعمه))، قال : ما يؤكل . قلت : فى الجاهلية ؟ قال : نعم ! وكذلك
كان يقول: ((إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً)) = قال ابن جريج: وأخبرنى

١٩٢
تفسير سورة الأنعام : ١٤٥
إبراهيم بن أبى بكر، عن مجاهد: ((قل لا أجد فيما أوحى إلى محرماً))، قال :
مما كان فى الجاهلية يأكلون ، لا أجد محرماً من ذلك على طاعم يطعمه إلاّ أن
يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً .
٥
وأما قوله: ((أو دماً مسفوحاً))، فإن معناه: أو دماً مُسَالاً مُهَرَاقاً. يقال
منه: ((سفحت دمه))، إذا أرقته، ((أسفحه سَفْحاً، فهو دم مسفوح)) ، كما
قال طرفة بن العبد :
إِنِّى وَجَدِّكَ مَا هَجَوْتُكَ وَالأَنْصَابِ يَسْفَحُ فَوْقَهُنَّ دَمْ(١)
وكما قال عبيد بن الأبرص :
سَفَحْنَ الدَّمْعَ مِنْ بَعْدِ الرَّنِينِ(٢)
إِذَا مَا عَادَهُ مِنْهَاَ نِسَاء
٠.٤
(١) ديوان الستة الجاهليين: ٣٤٧، من ثلاثة أبيات يعتذر بها إلى عمرو بن هند ، حين
بلغه أنه هجاه ، فتوعده ، يقول بعده :
وَأُمِرَّ دُونَ عَبِيدَةَ الوَذَمُ
وَلَقَدْ عَمَمْتُ بِذَاكَ ، إذْ حُبِسَتْ
أَخْشَى عِقَبَك إن قَدَرْتَ، وَلَمْ أَغْدِرْ فَيُؤْثَرَ بَيْنَنَا الكَلِمُ
(٢) ديوانه: ٤٥، وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((منا نساء))، وهو خطأ لاشك فيه،
صوابه ما فى الديوان ، وهو من قصيدته التى لام فيها امرأته لما أعرضت عنه لما كبر وشاب ، ومطت
له حاجبيها استهزاء به ، فذكرها بما كان من ماضيه فى اللهو والصبا والحرب ، فكان مما ذكرها به من
ذلك شأنه فى الحرب ، فقال :
وَأَسْمَرَ قدِ نَصَبْتُ لِذِى سَناءِ يَرَى مِنَى مُخَطَةَ الْيَقِينِ
مُغَاِنَةٌ بِذِى خُرْصٍ فَتِينٍ
يُحَاوِلُ أَنْ يَقُومَ، وَقَدْ مَضَتْهُ
سَفَحْنَ الدَّمْعَ من بعد الرَّنِيِنِ
إِذَا مَا عَادَهُ مِنْها نِسَاء
((أسمر)) يعنى رمحاً، طعن به فارساً ذا سناء وشرف، فخالطه به مخالطة اليقين . فلما طعنه
حاول أن يقوم، وقد ((مضته))، أى: نفذت فيه طعنة ((مغابنة))، تخيط لحمه وتغبنه كما يغبن
الثوب، برمح ( ذى خرص)) أي سنان، ((قتين))، أى: محدد الرأس . فإذا عاده النساء من هذه
الطعنة، من صياح الحزن، وذلك هو ((الرنين))، من هول ما رأين من أثر الطعنة، ثم سفحن
الدمع لما يتسن منه ومن شفائه .

١٩٣
تفسير سورة الأنعام : ١٤٥
يعنى : صبين وأسلن الدمع .
وفى اشتراطه جل ثناؤه فى الدم عند إعلامه عبادَه تحريمه إياه ، المسفوح
منه دون غيره، الدليلُ الواضح أنَّ ما لم يكن منه مسفوحاً ، فحلال غير نجس. (١)
وذلك كالذى :-
١٤٠٨٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن
عكرمة: ((أو دماً مسفوحاً))، قال: لولا هذه الآية لتتبّع المسلمون من العروق
ما تتبعت اليهود .
١٤٠٨٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، بنحوه = إلا أنه قال: لا تَّبَعَ المسلمون .
١٤٠٨٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ،
عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، بنحوه .
١٤٠٨٥ - حدثنا أبو کریبقال ، أخبرنا و کیع ، عن عمران بن حدیر ،
عن أبى مجلز، فى القِدْر يعلوها الحمرة من الدم . قال: إنما حرم الله الدم"
المسفوحَ .
١٤٠٨٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا
حماد ، عن عمران بن حدير ، عن أبى مجلز ، قال : سألته عن الدم وما يتلطّخ
بالمذْبح من الرأس، وعن القدر يرى فيها الحُمرة ؟ قال: إنما نهى اللّه عن الدم
المسفوح .
١٤٠٨٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((أو دماً مسفوحاً))، قال : حُرِّم الدم ما كان مسفوحاً .
وأما لحم خالطه دم، فلا بأس به .
(١) السياق: ((وفى اشتراطه ... المسفوح منه ... الدليل الواضح)).
ج ١٢ (١٣)

١٩٤
تفسير سورة الأنعام : ١٤٥
١٤٠٨٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( قل لا أجد
فيما أوحى إلىّ محرماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتةٌ أو دماً مسفوحاً))، يعنى:
مُهراقاً .
١٤٠٨٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد، أخبرنى ابن دينار، عن عكرمة: ((أو دماً مسفوحاً))،
قال : لولا هذه الآية لتتبع المسلمون عروق اللحم كما تتبعها اليهود .
١٤٠٩٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا
حماد ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة : أنها كانت
لا ترى بلحوم السباع بأساً ، والحمرة والدم يكونان على القدر بأساً ، وقرأت هذه
الآية: ((قل لا أجد فيما أوحى إلى محرماً على طاعم يطعمه))، الآية.(١)
١٤٠٩١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
يحيى بن سعيد قال ، حدثنى القاسم بن محمد ، عن عائشة قالت ، وذكرت هذه
الآية: ((أو دماً مسفوحاً))، قلت: وإن البرمة ليرى ما فى مائها [من] الصفرة. (٢)
٥٣/٨
...
وقد بينا معنى ((الرجس))، فيما مضى من كتابنا هذا ، وأنه النجس والنتن ،
وما يُعْصى الله به، بشواهده، فأغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٣)
(١) الأثر: ١٤٠٩٠ - قال ابن كثير فى تفسيره ٣: ٤١٥، وذكر هذا الأثر،
(((صحيح غريب)).
(٢٠) الأثر: ١٤٠٩١ - هذا أثر مبتور لاشك فى ذلك، يبينه الذى قبله، فهو إسناد
آخر له. وكان فى المطبوعة: ((ليرى فى مائها الصفرة))، حذف ((ما)) التى قبل ((فى مائها))،
وهى ثابتة فى المخطوطة ، وزدت ما بين القوسين، لتستقيم العبارة . ولم أجد الخير فى مكان آخر
بلفظه هذا .
(٣) انظر تفسير ((الرجس)) فيما سلف ١٠: ٥٦٤، ١١٠:١٢/٥٦٥ - ١١٢

١٩٥
تفسير سورة الأنعام : ١٤٥
وكذلك القول فى معنى ((الفسق)) = وفى قوله: ((أهل لغير الله به))، قد
مضى ذلك كله بشواهده الكافية من وفَّق لفهمه ، عن تكراره وإعادته .(١)
٠
٠ ٠
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((إلاّ أنْ يكون ميتة)).
فقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة والكوفة والبصرة: ﴿إِلاّ أَنْ يَكُونَ)، بالياء
﴿مَيْئَةً) مخففة الياء منصوبة، = على أن فى ((يكون)) مجهولاً، و((الميتة))
فعل له، (٢) فنصبت على أنها فعل ((يكون))، وذكروا ((يكون))، لتذكير
المضمر فى (( يكون ».
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل مكة والكوفة: ﴿ إِلاّ أَنْ تَكُونَ)، بالتاء ﴿مَيْتَةٌ﴾،
بتخفيف الياء من ((الميتة)) ونصبها = وكأن معنى نصبهم (( الميتة)) معنى الأولين ،
وأنَّتوا ((تكون)) التأنيث الميتة، كما يقال: ((إنها قائمة جَارِيتُك))، و((إنه قائم
جاريتك))، فيذكر المجهول مرة ويؤنث أخرى ، لتأنيث الاسم الذى بعده .
#
#
وقرأ ذلك بعض المدنيين: (إلاّ أَنْ تَكُونَ مَيِّتَةٌ)، بالتاء فى(( تكون)» وتشدید
الياء من ((ميتة))، ورفعها = فجعل ((الميتة)) اسم ((تكون))، وأنث ((تكون))
التأنيث ((الميتة))، وجعل ((تكون)) مكتفية بالاسم دون الفعل، لأن قوله: (( إلا
أن تكون ميتة))، استثناء، والعرب تكتفى فى الاستثناء بالأسماء عن الأفعال ،
فيقولون: ((قام الناس إلا أن يكون أخاك))، و((إلاّ أن يكون أخوك))، فلا تأتى
لـ((يكون))، بفعل، وتجعلها مستغنية بالاسم، كما يقال: ((قام القوم إلاّ أخاك))
(١) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف ص: ٧٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير ((أهل لغير الله به)) فيما سلف ٣ : ٣١٩ - ٩/٣٢١: ٤٩٣.
(٢) ((الفعل) هنا، خبر المبتدأ، وهو اصطلاح قديم كما ترى، وتفسيره أن خبر المبتدأ
كأنه فعل له. تقول: ((محمد قائم))، تفسيره أن محمدا فعل القيام، وهو اصطلاح كوفى .

١٩٦
تفسير سورة الأنعام : ١٤٥
و((إلا أخوك))، (١) فلا يفتقد الاسم الذى بعد حرف الاستثناء فعلاً. (٢)
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك عندى: ( إِلاَّ أَنْ يَكُونَ)،ب ((الياء))
﴿مَيْتَةً)، بتخفيف الياء ونصب ((الميتة))، لأن الذى فى (( يكون)) من المكنى من ذكر
المذكر (٣) = وإنما هو: قل لا أجد فيما أرحى إلىّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن
يكون ذلك ميتةً أو دماً مسفوحاً .
...
فأما قراءة ((ميتة)) بالرفع، فإنه، وإن كان فى العربية غير خطأ ، فإنه فى
القراءة فى هذا الموضع غيرُ صواب. لأن الله يقول: ((أو دماً مسفرحاً))، فلا
خلاف بين الجميع فى قراءة: ((الدم)) بالنصب، وكذلك هو فى مصاحف المسلمين،
وهو عطف على ((الميتة)). فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن ((الميتة)) لو كانت
مرفوعة، لكان ((الدم))، وقوله: ((أو فسقًا))، مرفوعين، ولكنها منصوبة،
فيعطف بهما عليها بالنصب .
(١) انظر معانى القرآن ١: ٣٦٠ - ٣٦٣، وقد استوفى هذا الباب هناك.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فلا يعتد الاسم الذى بعد حرف الاستثناء نفلا)) و((نفلا))
فى المخطوطة غير منقوطة، وهذه عبارة لا معنى لها، صوابها إن شاء الله ما أثبت. ((افتقد الشىء))
تطلبه وقوله: ((فعلا)) هو ((خبر المبتدأ))، كما فسرته فى التعليق السالف ص: ١٩٥، تعليق٢، واستظهرت
صواب قراءتها كذلك من كلام الفراء إذ يقول فى معانى القرآن ١: ٣٦١: ((ومن رفع (الميتة)
جعل ( يكون) فعلا لها، اكتفى بيكون بلا فعل. وكذلك ( يكون) فى كل الاستثناء لا تحتاج
إلى فعل ... )). فقوله: ((لا تحتاج إلى فعل))، هو معنى ما أثبته ((لا يفتقد الاسم الذى بعد
حرف الاستثناء فعلا)).
(٣) انظر تفسير ((الميتة)) فيما سلف، وتخفيف ياءها وتشديدها فيما سلف ٣: ٣١٨،
٦/٣١٩ : ٩/٣١٠: ٤٩٢ .

١٩٧
تفسير سورة الأنعام : ١٤٥
القول فى تأويل قوله ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ
رَبِّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
١٤٥
قال أبو جعفر : وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((فمن
اضطر غير باغ ولا عاد ))، والصواب من القول فيه عندنا فيما مضى من كتابنا
هذا، فى ((سورة البقرة))، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع (١) = وأن معناه:
فمن اضطر إلى أكلِ ما حرَّم اللّه من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير
أو ما أهل لغير الله به ، غير باغ فى أكله إيّاه تلذذاً، لا لضرورة حالة من
الجوع، ولا عاد فى أكله بتجاوزه ما حدَّه اللّه وأباحه له من أكله ، وذلك أن
يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك ، لم يتجاوز ذلك
إلى أكثر منه، فلا حرج عليه فى أكله ما أكل من ذلك = ((فإنّ اللّه
غفور)) ، فيما فعل من ذلك ، فساتر عليه بتركه عقوبته عليه ، ولو شاء عاقبه
عليه = ((رحيم))، بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه، ولو شاء حرَّمه
علیه ومنعه منه .
٠
(١) انظر تفسير ذلك فيما سلف ٣: ٣٢١ - ٣٢٧، وتفسير ألفاظ الآية فيما سلف
من فهارس اللغة .

١٩٨
تفسير سورة الأنعام : ١٤٦
القول فى تأويل قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادواْ حَرَّمْنَا كُلَّ
ذِى ظُفْرٍ﴾
٥٤/٨
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وحرّمنا على اليهود (١) = (( کل ذى
ظفر))، وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقُوق الأصابع، كالإبل والنَّعام والإوز والبط.
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
*
١٤٠٩٢ - حدثنى المثنى وعلى بن داود قالا، حدثنا عبد الله بن صالح
قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله :
((وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر))، وهو البعير والنعامة .
١٤٠٩٣ -حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: (( وعلى الذين هادوا حرمنا كل
ذى ظفر))، قال: البعير والنعامة ونحو ذلك من الدواب.
١٤٠٩٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ،
عن عطاء، عن سعيد: ((وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر))، قال :
هو الذى ليس بمنفرج الأصابع .
١٤٠٩٥ - حدثنى على بن الحسين الأزدى قال، حدثنا يحيى بن يمان ،
عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير فى قوله: (( وعلى الذين
هادوا حرمنا كل ذى ظفر))، قال: كل شىء متفرق الأصابع، ومنه الديك.(٢)
(١) انظر تفسير ((هاد)) فيما سلف ١٠: ٤٧٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) قوله: ((كل شىء متفرق الأصابع، ومنه الديك))، هكذا هو فى المخطوطة، والذى
تبادر إلى ذهن من نشر التفسير قبل، أن صوابه ((غير متفرق الأصابع))، ليطابق ما قبله وما بعده .
ولكنى وجدت ابن كثير فى تفسيره ٤١٧:٣، يقول: ((وفى رواية عنه: ((كل متفرق الأصابع،
ومنه الذيك »، فلذلك رجحت صواب ما فى المخطوطة والمطبوعة .

١٩٩
:
تفسير سورة الأنعام : ١٤٦
١٤٠٩٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال: ((كل ذى ظفر))، النعامة
والبعير .
١٤٠٩٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن *
ابن أبى نجيح ، مثله .
١٤٠٩٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتاد"
قوله: ((وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر)) ، فكان يقال : البعير والنعامة
وأشباهه من الطير والحيتان .
١٤٠٩٨م - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال،
حدثنا معمر، عن قتادة: " ((كل ذى ظفر))، قال: الإبل والنعام ، ظفر يد
البعير ورجله ، والنعام أيضاً كذلك . وحرم عليهم أيضاً من الطير البط وشبهه ،
وكل شىء ليس بمشقوق الأصابع .
١٤٠٩٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((أما كل ذى ظفر)) ، فالإبل والنعام.
١٤١٠٠ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا شيخ ،
عن مجاهد فى قوله: ((وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر))، قال : النعامة
والبعير، شقًا شقًا. قال قلت: ما ((شقًا شقًا))؟ قال: كل ما لم تفرج قوائمه
لم يأكله اليهود ، والبعيرُ والتعامة . والدجاج والعصافير تأكلها اليهود، لأنها قد
فُرِجت .
١٤١٠١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((كل ذى ظفر))، قال: النعامة والبعير، شقًّا شقًا.
قلت للقاسم بن أبى بزة وحدثنيه: ما ((شقًّا شقًا))؟ قال: كل شىء لم يفرج من
قوائم البهائم . قال: وما انفرج أكلته اليهود. قال: انفرجت قوائم الدجاج

٢٠٠
تفسير سورة الأنعام : ١٤٦
والعصافير ، فيهود تأكلها . قال: ولم تنفرج قائمة البعير، خفّه، ولا خف النعامة،
ولا قائمة الوَزَّينة، (١) فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعام ولا الوَزَّين، ولا كل شىء
لم تنفرج قائمته ، وكذلك لا تأكل حمار وحش .
...
وكان ابن زيد يقول فى ذلك بما :-
١٤١٠٢ - حدثی به یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فی
قوله: ((وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر))، الإبل قطْ. (٢)
٠ ٥
قال أبو جعفر : وأولى القولين فى ذلك بالصواب ، القول الذى ذكرنا عن
ابن عباس ومن قال بمثل مقالته . لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه حرم على اليهود كل
ذى ظفر ، فغير جائز إخراج شىء من عموم هذا الخبر إلاّ ما أجمع أهل العلم
أنه خارج منه . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان النعام وكل ما لم يكن من البهائم
والطير مما له ظفر غير منفرج الأصابع داخلاً فى ظاهر التنزيل ، وجب أن يحكم
له بأنه داخل فى الخبر، إذ لم يأت بأن بعض ذلك غير داخلٍ فى الآية، خبرٌ عن
٥٥/٨٠ اللّه ولا عن رسوله، وكانت الأمة أكثرها مجمع على أنه فيه داخل .
(١) ((الوزينة)) (بفتح الواو، وتشديد الزاى مكسورة)، هى الإوزة، وجمعها ((الوزين))،
مثلها فى الوزن بغير هاء .
(٢) فى المطبوعة: ((فقط))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو محض صواب. يقال: ((ماله
إلا عشرة قط)) (بفتح القاف وسكرن الطاء) و((قط)) (بتشديد الطاء وكسرها)، بمعنى : أى،
ولا يزيد على ذلك، بمعنى ((حسب)).