النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ تفسير سورة الأنعام : ١٣٠ عليه مقيمين بالحجج البالغة ، وينذرونكم وعيدَ اللّه على مقامكم على ما كنتم عليه مقيمين ، فلم تقبلوا ذلك ، ولم تتذكروا ولم تعتبروا . ٠ ٠ واختلف أهل التأويل فى ((الجن )) ، هل أرسل منهم إليهم ، أم لا ؟ فقال بعضهم : قد أرسل إليهم رسل ، كما أرسل إلى الإنس منهم رسلٌ. * ذكر من قال ذلك : ١٣٨٩٦ -حدثنا ابن حميد قال، حدثنا یحیی بن واضح قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال : سئل الضحاك عن الجن، هل كان فيهم نبيّ قبل أن يُبْعث النبى صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ألم تسمع إلى قول الله: ((يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصُّون عليكم آياتى))، يعنى بذلك : رسلاً من الإنس ، ورسلاً من الجن ؟ فقالوا : بلى! وقال آخرون: لم يرسل منهم إليهم رسولٌ، ولم يكن له من الجنّ قطٌّ رسول مرسل ، وإنما الرسل من الإنس خاصَّة، فأما من الجن فالنُّذُر. قالوا: وإنما قال الله: ((ألم يأتكم رسل منكم))، والرسل من أحد الفريقين، كما قال: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقَيَانِ﴾، [سورة الرحمن: ١٩]، ثم قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللَؤُلُؤُ واْمَرْجَانُ﴾، [ سورة الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح دون العذب منهما ، وإنما معنى ذلك: يخرج من بعضهما، أو من أحدهما. (١) قال: وذلك كقول القائل الجماعة أدؤُرِ: ((إن فى هذه الدُّور لشرًّا))، وإن كان الشر فى واحدة منهن ، فيخرج الخبر عن جميعهن ، والمراد به الخبر عن بعضهن ، وكما يقال: ((أكلتُ خبزاً ولبناً))، إذا اختلطا، ولو قيل: ((أكلت لبناً))، كان (١) هذه مقالة الفراء، انظر معانى القرآن ١: ٣٥٤، وظاهر أن الذى بعده من كلام الفراء أيضاً من موضع آخر غير هذا الموضع . ١.٢٢ تفسير سورة الأنعام : ١٣٠ الكلام خطاً ، لأن اللبن يشرب ولا يؤكل .. • ذكر من قال ذلك : ١٣٨٩٧ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثی حجاج ، عن ابن جريج قوله: (( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم »، قال : جمعهم كما جمع قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمَا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِ جُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، [سورة فاطر: ١٢]، ولا يخرج من الأنهار حلية = قال ابن جريج، قال ابن عباس: هم الجن الذين لقُوا قومهم ، وهم رُسُل إلى قومهم . ٠ فعلى قول ابن عباس هذا : أنّ من الجنّ رسلاً للإنس إلى قومهم = فتأويل الآية على هذا التأويل الذى تأوّله ابن عباس : ألم يأتكم ، أيها الجن والإنس ، رسل منكم ، فأما رسل الإنس فرسل من اللّه إليهم، وأما رسل الجن، فرسُل رُسُل الله من بنى آدم، وهم الذين إذا سمعوا القرآنَ وَلوا إلى قومهم منذرين. (١) ٠ ٠ وأما الذين قالوا بقول الضحاك ، فإنهم قالوا: إن اللّه تعالى ذكره أخبرَ أنّ من الجن رسلاً أرسلوا إليهم ، كما أخبر أنّ من الإنس رسلاً أرسلوا إليهم. قالوا : ولو جاز أن يكون خبرُه عن رسل الجن بمعنى أنهم رسل الإنس ، جاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى أنهم رُسُل الجنّ. (٢) قالوا: وفى فساد هذا المعنى ما ٢٨/٨ يدلُّ على أن الخبرين جميعاً بمعنى الخبر عنهم أنهم رُسُل اللّه، لأن ذلك هو المعروف فى الخطاب دون غيره . ٠٠٠ . (١) اقرأ آيات سورة الأحقاف: ٢٩ - ٣٢. (٢) يعنى بهذا أن المنذرين الذين ذهبوا إلى قومهم، لو جاز أن يسموا ((رسلا)) أرسلهم الإنس إلى الجن، جاز أن يسمى ((رسل الإنس)) - وهم رسل الله إلى الإنس والجن = ((رسل الجن)»، أرسلهم الجن إلى الإنس . وهذا ظاهر البطلان . ١٢٣ تفسير سورة الأنعام : ١٣٠ القول فى تأويل قوله ﴿قَالُواْ شَهِدْنَ عَلَى أَنفُسِنَ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَّةُ الدُّنْيَ وَقَهِدُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ أَنْهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ) (2) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن قول مشركى الجن والإنس عند تقريعه إياهم بقوله لهم: ((ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا )»، أنهم يقولونه .(١)= ((شهدنا على أنفسنا))، ... بأن رسلك قد أتتنا بآياتك، وأنذرتنا لقاء يومنا هذا ، فكذبناها وجحدنا رسالتها، ولم نتبع آیاتك ولم نؤمن بها . قال اللّه خبراً مبتدأ: وغَرَّت هؤلاء العادلين باللّه الأوثان والأصنام، وأولياء هم من الجن (٢) = ((الحياة الدنيا))، يعنى: زينة الحياة الدنيا، وطلبُ الرياسة فيها والمنافسة عليها ، أن يسلموا لأمر الله فيطيعوا فيها رسله ، فاستكبروا وكانوا قوماً عالين. فاكتفى بذكر ((الحياة الدنيا)) من ذكر المعانى التى غرَّتهم وخدَعتهم فيها، إذ كان فى ذكرها مكتفىّ عن ذكر غيرها ، لدلالة الكلام على ما تُرك ذكره = يقول الله تعالى ذكره: ((وشهدوا على أنفسهم))، يعنى: هؤلاء العادلين به يوم القيامة = أنهم كانوا فى الدنيا كافرين به وبرسله ، لتتم حجّة الله عليهم بإقرارهم على أنفسهم بما يوجب عليهم عقوبته وأليم عذابه . (١) فى المطبوعة: ((أنهم يقولون: شهدنا على أنفسنا))، وصل الكلام، وفى المخطوطة بياض، جعلت مكانه هذه النقط، وأمام البياض فى المخطوطة حرف (ط ) دلالة على أنه خطأ، وأنه كان هكذا فى النسخة التى نقل عنها . (٢) انظر تفسير ((الغرور)) فيما سلف ص: ٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك. ١٢٤ تفسير سورة الأنعام : ١٣١ القول فى تأويل قوله ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىُ بِظُلْمِ وَأَهْلُهَ غَافِلُونَ) ) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ))، أى: إنما أرسلنا الرسل، يا محمد ، إلى من وصفتُ أمرَه، وأعلمتك خبره من مشركى الإنس والجن ، يقصون عليهم آياتى وينذرونهم لقاء معادهم إلىّ، من أجل أن ربَّك لم يكن مهلك القرى بظلم . ٠ ٠ وقد يتّجه من التأويل فى قوله: ((بظلم ))، وجهان : أحدهما: ((ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم))، أى: بشرك مَنْ أشرك، وكفرمَنْ كفرمن أهلها، كما قال لقمان: ﴿إنّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. [سورة لقمان: ١٣] = ((وأهلها غافلون))، يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلاً تنبههم على حجج الله عليهم ، وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه، ولم يكن بالذى يأخذهم غَفْلة فيقولوا: (( ما جاءنا من بَشِيرٍ ولا نذير)) . ٥ ٠ والآخر: ((ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم))، يقول : لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرُّسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك ، والله غير ظلامٍ لعبيده.(١) قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب عندى ، القولُ الأول : أن يكون معناه : أن لم يكن ليهلكهم بشركهم ، دون إرسال الرسل إليهم ، والإعذار بينه وبينهم. وذلك أن قوله: ((ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم)»، عقيب قوله: (١) فى المطبوعة: ((العبيد))، وأثبت ما فى المخطوطة. ١٢٥ تفسير سورة الأنعام : ١٣٢،١٣١ ((ألم يأتكم رسل منكم يقصُّون عليكم آياتى))، فكان فى ذلك الدليل الواضحُ على أن نصّ قوله: ((ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم))، إنما هو: إنما فعلنا ذلك من أجل أنّا لا نهلك القرى بغير تذكير وتنبيه . (١) ٠ ٠ وأما قوله: ((ذلك))، فإنه يجوز أن يكون نصباً ، بمعنى : فعلنا ذلك = ويجوز أن يكون رفعاً ، بمعنى الابتداء، كأنه قال : ذلك كذلك . وأما ((أنْ))، فإنها فى موضع نصب، بمعنى: فعلنا ذلك من أجل أنْ لم يكن ربك مهلك القرى = فإذا حذف ما كان يخفضها ، تعلق بها الفعل قنصب . (٢) . .. القول فى تأويل قوله ﴿وَلِكُلِّ دَرَجْتٌ ◌ِمَا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ ◌ِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولكل عامل فى طاعة الله أو معصيته ، منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها ، ويثيبه بها ، إن خيراً فخيراً، إن شرًّاً فشرًّا(٣) = « وما ربك بغافلعما یعماون ))، يقول جل ثناؤه: و کل ذلك من عملهم، يا محمد ، بعلم من ربِّك ، يحصيها ويثبتها لهم عنده ، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه . (١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٥٥، فهذا رد على الفراء، وهو صاحب القول الثانى. (٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٥٥. (٣) انظر تفسير ((درجة)) فيا سلف: ١١: ٥٠٥، تعليق: ١، والمراجع هناك. ١٢٦ تفسير سورة الأنعام : ١٣٣ ٢٩/٨ القول فى تأويل قوله ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ ◌ُذْمِنْكُمْ وَيَسْتَغْلِفْ مِن بَعْدِكُ مَّا يَشَآءَ كَمَا أَنشَأْكُمُ مِّن ذُرِّيَّةِ. قَوْمٍ قَآخرِينَ﴾ ١٣٣ قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ((وربك))، يا محمد ، الذى أمر عباده بما أمرهم به ، ونهاهم عما نهاهم عنه ، وأثابهم على الطاعة ، وعاقبهم على المعصية = ((الغنى))، عن عباده الذين أمرهم بما أمر، ونهاهم عما نهى، وعن أعمالهم وعبادتهم إياه ، وهم المحتاجون إليه، لأنه بيده حياتهم ومماتهم، وأرزاقهم وأقواتهم، ونفعهم وضرهم . (١) يقول عز ذكره : فلم أخلقهم ، يا محمد ، ولم آمرهم بما أمرتهم به ، وأنههم عما نهيتهم عنه ، لحاجةٍ لى إليهم ، ولا إلى أعمالهم ، ولكن لأتفضّل عليهم برحمتى ، وأثيبهم على إحسانهم إن أحسنوا ، فإنى ذو الرَّأفة والرحمة . (٢) # وأما قوله: ((إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء))، فإنه يقول : إن يشأ ربُّك ، يا محمد ، الذى خلق خلقه لغير حاجة منه إليهم وإلى طاعتهم إياه = (( يذهبكم))، يقول: يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم (٣) =((ويستخلف من بعدكم ما يشاء))، يقول: ويأت بخلق غيركم وأم سواكم ، يخلفونکم فى الأرض= (( من بعد کم )) ، یعنی: من بعد فنائکم وهلا ککم= ( کما أنشأكم من ذرّية قوم آخرين)»، كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم. ٠ ٠ (١) انظر تفسير ((الغنى)) فيما سلف ٥ : ٥٢١، ٩/٥٧٠ : ٢٩٦. (٢) انظر تفسير ((الرحمة)) فيما سلف من فهارس اللغة (رحم). (٣) انظر تفسير ((الإذهاب)) فيما سلف ٩ : ٢٩٨. ١٢٧ تفسير سورة الأنعام : ١٣٣ ومعنى ((مِنْ)) فى هذا الموضع التعقيب، كما يقال فى الكلام: «أعطيتك من دينارك ثوباً))، بمعنى : مكانَ الدينار ثوباً، لا أن الثوب من الدينار بعض". كذلك الذين خوطبوا بقوله: ((كما أنشأكم))، لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنَّهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خَلَف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم . ... و((الذرية)) ((الفُعْلية))، من قول القائل :: ((ذرأ الله الخلق)»، بمعنى خلقهم، ((فهو يذرؤهم))، ثم ترك الهمزة فقيل ((ذرا اللّه))، ثم أخرج ((الفُعْلية)) بغير همز، على مثال ((العُبِّيَّة)).(١) ٠ ٠ ٠ وقد روى عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ: ﴿مِنْ ذُرِّيثَةٍ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ على مثال (( فُعِّلة)).(٢) وعن آخر أنه كان يقرأ: ﴿وَمِنْ ذِرِّيَّةٍ﴾، على مثال ((عِلِّيَّة)). ... قال أبو جعفر: والقراءة التى عليها القرأة فى الأمصار: ﴿ذَرِّيَّةٍ)، بضم الذال، وتشديد الياء، على مثال ((عُبِّية)).(٣) ٠ ٠ (١) فى المطبوعة: ((العلمية))، وهو خطأ، لأن هذه بكسر العين. وفى المخطوطة: ((العلبه))، غير منقوطة، واجتهدت قراءتها كذلك. وفى الحديث: ((إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية وتعظمها بآبائها))، و((العبية)» فخر الجاهلية وكبرها ونخوتها. يقال إنها من ((التعبية))، وقالوا بعضهم: هى ((فعولة))، وجائز أن تكون ((فعلية))، كما قال هذا القائل فى ((ذرية))، وانظر مادة (عبب) فى لسان العرب . (٢) كان فى المخطوطة: ((من ذرية))، كما هى التلاوة السالفة، ولكن ظاهر أن الذى فى المطبوعة هو الصواب. لأن ((ذرية)) أصلها ((ذريئة))، من ((ذرأ الله الخلق))، فكان ينبغى أن تكون مهموزة، فكثرت ، فأسقط الهمز ، وتركت العرب همزها . وانظر لسان العرب (ذرا) . (٣) انظر التعليق السالف رقم: ١، وكان فى المطبوعة هنا أيضاً ((علية))، ومثلها فى المخطوطة، والصواب الراجح ما أثبته . ١٢٨ تفسير سورة الأنعام : ١٣٣، ١٣٤، ١٣٥ وقد بينا اشتقاق ذلك فما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته ههنا .(١) ٠٠ وأصل ((الإنشاء))، الإحداث. يقال: ((قد أنشأ فلان يحدّث القوم))، بمعنى ابتدأ وأخذ فيه . (٢) القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأَتٍ وَمَا أَتُم عُمْجزين) ١٣٤ قال أبو جعفر: يقول تعالى "ذكره للمشركين به: أيها العادلون باللّه الأوثان" والأصنامَ ، إن الذى يُوعدكم به ربكم من عقابه على إصراركم على كفركم ، واقعٌ بكم = (( وما أنتم بمعجزين))، يقول: لن تعجزوا ربكم هرباً منه فى الأرض فتفوتوه ، لأنكم حيث كنتم فى قبضته ، وهو عليكم وعلى عقوبتكم بمعصيتكم إيّاه قادر . يقول : فاحذرُوه وأنيبوا إلى طاعته ، قبل نزول البلاء بكم . ٥ القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ يُقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))، يا محمد، لقومك من قريش الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر =: « اعملوا علی مکانتکم»، يقول : اعملوا على حِپالکم وناحيتكم ، كما : - (١) انظر تفسير ((الذرية)) فيما سلف ٣: ١٩، ٥/٧٣: ٦/٥٤٣: ٣٢٧، ولم يفسرها فى هذه المواضع ، ثم فسرها فى ٦ : ٨/٣٦٢: ١١/١٩ : ٠٥٠٧ (٢) انظر تفسير ((الإنشاء)) فيما سلف: ١١ : ٢٦٣، ٢٦٤، ٥٦٢. ١٢٩ تفسير سورة الأنعام : ١٣٥ ١٣٨٩٨ - حدثنى على بن داود قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( يا قوم اعملوا على مكانتكم)) ، يعنى : على ناحيتكم . ٥ يقال منه: ((هو يعمل على مكانته، ومسكينته)). ٠ ٠ # وقرأ ذلك بعض الكوفيين: (عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾، على جمع ((المكانة)). ... قال أبو جعفر: والذى عليه قرأة الأمصار: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾، على التوحيد. ٠ ٠ = (إنى عامل))، يقول جل ثناؤه، لنبيه: قل لهم اعملوا ما أنتم عاملون، فإنى عامل ما أنا عامله مما أمرنى به ربى = ((فسوف تعلمون )) ، يقول : فسوف تعلمون عند نزول نقمة اللّه بكم ، أيُّنا كان المحقّ فى عمله، والمصيب سبيل الرشاد ، أنا أم أنتم . ٣٠/٨ وقوله تعالى ذكره لنبيه: قل لقومك، (( يا قوم اعملوا على مكانتكم ))، أمرٌ منه له بوعيدهم وتهدّدهم، لا إطلاقٌ لهم فى عمل ما أرادُوا من معاصى الله. ٥٠ القول فى تأويل قوله ﴿ مَن تَكُونُ لَهُ, عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ, لَا يُفْلِحُ الَّلِيُونَ) ) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((من تكون له عاقبة الدار))، فسوف تعلمون ، أيها الكفرة بالله ، عند معاينتكم العذابَ ، من الذى تكون له عاقبة الدار منا ومنكم . (١) يقول : من الذى تُعْقبه دنياه ما هو خير له منها أو شر (١) انظر تفسير ((العاقبة)) فيما سلف ١١ : ٢٧٢، ٢٧٣. ج ١٢ (٩) ١٣٠ تفسير سورة الأنعام : ١٣٥ ، ١٣٦ منها ، (١) بما قدم فيها من صالح أعماله أو سَيّتها . ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه فقال: ((إنه لا يفلح الظالمون))، يقول: إنه لا ينجح ولا يفوز بحاجته عند اللّه مَنْ عمل بخلاف ما أمره الله به من العمل فى الدنيا(٢)= وذلك معنى: ((ظلم الظالم))، فى هذا الموضع.(٣) ٠٠٠ وفى ((من)) التى فى قوله: ((من تكون له))، وجهان من الإعراب : = الرفع على الابتداء . = والنصبُ بقوله: ((تعلمون))، ولإعمال ((العلم)) فيه . والرفع فيه أجود ، لأن معناه : فسوف تعلمون أيُّنا له عاقبة الدار ؟ فالابتداء فى ((من))، أصحُّ وأفصح من إعمال ((العلم)) فيه.(٤) ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَجَمَلُواْ لِلِهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نصِباً فَقَالُواْ هُذَا قِهِ بِعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَا ◌َنَا فَ كَانَ لِشُرَّكَا بِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَّكَاَ بِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ ١٣٦ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وجعل هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام لربهم = ((مما ذرأ)) خالقهم، يعنى: مما خلق من الحرث والأنعام. ... (١) فى المطبوعة: ((من الذى يعقب دنياه))، والذى فى المخطوطة هو الصواب. (٢) انظر تفسير ((الفلاح)) فيما سلف ١١: ٢٩٦، تعليق: ٥، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم) . (٤) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٥٥. ١٣١ تفسير سورة الأنعام : ١٣٦ يقال منه: ((ذرأ اللّه الخلق يذرؤهم ذَرْءًا، وذَرْوً))، (١) إذا خَلَقهم. . .. = ((نصيباً))، يعنى: قسماً وجزءاً.(٢) ثم اختلف أهل التأويل فى صفة النصيب الذى جعلوا اللّه، والذى جعلوه لشركائهم من الأوثان والشيطان . فقال بعضهم: كان ذلك جزءاً من حُروثهم وأنعامهم يُفْرِزُونه لهذا، (٣) وجزءاً آخر لهذا . • ذكر من قال ذلك : ١٣٨٩٩ - حدثنى إسحق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهید قال، حدثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ((فما كان لشركائهم فلا يصل إلى اللّه))، الآية، قال : كانوا إذا أدخلوا الطعام فجعلوه حُزّماً ، جعلوا منها اللّه سَهْماً، وسهماً لآلهتهم. وكان إذا هبت الريح من نحو الذى جعلوه لآلهتهم إلى الذى جعلوه للّه، ردُّوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم. وإذا هبت الريح من نحو الذى جعلوه للّه إلى الذى جعلوه لآلهتهم، أقرُّوه ولم يردُّوه. فذلك قوله: ((سَاءَ ما يحكمون )) . ١٣٩٠٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس فى قوله: ((وجعلوا اللّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا))، قال : جعلوا (١) فى المخطوطة أيضاً ((وذروا))، كأنه يعنى تسهيل الهمزة، ولم أجد ذكر ذلك فى مصادر هذا الفعل، ولا أظنه أراد: ((وذروماً))، فإن أحداً لم يذكر ذلك. (٢) انظر تفسير (نصيب)) فيما سلف ٩: ٣٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٣) فى المطبوعة: ((يقررونه))، وفى المخطوطة: ((يفررون)) غير تامة النقط، وصواب قراءتها ما أثبت. ((فرزت الشىء)) و((أفرزته))، إذا عزلته عن غيره، ومزته. و((الفرز)) (بكسر فكون) : النصيب المفروز لصاحبه ، واحداً كان أو اثنين . ١٣٢ تفسير سورة الأنعام : ١٣٦ الله من ثمراتهم وما لهم نصيباً، والشيطان والأوثان نصيباً . فإن سقط من ثمرة ما جعلوا للّه فى نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوه للشيطان فى نصيب اللّه التقطُوه وحفظُوه وردُّوه إلى نصيب الشيطان، وإن انفجر من سقِى ما جعلوه للّه فى نصيب الشيطان تركوه، (١) وإن انفجر من سقْ ما جعلوه للشيطان فى نصيب اللّه سدُّوه. فهذاما جعلوا من الحروث وسقى الماء . وأما ما جعلوا للشيطان من الأنعام فهو قول الله: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾، [سورة المائدة: ١٠٣]. ١٣٩٠١ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، فقالوا هذا لله بزعمهم))، الآية، وذلك أن أعداء الله كانوا إذا احترثُوا حرثاً، أو كانت لهم ثمرة ، جعلوا لله منها جزءاً ولاوَتَّن جزءاً، فما ٣١/٨ كان من حرث أو ثمرة أو شىء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه . فإن سقط منه شىء فيما سمّى اللّه ردُّوه إلى ما جعلوا للوثن. وإن سبقهم الماء إلى الذى جعلوه للوثن ، فسقى شيئاً جعلوه لله، جعلوا ذلك لاوثن . وإن سقط شىء من الحرث والثمرة التى جعلوا لله. فاختلط بالذى جعلوا للوثن، قالوا: ((هذا فقير))! ولم يردوه إلى ما جعلوا لله، وإن سبقهم الماء الذى جعلوا لله فسقى ما سمّى للوثن، تركوه للوثن. وكانوا يحرِّمون من أنعامهم البحيرة والسائبة والوصيلة" والحام ، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرّمونه لله. فقال الله فى ذلك: ((وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً)) ، الآية . ١٣٩٠٢ - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وجعلوا اللّه مما ذرا من الحرث والأنعام نصيباً))، قال: يسمون لله جزءاً من الحرث، ولشركائهم وأوثانهم (١) ((السّ)) (بكسر السين وسكون القاف): والشرب (بكسر فسكون)، وهو مورد الماء كالجدول ، يسمى به الزرع . ١٣٣ تفسير سورة الأنعام : ١٣٦ جزءاً، فما ذهبت به الريح مما سمّوا لله إلى جزء أوثانهم تركوه ، وما ذهب من جزء أوثانهم إلى جزء اللّه ردُّوه، وقالوا: ((اللّه عن هذا غنىّ))! و((الأنعام)) السائبة والبحيرة التى سموا . ٠ ١٣٩٠٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، نحوه . ١٣٩٠٤ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً))، الآية، عمتَدَ ناس من أهل الضلالة فجزّأوا من حروبهم ومواشيهم جزءاً للّه وجزءاً لشركائهم . وكانوا إذا خالط شىء مما جزّأوا لله فيما جزأوا لشركائهم خلَّه . فإذا خالط شىء مما جزأوا لشركائهم فيما جزأوا الله ردّه على شركائهم. وكانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ استعانوا بما جزأوا لله، وأقرّوا ما جزأواه لشركائهم، قال الله: ((ساء ما يحكمون)). ١٣٩٠٥ - حدثنا محمد بنعبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن . . معمر ، عن قتادة: ((وجعلوا اللّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً))، قال : كانوا يجزأون من أموالهم شيئاً فيقولون: ((هذا لله، وهذا للأصنام))، التى يعبدون. فإن ذهب بعيرٌ مما جعلوا لشركائهم، (١) فخالط ما جعلوا الله، ردُّوه. وإن ذهب مما جعلوه للّه فخالط شيئاً مما جعلوه لشركائهم تركوه . وإن أصابتهم سنة أكلوا ما جعلوا لله، وتركوا ما جعلوا لشركائهم، فقال اللّه: ((ساء ما يحكمون)). ١٣٩٠٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً)) إلى ((يحكمون))، قال: كانوا يقسمون من أموالهم قِسْماً فيجعلونه لله، ويزرعون زَرْعاً فيجعلونه لله، ويجعلون لآلهتهم مثل ذلك . فما خرج للآلهة أنفقوه عليها ، وما خرج (١) فى المطبوعة: ((فإذا ذهب مما جعلوا)) غير ما كان فى المخطوطة لغير طائل. ١٣٤ تفسير سورة الأنعام : ١٣٦ الله تصدقوا به. فإذا هلك الذى يصنعون لشركائهم، وكثر الذى لله قالوا: ((ليس بُدّ لآلهتنا من نفقة))، وأخذوا الذى للّه فأنفقوه على آلهتهم. وإذا أجدب الذى لله،وکثر الذى لآلهتهم، قالوا: ((لو شاء أزكى الذى له))! فلا يردُّون عليه شيئاً مما للآلهة . قال الله: لو كانوا صادقين فيما قسموا، لبئس إذًا ما حكموا: أن يأخذوا منى ولا يعطونى. فذلك حين يقول: ((ساء ما يحكمون)). ... وقال آخرون: ((النصیب» الذی کانوا یجعلونه لله فکان یصل منه إلی شر کاتهم: أنهم كانوا لا يأكلون ما ذبحوا لله حتى يسموا الآلهة، وكانوا ما ذبحوه للآلهة يأكلونه ولا يسمون الله عليه . • ذكر من قال ذلك : ١٣٩٠٧ - حدثی یونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله: ((وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً)) حتى بلغ ((وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم))، قال: كل شىء جعلوه للّه من ذِبْح يذبحونه، (١) لا يأكلونه أبداً حتى يذكروا معه أسماء الآلهة. وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله ٣٢/٨ معه، وقرأ الآية حتى بلغ: ((ساء ما يحكمون)). ٠ ٠ قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية ما قال ابن عباس ومن قال بمثل قوله فى ذلك، لأن الله جل ثناؤه أخبر أنهم جعلوا لله من حرثهم وأنعامهم قسماً مقدراً ، فقالوا: ((هذا اللّه)) وجعلوا مثله لشركائهم، وهم أوثانهم، بإجماع من أهل التأويل عليه، فقالوا: ((هذا لشركائنا)) = وأن نصيب شركائهم لا يصل منه إلى الله، بمعنى: لا يصل إلى نصيب اللّه، وما كان للّه وصّل إلى نصيب شركائهم. فلو كان وصول ذلك بالتسمية وترك التسمية ، كان أعيان ما أخبر اللّه عنه أنه لم ٠٠ (١) (الذبح)) (بكسر فسكون)، هو ((الذبيح))، و((المذبوح))، وهو كل ما أعد الذبح من الأضاحى ، وغيرها من الحيوان . ١٣٥ تفسير سورة الأنعام : ١٣٦ ، ١٣٧ يصل ، جائزاً أن تكون قد وصلت ، وما أخبر عنه أنه قد وصل ، لم يصل . وذلك خلاف ما دلّ عليه ظاهر الكلام، لأن الذبيحتين تُذبح إحداهما لله ، والأخرى للآلهة ، جائز أن تكون لحومهما قد اختلطت ، وخلطوها إذا كان المكروه عندهم تسمية الله على ما كان مذبوحاً للآلهة ، دون اختلاط الأعيان واتصال بعضها ببعض . ٥ ٠ ٠ وأما قوله : ((ساء ما يحكمون))، فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن فعل هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم . يقول جل ثناؤه: وقد أساءوا فى حكمهم ، (١) إذ أخذوا من نصيبى لشركائهم ، ولم يعطونى من نصيب شركائهم . وإنما عنى بذلك تعالى ذكره الخبرَ عن جهلهم وضلالتهم، وذهابهم عن سبيل الحق، بأنهم لم يرضوا أن عدلوا بمن خلقهم وغذاهم ، وأنعم عليهم بالنعم التى لا تحصى ، ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، حتى فضّلوه فى أقسامهم عند أنفسهم بالقَسْم عليه . ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ◌َتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَّكَا ؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَرِيْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِيَّهُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا فَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَغْتَرُونَ ﴾ ( ١٣٧ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما زيَّن شركاء هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام لهم ما زينوا لهم، من تصيرهم لربهم من أموالهم قَسنْماً بزعمهم ، وتركهم ما وَصل من القَسْم الذى جعلوه للّه إلى قسم شركائهم فى قسمهم، ورد هم ما وَصَل من القسم الذى جعلوه لشركائهم إلى قسم نصيب اللّه، إلى قسم شركاتهم= (١) انظر تفسير ((ساء)) فيما سلف من فهارس اللغة (سوأ). = وتفسير ((يحكم)) فيما سلف من فهارس اللغة (حكم). ١٣٦ تفسير سورة الأنعام : ١٣٧ ((كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم)»، من الشياطين ، فحسنوا لهم وأد البنات (١) = ((ليردوهم))، يقول: ليهلكوهم = ((وليلبسوا عليهم دینهم )) ، فعلوا ذلك بهم ، ليخلطوا عليهم دينهم فیلتبس ، فيضلوا ويهلكوا ، بفعلهم ما حرم الله عليهم (٢) = ولو شاء الله أن لا يفعلوا ما كانوا يفعلون من قتلهم لم يفعلوه ، بأن كان يهديهم للحق ، ويوفقهم للسداد ، فكانوا لا يقتلونهم ، ولكن الله خذلهم عن الرشاد فقتلوا أولادهم ، وأطاعوا الشياطين التى أغوتهم . يقول الله لنبيه ، متوعداً لهم على عظيم فريتهم على ربهم فيما كانوا يقولون فى الأنصباء التى يقسمونها: ((هذا لله وهذا لشركائنا))، وفى قتلهم أولادهم= ((ذرهم))، يا محمد، (٣) ((وما يفترون))، وما يتقوّلون علىَّ من الكذب والزور، (٤) فإنى لهم بالمرصاد ، ومن وراء العذاب والعقاب . ٠ ٠ # وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٣٩٠٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: (( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم ليردوهم ))، زينوا لهم ، من قَتْل أولادهم. ١٣٩٠٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: ((قتل أولادهم شركاؤهم))، شياطينهم ، يأمرونهم أن يَئِدوا أولادهم خيفة العَيْلة.(٥) (١) انظر تفسير ((زين)) فيما سلف ص: ٩٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((اللبس)) فيما سلف: ٤٩٢:١١، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ذر فيها سلف: ٧٢، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٤) انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف: ٥٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٥) ((العيلة)) (بفتح فسكون)، الفقر وشدة الحاجة . ١٣٧ تفسير سورة الأنعام : ١٣٧ ١٣٩١٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ٣٣/٨ ابن أب نجیح ، عن مجاهد ، نحوه . ١٣٩١١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم)) الآية ، قال : شركاؤهم زينوا لهم ذلك = ((ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون)). ١٣٩١٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم))، قال : شياطينهم التى عبدوها، زينوا لهم قتل أولادهم. ١٣٩١٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط ، عن السدى: (( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم))، أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات. وأما ((ليردوهم))، فيهلكوهم. وأما ( ليليسوا عليهم دينهم))، فيخلطوا عليهم دينهم. . . واختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأته قرأة الحجاز والعراق: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ)، بفتح الزاى من ((زين))، (لِكَثِيرِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتلَ أوْلاَدِهِمْ﴾، بنصب «القتل))، ( شُرَكَاؤُهُمْ﴾، بالرفع = بمعنى : أن شركاء هؤلاء المشركين، الذين زينوا لهم قتل أولادهم = فيرفعون ((الشركاء)) بفعلهم، وينصبون ((القتل))، لأنه مفعول به . ٠ ٠ ٠ وقرأ ذلك بعض قرأة أهل الشام ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ) بضم الزاى ﴿لِكَثِيرِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ﴾ بالرفع (أَوْلاَدَهُمْ﴾ بالنصب (شُرَكَانِهِمْ) بالخفض - بمعنى: وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ شركاتهم أولاد هم، ففرّقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الاسم. وذلك فى كلام العرب قبيح غیر فصيح . وقد ١٣٨ تفسير سورة الأنعام : ١٣٧ روى عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيِّد قراءة من قرأ بما ذكرت من قرأة أهل الشام ، رأيتُ رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه ، وذلك قول قائلهم : فَرَجَجْتُهُ مُتَمَكِّا زَجَّ القَلُوصَ أَبِى ◌َزَادَهْ(١) ٠٠٠ قال أبو جعفر: والقراءة التى لا أستجيز غيرها: ﴿ وَكَذَلِكَ زَیَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أُوْلاَدِهِمْ شُرَ كَاؤُهُمْ﴾، بفتح الزاى من ((زين)»، ونصب ((القتل)) بوقوع ((زين)) عليه، وخفض ((أولادهم)) بإضافة (( القتل )» إليهم، ورفع ((الشركاء)): بفعلهم، لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتلَ أولادهم، على ما ذكرتُ من التأويل . وإنما: قلت: ((لا أستجيز القراءة بغيرها))، لإجماع الحجة من القرأة عليه ، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد ، ففى ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة . ولولا أن تأويل جميع أهل التأويل بذلك ورد ، ثم قرأ قارئ : ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلاَ دِهِمْ شُرَكَائِهِمْ﴾ ، بضم الزاى من ((زين))، ورفع ((القتل))، وخفض ((الأولاد)) و((الشركاء !، على (١) معانى القرآن الفراء ١: ٣٥٨، الإنصاف: ١٧٩، الخزانة ٢: ٢٥١، والعينى (بهامش الخزانة) ٣: ٤٦٨، وغيرها كثير. ((زج)): دفع بالزج، وهو الحديدة التى فى أسفل الرمح. و((القلوص)) الناقة الفتية، و((أبو مزادة)) اسم رجل. وهذا البيت شاهد على ما ذهب إليه الكوفيون من جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف وحرف الخفض ، لضرورة الشعر. والتقدير : زج أبى مزادة القلوص ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالقلوص ، وهو مفعول ، وليس بظرف ولا حرف خفض . وهذا وإن كان مقالة الكوفيين ، فإن الفراء قد رده فى معانى القرآن ١ : ٣٥٨، وقال هو ليس بشىء . ١٣٩ تفسير سورة الأنعام : ١٣٧، ١٣٨ أن ((الشركاء)) مخفوضون بالرد" على ((الأولاد))، بأنّ ((الأولاد)) شركاء آبائهم فى النسب والميراث = كان جائزاً .(١) . .. ولو قرأه كذلك قارئ، غير أنه رفع ((الشركاء)) وخفض ((الأولاد))، كما يقال: ((ضُرِبَ عبدُ اللّه أخوك))، فيظهر الفاعل، بعد أن جري الخبر بما لم يسمّ فاعله = كان ذلك صحيحاً فى العربية جائزاً . ٥ ٥ القول فى تأويل قوله ﴿وَقَالُواْ هَذِهِ ىَ أَنْتَمُ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّ مَن نَّشَآءٍ فِ عْمِهِمْ) قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء الجهلة من المشركين أنهم كانوا يحرمون ويحللون من قِبَل أنفسهم، من غير أن يكون الله أذن لهم بشىء من ذلك . يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء العادلون بربهم من المشركين، جهلاً منهم، ٣٤/٨ لأنعام لهم وحرث: هذه أنعامٌ وهذا حرث حجر = يعنى: ؛ ((الأنعام)) و ((الحرث)) ما كانوا جعلوه اللّه ولآلهتهم ، التى قد مضى ذكرها فى الآية قبل هذه . ٠٠٠ وقيل: إن ((الأنعام))، السائبة والوصيلة والبحيرة التى سمَّوا. (٢) ١٣٩١٤ - حدثنى بذلك محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((الأنعام))، السائبة والبحيرة التى سمَّا. ٥ ٥ (١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٥٧. (٢) انظر تفسير ((الأنعام)) فيما سلف ٦ : ٩/٢٥٧ : ٤٥٧. - وتفسير ((الحرث)) فيما سلف ٤: ٢٤٠ - ٢٤٣، ٦/٣٩٧: ٧/٢٥٧: ١٣٤. ١٤٠ تفسير سورة الأنعام : ١٣٨ و((الحيجْر)) فى كلام العرب، الحرام.(١) يقال: ((حجرت على فلان كذا))، أي حرَّمت عليه، ومنه قول اللّه، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ [سورة الفرقان: ٢٣]، ومنه قول المتلمس : حَنَّتْ إِلَى النَّخْلَةِ الْقُصْوَى فَقُلْتُ لَهَا: حِجْرٌ حَرَامٌ، أَلاَ ثَمَّ الدَّهَارِيسُ(٣) (١) المخطوطة، ليس فيها ((الحرام))، وزيادتها فى المطبوعة هى الصواب الموافق لما فى مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢٠٧ . (٢) ديوانه قصيدة ٤، ومختارات ابن الشجرى: ٣٢، ومجاز القرآن ١: ٢٠٧، وسيأتى فى التفسير ١٩ : ٣٠٢ (بولاق)، اللسان (دهرس)، ومعجم، استعجم : ١٣٠٤، ومعجم ياقوت (نخلة القصوى)، ونسبه لجرير وهو المتلمس، جرير بن عبد المسيح، من قصيدته التى قالها فى مهر به إلى الشأم من عمرو بن هند، وقصة المتلمس وطرفة، وعمرو بن هند، مشهورة. وهكذا جاء هنا ((النخلة القصوى))، وهى رواية، والرواية الأخرى ((نخلة القصوى)) بغير تعريف كما سيأتى برواية أبى جعفر فى التفسير ١٩: ٣٠٢ (بولاق). وقد ذكروا أن ((نخلة القصوى)) المذكورة هنا، هى: ((نخلة اليمانية))، وهو واد ينصب من بطن قرن المنازل، وهو طريق اليمن إلى مكة . وظاهر هذا الشعر، فيما أدانى إليه اجتهادى، يدل على أن ((نخلة القصوى)) بأرض العراق، مفضياً إلى الحيرة، ديار عمرو بن هند ، فإنه قال هذا الشعر ، وقد حرم عليه عمرو بن هند أرض العراق ، فحنت ناقته إلى ديارها بالعراق ، فقال لها : أَنَّى طَرِبْتِ، وَلَمْ تُلْحَىْ عَلَى طَرَبٍ، ودُونَ إِلْفِكِ أَمْرَاتٌ أَمَالِيسُ يقول : كيف تشتاقين إلى أرض فيها هلاكى ؟ ثم عاد يقول : ولست ألومك على الشوق الذى أثار حنينك، فإنه لابد لمن حالت بينه وبين إلفه الغلوات، أن يحن . ثم بين العلة فى استنكاره حنينها فقال لها : وكأنه يخاطب نفسه ، ويعتذر إليها من ملامة هذه البائسة ! حَنَّتْ إلى نَخْلَةَ القُصْوَى، فَقُلْتُ لها: بَسْلٌ عَلَيْكِ ، أَلَا تِلْكَ الدَّهَارِيسُ ((بسل عليك)): حرام عليك، وهذه رواية أخرى. و ((الدهاريس))، الدواهى. يقول: ما ألومها على الحنين إلى إلفها ، ولكنى ألومها على الحنين إلى أرض فيها هلاكى . وقال لها : إن نخلة القصوى التى تحنين إليها ، حرام عليك ، فإن فيها الدواهى والغوائل . فتبين بهذا أنه يعنى ديار عمرو بن هند الذى فر منه ، ثم قال لها بعد ذلك : أُمِّى شَآمِيةً، إِذْ لاَ عِرَاقَ لَغَا، قَوْمَا نَوَذُّهُمُ إِذْ قَوْمُنَاَ شُوسُ" يقول : اقصدى نخلة الشآمية ، فإن العراق قد حرم علينا ، وفى الشأم أحبابنا ، وأهل مودتنا، وأما قومنا بالعراق فإنهم ينظرون إلينا بأعين شوس من البغضاء. فثبت بقوله: ((إذ لا عراق لنا)) أن ((نخلة القصوى)) من أرض العراق. وفى هذا كفاية فى تحقيق الموضع إن شاء الله .