النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ ١٣٨٥٦ - حدثنى سعيد بن الربيع الرازى قال، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن خالد بن أبى كريمة ، عن عبد الله بن المسور قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل النور القلبَ انفسح وانشرح. قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك من علامة تعرف ؟ قال : نعم ، الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافى عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت . (١) ابن العلاء))، غير منقوطة، كأنها تقرأ ((يعلى بن العلاء)»، ولم أجد فى شيوخ أبى جعفر، ولا فى الرواة، من سمى بذلك. ورأيت ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٣٩٥، نقل عن هذا الموضع من ابن جرير قال: ((حدثنى هلال بن العلاء، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد))، فأيد هذا أن أبا جعفر روى آنفاً عن شيخه ((هلال بن العلاء))، أن الذى فى المخطوطة تحريف على الأرجح، ولذلك أثبته كما هو فى ابن كثير: («هلال بن العلاء)». و ((سعيد بن عبد الملك بن واقد الحرانى)). ضعيف، ضعفه ابن أبى حاتم ، والدار قطنى ، وقال: ((لا يحتج به)). قال أبو حاتم: ((يتكلمون فيه، يقال إنه أخذ كتبا لمحمد بن سلمة ، فحدث بها. ورأيت فيما حدث أكاذيب، كذب)). مترجم فى ابن أبى حاتم ٤٥/١/٢، ميزان الاعتدال ١ : ٣٨٧، ولسان الميزان ٣ : ٣٧. و ((محمد بن سلمة الحرانى))، ثقة، مضى برقم : ١٧٥ . و((أبو عبد الرحيم))، هو ((خالد بن أبى يزيد الحرانى))، روى عنه ابن أخته ((محمد بن سلمة الحرانى))، حسن الحديث متقن. مضى له ذكر فى التعليق على الأثر رقم : ٨٣٩٦. و((زيد بن أبى أنيسة الجزرى))، ثقة، مضى برقم : ٤٩٦٤، ٨٣٩٦. و ((عمرو بن مرة المرادى))، مضى آنفاً فى رقم: ١٣٨٥٣، ١٣٨٥٤. و((أبو عبيدة))، هو ((أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود))، مضى مراراً كثيرة جداً ، وهو لم يسمع من أبيه ، كما سلف مراراً . وهذا خبر ضعيف أيضاً، لضعف أحاديث («سعيد بن عبد الملك بن واقد الحرانى ، عن محمد بن سلمة))، كما ذكر أبوحاتم . ثم لأن أبا عبيدة، لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود. وسيأتى خبر عبد الله بن مسعود برقم : ١٣٨٥٧، من طريق أخرى . فالعجب لابن كثير ، كيف تكون هذه أحاديث متصلة ، ثم كيف تشدها أخبار كذاب وضاع. وانظرما أسلفت فى التعليق على رقم : ١٣٨٥٢. (١) الأثر: ١٣٨٥٦ - ((خالد بن أبى كريمة الأصبهانى))، ((أبو عبد الرحمن الإسكاف)). وثقه أحمد وأبو داود، وأبو حاتم وابن حبان وقال: ((يخطىء))، وضعفه ابن معين. مترجم فى التهذيب، والكبير ١٥٤/١/٢، وابن أبى حاتم ٣٤٩/٢/١، قال البخارى: ((عن معاوية ١٠٢ تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ ١٣٨٥٧ - حدثی ابن سنان القزاز قال، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمى، عن يونس ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن مسعود ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام » ، قالوا : يا رسول اللّه، وكيف يُشرح صدره؟ قال : يدخل فيه النور فينفسح . قالوا : وهل لذلك من علامة يا رسول الله ؟ قال : التجافى عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت.(١) ابن قرة، وأبى جعفر عبد الله بن مسور المسورى))، ولم يذكر فيه جرحاً. و((عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبى طالب الهاشمى المدائن))، سلف برقم: ١٣٨٥٢، وأنه هو ((أبو جعفر)) المدائى، وأنه كذاب وضاع. وانظر تخريج الخبر والتعليق عليه هناك . (١) الأثر: ١٣٨٥٧ - ((ابن سنان القزاز))، شيخ الطبرى، هو: ((محمد بن سنان القزاز)) مضى برقم: ١٥٧، ١٩٩٩، ٢٠٥٦، ٥٤١٩ ، ٦٨٢٢. و ((محبوب بن الحسن الهاشمى البصرى))، ((محبوب)) لقب، وهو به أشهر، واسمه: ((محمد بن الحسن بن هلال بن أبى زينب فيروز القرشى))، مولى بنى هاشم. ثقة، وضعفوه . . مترجم فى التهذيب، والكبير ٦٧/١/١، فى ((محمد بن الحسن البصرى))، وابن أبى حاتم فى ((محمد ابن الحسن البصرى)) ٢٢٨/٢/٣، ثم فى ((محبوب بن الحسن بن هلال)) ٣٨٨/١/٤، ولم يشر إلى أن اسمه (محمد بن الحسن)). و ((يونس)) هو: ((يونس بن عبيد بن دينار العبدى))، ثقة، مضى برقم : ٢٦١٦، ٤٩٣١، ١٠٥٧٤ . و ((عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة))، هذا إشكال شديد، فإن «عبد الرحمن بن عبد الله ابن عتبة بن عبد اللّه بن مسعود))، متأخر جداً، روى عن أبى إسحق السبيعى وطبقته ومات سنة ١٦٠، أو سنة ١٦٥. و((يونس بن عبيد))، أعلى طبقة منه، روى عن إبراهيم التيمى، والحسن البصرى ، وابن سيرين . ومات سنة ١٤٠، فهو فى طبقة شيوخه، فلو كان يونس روى عنه ، لذكر مثل ذلك فى ترجمة ((عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة)). وأنا أرجح أن صواب الإسناد: ((عن يونس، عن أبى عبد الرحمن عبد الله بن عتبة)). وهو ((عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلى))، كنيته ((أبو عبد الرحمن))، وهو الذى يروى عن عمه ((عبد الله بن مسعود))، وولد فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم ورآه، ومات سنة ٧٤. فهو الخليق أن يروى عنه ((يونس بن عبيد)» . وهذا أيضاً خبر ضعيف، لضعف ((محبوب بن الحسن))، وإذن فكل ما قاله الحافظ ابن كثير من أن هذه الأخبار جاءت بأسانيد مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضاً، قول ينفيه شرح هذه الأسانيد كما رأيت ، والله الموفق الصواب ، وكتبه محمود محمد شاكر . ١٠٣ تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : . ١٣٨٥٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام»، أما ((يشرح صدره للإسلام))، فيوضع صدره للإسلام.(١) ١٣٨٦٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قوله: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام»، بلا إله إلاّ اللّه. ١٣٨٦١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءة: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام))، بلا إله إلاّ اللّه، يجعل لها فى صدره متَّسعاً. ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ, يَجْعَلْ صَدْرَهُ. صَيَّقَاً حَرَجاً﴾ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ومن أراد الله إضلاله عن سبيل الهدى، يشغله بكفره وصدّه عن سبيله، ويجعل صدره بخذلانه وغلبة الكفر عليه، (٢) حرجاً. (٣) ... و((الحرج))، أشد الضيق، وهو الذى لا ينفذه، (٢)من شدة ضيقه، (٤) وهو ههنا الصدر الذى لا تصل إليه الموعظة، ولا يدخله نور الإيمان ، لريْن الشرك عليه. وأصله من ((الحرج))، و(الحرج)) جمع ((حَرَجَة))، وهى الشجرة الملتف بها (١) تخطيت فى الترقيم رقم: ١٣٨٥٨: خطأ. (٢) فى المطبوعة: ((لشغله بكفره ... يجعل صدره))، الأخيرة بغير واو، وفى المخطوطة كما أثبتها، وبغير واو فى ((يجعل صدره))، والسياق يقتضى ما أثبت. (٣) انظر تفسير ((الإضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل). (٤) فى المطبوعة: ((لا ينفذ)) بغير هاء، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب. ١٠٤ تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ الأشجار، لا يدخل بينها وبينها شىء لشدة التفافها بها ، (١) كما : - ٢٢/٨ ١٣٨٦٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا هشيم قال ، حدثنا عبد الله بن عمار = رجل من أهل اليمن = عن أبى الصلت الثقفى: أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه قرأ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقً حَرَجًا﴾، بنصب الراء. قال: وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ضَيقاً حَرِ جًا). قال صفوان: فقال عمر : ابغونى رجلاً من كنانة، واجعلوه راعياً، (٢) وليكن مُدْ لجيًّا.(٣) قال: فأتوه به . فقال له عمر: يا فتى، ما الحرجة؟ قال: ((الحرجة)) فينا، الشجرة تكون بين الأشجار التى لا تصل إليها راعيةٌ ولا وحشيّة ولا شىء. قال: فقال عمر : كذلك قلبُ المنافق ، لا يصل إليه شىء من الخير. (٤) ١٣٨٦٣ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: (( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً)) ، يقول : من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقاً ، والإسلام واسع. وذلك حين يقول : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، [سورة الحج: ٧٨] ، يقول: ماجعل (١) انظر تفسير ((الحرج)) فيما سلف ٨: ١٠/٥١٨: ٨٥. (٢) قوله: ((واجعلوه راعياً))، أى التمسوه، وليكن راعياً، ليس من معنى ((الجعل)) الذى هو التصيير. وهذا استعمال عربى عريق فى ((جعل))، ولكنهم لم يذكروه فى المعاجم ، وهو دائر فى كلام العرب ، وهذا من شواهده ، فليقيد فى مكانه من كتب العربية . (٣) ((مدلج)) قبيلة من بنى مرة بن عبد مناة بن كنانة، وهم القافة المشهورون ، ويدل هذا الخبر على أن أرض مرعاهم كانت كثيرة الشجر . (٤) الأثر: ١٣٨٦٢ - ((عبد الله بن عمار اليمامى))، قال ابن أبى حاتم: ((مجهول))، وذكره ابن حبان فى الثقات . مترجم فى التهذيب ، وابن أبى حاتم ١٢٩/٢/٢. و ((أبو الصلت الثقفى)»، روى عن عمر، وروى عنه عبد الله بن عمار اليمامى، هذا الحديث. مترجم فى التهذيب، والكنى البخارى: ٤٤، وابن أبى حاتم ٣٩٤/٢/٤. وهذا خبر عزيز جداً . فى بيان رواية اللغة وشرحها ، وسؤال الأعراب والرعاة عنها . ١٠٥٠ تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ عليكم فى الإسلام من ضيق . واختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال : بعضهم معناه : شاكًّا . * ذكر من قال ذلك : -- ١٣٨٦٤ - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا حميد، عن مجاهد: ((ضيقاً حرجاً))، قال : شاكًّا . ١٣٨٦٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ضيقاً حرجاً))، أما ((حرجاً،)) فشاكًا . وقال آخرون: معناه : ملتبساً . * ذكر من قال ذلك : ١٣٨٦٦ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ((يجعل صدره ضيقاً حرجاً))، قال : ضيقاً ملتبساً. ١٣٨٦٧ - حد ثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عمى قال ، حدثنى أبى، عن الحسن، عن قتادة أنه كان يقرأ: ﴿ضَيِّقاً حَرَجاً﴾، يقول : ملتبساً. وقال آخرون : معناه : أنه من شدة الضيق لا يصل إليه الإيمان . • ذكر من قال ذلك : ١٣٨٦٨ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا جرير ، عن حبيب بن أبى عمرة، عن سعيد بن جبير: ((يجعل صدره ضيقاً حرجاً))، قال: لا يجد مسلكاً إلاّ صُعُداً. ١٣٨٦٩ -حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عطاء الخراسانى: ((ضيقاً حرجاً))، قال: ليس للخير فيه منفذٌ. تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ ١٣٨٧٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن عطاء الخراسانى ، مثله . ١٣٨٧١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین، قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قوله: ((ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً))، بلا إله إلا الله، لا يجدلها فى صدره مَساغاً . ١٣٨٧٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءةً فى قوله: ((ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً))، بلا إله إلا الله ، حتى لا تستطيع أن تدخله . واختلفت القرأة فى قراءة ذلك. فقرأه بعضهم: ﴿ ضَيِّقاً حَرَجاً)،بفتح الحاء والراء من ((حرجاً))، وهى قراءة عامة المكيين والعراقيين ، بمعنى جمع ((حرجة))، على ما وصفت. (١) # وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة: ﴿ضَيقاً حَرِجًا)، بفتح الحاء وكسر الراء . * # ثم اختلف الذين قرأوا ذلك فى معناه. فقال بعضهم: هو بمعنى: ((الحَرَج)). وقالوا: ((الحرج)) بفتح الحاء والراء، ((والحرج)) بفتح الحاء وكسر الراء ، بمعنى واحد ، وهما لغتان مشهورتان، مثل: ((الدَّنَف)) و(الدَّنِف))، و((الوَحَد)) و(الوَحِد))، و(الفَرَد)) و((الفَرِد)). ٠ وقال آخرون منهم: بل هو بمعنى الإثم، من قولهم: ((فلان آثِمٌ حَرِجٌ))، وذكر عن العرب سماعاً منها: ((حَرِجٌ عليك ظُلمى))، بمعنى ضِيقٌ وإثْم. (٢) (١) انظر ص: ١٠٣، ١٠٤. (٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٥٣، ٣٥٤ ١٠٧ تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ قال أبو جعفر : والقول عندى فى ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ، ولغتان مستفيضتان بمعنى واحد ، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيبٌ، لاتفاق معنییهما. وذلك كما ذكرنا من الروايات عن العرب فى ((الوحد)) و((الفَرّد)) بفتح الحاء من ((الوحد)) والراء من ((الفرد))، وكسرهما ، بمعنى واحدٍ. ... وأما ((الضيِّق))، فإن عامة القرأة على فتح ضاده وتشديد يائه، خلا بعض ٢٣/٨ المكيين فإنه قرأه: ﴿ ضَيْقاً) ، بفتح الضاد وتسكين الياء ، وتخفيفه . وقد يتجه لتسکینه ذلك وجهان : أحدهما : أن يكون سكنه وهو ينوى معنى التحريك والتشديد، كما قيل : ((هَيْنٌ لَيْنٌ))، بمعنى: هيِّنٌ لَيْنٌ. والآخر: أن يكون سكنه بنية المصدر، من قولهم: (( ضاق هذا الأمر يضيق ضَيْقاً))، كما قال رؤبة : ضَيْقٍ بِوَجْهِ الأَمْرِ أَوْ مُضَيّق (١) ". (١) قَدْ عَلِمْنَاَ عِنْدَ كُلِّ مَأْزِق ومنه قول الله: ﴿وَلاَ تَكُ فِىِ ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، [سورة النحل: ١٢٧]. وقال رؤبة أيضاً : • وَشَغَّهَا الْوَحُ بِمَأْزُولٍ ضَيَقْ. (٢) (١) ليسا فى ديوانه، ولم أجدهما فى مكان آخر، ومنها أبيات فى الزيادات: ١٧٩، ١٨٠، ولم يذكرا معها. وكان فى المطبوعة: ((وقد علمنا)) زيادة الواو. وكان فيها: ((أى مضيق))، وأثبت ما فى المخطوطة ، وهو صواب إن شاء الله . (٢) ديوانه: ١٠٥، والوساطة: ١٤. ((مأزول)) من ((الأزل)) (بسكون الزاى)، وهو الضيق والجدب وشدة الزمان، وفى حديث الدجال: ((أنه يحصر الناس بيت المقدس ، فيؤزلون أزلا))، أى: يقحطون ويضيق عليهم. ومعنى: ((مأزول))، أصابه القحط، يعنى مرعى، ومثله قول الراجز : ١٠٨ تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ بمعنى ضيق. وحكى عن الكسائى أنه كان يقول: ((الضُّيْقُ))، بالكسر فى المعاش والموضع، وفى الأمر ((الضَّيْق)). ٥ ٥ # قال أبو جعفر: وفى هذه الآية أبينُ البيان لمن وُفَق لفهمهما ، عن أن السبب الذى به يُوصل إلى الإيمان والطاعة، غير السبب الذى به يُوصل إلى الكفر والمعصية، وأن كلا السببين من عند الله. (١) وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن نفسه أنه يشرح صدرَ من أراد هدايته للإسلام، ويجعل صدرَ من أراد إضلاله ضيِّقاً عن الإسلام حَرَجاً كأنَّما يصعد فى السماء. ومعلومٌ أن شرح الصدر للإيمان خلافُ تضييقه له ، وأنه لو كان يوصل بتضييق الصدر عن الإيمان إليه ، لم يكن بين تضييقه عنه وبين شرحه له فرق، ولكان من ضُيِّق صدره عن الإيمان، قد شُرِح صدره له ، ومن شرح صدره له ، فقد ضُيِّق عنه، إذ كان مَوصولاً بكل واحد منهما = أعنى من التضييق والشرح = إلى ما يُوصَل به إلى الآخر . ولو كان ذلك كذلك ، وجب أن يكون الله قد كان شرح صدر أبى جهل للإيمان به ، وضيَّق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. وهذا القول من أعظم الكفر بالله. وفى فساد ذلك أن يكون كذلك ، الدليلُ الواضح على أن السَّبب الذى به آمن المؤمنون بالله ورسله ، وأطاعه المطيعون ، غير السبب الذى كفر به الكافرون باللّه وعصار العاصون ، وأن كلاً السببين من عند الله وبيده ، لأنه أخبر جل ثناؤه أنه هو أَبْاً بِمَا يَنْفَعُها قَوِيًّا إِنَّ لَهَا أَرَاعِيّاً جَرِيًّا. لمَّ يَرْعَ مَأْزُولاً وَلاَ مَرْعِيًّا حَتَّى عَلَاَ سَنَامُهَا عُلِيًّا و ((شفها)) أنحل جسمها، وأذهب شحمها. و((اللوح)) (بضم اللام) وهو أعلى اللغتين، و ((اللوح)) (بفتح فسكون): وهو العطش الذى يلوح الجسم، أى يغيره. وقوله: ((ضيق)) حرك ((الياء)) بالفتح. وعده القاضى الجرجانى فى أخطاء رؤبة . (١) هذا رد على المعتزلة، وانظر ما سلف ص: ٩٢، تعليق: ٣، وهو من أجود الردود على دعوى المعتزلة . ١٠٩ تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ الذى يشرح صدرَ هذا المؤمن به للإيمان إذا أراد هدايته، ويضيِّق صدر هذا الكافر عنه إذا أراد ضلاله . ٥ # القول فى تأويل قوله ﴿كَأَنََّا يَصْعَّدُ فِى السَّمَاءِ﴾ قال أبو جعفر : وهذا مثل من اللّه تعالى ذكره ، ضربه لقلب هذا الكافر فى شدة تضييقه إياه عن وصوله إليه ، مثل امتناعه من الصَّعود إلى السماء وعجزه عنه ، لأن ذلك ليس فى وسعه . ٥ ٠ وبنحو الذي قلنا فى ذلك ، قال أهل التأويل . . ذكر من قال ذلك : ١٣٨٧٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن عطاء الخراسانى: ((كأنما يصعد فى السماء))، يقول : مثله كمثل الذى لا يستطيع أن يصعد فى السماء . ١٣٨٧٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن عطاء الخراسانى ، مثله . ١٣٨٧٥ - وبه قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءةً: ((يجعل صدره ضيقاً حرجاً))، بلا إله إلا الله، حتى لا تستطيع أن تدخله، ((كأنما يصعد فى السماء))، من شدّة ذلك عليه . ١٣٨٧٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، مثله . ١٣٨٧٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل، قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((كأنما يصعد فى السماء))، من ضيق صدره . ١١٠ تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ واختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والعراق: (كَأنَّمَا يَصَّعَّدُ﴾، بمعنى: ((يتصعّد))، فأدغموا التاء فى الصاد ، فلذلك شدَّدوا الصاد . ٠ وقرأ ذلك بعض الكوفيين: ﴿يَصَّاعَدُ)، بمعنى ((يتصاعد))، فأدغم التاء فى الصاد ، وجعلها صاداً مشدّدة . ٢٤/٨ وقرأ ذلك بعض قرأة المكيين: (كَأَنَّمَا يَصْعَدُ﴾، من ((صَعِد يصعّد)). # وكل هذه القراءات متقاربات المعانى، وبأيُّها قرأ القارئ فهو مصيب، غير أنى أختار القراءة فى ذلك بقراءة من قرأه: (كأنّما يَصَّعَّدُ﴾، بتشديد الصاد بغير ألف، بمعنى: ((يتصعد))، لكثرة القرأة بها، (١) ولقيل عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ((مَا تَصَمَّدَنِى شَىْ مَا تَصَمَّدَتْنِ خُطْبَةُ النّكاح)). القول فى تأويل قوله ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠) قال أبو جعفر : يقول : تعالى ذكره : كما يجعل اللّه صدر من أراد إضلاله ضيقاً حرجاً ، كأنما يصعد فى السماء من ضيقه عن الإيمان فيجزيه بذلك ، كذلك يسلّط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله، فيغویه ويصلّه عن سبيل الحق . ٠٠ ٥ (١) انظر تفسير ((الصعود)) فيما سلف ٧ : ٢٩٩ - ٣٠٢. ١١١ تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ وقد اختلف أهل التأويل فى معنى ((الرجس)). فقال بعضهم : هو كل ما لا خير فيه . • ذكر من قال ذلك : ١٣٨٧٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد قال : ((الرجس ))، ما لا خير فيه . ١٣٨٧٩ - حدثى المثى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون))، قال: ما لا خير فيه . ٠ ٥ وقال آخرون: ((الرجس))، العذاب . * ذكر من قال ذلك : ١٣٨٨٠ - حدثی يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : ((كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون))، قال: الرجس عذابُ اللّه. ... وقال آخرون: ((الرجس))، الشيطان. • ذكر من قال ذلك : ١٣٨٨١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((الرجس))، قال : الشيطان . ٥ وكان بعض أهل المعرفة بلغات العرب من الكوفيين يقول: ((الرُّجْس))، ((والنِّجْس)) لغتان. ويحكى عن العرب أنها تقول: ((ما كان رِجْساً، ولقد رَجُس : جَاسبة)) و((نَجُس نَجَاسة)). ١١٢ تفسير سورة الأنعام : ١٢٥ وكان بعض نحوبى البصريين يقول: ((الرجس)) و((الرُّجز))، سواء، وهما العذاب .(١) ٥ قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى ما قاله ابن عباس ، ومن قال إن « الرجس » و« النجس » واحد ، للخبر الذي رُویعن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يقول إذا دخل الخلاء: ((اللهُمّ إنّى أعوذ بك من الرَجْس النِّجْس الخبيث المُخْبِثِ الشيطان الرَّجيم)).(٢) ١٣٨٨٢ - حدثنى بذلك عبد الرحمن بن البخترى الطائى قال ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربى ، عن إسمعيل بن مسلم ، عن الحسن وقتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم. (٣) وقد بيَّن هذا الخبر أن ((الرَّجْس)) هو ((النَّجْس))، القذر الذى لا خير فيه ، وأنه من صفة الشيطان . # (١) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٠٦، فهذا قوله. (٢) قال أبو عبيد: ((الخبيث)) ذو الخبث فى نفسه، و((الخبث)) (بكسر الباء): الذى أصحابه وأعوانه خبثاء = وهو مثل قولهم: ((فلان ضعيف مضعف، وقوى مقو))، فالقوى فى بدنه ، والمقوى الذى تكون دابته قوية = يريد هو الذى يعلمهم الخبث ويوقعهم فيه . (٣) الأثر: ١٣٨٨٢ - ((عبد الرحمن بن البخترى الطائى))، شيخ أبى جعفر، لم أجد له ذكراً فيما بين يدى من الكتب ؛ وأخشى أن يكون فى اسمه خطأ . و((عبد الرحمن بن محمد المحاربى))، سلف مراراً كثيرة، آخرها رقم : ١٠٣٣٩. و((إسماعيل بن مسلم المكى البصرى))، مضى برقم: ٥٤١٧، ٨٨١١. وهذا إسناد صحيح ، ولكنى لم أجد هذا الخبر فى حديث أنس ، فى المسند أو غيره ، ووجدته بهذا اللفظ فى حديث أبى أمامة بإسناد ضعيف ، من طريق يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن على بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبى أمامة، رواه ابن ماجة فى سننه ص: ١٠٩ رقم : ٢٩٩. قال ابن حبان: ((إذا اجتمع فى إسناد خبر، عبيد اللّه بن زحر، وعلى بن يزيد، عن القاسم، فذاك مما عملته أيديهم !)) . ١١٣ تفسير سورة الأنعام : ١٢٦ : القول فى تأويل قوله ﴿وَهْذَا صِرْطُ رَبّكَ مُسْتَقِيمَا قَدْ فَصَّلْنَا الْأَيْتِ لِقَوْمٍ يَذَّ كَّرُونَ) (١) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهذا الذي بيّنا لك ، يا محمد ، فى هذه السورة وغيرها من سور القرآن = هو صراطُ ربك ، يقول : طريق ربّك ، ودينه الذى ارتضاه لنفسه ديناً ، وجعله مستقيماً لا اعوجاج فيه. (١) فاثبُتْ عليه ، وحرَّم ما حرمته عليك، وأحلل ما أحللته لك ، فقد بيّنا الآيات والحجج على حقيقة ذلك وصحته(٢) = ((لقوم يذكرون))، يقول: لمن يتذكر ما احتجَّ اللّه به عليه من الآيات والعبر فيعتبر بها . (٣) وخص بها ((الذين يتذكرون))، لأنهم هم أهل التمييز والفهم، وأولو الحجى والفضل وقيل: ((يذَّكرون)). (٤) ... وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . . ذكر من قال ذلك : ١٣٨٨٣ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمی قال، . حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((وهذا صراط ربك مستقيماً))، يعنى به الإسلام .. ٢٥/٨ ... (١) انظر تفسير: ((الصراط المستقيم)) فيما سلف ١٠: ١٤٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك . (٢) انظر تفسير ((فصل)) فيما سلف ص: ٦٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك. = وتفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبى). (٣) انظر تفسير ((التذكر)) فيما سلف من فهارس اللغة (ذكر). (٤) فى المطبوعة ((فقيل يذكرون))، وفى المخطوطة: ((وقيل يذكرون))، كأنه أراد أن يكتب شيئاً، ثم قطعه. ولعله أراد أن يبين إدغام التاء فى الذال من ((يتذكرون))، ثم سقط منه أو من الناسخ، فوضعت نقطاً لذلك ، وإن كان إسقاطها لا يضر شيئاً . ج ١٢(٨) تفسير سورة الأنعام : ١٢٧ القول فى تأويل قوله ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَمِ عِندَ رَبِهِمْ وَهُوَ وَلِيُهُم مَ كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ٢٧ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((لهم))، القوم الذين يذكرون آيات الله فيعتبرون بها، ويوقنون بدلالتها على ما دلت عليه من توحيد الله ومن نبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ، فيصدّقون بما وصلوا بها إلى علمه من ذاك . وأما ((دار السلام))، فهى دار اللّه التى أعدّها لأوليائه فى الآخرة، جزاءً" لهم على ما أبلوا فى الدنيا فى ذات الله، وهى جنته. و((السلام))، اسم من أسماء الله تعالى، (١) كما قال السدى :- ١٣٨٨٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدي: ((لهم دار السلام عند ربهم))، اللّه هو السلام ، والدار الجنة . وأما قوله: ((وهو وليُّهم))، فإنه يقول: والله ناصر هؤلاء القوم الذين يذكرون آيات الله (٢) = ((بما كانوا يعملون))، يعنى: جزاءً بما كانوا يعملون من طاعة الله ويتبعون رضوانه . # (١) انظر تفسير - (السلام)) فيما سلف ١٠ : ٣٩٢:١١/١٤٥. (٢) انظر تفسير ((ولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى). ١١٥ تفسير سورة الأنعام : ١٢٨ القول فى تأويل قوله ﴿وَيَوْمَ يَمْتُرُهُمْ جِيمَا يُعَنْشَرَ الجِنِّ قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ﴾ قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بقوله: (( ويوم يحشرهم جميعاً)) ، ويوم يحشر هؤلاء العادلين باللّه الأوثان والأصنامَ وغيرهم من المشركين، مع أوليائهم من الشياطين الذين كانوا يُوحون إليهم زخرف القول غروراً ليجادلوا به المؤمنين ، فيجمعهم جميعاً فى موقف القيامة(١) = يقول للجن: (( يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس))، وحذف ((يقول للجن)) من الكلام، اكتفاءً بدلالة ما ظهر من الكلام عليه منه . # وعنى بقوله: ((قد استكثرتم من الإنس))، استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم، كما : - ١٣٨٨٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله : (( ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ))، يعنى : أضللتم منهم كثيراً. ١٣٨٨٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة: (( يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس))، قال : قد أضللتم کثیراً من الإنس . ١٣٨٨٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: ((قد استكثرتم من الإنس ))، قال : كثُر من أغويتم . (١) انظر تفسير (الحشر)) فيما سلف ص: ٥٠، تعليق: ١، والمراجع هناك. ١١٩ تفسير سورة الأنعام : ١٢٨ ١٣٨٨٨ -،حدثی المثی قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله . ١٣٨٨٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن معمر، عن الحسن: ((قد استكثرتم من الإنس))، يقول: أضللتم كثيراً من الإنس . ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَقَلَ أَوْ لِيَآؤُهُم مِّنَ اَلْإِنسِ رَبَّنَ اُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بَعْضٍ ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فيجيب أولياءُ الجن من الإنس فيقولون: ((ربنا استمتع بعضنا ببعض فى الدنيا)). (١) فأما استمتاع الإنس بالجن، فكان كما:ــ ١٣٨٩٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قوله: ((ربنا استمتع بعضنا ببعض))، قال : كان الرجل فى الجاهلية ينزل الأرض فيقول: ((أعوذ بكبير هذا الوادى))، فذلك استمتاعهم ، فاعتذروا يوم القيامة . # = وأما استمتاع الجن بالإنس، فإنه كان ، فيما ذكر، ما ینال الجنَّ من الإنس من تعظيمهم إيّاهم فى استعاذتهم بهم، فيقولون: ((قد سدنا الجِنّ والحِن))(٢) (١) انظر تفسير ((الاستمتاع)) فيما سلف ٨: ١٧٥، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٢) فى المطبوعة: ((قد سدنا الجن والإنس))، غير ما فى المخطوطة، لم يحسن قراءتها لأنها غير منقوطة. وأثبت ما فى المخطوطة. و((الحن)) (بكسر الحاء)، حى من أحياء الجن، وقد سلف بيان ذلك فى الجزء ١: ٤٥٥، تعليق: ١، فراجعه هناك. وانظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٥٤، والذى هناك مطابق لما فى المطبوعة . ١١٧ تفسير سورة الأنعام : ١٢٨ القول فى تأويل قوله ﴿ وَبَغْنَا أَجَلَنَا أُلَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالوا: بلغنا الوقتَ الذى وقَّتَّ لموتنا.(١) وإنما يعنى جل ثناؤه بذلك: أنهم قالوا: استمتع بعضنا ببعض أيّام حياتنا إلى حال موتنا ، كما : - ١٣٨٩١ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: أما قوله: ((وبلغنا أجلنا الذى أجَّلتَ لنا))، فالموت. ٥ ٢٦/٨ القول فى تأويل قوله ﴿قَلَ النَّارُ مَثْوَلُكُمْ خُلِدِينَ فِيهَا إِلَّ مَا شَآءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) ) قال أبو جعفر : وهذا خبر من اللّه تعالى ذكره عمّا هو قائل لهؤلاء الذين يحشرهم يوم القيامة من العادلين به فى الدنيا الأوثان، ولقُرْنائهم من الجن، فأخرج الخبر عما هو كائنٌ ، مُخْرَج الخبر عما كان، لتقدُّم الكلام قبله بمعناه والمراد منه، فقال: قال الله لأولياء الجن من الإنس الذين قد تقدَّم خبرُه عنهم: ((النار مثوا کم )) ، یعنی نار جهنم= (( مثوا کم))، الذى تثوون فيه ، أی تقيمون فيه . و((المثوى)) هو (المَفْعَل)) من قولهم: ((ثویفلان بمكان كذا))، إذا أقام فيه.(٢) # # # # (١) انظر تفسير ((الأجل)) فيما سلف ص: ٢٥٩:١١، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((المثوى)) فيما سلف ٧ : ٢٧٩. ١١٨ تفسير سورة الأنعام : ١٢٨ ، ١٢٩ = ((خالدين فيها))، يقول: لابثين فيها (١) = ((إلاّ ما شاء الله))، يعنى إلا ما شاء اللّه من قَدْر مُدَّة ما بين مبعثهم من قبورهم. إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك المدة التى استثناها الله من خلودهم فى النار = ((إن ربك حكيم)»، فى تدبيره فى خلقه ، وفى تصريفه إياهم فى مشيئته من حال إلى حال ، وغير ذلك من أفعاله =((عليم))، بعواقب تدبيره إياهم، (٢) وما إليه صائرةُ أمرهم من خير وشر. (٣) ٠ ٥ ٠ وروي عن ابن عباس أنه كان يتأول فى هذا الاستثناء : أنّ اللّه جعل أمرّ هؤلاء القوم فى مبلغ عذابه إيّاهم إلى مشيئته . ١٣٨٩٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قال: ((النار مثواكم خالدين فيها إلاّ ما شاء الله إن ربك حكيم عليم))، قال: إن هذه الآية: آيةٌ لا ينبغى لأحدٍ أن يحكم على الله فى خلقه، لا ينزلْهم جنَّةً ولا ناراً . (٤) ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ وَكَذَّلِكَ نُوَّلِى بَعْضَ الظَّلِينَ بَعْضًا؟ ◌ِاَ كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل ((نُوَلّى)). فقال بعضهم : معناه : نجعل بعضهم لبعض وليًّا، على الكفر بالله . (١) انظر تفسير ((الخلود)) فيما سلف من فهارس اللغة (خلد). (٢) انظر تفسير ((حكيم)) و((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (حكم) و (على). (٣) فى المطبوعة: ((صائر)) بغيرتاء فى آخره، والصواب ما فى المخطوطة. ((صائرة)) مثل ((عاقبة)) لفظاً ومعنى، ومنه قبل: ((الصائرة، ما يصير إليه النبات من اليبس)). (٤) فى المطبوعة: ((أن لا ينزهم)) فزاد ((أن))، فأفسد المعنى إفساداً حتى ناقض بعضه بعضاً. وإنما قوله: ((لا ينزلهم جنه ولا ناراً))، نهى الناس أن يقول: ((فلان فى الجنة)) و((فلان فى النار)). ((ينزهم)) مجزومة اللام بالناهية. ٢١٩ تفسير سورة الأنعام : ١٢٩ • ذکر من قال ذلك : ١٣٨٩٣ - حدثنا يونس قال، حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((وكذلك نولى بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون)»، وإنما يولى اللّه بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولىّ المؤمن أين كان وحيث كان ، والكافر ولىُّ الكافر أينما كان وحيثما كان. ليس الإيمان بالتَمنَّ ولا بالتحَلَّى. وقال آخرون: معناه: نُتْبع بعضهم بعضاً فى النار = من ((الموالاة))، وهو المتابعة بين الشىء والشىء، من قول القائل: ((واليت بين كذا وكذا)) ، إذا تابعت بيهما . • ذكر من قال ذلك : ١٣٨٩٤ - حدثی محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة: ((وكذلك نولى بعض الظالمين بعضاً))، فى النار، يتبع بعضهم بعضاً . (١) وقال آخرون : معنى ذلك ، نسلط بعض الظلمة على بعض . . ذكر من قال ذلك : ١٣٨٩٥ -حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فی قوله: ((وكذلك نولى بعض الظالمين بعضاً))، قال: ظالى الجن وظالى الإنس . وقرأ: ﴿وَمَنْ يْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّْحَنِ نَقَّيِّصْ لَهُ شَيْطَانَا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، [سورة الزخرف: ٣٦]. قال: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس . ٠٠ ٥ (١) انظر تفسير ((ولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى). ١٢٠ تفسير سورة الأنعام : ١٢٩، ١٣٠ قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال فى تأويل ذلك بالصواب، قولُ من قال: معناه : وكذلك نجعل بعض الظالمين لبعضٍ أولياء . لأن اللّه ذكر قبل هذه الآية ما كان من قول المشركين، فقال جل ثناؤه: ((وقال أولياؤهم من الإنس ربّنا استمتع بعضنا ببعض ))، وأخبر جل ثناؤه: أنّ بعضهم أولياء بعض ، ثم عقب خبره ذلك بخبره عن أن ولاية بعضهم بعضاً بتوليته إياهم، فقال: وكما جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجن والإنس أولياء بعض يستمتع بعضهم ببعض ، كذلك نجعل بعضهم أولياء بعض فى كل الأمور = (( بما كانوا يكسبون)»، من معاصى الله ويعملونه . (١) القول فى تأويل قوله ( ◌َيُمَعْشَرَ آلْجِنِّ وَاَلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُلٌ مِّنَكُمْ يَقُونَ عَلَيْكُمْ ، أَبْعِ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءِ يَوْمِكُمْ هُّذَا ﴾ ٢٧/٨ قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به من مشركى الإنس والجن ، يخبر أنه يقول لهم تعالى ذكره يومئذ : ((يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى))، يقول يخبر ونكم بما أوحى إليهم من تنبيهى إياكم على مواضع حججی ، وتعريفى لكم أدلتى على توحيدى، وتصديق أنبيائى، والعمل بأمري، والانتهاء إلى حدودى = ((وينذرونكم لقاء يومكم هذا)) ، يقول: يحذّرونكم لقاء عذابى فى يومكم هذا، وعقابى على معصيتكم إِيّاى ، فتنتهوا عن معاصىَّ. (٢) وهذا من الله جل ثناؤه تقريع وتوبيخ لهؤلاء الكفرة على ما سلف منهم فى الدنيا من الفسوق والمعاصى. ومعناه : قد أتاكم رسلٌ منكم ينبهونكم على خطأ ما كنتم (١) انظر تفسير ((الكسب)) فيما سلف: ٤٤٨:١١، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الإنذار)) فيما سلف من فهارس اللغة (نذر).