النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
تفسير سورة الأنعام : ١٠٣
رؤية اللّه بالأبصار كذلك، لأن فى ذلك إثبات حدّ له ونهاية ، فبطل عندهم لذلك
جواز الرؤية عليه = فإنه يقال لهم : (١) هل علمتم موصوفاً بالتدبير سوى صانعكم ،
إلا مماسًاً لكم أو مبايناً ؟
فإن زعموا أنهم يعلمون ذلك ، كُلِّفوا تبيينه ، ولا سبيل إلى ذلك.
وإن قالوا : لا نعلم ذلك .
قيل لهم : أو ليس قد علمتموه لا مماسًا لكم ولا مبايناً ، وهو موصوف بالتدبير
والفعل، ولم يجب عندكم إذْ كنتم لم تعلموا موصوفاً بالتدبير والفعل غيره إلا مماسًاً
لكم أو مبايناً ، أن يكون مستحيلاً العلم به ، وهو موصوف بالتدبير والفعل
لا مماس ولا مباين ؟
فإن قالوا : ذلك كذلك .
قيل لهم : فما تنكرون أن تکون الأبصار کذلك لا تری إلا ما باینها وكانت
بينه وبينها فرجة ، قد تراه وهو غير مباين لها ولا فرجة بينها وبينه ولا فضاء ، كما
لا تعلم القلوب موصوفاً بالتدبير إلا مماسًا لها أو مبايناً، وقد علمتْه عندكم لا كذلك؟
وهل بينكم وبين من أنكر أن يكون موصوفاً بالتدبير والفعل معلوماً، إلا مماسًا للعالم
به أو مبايناً = وأجاز أن يكون موصوفاً برؤية الأبصار، لا مماسًا لها ولا مبايناً ، فرق ؟
ثم يسألون الفرقَ بين ذلك، فلن يقولوا فى شىء من ذلك قولاً إلا ألزموا فى
الآخر مثله .
وكذلك يسألون فيما اعتلوا به فى ذلك: أن من شأن الأبصار إدراك الألوان ، كما
أن من شأن الأسماع إدراك الأصوات، ومن شأن المتتسم درك الأعراف، فمن الوجه
الذى فسد أن يُقضى للسمع بغير ديك الأصوات ، فسد أن يقضى للأبصار بغير
حرك الألوان .(٢)
٢٠٢/٧
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإنه يقال لهم)) بالواو، وصواب السياق ما أثبت.
(٢) فى المطبوعة: ((أن يقتضى السمع لغير))، و((أن تقتضى الأبصار لغير))، وأما
المخطوطة، ففيها ((أن يقضى السبع ... ))، و((أن يقضى للأبصار))، والصواب ما أثبت.

٢٢
تفسير سورة الأنعام : ١٠٣
فيقال لهم : ألستم لم تعلموا فيما شاهدتم وعاينتم ، موصوفاً بالتدبير والفعل
إلا ذا لون ، وقد علمتموه موصوفاً بالتدبير لا ذا لونٍ ؟
فإن قالوا: ((نعم)) = لا يجدون من الإقرار بذلك بدًّا، إلا أن يكذبوا فيزعموا
أنهم قد رأوا وعاينوا موصوفاً بالتدبير والفعل غير ذى لون ، فيكلفون بيان ذلك ،
ولا سبیل إليه .(١)
فيقال لهم : فإذا كان ذلك كذلك ، فما أنكرتم أن تكون الأبصار فيا شاهدتم
وعاينتم لم تجدوها تدرك إلاّ الألوان، كما لم تجدوا أنفسكم تعلم موصوفاً بالتدبير
إلا ذا لون، وقد وجدتموها علمته موصوفاً بالتدبير غير ذى لون . ثم يسألون الفرق
بين ذلك ، فلن يقولوا فى أحدهما شيئاً إلا ألزموا فى الآخر مثله .
ولأهل هذه المقالة مسائل فيها تلبيس ، كرهنا ذكرها وإطالة الكتاب بها
وبالجواب عنها ، إذ لم يكن قصدنا فى كتابنا هذا قصد الكشف عن تمويهاتهم ،
بل قصدنا فيه البيان عن تأويل آى الفرقان . ولكنا ذكرنا القدر الذى ذكرنا ،
ليعلم الناظرُ فى كتابنا هذا أنهم لا يرجعون من قولهم إلاّ إلى ما لبّس عليهم الشيطان،
مما يسهل على أهل الحق البيانُ عن فساده ، وأنهم لا يرجعون فى قولهم إلى آية من
التنزيل محكمة ، ولا رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ولا سقيمة ،
فهم فى الظلمات يخبطون ، وفى العمياء يتردّ دون، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة .
٥
٠
وأما قوله: ((وهو اللطيف الخبير))، فإنه يقول: والله تعالى ذكره المتيسر له
من إدراك الأبصار، (٢) والمتأتِى له من الإحاطة بها رؤيةُ ما يعسر على الأبصار
من إدراكها إياه وإحاطتها به ويتعذر عليها = ((الخبير))، يقول: العليم بخلقه
١
(١) فى المطبوعة: ((فيكلفوا بيان ذلك))، وفى المخطوطة: ((مدلقوا بيان ذلك))، وهى
غير مقروءة ، ولعل الصواب ما أثبت .
. (٢) فى المطبوعة: ((الميسر له))، والصواب من المخطوطة، ولم يحسن قراءتها.

٢٣
تفسير سورة الأنعام : ١٠٤،١٠٣
وأبصارهم ، والسبب الذى له تعذر عليها إدراكه ، فلطف بقدرته فهيأ أبصار خلقه
هيئة لا تدركه ، وخبرَ بعلمه كيف تدبيرها وشؤونها وما هو أصلح بخلقه ، (١)
كالذى : -
١٣٧٠٢ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال ،
حدثنا أبى = ، عن أبى جعفر الرازى، عن الربيع بن أنس ، عن أبى العالية فى
قوله: ((اللطيف الخبير))، قال: ((اللطيف)) باستخراجها = ((الخبير))،
بمكانها .
#
القول فى تأويل قوله ﴿قَدْ جَاءَ كُ بَصَلِّرُ مِن رَّبِّكُمْ
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ مَوَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بَفِيظٍ﴾ (١)
قال أبو جعفر: وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم
أن يقول لهؤلاء الذين نبَّههم بهذه الآيات من قوله(٢): ((إن اللّه فالق الحب والنوى))
إلى قوله: ((وهو اللطيف الخبير)»، على حججه عليهم ، وعلى سائر خلقه معهم، (٣)
العادلين به الأوثان والأنداد ، والمكذبين بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم
وما جاءهم من عند الله = قل لهم يا محمد: ((قد جاءكم))، أيها العادلون بالله،
(١) انظر تفسير ((الخبير)) فيما سلف من فهارس اللغة ( خبر).
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لهذه الآيات)) باللام، وصواب السياق يقتضى ما أثبت.
(٣) فى المطبوعة ((وعلى تبيين خلقه معهم))، وهو كلام لا معنى له، وهو فى المخطوطة سيء
الكتابة، وصواب قراءته ما أثبت. وقوله: ((وعلى سائر خلقه معهم))، معطوف على قوله :
((عليهم)) قبله .
وقوله: ((على حججه))، السياق: ((أن يقول لهؤلاء الذين نبههم بهذه الآيات ... على
حججه عليهم)) .
وقوله بعد: ((العادلين به الأوثان))، صفة لقوله آنفاً (أن يقول لهؤلاء الذين نبههم بهذه الآيات ... ))

٢٤
تفسير سورة الأنعام : ١٠٤
والمكذبون رسوله = (( بصائر من ربكم))، أى : ما تبصرون به الهدى من الضلال ،
والإيمان من الكفر .
...
= وهى جمع ((بصيرة))، ومنه قول الشاعر: (١)
وَبَصِيرَتِى يَعْدُو ◌ِهاَ عَتَدٌ وَأَى(٢)
◌َلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَ كْتَفِهِمْ
٠ ٠
= يعنى بالبصيرة: الحجة البيئة الظاهرة، (٣) كما : -
١٣٧٠٣ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((قد جاءكم بصائر من ربكم))، قال: ((البصائر)) الهدى، بصائر فى قلوبهم
لدينهم ، وليست ببصائر الرؤوس. وقرأ: ﴿ فَإِنَّهَاَ لَا تَفْعَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ
تَفْعَى الْقُلُوبُ الَّتِى فى الصُّدُورِ﴾، [سورة الحج: ٤٦]. وقال: إنما الدَّيِّنُ بصره
وسمعه فى هذا القلب .(٤)
٢٠٤/٧
١٣٧٠٤ -حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((قد جاءكم بصائر من ربكم)) ، أى بينة .
٥
(١) هو الأسعر الجعنى.
(٢) الأصمعيات: ٢٣ (وطبعة المعارف: ١٥٧)، والوحشيات رقم: ٥٨، المخصص
١ : ١٦٠، اللسان (بصر) (عتد) (وأى). وغيرها كثير. وهى من قصيدة عير فيها إخوته
لأبيه ، وذلك أن أباه قتل وهو غلام ، فأخذ إخوته لأبيه الدية فأكلوها ، فلما شب الأسعر ، أدرك
بثأر أبيه ، وقال قبله :
ولقد عَلِمْتُ، ◌َلَى تَجَتُّمِىَ الرَّدَى أَنَّأُ لحصُونَ الخَيْلُ لَا مَدَرُ الْقُرَى
وفسر أصحاب اللغة ((البصيرة)) هنا بأنها الدم ما لم يسل، يعنى: دماءهم فى أبدانهم، يعير
إخوته. وقال غيرهم: ((البصائر)) دم أبيهم ، يقول: تركوا دم أبيهم خلفهم ولم يثأروا به،
وطلبته أذا. و((عند)) ( بفتح العين، وفتح التاء أو كسرها): الفرس الشديد التام الخلق ، السريع
الوثبة، المعد الجرى، ليس فيه اضطراب ولارخاوة. و((الولى))، الفرس السريع الطويل المقتدر الخلق.
(٣) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢٠٣.
(٤) ((الدين)) (بتشديد الياء وكسرها): المتدين، صاحب الدين.

٢٥
تفسير سورة الأنعام: ١٠٤ ، ١٠٥
وقوله: ((فمن أبصره فلنفسه))، يقول: فمن تبين حجج الله وعرفها وأقرَّ بها،
وآمن بما دلّته عليه من توحيد الله وتصديق رسوله وما جاء به ، فإنما أصاب حظ
نفسه، ولنفسه عمل، وإياها بَغَى الخير = ((ومن عمى فعليها))، يقول: ومن لم
يستدل بها، ولم يصدق بما دلته عليه من الإيمان بالله ورسوله وتنزيله، ولكنه
عمى عن دلالتها التى تدل عليها ، يقول: فنفسَه ضر، وإليها أساء لا إلى غيرها .
٠
وأما قوله: (( وما أنا عليكم بحفيظ))، يقول: وما أنا عليكم برقيب أحصى
عليكم أعمالكم وأفعالكم ، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم، واللّه الحفيظ
عليكم ، الذى لا يخفى عليه شيء من أعمالكم .(١)
القول فى تأويل قوله ﴿وَكَذْلِكَ نُصَرِّفُ الْأَيْتِ وَلِيَقُولُواْ
دَرَسْتَ وَلِنْبَيْنَهُو لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾
١٠٥
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : كما صرفت لكم، أيها الناس، الآيات
والحجج فى هذه السورة ، وبينتها ، فعرفتكموها ،(٢) فی توحیدی وتصديق رسولى
و کتابی ووقفتكم عليها ،(٣) فکذلك أبین لكم آیاتی وحججى فى كل ما جهلتموه
فلم تعرفوه من أمرى ونهى، كما : -
١٣٧٠٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
(١) انظر تفسير ((الحفيظ)) فيما سلف ٨ : ٥٦٢.
(٢) انظر تفسير ((تصريف الآيات)) فيما سلف ١١: ٤٣٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) فى المطبوعة: ((ووصيتكم عليها))، وهو لا معنى له، صوابه فى المخطوطة، وإن كانت
سيئة الكتابة .

٢٦
تفسير سورة الأنعام : ١٠٥
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وكذلك نصرف الآيات))، لهؤلاء العادلين بربهم ،
كما صرفتها فى هذه السورة ، ولئلا يقولوا: درسْتَ .
٠
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) ، يعنى: قرأت ،
أنت ، يا محمد، بغير (ألف)).
٠
وقرأ ذلك جماعة من المتقدمين ، منهم ابن عباس ، على اختلاف عنه فيه ،
وغيرُه وجماعة من التابعين، وهو قراءة بعض قرأة أهل البصرة: ﴿وَلِيَقُولُوا دَارَ سْتَ﴾،
بألف ، بمعنى : قارأت وتعلمت من أهل الكتاب .
٠
٠٠
وروى عن قتادة: أنه كان يقرؤه: ﴿دُرِسَتْ)، بمعنى: قرئت وتليت.(١)
٠٠٠
وعن الحسن أنه كان يقرؤه: ﴿دَرَسَتْ)، بمعنى: انمحت.(٢)
٠٠
قال أبو جعفر: وأولى القراءات فى ذلك عندى بالصواب ، قراءة من قرأه :
﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ)، بتأويل: قرأتَ وتعلمت، لأن المشركين كذلك كانوا
يقولون للنبى صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر اللّه عن قيلهم ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ
◌َعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلْمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا
لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُبِينٌ﴾، [سورة النحل: ١٠٣]. فهذا خبرٌ من الله ينىء عنهم أنهم
كانوا يقولون : إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره . فإذا كان ذلك كذلك ،
فقراءة: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ)، يا محمد، بمعنى: تعلمت من أهل الكتاب، أشبهُ
(١) فى المطبوعة: ((قرأت وتليت))، وهو خطأ، والصواب ما فى المخطوطة. وانظر معانى
القرآن الفراء ١ : ٣٤٩ .
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٤٩، وفسره بقوله: ((تقادمت، أى: هذا الذى
تتلوه علينا شىء قد تطاول، ومر بنا)) .

٢٧
تفسير سورة الأنعام : ١٠٥
بالحق، وأولى بالصواب من قراءة من قرأه: ((دارسْتَ))، بمعنى: قارأتهم
وخاصمتهم ، وغير ذلك من القراءات .
٠٠
٠
واختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك ، على قدر اختلاف القرأة فى قراءته .(١)
. ذكر من قرأ ذلك: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾، من المتقدمين،
وتأوله بمعنى : تعلمت وقرأت .
١٣٧٠٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح قال ، حدثنى على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( وليقولوا
درست)) ، قالوا : قرأت وتعلمت . تقول ذلك قريش .
١٣٧٠٧ - حدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل ، عن
أبى يحيى ، عن مجاهد: ((وليقولوا درست))، قال: قرأت وتعلمت .
١٣٧٠٨ -حدثنا هناد قال،حدثنا و کیع = وحدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا
أبى = ، عن إسرائيل وافقه، عن أبى إسحق، عن التميمى ، عن ابن عباس: ٢٠٥/٧
(وليقولوا درست))، قال: قرأت وتعلمت .
١٣٧٠٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وليقولوا درست))، يقول : قرأت الكتب.
١٣٧١٠ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول ،
حدثنى عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((درست)) ، يقول :
تعلمت وقرأت .
١٣٧١١ - حدثنا أبو کریب قال،حدثنا ابنعطية قال، حدثنا إسرائیل،
عن أبى إسحق ، عن التميمى قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله: ((درست))؟
قال : قرأت وتعلمت .
(١) انظر تفسير ((الدرس)) فيما سلف ٦ : ٥٤٤ - ٥٤٦ .

٢٨
تفسير سورة الأنعام : ١٠٥
١٣٧١٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبى
إسحق ، عن التميمى ، عن ابن عباس ، مثله .
٠٠٠
• ذكر من قرأ ذلك: (دَارَسْتَ﴾، وتأوله بمعنى: جادلت ،
من المتقدمين .
١٣٧١٣ - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث، عن حميد ،
عن مجاهد، عن ابن عباس: ((دارست))، يقول: قارأت.
١٣٧١٤ - حدثی یعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ،عن سعيد
ابن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: ﴿ وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ)، أحسبه قال:
قارأت أهل الكتاب .
١٣٧١٥ -حدثی محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا
سفيان، عن أبى إسحق، عن التميمى، عن ابن عباس: ((وليقولوا دارست))،
قال : قارأت وتعلمت .
١٣٧١٦ -حدثنا محمد بن المثی قال، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا
شعبة ، عن أبى إسحق قال ، سمعت التميمى يقول : سألت ابن عباس عن قوله :
((وليقولوا دارست))، قال: قارأت وتعلَّمت .
١٣٧١٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية، عن أبى المعلى ، عن
سعيد بن جبير قال ، كان ابن عباس يقرؤها: ﴿ دَارَسْتَ﴾.
١٣٧١٨ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا آدم العسقلانى قال ، حدثنا شعبة
قال ، حدثنا أبو المعلى قال ، سمعت سعيد بن جبير يقول : كان ابن عباس
يقرأ: (دَارَسْتَ)، بالألف ، بجزم السين ، ونصب التاء.
١٣٧١٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
ابن عيينة ، عن عمرو بن دینار قال ، أخبرنى عمرو بن کیسان : أن ابن عباس

تفسير سورة الأنعام ١٠٥
كان يقرأ: (دَارَسْتَ)، تلوت ، خاصمت ، جادلت .
١٣٧٢٠ - حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا ، حدثنا سفيان بن عيينة ،
عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن كيسان، قال ابن عباس فى: (( دارست)»،
قال : تلوت ، خاصمت ، جادلت .
١٣٧٢١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير فى هذه الآية: ((وليقولوا دارست))،
قال : قارأت .
١٣٧٢٢ - حدثی المثی قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا شعبة قال ، حدثنا
أبو بشر، عن سعيد بن جبير أنه قرأ: ( دَارَ سْتَ﴾، بالألف أيضاً، منتصبة التاء،
وقال : قارأت .
١٣٧٢٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا أبو عوانة ،
عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير أنه قرأ: (دَارَسْتَ)، أى : ناسخت.
١٣٧٢٤ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((دارست))))، قال:
فاقهت ، قرأت على يهود ، وقرأوا عليك .
١٣٧٢٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وليقولوا دارست))، قال: قارأت، قرأت على
يهود ، وقرأوا عليك .
١٣٧٢٦ - حدثنى المثى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ،
عن جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((دارست))، يعنى، أهل الكتاب.
١٣٧٢٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن أبى نجيح ،
عن مجاهد: ((دارست))، قال : قرأت على يهود ، وقرأوا عليك .
١٣٧٢٨ - حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی أبى قال، حدثنى عى ٢٠٦/٧

٣٠
تفسير سورة الأنعام : ١٠٥
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس فى قوله: (( وليقولوا دارست))،
قال : قالوا : دارستَ أهل الكتاب ، وقرأت الكتب وتعلَّمتها .
• ذكر من قرأ ذلك: (دُرِسَتْ) بمعنى: تُليت وقُرِئت، (١)
على وجه ما لم يسمّ فاعله .
١٣٧٢٩ - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد
قال ، حدثنا الحسين المعلم وسعيد، عن قتادة: (( وكذلك نصرف الآيات وليقولوا
دُرِسَتْ))، أى: قرئت وتعلمت .
١٣٧٣٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال،حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر قال، قال قتادة: ((دُرِست))، قرئت = وفى حرف ابن مسعود: (دَرَسَ﴾.
٠
٠٠
• ذكر من قرأ ذلك، (دَرَسَتْ)، بمعنى: انمحت وتقادمت،
أى : هذا الذى تتلوه علينا قد مرَّ بنا قديماً ، وتطاولت مدته .(٢)
١٣٧٣١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قال : كان الحسن يقرأ: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسَتْ)، أى: انمحت .
١٣٧٣٢ - حدثی المثی قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة قال ، حدثنا
أبو إسحق الهمدانى قال: فى قراءة ابن مسعود: (دَرَسَتْ)، بغير ألف، بنصب
السين ، ووقف التاء . (٣)
١٣٧٣٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال : سمعت ابن الزبير يقول : إن صبياناً ههنا
يقرأون: (دَارَسْتَ)، وإنما هى: (دَرَسَتْ).
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((نبئت))، وهو خطأ محض، صوابه ما أثبت، كما سلف،
ص : ٢٦ س : ٠٩
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٤٩.
(٣) ((الوقف)) فى اصطلاحهم قديماً، هو ((السكون)) عند النحويين.

٣١
تفسير سورة الأنعام : ١٠٥
٠٠
١٣٧٣٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر قال: قال الحسن، ((وليقولوا دَرَست)): يقول: تقادمت وانمحت.
وقرأ ذلك آخرون: ( دَرَسَ): من ((درس الشىء))، تلاه .
٥
١٣٧٣٥ - حدثنى أحمد بن يوسف الثعلبى قال، حدثنا أبو عبيدة قال،
حدثنا حجاج ، عن هرون قال : هى فى حرف أبي بن كعب وابن مسعود :
﴿ وَ لِيَقُولُواْ دَرَسَ)، قال: يعنى النبى صلى الله عليه وسلم، قرأ.
وإنما جاز أن يقال مرة: ((دَرَسْتَ))، ومرة: ((دَرَسَ))، فيخاطب مرة،
ويخبر مرة ، من أجل القول .
قال أبو جعفر : وقد بينا أولى هذه القراآت فى ذلك الصواب عندنا ، والدلالة
على صحة ما اخترنا منها .
وأما تأويل قوله: ((ولنبينه لقوم يعلمون))، يقول تعالى ذكره : كما صرفنا
الآيات والعبر والحجج فى هذه السورة لهؤلاء العادلين بربهم الآلهة والأنداد ،
كذلك نصرف لهم الآيات فى غيرها، كيلا يقولوا لرسولنا الذى أرسلناه إليهم: ((إنما
تعلمت ما تأتينا به تتلوه علينا من أهل الكتاب )) ، فيتزجروا عن تكذيبهم إياه ،
وتقوّلهم عليه الإفك والزور ، ولنبين بتصريفنا الآيات الحقَّ، لقوم يعلمون الحق إذا
تبيّن لهم فيتبعوه ويقبلوه، وليسوا كمن إذا بُيِّنلهم ◌َمُوا عنه فلم يعقلوه ، وازدادوا
من الفهم له بعداً .(١)
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((من الفهم به))، والسياق يقتضى ما أثبت.

٣٢
تفسير سورة الأنعام : ١٠٧،١٠٦
القول فى تأويل قوله ﴿أَتَّبِحْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن
رَّبَكَ لَ إِلَّهَ إِلَّهُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: اتبع،
یا محمد ، ما أمرك به ربك فی وحیه الذی أوحاه إليك ، فاعمل به ، وانزجر عما
زجرك عنه فيه ، ودع ما يدعوك إليه مشركو قومك من عبادة الأوثان والأصنام ،
فإنه لا إله إلا هو. يقول: لا معبود يستحق عليك إخلاص العبادة له إلاّ اللّه
الذى هو فالق الحب والنوى ، وفالق الإصباح، وجاعلُ الليل سكناً، والشمسَ
والقمر حسباناً = ((وأعرض عن المشركين))، يقول: ودع عنك جدالهم وخصومتهم.(١)
ثم نسخ ذلك جل ثناؤه بقوله فى براءة: ﴿ أَفْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾،
الآية، [ سورة التوبة: ٥]، كما :-
١٣٧٣٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس : أما قوله :
((وأعرض عن المشركين)) ونحوه، مما أمر الله المؤمنين بالعفو عن المشركين ،
فإنه نسخ ذلك قوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
٢٠٧/٧
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا
جَلْتُكَ عَلَيْهِمْ حَقِيظًا وَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِمِ بِوَكِيلٍ ﴾ (٦)
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أعرض
عن هؤلاء المشركين بالله، ودع عنك جدالهم وخصومتهم ومسابتهم = ((ولو شاء
(١) انظر تفسير ((أعرض)) فيما سلف ١١: ٤٢٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٣٣
تفسير سورة الأنعام : ١٠٧ ، ١٠٨
الله ما أشركوا))، يقول: لو أراد ربُّك هدايتهم واستنقاذهم من ضلالتهم، للطف
لهم بتفيوقه إياهم فلم يشركوا به شيئاً ، ولآمنوا بك فاتبعوك وصدّقوا ما جئتهم به من
الحق من عند ربك = ((وما جعلناك عليهم حفيظاً))، يقولُ جل ثناؤه: وإنما بعثتك إليهم
رسولاً مبلِّغّاً ، ولم نبحثك حافظاً عليهم ما هم عاملوه ، تحصى ذلك عليهم ، فإن
ذلك إلينا دونك(١) = ((وما أنت عليهم بوكيل))، يقول: ولست عليهم بقيم تقوم
بأرزاقهم وأقواتهم ولا بحفظهم، فما لم يُجْعل إليك حفظه من أمرهم. (٢)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٣٧٣٧- حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: (( ولو شاء الله
ما أشركوا )) ، يقول سبحانه : لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين .
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَا تَسُبُواْ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن
دُونِ اللهِ فَيَسُبُواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين
به : ولا تسبُوا الذين يدعو المشركون من دون الله من الآلهة والأنداد ، فيسبَّ
المشركون اللّهَ جهلاً منهم بربهم ، واعتداءَ بغير علم ، كما : -
١٣٧٣٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((ولا تسبوا الذين
(١) انظر تفسير ((حفيظ)) فيما سلف ص: ٢٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((وكيل)) فيما سلف ص: ١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
ج ١٢ (٣)

٣٤
تفسير سورة الأنعام : ١٠٨
يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ))، قال : قالوا : يا محمد ، لتنتهين
عن سبِّ آلهتنا، أو لنهجوَنَّ ربك! فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله
عدوًا بغير علم .
١٣٧٣٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: (( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم))،
كان المسلمون يسبون أوثان الكفار، فيردّون ذلك عليهم، فنهاهم الله أن يستسِبُوا
لربهم ، (١) فإنهم قومٌ جهلة لا علم لهم بالله .
١٣٧٤٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون اللّه فيسبوا الله
عدوًا بغير علم )) ، قال : لما حضر أبا طالب الموتُ ، قالت قريش : انطلقوا بنا
فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه ، فإنا نستحى أن نقتله بعد
موته، فتقول العرب: ((كان يمنعه، فلما مات قتلوه ))! فانطلق أبو سفيان ،
وأبو جهل ، والتضر بن الحارث ، وأمية وأبىّ ابنا خلف ، وعقبة بن أبي معيط ،
وعمرو بن العاص، والأسود بن البخترى، وبعثوا رجلاً منهم يقال له: ((المطلب))،
قالوا: استأذن على أبى طالب! فأتى أبا طالب فقال : هؤلاء مشيخة قومك يريدون
الدخولَ عليك ! فأذن لهم ، فدخلوا عليه فقالوا : يا أبا طالب ، أنت كبيرنا
وسيدنا ، وإنّ محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا ، فنحبّ أن تدعوه فتهاهُ عن ذكر
آلهتنا، ولندَعنْه وإلهه! فدعاه، فجاء فى اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال له
أبو طالب : هؤلاء قومك وبنو عمك! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما
تريدون ؟ قالوا : نريد أن تدعنا وآلهتنا ، وندعك وإلهك ! قال له أبو طالب :
(١) ((استسب له))، عرضه للسب وجره إليه. وفى حديث أبى هريرة: ﴿لَّا تمشِيَنَّ أَمَامَ
أَبِيكَ، ولا تجلِسْ قَبْلَهُ، ولا تَدْعُهُ باسمه، ولا تَسْتَسِبَّ لهُ﴾، أى: لا تعرضه للسب
وتجره إليه ، بأن تسب أبا غيرك ، فيسب أباك مجازاة لك ، وهذا أدب يفتقده الناس يوماً بعد يوم .

٣٥
تفسير سورة الأنعام : ١٠٨
قد أنصفك قومك ، فاقبل منهم ! فقال النبى صلى الله عليه وسلم : أرأيتم إن
أعطيتكم هذا ، هل أنتم معطىَّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ، ودانت لكم ٢٠٨/٧
بها العجم، وأدّت لكم الخراج ؟(١) قال أبو جهل: نعم وأبيك، لنعطينكها وعشر
أمثالها، فماهى؟ قال: قولوا: (( لا إله إلا اللّه))! فأبوا واشمأزُّوا. قال أبو طالب:
يا ابن أخى ، قل غيرها ، فإن قومك قد فزعوا منها ! قال : يا عم ، ما أنا بالذى
أقول غيرها حتى يأتونى بالشمس فيضعوها فى يدىّ، (٢) ولو أتونى بالشمس فوضعوها
فى يدىّ ما قلت غيرها! إرادةَ أن يُؤْيسهم، فغضبوا وقالوا: لتكفّنَّ عن شتمك
آلهتنا، أولنشتمنك ولنشتمن من يأمرك. فذلك قوله: ((فيسبوا الله عدواً بغير علم)).
١٣٧٤١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن قتادة قال : كان المسلمون يسبون أصنام الكفار ، فيسب الكفار
الله عدواً بغير علم، فأنزل الله: ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله
الله عدواً بغير علم ».
١٣٧٤٢ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قالابن زيد فی
قوله: ((فيسبوا الله عدواً بغير علم))، قال: إذا سببت إلهه سبَّ إلهك ، فلا
تسبوا آلهتهم .
قال أبو جعفر: وأجمعت الحجة من قرأة الأمصار على قراءة ذلك : (٣)
﴿فَيَسُبُوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرٍ عِلْمٍ)، بفتح العين، وتسكين الدال، وتخفيف الواو من
قوله: ((عدواً))، على أنه مصدر من قول القائل: ((عدا فلان على فلان))،
(١) فى المطبوعة: ((ودانت لكم بها العجم بالخراج))، وفى المخطوطة: ((ودانت لكم بها العجم
الحراح)) غير منقوطة، وفى تفسير ابن كثير ٣: ٣٧٤، ما أثبته، وهو الصواب إن شاء الله.
(٢) فى المطبوعة: ((حتى يأتوا بالشمس))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((وأجمعت الأمة من قراء الأمصار))، لم يحسن قراءة ما فى المخطوطة.

٣٦
تفسير سورة الأنعام : ١٠٨
إذا ظلمه واعتدى عليه، ((يعدو عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْ واناً)). و((الاعتداء))، إنما هو:
(( افتعال))، من ذلك.(١)
#
#
روى عن الحسن البصرى أنه كان يقرأ ذلك: ﴿عُدُوًّا) مشددة الواو.
١٣٧٤٣ - حدثنى بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام
قال ، حدثنا حجاج، عن هرون، عن عثمان بن سعد: ﴿ فَيَسُبُّوا اللهَ عُدُوًّا)،
مضمومة العين ، مثقّلة . (٢)
#
وقد ذكر عن بعض البصريين أنه قرأ ذلك(٣): ﴿ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدُوًّا)، يوجِّه
تأويله إلى أنهم جماعة، كما قال جل ثناؤه: ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّلِ إِلَّ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،
[ سورة الشعراء: ٧٧]، وكما قال: ﴿إِلاَ تَتَّخِذُ واعَدُوِّى وَعَدُوَّ كُمْ أَوْ لِيَاءَ﴾، [سورة الممتحنة: ١]،
ويجعل نصب ((العدوّ)) حينئذ على الحال من ذكر ((المشركين)) فى قوله: ((فيسبوا))،
=فيكون تأويل الكلام: ولا تسبوا، أيها المؤمنون، الذين يدعو المشركون من دون الله،
فيسب المشركون اللّه، أعداء الله، بغير علم . وإذا كان التأويل هكذا، كان
((العدوّ))، من صفة ((المشركين)) ونعتهم، كأنه قيل: فيسب المشركون أعداء اللّه،
بغير علم- ولكن (العدوّ)) لما خرج مخرج النكرة وهو نعت للمعرفة، نصب على الحال.
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندى فى ذلك، قراءةُ من قرأ بفتح
العين وتخفيف الواو ، لإجماع الحجة من القرأة على قراءة ذلك كذلك . وغير
جائز خلافُها فيما جاءت به مجمعة عليه . (٤)
٠٠٠
(١) انظر تفسير ((عدا)) فيما سلف ١٠: ٥٢٢، تعليق: ١، والمراجع هناك ..
(٢) الأثر: ١٣٧٤٣ - ((عثمان بن سعد التميمى))، أبو بكر الكاتب المعلم. روى عن
أنس، والحسن والبصرى ، وابن سيرين ، وعكرمة ، ومجاهد . تكلموا فيه . مترجم فى التهذيب.
(٣) نسبها ابن خالويه فى شواذ القراءات: ٤٠، إلى بعض المكيين، ولم يبينه. وقال أبو حيان
فى تفسيره ٤: ٢٠٠ ((وقال ابن عطية: وقرأ بعض المكيين، وعينه الزمخشرى فقال: عن ابن كثير)).
(٤) فى المطبوعة أسقط ((به))، وهى ثابتة فى المخطوطة.

٣٧
تفسير سورة الأنعام : ١٠٨ ، ١٠٩
القول فى تأويل قوله ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلّ أُمّةٍ عَمَلَهُمْ
ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِتَّهُم بِمَ كَانُواْ يَسَلُونَ) (3)
يقول تعالى ذكره: كما زيّنا لهؤلاء العادلين بربهم الأوثَانَ والأصنام، عبادة
الأوثان وطاعةَ الشيطان بخذلاننا إيتاهم عن طاعة الرحمن، (١) كذلك زيّنًا لكل
جماعةٍ اجتمعت على عملٍ من الأعمال من طاعة الله ومعصيته ، عملتَهم الذى هم
عليه مجتمعون ، (٢) ثم مرجعهم بعد ذلك ومصيرهم إلى ربهم (٣) = ((فينبئهم بما كانوا
يعملون)). يقول: فيُوقفهم ويخبرهم بأعمالهم التى كانوا يعملون بها فى الدنيا، (٤)
ثم يجازيهم بها، إن كان خيراً فخيراً، وإن كان شرًّا فشرًّا، أو يعفو بفضله، ما لم
يكن شركاً أو كفراً .
القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَقَْمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيَسْنِمْ لَبِنْ
بَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنََّ الْأَيْتُ عِنْدَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ
أَنَّهَآَ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
٢٠٩/٧
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وحلف بالله هؤلاء العادلون باللّه جهد
حَلِفِهم، وذلك أوكدُ ما قدروا عليه من الأيمان وأصعبها وأشدّ ما (٥)= ((لئن جاءتهم
(١) انظر تفسير ((زين)) فيما سلف ١١: ٣٥٧
(٢) انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف ١١: ٣٥٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((المرجع)) فيما سلف ١١ : ٤٠٧، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((أنبأ) فيما سلف ١١: ٤٣٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) انظر ((أقسم)) و((جهد أيمانهم)) فيما سلف ١٠: ٤٠٧ - ٤٠٩، ولم يفسرهما.

٣٨
، تفسير سورة الأنعام : ١٠٩
آبة » ، يقول : قالوا: نقسم بالله لْن جاءتنا آية تصدّقما تقول ، یا محمد، مثل
الذى جاء مَنْ قبلنا من الأمم= ((ليؤمن بها))، يقول: قالوا : لنصدقن بمجيتها بك،
وأنك اللّه رسولٌ مرسل، وأنّ ما جئتنا به حقٌّ من عند الله .
وقيل: ((ليؤمن بها))، فأخرج الخبر عن ((الآية))، والمعنى لمجىء الآية .
يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((قل إنما الآيات عند الله))، وهو القادر على
إتيانكم بها دون كل أحد من خلقه = (( وما يشعركم))، يقول: وما يدريكم(١)=
((أنها إذا جاءت لا يؤمنون))؟
٠
#
وذكر أن الذين سألوه الآية من قومه ، هم الذين آيس اللّه نبيّه من إيمانهم
من مشرکی قومه .
#
#
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٧٤٤ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((لئن جاءتهم آية ليؤمنن
بها))، إلى قوله: ((يجهلون))، سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم
بآية ، واستحلفهم : ليؤمننّ بها .
١٣٧٤٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن نجيح: ((لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها)»، ثم ذكر مثله .
١٣٧٤٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بکیر قال، حدثنا أبو معشر،
عن محمد بن كعب القرظى قال: كلّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قريشاً، (٢)
٢١٠/٧
(١) انظر تفسير ((أشعر)) فيما سلف ١١: ٣١٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
وانظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢٠٤ .
(٢) فى المطبوعة: ((قريش)) بالرفع، والصواب من المخطوطة.

٣٩
تفسير سورة الأنعام : ١٠٩
فقالوا : يا محمد ، تخبرنا أن موسى كان معه عصاً يضرب بها الحجر فانفجرت
منه اثنتا عشرة عيناً ، وتخبرنا أنّ عيسى كان يحيى المولى، وتخبرنا أن ثَمُود كانت
لهم ناقة ، فأتنا بشىء من الآيات حتى نصدقك ! فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
أىَّ شىء تحبُّون أن آتيكم به؟ قالوا: تجعَلُ لنا الصَّفَا ذهباً. فقال لهم: فإن
فعلت تصدقونى؟ قالوا: نعم واللّه، لئن فعلت لنتبعنّك أجمعين! (١) فقام رسول
الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل عليه السلام فقال له: لك ما شئت، (٢)
إن شئتَ أصبح ذهباً ، ولئن أرسل آيةً فلم يصدقوا عند ذلك لنعذبنَّهم ، وإن
شئت فأنْدِ حْهُم حتى يتوب تائبهم . (٣) فقال: بل يتوب تائبهم . فأنزل الله:
((وأقسموا بالله)) إلى قوله: ((يجهلون)).
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا يُشْبِرُ كُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى المخاطبين بقوله: (( وما يشعركم
أنها إذا جاءت لا يؤمنون)).
فقال بعضهم: خوطب بقوله: ((وما يشعركم)) المشركون المقسمون بالله،
(١) فى المطبوعة: ((أجمعون))، والصواب من المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة أسقط ((له))، وهى فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((فاتركهم حتى يتوب تائبهم))، وفى المخطوطة: ((ما رحهم))، غير
منقوطة، ورجحت أن صواب قراءتها ما أثبت ، وإن كنت لم أجد هذا الحرف فى كتب اللغة ،
وهو عندى من قولهم: ((فدحت الشىء ندماً))، إذ أوسعته وأفسحته، ومنه قيل: ((إن لك فى هذا
الأمر فدحة)) (بضم النون وفتحها وسكون الدال) و ((مندوحة))، أى: سعة وفسحة. فقوله:
((أندحهم))، أى: أفسح لهم، واجعل لهم مندوحة فى هذا الأمر حتى يتوب تائبهم . وهو حق
المعنى إن شاء اللّه، والقياس يعين عليه.

٤٠
تفسير سورة الأنعام : ١٠٩
لئن جاءتهم آية ليؤمنن = وانتهى الخبر عند قوله: ((وما يشعركم))، ثم استؤنف
٢١١/٧ الحكم عليهم بأنهم لا يؤمنون عند مجيئها استئنافاً مبتدأ .
#
#
ذكر من قال ذلك :
١٣٧٤٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وما يشعركم))، قال :
ما يدريكم . قال : ثم أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون .
١٣٧٤٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وما يشعركم))، وما يدريكم = ((إنها إذا
جاءت )) ، قال: أوجب عليهم أنها إذا جاءت لا يؤمنون .
١٣٧٤٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، سمعت عبد الله بن
يزيد يقول: ((إنما الآيات عند الله))، ثم يستأنف فيقول: إنها إذا جاءت
لا يؤمنون .
١٣٧٥٠ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج،عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((إنما الآيات عند الله وما يشعركم))، وما يدريكم
أنكم تؤمنون إذا جاءت . ثم استقبل يخبر عنهم فقال: إذا جاءت لا يؤمنون .
...
وعلى هذا التأويل قراءةُ من قرأ ذلك بكسر ألف ﴿ إِنَّهَا) ، على أن قوله:
﴿إِنَّهَ إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُون)، خبر مبتدأ منقطعٌ عن الأول.
٠
ومن قرأ ذلك كذلك ، بعضُ قرأة المكيين والبصريين.
٠
وقال آخرون منهم: بل ذلك خطابٌ من اللّه نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه.
قالوا : وذلك أنّ الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتى بآية، المؤمنون
٢١٢/٧ به. قالوا: وإنما كان سببَ مسألتهم إيّاه ذلك، أنّ المشركين حَلَفوا أنّ الآية