النص المفهرس

صفحات 1-20

تراث الإسلام
تفسير الطبرى
جَامِعُ البيان عَن تأويل آَى القرآن
لأبو جعفر محمد بن جرير الطبرى
٢٢٤ - ٣١٠ هـ
١٢
حَقَقَهُ وَخَرَّجْ أَحَادِثَّه
محمود محمد شاكر
رَاجَعَ أحَادِيثُه
أحمد محمد شاكر
الناشر
مكتبة ابن تيمية
القاهرة ت ٨٦٤٢٤٠

تفسير الطبرى

الجزء الثَّانِ عَبَّةُ
فیه
تفسير سورة الأنعام
من ١٠٠ - ١٦٥
وتفسير سورة الأعراف
من ١ - ١٠٠
والآثار من : ١٣٦٨٠ - ١٤٩٠٠

◌ِهُ الرَِّ الرََّيْهِ
الحمدُ لله باسطِ الرَّحْمة على العُصَاةِ من خَلْقْه، وقابِضِ النّقْمة عن
السُّفَاةِ فى أرضه، يُمهلهم حتى يتوبَ عاصِيهِمْ من مَعْصيتِهِ ، وحتّى ينزع
طَاغيهم عن طُغْيَانِهِ، وأعدَّ لمنْ تابَ مِنْهم مغفرةٌ تُنْجيه من عقابه ،
وثوابًاً يُدْخله فى رضوانِهِ .
وصلى الله على محمدٍ عبدِهِ ورسولِهِ، آتَاه ربُّهُ ما لم يُؤْتِ أحدًا من
العالَمِينِ، فِيسَّر له بلسَانِهِ كتاباً لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا
من خلفِهِ ، وجعل تِلاوتَ قُرْبَى إليه، وتدبُّرَه هاديًا إلى الحقّ ، وبَيَانَهَ
منزلةً من منازلٍ أهل الجنّة .
فالحمدُ لله الذى جعلنَا لنبّه تَبَعاً ، وجعل لنا فى تِلاوَة كتابه بلسانِه
نَصِيبًا، والحمدُ لله الذى شرَّفَنَا بالمشاركة فى تدبُّر آياتِهِ، وَكرَّمنا بسبب
من أسباب بيانه .
اللهم ثبِّت قَدَمى حيث تزلُّ الأقدامُ ، وأنِرْ بَصيرتى حيث تعَى
البصائر، وأيّدِّنى بِحَوْلك حيث تتشَعَثُ قُوَّة الأقوياء ، اللهم اجعل عزيمتى
إليك ماضِية بلَا عِثار، واجعل قلبى خالصاً لك بِلاَ تردُّدٍ، وهَبْ لى
من لدُنْك مَعرِفَةً تُدْنينى من أهلِ رضوانك، ويسِّرْ لى بَاباً يُفضِى بِى
إلى الخير الذى عندك .

٦
اللهمّ إنى ضعيفٌ فقوِّنى بحولك وقوَّتك، وضَائِعٌ فاجْمع شَتانِى
بالمأمولِ من هدايتِك، وغافِلٌ فَأيْقُظ قَلْى بزَوَاجِرِ الخيرِ من رحمتك ،
ومُنكِرٌ نفسِى فارفعْ خَسِيسِ بفواضِلِ البرّ التى قَامَتْ بها سَمَواتُك . لا إله
إلا أنتَ ، لا شريكَ لك فى ملكك، ولا منازعَ لكَ فى سلطانك.
اللهمّ أنت ربِى وأنا عبدُك، لا أستشفِع إليك إلا بكَ، لا أخافُ
أحدًا غيرك ، ولا أرضَى ربًّا سِواك ، فاغفر لى خطيئى ، وقنى شرَّ
نَفْسِ، وخُذْنِى إلى مرضاتك، ولا تجعلْ لأحدٍ من خلقِك سلطاناً علىَّ،
مالكَ الملك تُؤْتِى الملك من تشاء وتَنْزِعُ الملك ممن تشاء، وتعزُّ من تشاء
وتذلُّ من تَشَاءِ ، بيدك الخيرُ ، إنَّك على كُلّ شىءٍ قديرٌ .
محمود محمد شاكر

القول فى تأويل قوله ﴿وَجَمَلُوا لِ شُرَّكَآءَ آلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ
وَخَرَّقُواْ لَهُو يَنِيْنَ وَبَقْتٍ بِغَيْرِ عِلْمِ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : وجعل هؤلاء العادلون بربهم الآلهة"
والأندادَ، للشركاء، الجنَّ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بِيْنَ اُلْحِنَّةِ نَسَباً﴾،
[سورة الصافات: ١٥٨].
وفى ((الجن)) وجهان من النصب .
#
أحدهما: أن يكون تفسيراً للشركاء .(١)
والآخر : أن يكون معنى الكلام : وجعلوا لله الجن شركاء ، وهو خالقهم.
واختلفوا فى قراءة قوله: ((وخلقهم)).
فقرأته قرأة الأمصار: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾، على معنى أن اللّه خلقهم، منفرداً
بخلقه إياهم . (٢)
#
وذ کر عن یحیی بن یعمر ما :-
١٣٦٨٠ - حدثنى به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال ،
حدثنا حجاج ، عن هرون ، عن واصل مولى أبى عيينة ، عن يحيى بن عقيل ،
عن يحيى بن يعمر : أنه قال: ﴿ شُرَّكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ .
(١) ((التفسير))، هو البدل.
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٤٨.
٧

تفسير سورة الأنعام : ١٠٠
يجزم ((اللام)) بمعنى أنهم قالوا: إنّ الجنّ شركاء الله فى خلقه إيّانا.
٠ ٠٠
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب ، قراءة من قرأ ذلك: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾،
الإجماع الحجة من القرأة عليها .
وأما قوله: ((وخرقوا له بنين وبنات بغير علم))، فإنه يعنى بقوله: ((خرقوا)).
٠ ٠
اختلقوا .
يقال: ((اختلق فلان على فلان كذباً)) و((اخترقه))، إذا افتعله وافتراه. (١)
#
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٦٨١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية ،
عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله : وجعلوا لله شركاء الجن والله
خلقهم = ((وخرقوا له بنين وبنات )) ، يعنى أنهم تخرَّصوا.
١٣٦٨٢ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( وخرقوا له بنين وبنات
بغير علم)) ، قال : جعلوا له بنين وبنات بغير علم .
١٣٦٨٣ -حدثی محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم)) ،
قال : کذبوا .
١٣٦٨٤ -حدثی المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
١٣٦٨٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٤٨، وبجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢٠٣.

٩
تفسير سورة الأنعام : ١٠٠
قوله: ((وجعلوا لله شركاء الجن))، كذبوا= ((سبحانه وتعالىعما يصفون ))، عما
يكذبون . أما العرب فجعلوا له البنات ، ولهم ما يشتهون من الغلمان = وأما اليهود
فجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرُون.(١)
١٣٦٨٦ -- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((وخرقوا له بنين وبنات بغير علم))، قال : خرصوا له
بنين وبنات .
١٣٦٨٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وخرقوا له بنين وبنات بغير علم))، يقول: قطعوا ١٩٨/٧
له بنين وبنات . (٢) قالت العرب: الملائكة بنات اللّه = وقالت اليهود والنصاري:
المسيح وعزير ابنا اللّه .
١٣٦٨٨ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فی
قوله: ((وخرقوا له بنين وبنات بغير عام))، قال: «خرقوا)) ، کذبوا ، لم یکن
اللّه بنون ولا بنات = قالت النصارى: المسيح ابن اللّه = وقال المشركون: الملائكة
بنات اللّه = فكلٌّ خرقوا الكذب، ((وخرقوا))، اخترقوا .
١٣٦٨٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((وجعلوا لله شركاء الجن))، قال قول: الزنادقة = ((وخرقوا له))،
قال ابن جريج ، قال مجاهد: ((خرقوا))، كذبوا .
١٣٦٩٠ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن جويبر ، عن
الضحاك: ((وخرقوا له بنين وبنات))، قال : وصفوا له .
١٣٦٩١ -حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث، عن أبىعمرو :
(١) اقرأ آية سورة الصافات : ١٥٨.
(٢) هكذا جاء فى المخطوطة والمطبوعة: ((قطعوا)) بمعنى: اختلقوا وادعوا ونسبوا، ولم أجد
هذا المجاز فى شىء من كتب اللغة ، فإن صح ، وهو عندى قريب الصحة ، فهو بالمعنى الذى ذكرت .
إلا أن يكون محرفاً عن شىء لم أتبينه .

١٠
تفسير سورة الأنعام : ١٠٠
((وخرقوا له بنين وبنات))، قال : تفسيرها : وكذبوا.
٠
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذاً : وجعلوا لله الجنَّ شركاءَ فى عبادتهم
إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير = « وخرقوا له بنين
وبنات))، يقول: وتخرَّصوا الله كذباً، فافتعلوا له بنين وبنات ، بغير علم منهم
بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلاً بالله وبعظمته ، وأنه لا ينبغى لمن كان إلهاً أن يكون
له بنون وبنات ولا صاحبة ، ولا أن يشركه فى خلقه شريك .
١٠٠
القول فى تأويل قوله {سُبْحَنَّهُ، وَتَعَلَى ◌َمَّا يَصِفُونَ﴾(
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : تنزه الله، (١) وعلا فارتفع عن الذى
يصفه به هؤلاء الجهلة من خلقه ، فى ادّعائهم له شركاء من الجن ، واختراقهم
له بنين وبنات ، وذلك لا ينبغى أن يكون من صفته ، لأن ذلك من صفة خلقه
الذين يكون منهم الجماع الذى يحدث عنه الأولاد ، والذين تضطرّهم لضعفهم
الشهواتُ إلى اتخاذ الصاحبة لقضاء اللذات ، وليس اللّه تعالى ذكره بالعاجز
فيضطره شىء إلى شىء ، ولا بالضعيف المحتاج فتدعوه حاجته إلى النساء إلى اتخاذ
صاحبة لقضاء لذة .
٥
وقوله: ((تعالى))، ((تفاعل)) من ((العلوّ))، والارتفاع. (٢)
#
٠ ٠
وروى عن قتادة فى تأويل قوله: (( عما يصفون)) ، أنه : يكذبون.
١٣٦٩٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(١) انظر تفسير ((سبحان)) فيما سلف ١١: ٢٣٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الملو)) فيما سلف ٥ : ٤٠٥.

١١
تفسير سورة الأنعام : ١٠٠، ١٠١
( سبحانه وتعالى عما يصفون ))، عما يكذبون .
٠
وأحسب أن قتادة عنى بتأويله ذلك كذلك ، أنهم يكذبون فى وصفهم الله
بما كانوا يصفونه به، من ادعائهم له بنين وبنات= لا أنه وجه تأويل ((الوصف )»،
إلى الكذب .
٠
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ بَدِيعُ السَُّوَّتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى
يَكُونُ لَهُو ◌َلٌَّ وَلَمْ تَكُن لَّهُوُ صَحِبَةٌ)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : اللّه، الذى جعل هؤلاء الكفرة به له الجنّ
شركاءَ، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم = ((بديع السموات والأرض))، يعنى:
مبتدعها ومحدثها وموجدها بعد أن لم تكن ، (١) كما : -
١٣٦٩٣ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد فی
قوله: ((بديع السموات والأرض ))، قال : هو الذى ابتدع خلقهما جل جلاله ،
فخلقهما ولم يكونا شيئاً قبله .
= ((أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة))، والولد إنما يكون من الذكر من
الأنثى ، ولا ينبغى أن يكون لله سبحانه صاحبة ، فيكون له ولد . وذلك أنه هو
الذى خلق كل شىء. يقول: فإذا كان لا شىء إلا اللّهُ خلقه، فأنّ يكون لله
ولد ، ولم تکن له صاحبة فیکون له منها ولد ؟
٠
٠
(١) انظر تفسير ((بديع)) فيما سلف ٢ : ٥٤٠

١٢
تفسير سورة الأنعام : ١٠١، ١٠٢
القول فى تأويل قوله ﴿وَخَلَقَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمْ)
١٠١
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والله خلق كل شىء، ولا خالق سواه.
وكلّ ما تدَّعون، أيها العادلون بالله الأوثان من دونه، خلقه وعبيده ملكاً، كان
الذى تدعونه ربًا وتزعمون أنه له ولد، أوجنيًا أو إنسيًا = ((وهو بكل شىء عليم))،
١٩٩/٧ يقول: والله الذى خلق كل شىء، لا يخفى عليه ما خلق ولا شىء منه ، ولا يعزب
عنه مثقالُ ذرة فى الأرض ولا فى السماء ، عالم بعددكم وأعمالكم ، وأعمال من
دعوتموه ربًّا أو الله ولداً، وهو محصيها عليكم وعليهم، حتى يجازى كلاً بعمله. (١)
القول فى تأويل قوله ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَآَ إِلهَ إِلَّ
هُوَ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ) ()
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : الذى خلق كل شىء وهو بكل شىء
عليم، هو الله ربكم، أيها العادلون بالله الآلهة والأوثان، والجاعلون له الجن شركاء ،
وآلهتكم التى لا تملك نفعاً ولا ضرًّا، ولا تفعل خيراً ولا شرًّا = ((لا إله إلاّ هو)).
وهذا تكذيبٌ من الله جل ثناؤه للذين زعموا أن الجن شركاء الله . يقول جل
ثناؤه لهم : أيها الجاهلون ، إنه لاشىء له الألوهية والعبادة ، إلا الذى خلق كل
شىء ، وهو بكل شىء عليم ، فإنه لا ينبغى أن تكون عبادتكم وعبادةُ جميع
من فى السموات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها ، فإنه خالق
(١) انظر تفسير ((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (علم).

١٣
تفسير سورة الأنعام : ١٠٢، ١٠٣
كل شىء وبارئه وصانعه. وحق" على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة- ( فاعبدوه ))،
يقول : فذلُّوا له بالطاعة والعبادة والخدمة، واخضعوا له بذلك(١) = ((وهو على
كل شىء وكيل))، يقول: والله على كل ما خلق من شىء رقيبٌ وحفيظ ، يقوم
بأرزاق جمیعه وأقواته وسیاسته وتدبیره وتصریفه بقدرته .(٢)
٠
٥
القول فى تأويل قوله ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ
اْأَبْصَرَ وَهُوَ اْلْلِطِيفُ الْبِيرُ) )
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: (( لا تدركه الأبصار
وهو يدرك الأبصار ).
فقال بعضهم : معناه لا تحيط به الأبصار ، وهو يحيط بها .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٣٦٩٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((لا تدركه الأبصار وهو
يدرك الأبصار))، يقول : لا يحيط بصر أحدٍ بالملك .
١٣٦٩٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار))، وهو أعظم من أن تدركه
الأبصار .
١٣٦٩٦ - حدثنى سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا خالد
ابن عبد الرحمن قال ، حدثنا أبو عرفجة ، عن عطية العوفى فى قوله :
(١) انظر تفسير ((العبادة)) فيما سلف من فهارس اللغة (عبد).
(٢) انظر تفسير ((وكيل)) فيما سلف ١١: ٤٣٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.

١٤
تفسير سورة الأنعام : ١٠٣
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَظِرَةٌ﴾، [سورة القيامة: ٢٢، ٢٣]، قال: هم
ينظرون إلى اللّه ، لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، وبصره يحيط بهم .
فذلك قوله: ((لا تدركه الأبصار))، الآية . (١)
٠٠٠
قال أبو جعفر : واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا ، بأن قالوا : إن الله
قال: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَ كَهُ الْغَرَقُ قَلَ آمَنْتُ)،(٢) [ سورة يونس: ٩٠]. قالوا:
فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون . ولا شك أن الغرق غير موصوف
بأنه رآه ، ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئاً. قالوا: فمعنى قوله: (( لا تدركه
الأبصار))، بمعنى: لا تراه ، بعيد. لأن الشىء قد يدرك الشىء ولا يراه ، كما
قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل أصحاب موسى صلى الله عليه وسلم لموسى حين قرُب
منهم أصحاب فرعون: ﴿فَلِمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَنِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَ كُونَ﴾،
[ سورة الشعراء: ٦١]، لأن الله قد كان وعد نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أنهم
لا يُدْرِ كون، لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْ حَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرٍ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًاً
فِى الْبَحْرِ يَبَسَّا لَا تَخَفُ دَرَكَاً وَلَا تَخْشَى﴾، [ سورة طه: ٧٧].
قالوا : فإن كان الشىء قد يرى الشىء ولا يدركه ، ويدركه ولا يراه ، فكان
معلوماً بذلك أن قوله: ((لا تدركه الأبصار))، من معنى : لا تراه الأبصار ،
(١) الأثر: ١٣٦٩٦ - ((سعد بعد ن اللّه بن عبد الحكم المصرى))، ثقة، روى عنه آنفاً
برقم: ٤٣٦. وكان فى المخطوطة والمطبوعة هنا (( يونس بن عبد الله بن الحكم))، وهو خطأ، والصواب
ما سيأتى فى التفسير ٢٩: ١٢٠ (بولاق)، حيث روى هذا الخبر نفسه، بإسناده عن ((سعد
ابن عبد الله بن عبد الحكم)).
و ((خالد بن عبد الرحمن الخراسانى المروروذى))، روى عنه محمد بن عبدالله بن عبد الحكم، وأخوه
((سعد)). قال أبو حاتم: ((شيخ، ليس به بأس)). مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٣٤١/٢/١.
وأما (( أبو عرفجة))، فلم أعرف من يكون.
و ((عطية العوفى))، هو ((عطية بن سعد بن جنادة العوفى))، وهو ضعيف، مضى مراراً،
واستوفى أخى السيد أحمد الكلام فيه فى رقم: ٣٠٥.
وهذا الخبر سيرويه أبو جعفر مرة أخرى فى التفسير ٢٩ : ١٢٠ (بولاق).
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فلما أدركه الغرق))، وهو سهو، فإن نص التلاوة ما أثبت.

١٥
تفسير سورة الأنعام : ١٠٣
بمعزل = وأن معنى ذلك : لا تحيط به الأبصار ، لأن الإحاطة به غير جائزة.
قالوا : فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم ، ولا تدركه أبصارهم ،
بمعنى : أنها لا تحيط به ، إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئاً يحيط به .
٢٠٠/٧
قالوا: ونظير جواز وصفه بأنه يُرَى ولا يُدْرَك، جوازُ وصفه بأنه يعلم ولا يحاط
بعلمه، (١) وكما قال جل ثناؤه: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٌ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَ شَاءَ﴾،
[سورة البقرة: ٢٥٥]. قالوا: فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشىء
من علمه إلا بما شاء. قالوا: ومعنى ((العلم)) فى هذا الموضع، المعلوم . قالوا :
فلم يكن فى نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشىء من علمه إلا بما شاء ، نَفْىٌ عن أن
يعلموه . قالوا: فإذا لم يكن فى نفى الإحاطة بالشىء علماً نَفْىٌّ للعلم به ، كان
كذلك ، لم يكن فى نفى إدراك اللّه عن البصر، نفىُ رؤيته له . قالوا : وكما جاز
أن يعلم الخلق أشياءَ ولا يحيطون بها علماً، كذلك جائزٌ أن يروا ربّهم بأبصارهم ولا
يدركوه بأبصارهم، إذ كان معنى ((الرؤية)) غير معنى ((الإدراك))، ومعنى
((الإدراك)) غير معنى ((الرؤية))، وأن معنى ((الإدراك))، إنما هو الإحاطة ،
کما قال ابن عباس فى الخبر الذی ذ کرناه قبل .
قالوا : فإن قال لنا قائل: وما أنكرتم أن يكون معنى قوله: (( لا تدركه
الأبصار)) ، لا تراه الأبصار ؟
قلنا له: أنكرنا ذلك، لأن الله جل ثناؤه أخبر فى كتابه أن وجوهاً فى القيامة إليه
ناظرة، (٢) وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة،
كما يُرَى القمر ليلة البدر، وكما ترونَ الشمس ليسَ دونها سحاب. (٣) قالوا:
فإذا كان الله قد أخبر فى كتابه بما أخبر ، وحققتْ أخبارُ رسول اللّه صلى اللّه عليه
(١) فى المطبوعة: ((ولا يحاط به))، وصواب السياق يقتضى ما أثبت.
(٢) يعنى آتى سورة القيامة: ٢٢، ٢٣.
(٣) فى المخطوطة، أسقط ((البدر))، والصواب إثباتها.

١٦
تفسير سورة الأنعام : ١٠٣
وسلم بما ذكرنا عنه من قيله صلى الله عليه وسلم: أن تأويل قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
نَاضِرَةٌ " إِلَى رَبِّهَا نَظِرَةٌ﴾، [سورة القيامة: ٢٣،٢٢]، أنه نظر أبصار العيون الله جل
جلاله، (١)وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، وكان مع ذلك غير جائز أن
يكون أحدُ هذين الخبرين ناسخاً للآخر ، إذ كان غير جائز فى الأخبار
= لما قد بينا فى كتابنا: ﴿كتاب لطيف البيان ، عن أصول الأحكام) ،
وغيره - (٢) علم، أن معنى قوله: ((لا تدركه الأبصار))، غير معنى قوله:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٍ إِلَى رَبِّهَاَ نَظِرَةٌ)، فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم
يوم القيامة إلى اللّه، ولا يدركونه بها، تصديقاً لله فى كلا الخبرين ، وتسليماً لما
جاء به تنزيله على ما جاء به فى السورتين .
...
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تراه الأبصار ، وهو يرى الأبصار .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٦٩٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( لا تدر كه الأبصار )) ، لا يراه شىء، وهو يرى
الخلائق .
١٣٦٩٨ - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع، عن إسمعيل بن أبى خالد ،
عن عامر ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : من حدَّثَك أن رسول اللّه صلى اللّه
علیه وسلم رأى ربّه فقد كذب ! ((لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ))،
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكُلِّهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيَا أَوْمِنْ وَرَاء حِجَبٍ﴾، [سورة
الشوری: ٥١] ، ولکن قد رأى جبريل فى صورته مرتین .
(١) انظر الأحاديث الصحاح فى رؤية ربنا سبحانه يوم القيامة فى صحيح البخارى (الفتح
١٣: ٣٥٦، وما بعدها)، وصحيح مسلم ٣: ٢٥، وما بعدها. والخبران اللذان ذكرهما أبو جعفر
خبران صحيحان .
(٢) قوله: ((على)) جواب قوله آنفاً: ((فإذا كان الله قد أخبر فى كتابه ... ))

١٧
تفسير سورة الأنعام : ١٠٣
١٣٦٩٩ -حدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا أبی، عن اسمعیل بن أبى خالد ،
عن عامر ، عن مسروق قال : قلت لعائشة : يا أم المؤمنين ، هل رأى محمد
ربه ؟ فقالت: سبحان الله، لقد قَفَّ شعرى مما قلت! ثم قرأت: ((لا تدركه
الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)). (١)
١٣٧٠٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى وابن علية ، عن داود ،
عن الشعبى ، عن مسروق ، عن عائشة ، بنحوه . (٢).
١٣٧٠١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة، عن الشعبى
قال، قالت عائشة: من قال إن أحداً رأى ربه فقد أعظم الفرية على اللّه ! قال
الله: ((لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)).
٠ ٠
فقال قائلو هذه المقالة: معنى (( الإدراك)) فى هذا الموضع، الرؤية = وأنكروا
أن يكون الله يُرى بالأبصار فى الدنيا والآخرة = وتأوّلوا قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
نَاضِرَةٌ(( إِلَى رَبِّهَاَ نَاظِرَةٌ)، بمعنى انتظارها رحمة الله وثوابه .
٢٠١/٧
٠
٠ ٠
قال أبو جعفر : وتأول بعضهم فى الأخبار التى رُويت عن رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم بتصحيح القول برؤية أهل الجنة ربّهم يوم القيامة تأويلات، وأنكر
بعضهم مجيئها ، ودافعوا أن يكون ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وردُّوا القول فيه إلى عقولهم، فزعموا أن عقولهم تُحِيل جواز الرؤية على الله عز وجل
بالأبصار ، وأتوا فى ذلك بضرُوب من التمويهات ، وأكثروا القول فيه من جهة
الاستخراجات .
(١) الأثران: ١٣٦٩٨، ١٣٦٩٩ - حديث إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى،
رواه مسلم فى صحيحه ٣: ١٠، مختصراً.
(«قف شعرى)): إذا وقف من الفزع .
(٢) الأثر: ١٣٧٠٠ - حديث داود، عن الشعبي، رواه مسلم مطولا ٣: ٨ - ١٠،
وقد مضى جزء من هذا الخبر المطول فيما سلف برقم : ١٢٢٨٠ - ١٢٢٨٣. فانظر تخريجه هناك.
ج ١٢ (٢)

١٨
تفسير سورة الأنعام : ١٠٣
وكان من أجلّ ما زعموا أنهم علموا به صحة قولهم ذلك من الدليل ، أنهم لم
يجدوا أبصارهم ترى شيئاً إلاّ ما باينها دون ما لاصقها ، فإنها لا ترى ما لاصقها .
قالوا: فما كان للأبصار مبايناً مما عاينته، فإن بينه وبينها فضاءً وفرجةً. قالوا :
فإن كانت الأبصار ترى ربها يوم القيامة ، على نحو ما ترى الأشخاص اليوم ،
فقد وجب أن يكون الصانع محدوداً . قالوا: ومن وصفه بذلك، فقد وصفه بصفات
الأجسام التى يجوز عليها الزيادة والنقصان .
قالوا : وأخرى، أن من شأن الأبصار أن تدرك الألوان ، كما من شأن الأسماع
أن تدرك الأصوات ، ومن شأن المتنسَّم أن يدرك الأعراف. (١) قالوا : فمن الوجه
الذى فسد أن يكون جائزاً أن يُقْضَى للسمع بغير إدراك الأصوات، وللمتسُمِ إلاّ
بإدراك الأعراف، (١) فسد أن يكون جائزاً القضاءُ للبصر إلاّ بإدراك الألوان. (٢)
قالوا : ولما كان غير جائز أن يكون اللّه تعالى ذكره موصوفاً بأنه ذو لون ، صح
أنه غير جائز أن یکون موصوفاً بأنه مرئیٌّ .
٠
وقال آخرون : معنى ذلك: لا تدركه أبصار الخلائق فى الدنيا، وأما فى الآخرة
فإنها تدركه. وقال أهل هذه المقالة: ((الإدراك))، فى هذا الموضع، الرؤية .
واعتلّ أهل هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا: ((الإدراك))، وإن كان قد
يكون فى بعض الأحوال بغير معنى الرؤية ، فإن الرؤية من أحد معانيه . وذلك
أنه غير جائز أن يلحق بصرُه شيئاً فیراه ، وهو لما أبصره وعاینه غير مدرك ، وإن
لم يحط بأجزائه كلها رؤية . قالوا: فرؤية ما عاينه الرائى إدراك له ، دون ما لم
(١) فى المطبوعة: ((المتنشم)) بالشين، وهو خطأ صرف، والصواب بالسين كما فى المخطوطة.
يقال: ((تنسم النسيم))، إذا تشمه. و((الأعراف)) جمع (عرف)) (بفتح فسكون): الرائحة،
طيبة كانت أو خبيثة. يقال: ((ما أطيب عرفها))، أى : رائحتها .
(٢) فى المخطوطة: ((انقضاء البصر))، والصواب ما فى المطبوعة.

١٩
تفسير سورة الأنعام : ١٠٣
يره. قالوا: وقد أخبر الله أن وجوهاً يوم القيامة إليه ناظرة. قالوا، فمحالٌ أن
تكون إليه ناظرة وهى له غير مدركة رؤيةً . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ،
وكان غير جائز أن يكون فى أخبار اللّه تضادّ وتعارض ، وجب وصحّ أن قوله :
((( لا تدركه الأبصار))، على الخصوص لا على العموم، وأن معناه : لا تدركه
الأبصار فى الدنيا ، وهو يدرك الأبصار فى الدنيا والآخرة ، إذ كان الله قد استثنى
ما استثنى منه بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَظِرَةٌ).
وقال آخرون من أهل هذه المقالة : الآية على الخصوص ، إلا أنه جائز أن
يكون معنى الآية : لا تدركه أبصارُ الظالمين فى الدنيا والآخرة ، وتدركه أبصار
المؤمنين وأولياء اللّه . قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الأبصار بالنهاية
والإحاطة،وأما بالرؤية فبلی.(١) قالوا: وجائز أن یکون معناها : لا تدر كه الأبصار
فى الدنيا ، وتدر که فى الآخرة= وجائز أن یکون معناها : لا تدر که أبصارُ من يراه
بالمعنى الذى يدرك به القديم أبصارَ خلقه = فيكون الذى نفى عن خلقه من إدراك
أبصارهم إياه ، هو الذى أثبته لنفسه ، إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلاّ
فيما قوَّاها جل ثناؤه على النفوذ فيه، وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها
شىء. قالوا : ولا شك فی خصوص قوله: (( لا تدر كه الأبصار )) ، وأن أولیاء
الله سيرونه يوم القيامة بأبصارهم، غير أنا لا ندرى أىَّ معانى الخصوص الأربعة
أريد بالآية . واعتلُّوا لتصحيح القول بأن اللّه يرى فى الآخرة ، بنحو علل الذين
ذ کرنا قبل .
٢٠٢/٧
٠
وقال آخرون: الآية على العموم، ولن يدرك اللّه بصرُ أحد فى الدنيا والآخرة، ولكن
الله يُحدث لأوليائه يوم القيامة حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس، فير ونه بها .
(١) (((بل)) استعمالها مع غير الجحد، قد سلف بيانه ودليله ٢: ٢٨٠، ٥١٠، ثم
١٠ : ٩٨، تعليق : ٤ .

٢٠
تفسير سورة الأنعام : ١٠٣
واعتلوا لقولهم هذا بأنّ الله تعالی ذ کره نفی عن الأبصار أن تدر كه ، من غير
أن يدلّ فيها أو بآية غيرها على خصوصها . قالوا: وكذلك أخبرَ فى آية أخرى أن
وجوهاً إليه يوم القيامة ناظرة . قالوا: فأخبار الله لا تتنافى ولا تتعارض، (١) وكلا
الخبرين صحيح معناه على ما جاء به التنزيل . واعتلُّوا أيضاً من جهة العقل بأن قالوا :
إن کان جائزاً أن ناه فی الآخرة بأبصارنا هذه وإن زید فی قواها ، وجب أن نراه
فى الدنيا وإن ضعفت ، لأن كل حاسة خلقت لإدراك معنى من المعانى ، فهى
وإن ضعفت كل الضعف ، فقد تدرك مع ضعفها ما خلقت لإدرا که وإن ضعف
إدرا کھا إیاه، ما لم تعدم . قالوا : فلو کان فی البصر أن يدرك صانعه فی حال من
الأحوال أو وقت من الأوقات ويراه ، وجب أن یکون یدر که فى الدنيا ويراه فيها
وإن ضعف إدرا که إياه . قالوا : فلما كان ذلك غير موجود من أبصارنا فى الدنيا ،
كان غير جائز أن تكون فى الآخرة إلا بهيئتها فى الدنيا فى أنها لا تدرك إلا ما كان
من شأنها إدراكه فى الدنيا . قالوا : فلما كان ذلك كذلك ، وكان اللّه تعالى
ذكره قد أخبر أنّ وجوهاً فى الآخرة تراه ، علم أنها تراه بغير حاسة البصر ،
إذا كان غير جائز أن يكون خبرُه إلاحقًّا .
٠
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا ، ما تظاهرت به الأخبار
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما
ترون القمر ليلة البدر )= ( و کما ترون الشمس ليس دونها سحاب» ، (٢) فالمؤمنون
يرونه، والكافرون عنه يومئذ محجوبون، كما قال جل ثناؤه: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ
رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، [سورة المطففين: ١٥].
فأما ما اعتلّ به منکرُو رؤية الله يوم القيامة بالأبصار، لما كانت لا ترى
إلا ما باینها وكان بينها وبينه فضاءٌ وفُرجة ، وكان ذلك عندهم غير جائز أن تكون
(١) فى المطبوعة: ((لا تتباين))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب قراءتها.
(٢) انظر ص : ١٦، تعليق : ١.