النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
تفسير سورة الأنعام : ٩٣
١٣٥٦٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج، عن
ابن جريج: ((اليوم تجزون عذاب الهون ))، قال : عذاب الهون ، فى الآخرة =
((بما كنتم تعملون)).
٠ ٠
والعرب إذا أرادت ؛ ((الهون)) معنى (الهوان))، ضمت ((الهاء))، وإذا ١٨٤/٧
أرادت به الرفق والدَّعة وخفة المؤونة، فتحت ((الهاء))، (١) فقالوا: هو
((قليل هَوْن المؤونة))، ومنه قول الله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾
[ سورة الفرقان: ٦٣]، يعنى: بالرفق والسكينة والوقار، ومنه قول: جندل بن المثنَّى
الطُّهوىّ : (٢)
هَوْنَا، وَأَلْقَى كُلُّ شَيْخِ خِرَهُ(٣)
وَنَقْضَ أَيَّامِ نَقَضْنَ أَسْرَهُ
ومنه قول الآخر : (٤)
هَوْ نَكُمَا لاَ يَرُدُّ الدَّهْرُ مَا فَاتَاَ لاَتَهْلِكَا أَسَغَا فِ إِثْرِ مَنْ مَاتَ(٥)
(١) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢٠٠.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((المثنى بن جندل الطهوى))، وهو خطأ صرف، وإنما هو
((جندل بن المثنى الطهوى))، وهو شاعر إسلامى راجز، كان يهاجى الراعى. انظر سمط اللآلى
ص : ٦٤٤ ، وغيره .
(٣) لم أعثر على الرجز، وإن كنت أذكره. و((الأسر)): القوة. وقوله: ((ألى كل
شيخ فخره )) ، كناية عن عجز الشيخ إذا بلغ السن .
(٤) هو ذو جدن الحميرى، ويقال هو: ((علقمة بن شراحيل بن مرتد الحميرى)).
(٥) سيرة ابن هشام ١: ٣٩، تاريخ الطبرى ٢: ١٠٧، الأغانى ١٦ : ٧٠،
معجم ما استعجم : ٠ ١٣٩٨، ومعجم البلدان (بينون) و (سلحون) واللسان ( هون) ، وبعد
البيت :
وَ بَعْدَ سَلْحُونَ يَبْنِ النَّاسُ أَبْيَتَاً
أَبَعْدَ بَيْتُونَ لاَ عَيْنٌ وَلاَ أَثَرٌ.
حَتَّهُمُ غَيْبُ هَذَا الدَّهْرِ حِتَّاتاً
وَبَعْدَ حِمْيَرَ إذْ شَالَتْ نعَمَتُهُمْ
و((بينون))، و ((سلحون))، و((غمدان)) من حصون اليمن التى هدمها أرياط الحبشى،
فى غزوة اليمن ، فذكرها ذو جدن ، يأسى على ما دخل أهل حمير من الذل والهوان .

٥٤٢
تفسير سورة الأنعام : ٩٣
يريد: أرْوٍدا.(١) وقد حكى فتح ((الهاء)) فى ذلك بمعنى ((الهوان))، واستشهدوا
على ذلك ببيت عامر بن جُوّين: (٢)
يُهُيْنُ النّفُوسَ، وَهَوْنُ النَّفُوسِ عِنْدَ الكَرِيهَةِ أَغْلَى لَهَا (٣)
والمعروف من كلامهم، ضمّ (( الهاء)) منه، إذا كان بمعنى الهوان والذل ،
كما قال ذو الإصبع العدوانى :
أَذْهَبْ إِلَيْكَ فَا أُمِّى بِرَاعِيَةٍ تَرْعَى الَْخَضَ وَلاَ أُغْفِى ◌َى الْهُونِ(٤)
يعنى : على الهوان = وإذا كان بمعنى الرفق ، ففتْحُها .
٠ ٠
(١) فى المطبوعة: ((رودا))، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة. و((الإرواد))، الإمهال
والرفق، والتآنى، ومنه قيل: ((رويدك))، أى: أمهل، وتأن، وترفق .
(٢) هكذا قال أبو جعفر، والمشهور أنه الخنساء ، وهو فى شعرها، وبعض أبيات
قصيدة الخنساء ، تروى لعامر بن جوين الطائى، فلعل هذا مما يروى له من شعرها . أو لعله من شعر
عامر بن جوين ، وروى الخنساء .
(٣) ديوان الخنساء: ٢١٥، والأغانى ١٣: ١٣٦، والنقائض: ٤٢٣، واللسان
(هون). وروايتهم جميعاً ((يوم الكريهة أبقى لها)). وفى المطبوعة: ((أعلى))، والصواب من
المخطوطة .
(٤) شرح المفضليات: ٣٢٣، وما بعدها، والأمالى ١: ٢٥٦، واللسان (هون)، وغيرها
كثير. وقد جاء أبو جعفر برواية لم تذكر إلا فى اللسان ، عن ابن برى. وأما رواية الرواة، فهى:
تَرْعَى المَخَاضَ ، وَلاَ رَأْبِى بِمَغْبُونِ
عَنَّى إِلَيْكِ فَمَا أُمِّى بِرَاعِيَةٍ
وَأَبْنُ أَبِيّ أَبِّ مِنْ أَبِيِّينِ
إِى أَبِىٌّ أَبِيٌّ ذُو مُحَافَظَةٍ
وَلاَ أَلِينُ لِمَنْ لاَ يَبْتَغِى لِينِى
لاَ يُخْرِجُ القَسْرُ مِّى غَيْرَ مَّانِيَةٍ
هُونَا، فَلَسْتُ بَوَقَّافٍ عَلَى الهُونِ
عَفٌّ نَدُودٌ، إِذَا مَاخِفْتُ مِنْ بَلَدٍ
فالشاهد فى البيت الأخير .

٥٤٣
تفسير سورة الأنعام : ٩٤
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَ فُرَادَىُ كَمَا خَلَقْتَكُمْ
أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَكْتُم مَّا خَوَّلْنَدُكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِ كُمْ﴾
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء
العادلين به الآلهة والأنداد، يخبر عبادَه أنه يقول لهم عند ورودهم عليه: «لقد
جئتمونا فرادي)) .
ويعنى بقوله: ((فرادى))، وُحداناً لامال معهم، ولا إناث، ولا رقيق، (١)
ولا شىء مما كان اللّه خوّلهم فى الدنيا = ((كما خلقناكم أوّل مرة ))، عُرَاة غُلْفاً
غُرْلاَ حُفاة، كما ولدتهم أمهاتهم، (٢) وكما خلقهم جل ثناؤه فى بطون أمهاتهم
لا شىء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهون به فى الدنيا .
٠ ٠٠
و ((فرادى))، جمع، يقال لواحدها: ((فَرِد))، كما قال نابغة بني ذبيان :
مِنْ وَحْشٍ وَجْرَةَ مَوْشيٍ أَكَارِعُهُ طَوِى الَصِيرِ كَتَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ (٣)
(١) فى المطبوعة: ((ولا أثاث ولا رفيق))، والصواب ما فى المخطوطة، يعنى نساءهم
وخدمهم، وانظر الأثر التالى رقم: ١٣٥٧١، وانظر تفسير البغوى (:هامش ابن كثير ٣ : ٣٦١)
قال: ((وحدانا لا مال معكم، ولا زوج، ولا ولد، ولا خدم)). فهذا صواب القراءة بحمد الله.
(٢) (غلف)) جمع ((أغلف))، وهو الذى لم يختتن. و((الغرل)) جمع ((أغرل))،
وهو أيضاً الذى لم يختتن، وهذا حديث مسلم فى صحيحه من حديث عائشة: ((يحشر الناس يوم القيامة
حفاة عراة غرلا)) ( ١٧ : ١٩٢، ١٩٣).
(٣) ديوانه: ٢٦، واللسان (فرد)، وغيرهما كثير. من قصيدته المشهورة التى اعتذر بها
إلى النعمان بن المنذر ، يقول قبله فى صفة الثور :
كأنّ رَحْلِى وَقَدْ زَالَ النَّهَرُ بِنَاَ يَوْمَ الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأْنٍِ وَحِدٍ
و ((وجرة)). منزل بين مكة والبصرة، مربة الوحوش والظباء. ((موشى أكارعه)»، فى قوائمه
فقط سود. ((طاوى المصير)). ضامر البطن، و((المصير)) جمع ((مصران)). يصف" بياض
الثور والتماعه كأنه سيف مصقول جديد العقل

٥٤٤
تفسير سورة الأنعام : ٩٤
و((فَرَدٌ)) و((فريد))، كما يقال: ((وَحَد)) و((وَحِد)) و (وحيد)فى واحد ((الأوحاد)).
وقد يجمع (الفَرَّد)(الفُرَاد)) كما يجمع ((الوَحَد))، ((الوُحَاد))، ومنه قول الشاعر: (١)
تَرَى النَّعَرَاتِ الزُّرْقَ فَوْقَ لَبَنِهِ فُرَادَى وَمَشْفَى أَضْفَقَتْهَ صَوَاهِلُهُ(٣)
وكان يونس الجرمىّ، (٣) فيما ذكر عنه، يقول: ((فُراد)) جمع ((فَرْد))، كما
قيل: (تُؤْم) و((ثُؤَام)) للجميع. ومنه: (الفُرَادى))، ((والرُّدَافى)) و((القُرَانى)). (٤)
يقال: ((رجل فرد)) و((امرأة فرد))، إذا لم يكن لها أخٌّ. ((وقد فرّد الرجلُ فهو
يفرُد فروداً))، يراد به تفرَّد، ((فهو فارد)).
٠٠٠
١٣٥٧٠ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، [ قال ابن زيد قال] ،
أخبرنى عمرو : أن ابن أبى هلال حدثه : أنه سمع الفرظىّ يقول: قرأت عائشةُ
زوجُ النبى صلى الله عليه وسلم قول الله: ((ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول
مرة))، فقالت: واسوأتاه ، إن الرجال والنساء يحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى
سوأة بعض!فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل امرئ منهم يومئذ شأن
يغنيه))، لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض. (٥)
٠
(١) هو تميم بن أبى بن مقبل.
(٢) مضى البيت وتخريجه وتفسيره ٧ : ٥٤٣، بغير هذه الرواية، فراجعه هناك.
(٣) مضى فى ١٠: ١٢٠، تعليق: ١، ذكر ((يونس [الحرمرى]))، وقد أشكل
على أمره، كما ذكرت هناك، وصح بهذا أنه ((الجرمى))، ولم أجد فى قدماء النحاة من يقال له:
((يونس الجرمى))، وذكرت هناك أن ((يونس بن حبيب))، ضبى لا جرمى ، فعسى أن يهدينى من
يقرأ هذا إلى الصواب فيه ، متفضلا مشكوراً .
(٤) فى المطبوعة: ((والغوانى))، وفى المخطوطة: ((والعوانى)) غير منقوطة، وصواب
قراءتها ما أثبت، يقال: ((جاءوا قرانى))، أى مقترنين، قال ذو الرمة :
قُرَانَى وَأَشْتَتَا، وَحَادٍ يَسُوُقُهَا إِلَى المَاءِ مِنْ جَوْزِ التَّنُوفَّةِ مُطْلِقُ
(٥) الأثر: ١٣٥٧٠ - ((عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصارى المصرى))، ثقة
مضى برقم : ١٣٨٧، ٥٩٧٣، ٦٨٨٩، ١٠٣٣٠.

٥٤٥
تفسير سورة الأنعام : ٩٤
وأما قوله: ((وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم))، فإنه يقول: خلفتم أيها
القوم ما مكناكم فى الدنيا مما كنتم تتباهون به فيها ، خلفكم فى الدنيا فلم تحملوه
معكم.
وهذا تعبير من الله جل ثناؤه لهؤلاء المشركين بمباهاتهم التى كانوا يتباهون
بها فى الدنيا بأموالهم.
٠ ٠
٠
وكل ماملكته غيرك وأعطيته: ((فقد خوّلته))، (١) يقال منه: «خال الرجل ١٨٥/٧
يَخَال أشدّ الخيال)) بكسر الخاء = ((وهو خائل))، ومنه قول أبى النجم:
أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَّ يُبَخَّلِ كَوْمَ الدُّرَى مِنْ خَوَلِ المُغَوِّلِ (٣)
وأما ((ابن أبى هلال))، فهو: ((سعيد بن أبى هلال الليثى المصرى))، ثقة. مضى برقم :
١٤٩٥ ، ٥٤٦٥ ٠
وأما ((القرظى))، فقد بيته الحاكم فى المستدرك فى إسناده وأنه: ((عثمان بن عبد الرحمن
القرى))، ولكنه مع هذا البيان، لم يزل مجهولا، فإنى لم أجد له ترجمة ولا ذكراً فى شىء من الكتب.
وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((القرطبى))، وهو خطأ.
وهذا الخبر، أخرجه الحاكم فى المستدرك ٤: ٥٦٥، من طريق ((عبد الله بن وهب، عن
عمرو بن الحارث))، ليس فيه ((قال ابن زيد))، وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه))، وعلق عليه الذهبى فقال: ((صحيح، فيه انقطاع)).
والذى فى إسناد الطبرى ((قال ابن زيد قال))، عندى أنه زيادة من الناسخ ، لأن عبد الله
ابن وهب، يروى مباشرة عن ((عمرو بن الحارث))، كما يروى عن ((عبد الرحمن بن زيد بن أسلم))،
ولما كثر إسناد أبى جعفر ((حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد)»، أسرع قلم
الناسخ بإثبات ((ابن زيد)) مقحماً فى هذا الإسناد ، كما دل عليه إسناد الحاكم .
وانقطاع هذا الإسناد، كما بيته الذهبى، هو فيما أرجح، أن ((عثمان بن عبد الرحمن القرى))
لم يسمع من عائشة .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وكل من ملكته غيرك ... ))، وهو خطأ محض، صوابه
ما أثبت .
(٢) لامية أبى النجم فى كتاب (الطرائف)، والمراجع هناك، وسيأتى فى التفسير ٢٣:
١٢٧ (بولاق)، وهو مطلع رجزه ، وقبله :
• الحمدُ بِهِ الوَهُوبِ المُجْزِلُ .
ج ١١ (٣٥)

٥٤٦
تفسير سورة الأنعام : ٩٤
وقد ذ کر أن أبا عمرو بن العلاء کان ینشد بيت زهير :
هُنَلِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا الْمَالَ يُخُوِلُوا وَإِن يُسْأَلُوا يُعُوا وَ إِنْ يَبْسِرُوا يُغْلُوا(١)
٥
٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٥٧١ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وتركتم ما خوّلناكم))، من المال والخدم = ((وراء
ظهور کم )) ، فی الدنيا .
وقوله: ((كوم الذرى))، أى: عظام الأسنمة، ((كوم)) جمع ((كوماء))، وهى الناقة
العظيمة السنام. و ((المخول)) بكسر الواو، اللّه الرزاق ذو القوة المتين. وانظر تعليقى على البيت
فى طبقات فحول الشعراء : ٥٧٦، تعليق : ٤ .
(١) ديوانه: ١١٢، واللسان (خيل) (خول)، وسيأتى فى التفسير ٢٣ : ١٢٧
( بولاق) ، وغيرها كثير . من قصيدته المشهورة فى هرم بن سنان بن أبى حارثة ، والحارث بن عوف
ابن أبى حارثة المرى ، يذكر قومهما بالكرم فى زمن الجدب ، وقبله :
وَثَلَ كِرَامَ المَالِ فِى السََّةِ الأَكْلُ
إِذَا السَّنَةُ الشَّهْبَاءِ بِالنَّاسِ أَجْحَفَتْ
قَطِينَا لَهُمْ، حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ البَقْلُ
رَأَيْتَ ذَوِى الْحَاجَاتٍ حَوْلَ بُوتِمْ
هُنَلِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلوا .
ورواية غير أبى عمرو بن العلاء: ((إن يستخبلوا المال يخبلوا))، يقال: ((استخيل الرجل
فاقة فأخبله))، إذا استعاره فاقة لينتفع بألبانها وأو بارها فأعاره. و((الاستخوال)) مثله. وروى
الأصمعى عن أبى عمرو أنه مال: ((ولو أنشدتها لأنشدتها: إن يستخولوا المال يخولوا))، وقال:
( الاختبال: المنيحة، ولا أعرف الاستخبال، وأراء: يستخولوا. والاستخوال أن يملكوهم إياه)).
وقوله: ((ييسروا))، من ((الميسر)) الذى تقسم فيه الجزر. وقوله: ((يغلوا))، أى
يختاروا سمان الخزر النحر ، فهم لا ينحرون إلا غالية

٥٤٧
تفسير سورة الأنعام : ٩٤
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَا نَرَىُ مَعَكُمْ شُفَعَاءَ كُمْ الَّذِينَ
زَمُمْ أَّهُمْ فِيَكُمْ شُرَكَوْاْ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد يوم القيامة :
ما نرى معكم شفعاء كم الذين كنتم فى الدنيا تزعمون أنهم يشفعون لكم عند ربكم
يوم القيامة .(١)
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت فى النضر بن الحارث، لقيله: إنّ اللات والعزى
يشفعان لهُ عند الله يوم القيامة.
٠ ٥
وقيل : إن ذلك كان قول كافة عبدة الأوثان .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٥٧٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط ، عن السدى: أما قوله: (( وما نرى معكم شفعاء كم الذين زعمتم
أنهم فيكم شركاء))، فإن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدُون الآلهة ، لأنهم
شفعاء يشفعون لهم عند الله، وأنّ هذه الآلهة شركاءُ الله .
١٣٥٧٣ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال،
قال ابن جريج ، أخبرنى الحكم بن أبان ، عن عكرمة قال : قال النضر بن
الحارث: ((سوف تشفع لى اللات والعزَّى))! فنزلت هذه الآية: ((ولقد جئتمونا
فرادى كما خلقناكم أول مرة))، إلى قوله: ((شركاء)).
(١) انظر تفسير ((الشفيع)) فيما سلف ص: ٤٤٦، تعليق: ٥، والمراجع هناك.

٥٤٨
تفسير سورة الأنعام : ٩٤
القول فى تأويل قوله ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنَكُمْ
مَّا كُنتُمْ تَزْعُونَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره ، مخبراً عن قيله يوم القيامة لهؤلاء المشركين
به الأنداد: ((لقد تقطع بينكم)) ، يعنى تواصلتهم الذى كان بينهم فى الدنيا ،
ذهب ذلك اليوم ، فلا تواصل بينهم ولا توادّ ولا تناصر ، وقد كانوا فى الدنيا
يتواصلون ويتناصرون، فاضمحلّ ذلك كله فى الآخرة ، فلا أحدَ منهم ينصر
صاحبه ، ولا یواصله .(١)
...
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل
* ذكر من قال ذلك :
١٣٥٧٤ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((لقد تقطع بينكم))، ((البين))،
تواصلهم .
١٣٥٧٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((لقد تقطع بينكم))، قال : تواصلهم فى الدنيا .
١٣٥٧٦ -حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر ، عن قتادة: (( لقد تقطع بينكم))، قال : وصلكم .
١٣٥٧٧ - وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((لقد تقطع بينكم)) ، قال : ما كان بينكم من الوصل .
١٣٥٧٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
(١) انظر تفسير ((البين)) فيما سلف ٨: ٣١٩.

٥٤٩
تفسير سورة الأنعام : ٩٤
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( لقد تقطع
بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون))، يعنى الأرحام والمنازل.
١٣٥٧٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((لقد تقطع بينكم))، يقول : تقطع ما بينكم .
١٣٥٨٠ - حدثنا أبو كريب قال، قال أبو بكر بن عياش: ((لقد
تقطع بينكم)) ، التواصل فى الدنيا .(١)
٠ ٠
#
واختلفت القرأة فى [ قراءة] قوله: ((بينكم)).
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة نصباً ، بمعنى : لقد تقطع ما بينكم .
وقرأ ذلك عامة قرأة مكة والعراقَيْن: ﴿لَقَدْ تَقَطَّحَ بَيْنُكُمْ﴾، رفعاً، بمعنى: ٧/٧
لقد تقطع وصلُكم .
#
قال أبو جعفر : والصواب من القول عندى فى ذلك أن يقال : إنهما قراءتان
مشهورتان باتفاق المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ .
وذلك أن العرب قد تنصب ((بين)) فى موضع الاسم. ذكر سماعاً منها: ((أتانى
نحوَك، ودونَك، وسواءَك))، (٢) نصباً فى موضع الرفع. وقد ذكر عنها سماعاً الرفع
فى ((بين)) ، إذا كان الفعل لها ، وجعلت اسماً ، وينشد بيت مهلهل :
كَأَنَّ رِماتَهُمْ أَشْطَانُ بِثْرٍ بَعِيدٍ بَيْنُ جَلَيْهَاَ جَرُورٍ (٣)
(١) الأثر : ١٣٥٨٠ - هذا إسناد منقطع كما أشرت إليه فيما سلف رقم : ١٢٤٦، ٢١٥٠
و ((أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدى))، ثقة معروف، مضى برقم : ١٢٤٦، ٢١٥٠،
٣٠٠٠ ، ٥٧٢٥، ٨٠٩٨ ٠
(٢٠) فى المطبوعة: ((إيابى نحوك ... )) وهو خطأ محض، وهى فى المخطوطة غير منقوطة ،
والصواب فى معانى القرآن الفراء ١ : ٣٤٥.
(٣) أمالى القالى ٢: ١٣٢، واللسان (بين)، وغيرهما، من قصيدته المشهورة التى

٥٥٠
تفسير سورة الأنعام : ٩٤، ٩٥
برفع ((بين))، إذ كانت اسماً، غير أن الأغلب عليهم فى كلامهم النصبُ
فيها فى حال كونها صفة ، وفى حال كونها اسماً .
. ..
وأما قوله: (( وضل عنكم ما كنتم تزعمون)) ، فإنه يقول : وحاد عن طريقكم
ومنها حكم ما کتم من آهتكم تزعمون أنه شريك ربكم، وأنه لكم شفيع عند ربكم،
فلا يشفع لكم اليوم .(١)
٠
٠
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ اللهَ فَلِقُ اَلْبٍ وَأَلْنَّوَى)
قال أبو جعفر: وهذا تنبيهٌ من الله جل ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان
على موضع حجّته عليهم ، وتعريفٌ منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك
الأصنام فى عبادتهم إياه . يقول تعالى ذكره: إن الذى له العبادة ، أيها الناس ،
دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان ، هو اللّه الذى فَلق الحبَّ = يعنى: شق
الحبّ من كل ما ينبت من النبات، فأخرج منه الزرع = ((والنوى ،)) من كل ما
يغرس مما له نواة ، فأخرج منه الشجر .
٠
و((الحبّ)) جمع ((الحبة))، و((النوى)) جمع ((النواة)).
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
قالها لما أدرك بثأر أخيه كليب وائل . وقبله :
گھُمْدِ الغَابِ لَجَتْ فِی زَئِیر
فِدِى لِبَنى الشّقیقةِ يَوْمَ جَاءُوا
و((الأشطان)) الحبال الشديدة الفتل، التى يستقى بها، واحدها «شطن)). (بفتحتين) و ((الجال))
و((الجول)) (بضم الجيم): ناحية البئر وجانبها وما يجبس الماء منها. و((جرور)) صفة البئر
البعيدة القعر ، لأن دلوها يجر على شفرها ، لبعد قعرها . يصف طول رماحهم ، وحركة أيديهم فى
الضرب بها ، ثم نزعها من بدن من أصابته .
(١) انظر تفسير (الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضملل)

٥٥١
تفسير سورة الأنعام : ٩٥
• ذكر من قال ذلك :
١٣٥٨١ - حدثی محمد بن الحسین قال ،حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((إن الله فالق الحب والنوى))، أما ((فالق الحب والنوى)):
ففالق الحب عن السنبلة ، وفالق النواة عن النخلة .
١٣٥٨٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن قتادة: ((فالق الحب والنوى))، قال : يفلق الحب والنوى عن النبات .
١٣٥٨٣ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهبقال : قال ابن زید فی
قوله: ((فالق الحب والنوى))، قال : اللّه فالق ذلك ، فلقه فأنبت منه ما أنبت .
فلق النواة فأخرج منها نَبّات نخلة ، وفلق الحبة فأخرج نبات الذى خلق .
...
وقال آخرون: معنى (( فالق)) ، خالق .
ذكر من قال ذلك :
*
١٣٥٨٤ - حدثنا هناد بن السرى قال، حدثنا مروان بن معاوية ، عن
جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((إن اللّه فالق الحب والنوى))، قال: خالق
الحب والنوى .
١٣٥٨٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربى ، عن جويبر ، عن
الضحاك ، مثله .
١٣٥٨٦ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((إن الله فالق الحب
والنوى ))، قال : خالق الحب والنوى .
٠٠٠
وقال آخرون : معنى ذلك : أنه فلق الشقّ الذى فى الحبّة والنواة.
ذكر من قال ذلك :
١٣٥٨٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا

٥٥٢
تفسير سورة الأنعام : ٩٥
عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: (( فالق الحب والنوى))،
قال : الشقان اللذان فيهما .
١٣٥٨٨ -حدثی المثی قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٣٥٨٩ - حدثنى المثى قال ، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد ،
عن حصين، عن أبى مالك فى قول الله: ((إن الله فالق الحب والنوى))، قال:
الشق الذى يكون فى النواة وفى الحنطة .
١٣٥٩٠ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام، عن عنبسة ، عن محمد
ابن عبد الرحمن بن أبى ليلى ، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: (( فالق الحب
والنوى))، قال : الشقان اللذان فيهما .
١٣٥٩١ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ،
١٨٧/٧ حدثنى عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((فالق الحب
والنوى))، يقول : خالق الحب والنوى ، يعنى كلّ حبة.
٠
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب عندى ، ما قدّمنا القول به.
وذلك أن الله جل ثناؤه أتبع ذلك بإخباره عن إخراجه الحى من الميت والميت من
الحى ، فكان معلوماً بذلك أنه إنَّما عنى بإخباره عن نفسه أنّه فالق الحب عن
النبات ، والنوى عن الغُرُوس والأشجار، كما هو مخرج الحى من الميت ، والميّت
من الحى .
وأما القول الذى حكى عن الضحاك فى معنى ((فالق))، أنه خالق، فقولّ-
إن لم يكن أراد به أنّه خالق منه النبات والغُروس بفلقه إياه = لا أعرف له وجهاً ،
لأنه لا يعرف فى كلام العرب: ((فلق اللّه الشىء))، بمعنى : خلق.
٠
٠

٥٥٣
تفسير سورة الأنعام : ٩٥
القول فى تأويل قوله ﴿يُخْرِجُ أَىَّ مِنَ الْمَّتِ وَتُخْرِجُ الْبَيْتِ
مِنَ الَىَّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَىْ تُؤْفَكُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يخرج السنبل الحىّ من الحبّ الميت ،
ومخرج الحبِّ الميت من السنبل الحىّ ، والشجرِ الحىّ من النوى الميت ، والنوى
الميِّت من الشجر الحىّ .
*
والشجر ما دام قائماً على أصوله لم يجفّ ، والنبات على ساقه لم ييبَس ، فإن
العرب تسميه ((حَيًّا))، فإذا يبس وجف أو قطع من أصله، سّوه ((ميتاً)).
*
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
٠
١٣٥٩٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: أما ((يخرج الحى من الميت))، فيخرج السنبلة الحية
من الحبة الميتة ، ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية ، ويخرج النخلة الحية من
النواة الميتة ، ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية .
١٣٥٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن السدى ،
عن أبى مالك: ((يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحى))، قال : النخلة
من النواة ، والنواة من النخلة ، والحبة من السنبلة ، والسنبلة من الحبة .
#
وقال آخرون بما : -
١٣٥٩٤ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((إن اللّه
فالق الحبّ والنوى يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحمىّ))، قال : يخرج

تفسير سورة الأنعام : ٩٥ ، ٩٦
٥٥٤
النطفة الميتة من الحى ، ثم يخرج من النطفة بشرًا حيًّا .
٠
قال أبو جعفر: وإنما اخترنا التأويل الذى اخترنا فى ذلك ، لأنه عقب قوله :
((إن الله فالقُ الحب والنوى))، على أن قوله: ((يخرج الحي من الميت ومخرج الميت
من الحى))، وإن كان خبراً من اللّه عن إخراجه من الحبّ السنبل ومن السنبل
الحب، فإنه داخل فى عمومه ما رُوى عن ابن عباس فى تأويل ذلك . وكل ميّت
أخرجه الله من جسمٍ حتىّ ، وكل حىّ أخرجه اللّه من جسمٍ ميتٍ .
. . .
وأما قوله: ((ذلكم الله))، فإنه يقول: فاعل ذلك كلِّه اللّهُ جل جلاله = ((فأنى
تؤفكون))، يقول: فأىّ وجوه الصدّ عن الحقّ، أيها الجاهلون، تصدّون عن
الصواب وتصرفون، (١) أفلا تتدبرون فتعلمون أنّه لا ينبغى أن يُجعل لمن أنعم عليكم
بقلق الحب والنوى ، فأخرج لكم من يابس الحب والنوى زروعاً وحرُوثاً وثماراً
تتغذون ببعضه وتفكّهون ببعضه ، شريكٌ فى عبادته ما لا يضر ولا ينفع ، ولا
يسمع ولا يبصر ؟
٠
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ فَلِقُ اْإِصْبَحِ وَجَعَلَ اَلَيْلَ سَّكْنَا﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((فالق الإصباح))، شاقّ عمود الصبح عن
ظلمة الليل وسواده .(٢)
٠
و((الإصباح)) مصدر من قول القائل: ((أصبحنا إصباحاً)).
٠
٠
٥
(١) انظر تفسير ((الأفك)) فيما سلف ١٠ : ٤٨٥، ٤٨٦.
(٢) انظر تفسير ((الفلق)) فيما سلف قريباً ص : ٥٥٠

تفسير سورة الأنعام : ٩٦
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال عامة أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٥٩٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربى ، عن جويبر ، عن
الضحاك: ((فالق الإصباح))، قال: إضاءة الصبح .
١٣٥٩٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فالق الإصباح)) ، قال: إضاءة الفجر.
١٣٥٩٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٨٨/٧
١٣٥٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة فى قوله: (( فالق الإصباح))، قال : فالق الصُّبح .
١٣٥٩٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية بن
صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس فى قوله: (( فالق الإصباح)) ،
يعنى بالإصباح ، ضوء الشمس بالنهار ، وضوء القمر بالليل.
١٣٦٠٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال ، حدثنا عنبسة ،
عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد :
((فالق الإصباح))، قال : فالق الصبح .
١٣٦٠١ - حدثنا به ابن حميد مرة بهذا الإسناد، عن مجاهداً فقال فى
قوله: ((فالق الإصباح))، قال إضاءة الصبح .
١٣٦٠٢ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((فالق الإصباح))، قال : فلق الإصباح عن الليل .
١٣٦٠٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول،
حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((فالق الإصباح))،
يقول خالق النور ، نور النهار .
٠ ٠

٥٥٦
تفسير سورة الأنعام : ٩٦
وقال آخرون : معنى ذلك : خالق الليل والنهار .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٦٠٤ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس فى قوله: ﴿ فَلِقُ الإصْبَحِ وَجَاعِلُ
الَّيْلِ سَكَناً)، (١) يقول : خلق الليل والنهار .
٠
وذكر عن الحسن البصرى أنّه كان يقرأ: ﴿ فَلِقُ الأَصْبَحِ﴾، بفتح الألف،
كأنه تأول ذلك بمعنى جمع «صبح)»، كأنه أراد صبح كل يوم ، فجعله
(أصباحاً))، ولم يبلغنا عن أحد سواه أنه قرأ كذلك. والقراءة التى لا نستجيز
تعدّيها، بكسر الألف: (٢) ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ﴾، لإجماع الحجة من القرأة وأهل
التأويل على صحة ذلك ورفضٍ خلافه .
٥
وأما قوله: ((وجاعِلُ الليل سكناً))، فإن القرأة اختلفت فى قراءته .
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل الحجاز والمدينة وبعض البصريين: (٣) ﴿ وَجَاعِلُ
اللَّيْلِ﴾ بالألف على لفظ الاسم، ورفعه عطفاً على ((فالق))، وخفض ((الليل))
بإضافة ((جاعل)) إليه، ونصب ((الشمس والقمر))، عطفاً على موضع ((الليل))،
لأن (( الليل)) وإن كان مخفوضاً فى اللفظ ، فإنه فى موضع النصب ، لأنه مفعول
((جاعل)). وحسن عطف ذلك على معنى ((الليل)) لاعلى لفظه، لدخول قوله: ((سكناً))
بينه وبين ((الليل))، قال الشاعر : (٤)
عَوَانِ مِنَ الْحَاجَاتِ أُوْ حَاجَةً بِكْرَا(٥)
قُعُودًا لَدَى الأَبْوَابِ طُلَّبَ حَاجَةٍ
(١) هذه قراءة أهل الحجاز كما سيذكر بعد، وتركتها على قراءتهم فى هذا الخبر.
(٢) فى المطبوعة: ((لا نستجيز غيرها))، بدل ما كان فى المخطوطة وهو محض صواب.
(٣) فى المطبوعة: ((عامة قراء الحجاز))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) هو الفرزدق .
(٥) سلف البيت وتخريجه وتفسيره فيما سلف ٢: ١٩٥، وأزيد هنا مجاز القرآن لأبى عبيدة

٥٥٧
تفسير سورة الأنعام : ٩٦
فنصب ((الحاجة)) الثانية، عطفاً بها على معنى ((الحاجة)) الأولى، لا على
لفظها ، لأن معناها النصب ، وإن كانت فى اللفظ خفضاً . وقد يجىء مثل هذا
أيضاً معطوفاً بالثانى على معنى الذى قبله لا على لفظه ، وإن لم يكن بينهما حائل ،
كما قال بعضهم: (١)
بَيْنَاَ نَحْنُ نَنْظُرْهُ أَقَانَا مُعَلِّقَ شِكْوَةٍ وَزِنادَ رَاعٍ (٢)
...
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ ﴾، على
((فَعَلَ))، بمعنى الفعل الماضى، ونصب ((الليل)).
٠ ٠
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان
مستفيضتان فى قرأة الأمصار ، متفقتا المعنى ، غير مختلفتيه ، فبأيتهما قرأ القارئ
فهو مصيب فى الإعراب والمعنى .
٥
وأخبر جل ثناؤه أنه جعل الليل سكناً ، لأنه يسكن فيه كل متحرك بالنهار ،
ويهدأ فيه ، فيستقر فى مسكنه ومأواه .
...
١ : ٢٠١ وروى هناك: ((قعود)) بالرفع، كما أشرت إليه ثم .
(١) لرجل من قيس عيلان، ونسب أيضاً لنصيب.
(٢) سيبويه ١: ٨٧، معانى القرآن الفراء ١: ٣٤٦، الصاحبى: ١١٨، شرح
شواهد المغنى: ٢٧٠، والذى هنا رواية الفراء وابن فارس. ورواية سيبويه ((بيننا نحن نطلبه))،
وفى شرحه ((نرقبه))، وروايته أيضاً (معلق وفضة)). وكان فى المطبوعة هنا: ((فبينا)) بالفاء،
وأثبت ما فى المخطوطة. وفى المطبوعة: ((شلوه)) وهو خطأ.
((فنظره)): ترقبه وننتظره. و((الشكوة)): وعاء كالدلو أو القربة الصغيرة، يبرد فيه الماء،
ويحبس فيه اللبن. وأما ((الوفضة))، فهى خريطة كالجعبة، يحمل فيها الراعى أداته وزاده .
ولم أجد بقية الشعر .

٥٥٨
تفسير سورة الأنعام : ٩٦
القول فى تأويل قوله ﴿ وَالشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى ذلك : .
فقال بعضهم : معنى ذلك : وجعل الشمس والقمر يجريان فى أفلاكهما
بحساب .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٣٦٠٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: (( والشمس والقمر
حسباناً )) ، يعنى عدد الأيام والشهور والسنين .
١٨٩/٧
١٣٦٠٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((والشمس والقمر حسباناً))،
قال : يجريان إلى أجلٍ جُعل لهما .
١٣٦٠٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( والشمس والقمر حسباناً)) ، يقول : بحساب.
١٣٦٠٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((والشمس والقمر حسباناً))، قال:
الشمس والقمر فى حساب ، فإذا خَلَتْ أيامهما فذاك آخرُ الدهر ، وأول الفزع
الأكبر = ((ذلك تقدير العزيز العليم)).
١٣٦٠٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله، ((والشمس والقمر حسباناً))، قال: يدوران فى
حساب .
١٣٦١٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن

٥٥٩
تفسير سورة الأنعام : ٩٦
ابن جريج، عن مجاهد: (( والشمس والقمر حسباناً))، قال هو مثل قوله :
(كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُون﴾ [سورة يس: ٤٠]، ومثل قوله: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
بِجُْبَانٍ﴾ [سورة الرحمن: ٥].
...
وقال آخرون : معنى ذلك : وجعل الشمس والقمر ضياء .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٦١١ -حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: (( والشمس والقمر حسباناً )) ، أى ضياء.
٠ ٠ ٠
قال أبو جعفر : وأولى القولين فى تأويل ذلك عندى بالصواب ، تأويل من
تأوّله : وجعل الشمس والقمرَ يجريان بحساب وعدد لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما ،
ويدوران لمصالح الخلق التى جُعِلالها .
وإنما قلناذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذكره، ذكر قبله أياديه
عند خلقه ، وعظم سلطانه ، بغلقه الإصباح لهم، وإخراج النبات والغيراس من الحب
والنوى ، وعقّب ذلك بذكره خلق النجوم لهدايتهم فى البر والبحر . فكان وصفه
إجراءه الشمس والقمرّ لمنافعهم، أشبه بهذا الموضع من ذكر إضاءتهما ، لأنه
قد وصف ذلك قبلُ بقوله: ((فالق الإصباح))، فلا معنى لتكريره مرة أخرى
فى آية واحدة لغير معنى .
٠
و((الحسبان)) فى كلام العرب جمع ((حساب))، كما ((الشُّهبان)) جمع
((شهاب)). (١) وقد قيل إن ((الحسبان))، فى هذا الموضع مصدر من قول القائل:
((حَسَبْتُ الحساب أحسُبُهُ حساباً وحُسْباناً)). وحكى عن العرب: ((على اللّه
حُسْبان فلان وحِسْبته)) ، أى : حسابه .
٠ ٠٠
(١) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٠١.
-

٥٦٠
تفسير سورة الأنعام : ٩٦
وأحسب أن قتادة فى تأويل ذلك بمعنى الضياء ، ذهب إلى شىء یروی عن
ابن عباس فى قوله: ﴿أَوْيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْباناً مِنَ السَّمَاءِ﴾، [سورة الكهف: ٤٠].
قال: ناراً، فوجه تأويل قوله: ((والشمس والقمر حسباناً))، إلى ذلك التأويل.
وليس هذا من ذلك المعنى فى شىء .
...
وأما ((الحسبان)) بكسر ((الحاء))، فإنه جمع ((الحسبانة))، (١) وهى الوسادة
الصغيرة، وليست من الأوَّلين أيضاً فى شىء. يقال: ((حَسَبته))، أجلستُه عليها.
...
ونصب قوله: ((حسباناً)) بقوله: ((وجعل)).
٠ ٠٠
وكان بعض البصريين يقول: معناه ((والشمس والقمرَ حُسباناً))، أى:
بحساب، فحذف ((الباء))، كما حذفها من قوله: ﴿اللهُ أَعْلمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِ﴾
[سورة الأنعام: ١١٧]، أى: أعلم بمن يضل عن سبيله.(٢)
#
١٦
القول فى تأويل قوله ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهذا الفعل الذى وصفه أنه فعله ،
وهو فلقه الإصباح ، وجعله الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ، تقدير الذى
عزّ سلطانه، فلا يقدر أحد أراده بسوء وعقاب أو انتقام، من الامتناع منه = ((العليم))،
بمصالح خلقه وتدبيرهم = لا تقديرُ الأصنام والأوثان التى لا تسمع ولا تبصر ،
١٩٠/٧ ولا تفقه شيئاً ولا تعقله، ولا تضر ولا تنفع، وإن أريدت بسوء لم تقدر غلى
(١) هكذا قال أبو جعفر ((بكسر الحاء))، والذى أطبقت عليه كتب اللغة أنه بضم الحاء،
ولم يشيروا إلى كسر الحاء فى هذه .
(٢) قائل هذا هو الأخفش، كما هو بين فى لسان العرب (حسب).