النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ تفسير سورة الأنعام : ٧٣ قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ أنهُ المنفرد بخلق السموات والأرض دون كل ما سواه، معرِّفاً من أشرك به من خلقه جهله فى عبادة الأوثان والأصنام، وخطأ ما هم عليه مقيمون من عبادة ما لا يضر ولا ينفع ، ولا يقدر على اجتلاب نفع إلى نفسه ، ولا دفع ضر عنها = ومحتجًا عليهم فى إنكارهم البعثَ بعد الممات والثواب والعقاب، بقدرته على ابتداع ذلك ابتداءً ، وأن الذى ابتدع ذلك غير متعذر عليه إفناؤه ثم إعادته بعد إفنائه ، فقال: ((وهو الذى خلق))، أيها العادلون بربهم من لا ينفع ولا يضر ولا يقدر ١٥٧/٧ على شىء= ((السموات والأرض بالحق))، حجة على خلقه ، ليعرفوا بها صانعها، وليستدلوا بها على عظيم قدرته وسلطانه ، فيخلصوا له العبادة = ((ويوم يقول كن فيكون )) ، يقول : ويوم يقول حين تبدل الأرض غير الأرض والسموات كذلك: ((كن فيكون))، كما شاء تعالى ذكره ، فتكون الأرض غير الأرض = ويكون [الكلام] عند قوله: ((كن فيكون)) متناهياً. (١) وإذا كان كذلك معناه، وجب أن يكون فى الكلام محذوفٌ يدلّ عليه الظاهر ، ويكون معنى الكلام : ويوم يقول كذلك: ((كن فيكون )) تبدل [ السموات والأرض] غير السموات والأرض. (٢) ويدل" على ذلك قوله: ((وهو الذى خلق السموات والأرض بالحق))، ثم ابتدأ الخبر عن القول فقال: ((قوله الحق))،. بمعنى وعدُه هذا الذى وَعَدَ تعالى ذكره، من تبديله السموات والأرض غير الأرض والسموات، الحقُّ الذى لا شك فيه = (( وله الملك يوم ينفخ فى الصور)» فيكون قوله: (( يوم ينفخ فى الصور))، من صلة ((الملك)) = ويكون معنى (١) فى المطبوعة: ((فتكون الأرض غير الأرض عند قوله: كن فيكون، متناهياً))، وهى كلام سقيم، أسقط من المخطوطة: ((ويكون))، هى ثابتة فيها ، ولكن أسقط الناسخ ما وضعته بين القوسين ، وبذلك استقامت العبارة . وهذا بين من السياق . (٢) ما بين القوسين زيادة لا بد منها، وفى المخطوطة: ((تبدله)) مكان ((تبدل)) والصواب ما فى المطبوعة . والناسخ فى هذا الموضع قد أسقط الكلام وأفسده. ٤٦٢ تفسير سورة الأنعام : ٧٣ الكلام : ولله الملك يومئذ، لأن النفخة الثانية فى الصور حال تبديل الله السموات والأرض غيرهما . وجائز أن يكون ((القول)) أعنى: ((قوله الحق))، = مرفوعاً بقوله: ((ويوم يقول كن فيكون))، ويكون قوله: ((كن فيكون)) محلاً للقول مرافعاً، فيكون تأويل الكلام : وهو الذى خلق السموات والأرض بالحق ، ويوم يبدلها غير السموات والأرض، فيقول لذلك: ((كن فيكون))، ((قوله الحق)). ... وأما قوله: ((وله الملك يوم ينفخ فى الصور ))، فإنه خُصّ بالخبر عن ملكه يومئذ ، وإن كان الملك له خالصاً فى كل وقت فى الدنيا والآخرة ، لأنه عنى تعالی ذکره أنه لا منازع له فیه یومئذ ولا مدعی له ، وأنه المنفرد به دون كل من كان ينازعه فيه فى الدنيا من الجبابرة ، فأذعن جميعهم يومئذ له به ، وعلموا أنهم كانوا من دعواهم فى الدنيا فى باطل . ٠ ٠ واختلف فى معنى ((الصور)) فى هذا الموضع. فقال بعضهم : هو قرن ينفخ فيه نفختان : إحداهما لفناء من كان حيًّا على الأرض، والثانية لنشر كل مَيْتٍ . واعتلوا لقولهم ذلك بقوله: ﴿ وُنُفِخَ فِىِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِ السّمُوَاتِ وَمَنْ فِى الأَرْضِ إِلَّمَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نِفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَاهُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [سورة الزمر: ٢٨]، وبالخبر الذى روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذ سئل عن الصور: هو قرن يُنفخ فيه. (١) ٠ ٥ (١) رواه أحمدفى مسند عبدالله بن عمرو رقم: ٦٥٠٧، وانظر تعليق أخى السيد أحمد عليه. ورواه أبو داود فى سننه ٤: ٣٢٦، رقم: ٣٢٦ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والترمذى فى باب ((ما جاء فى الصور))، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)). ورواه الحاكم فى المستدرك ٤: ٥٦٠، وقال: ((حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي. و ((القرن))، البوق يتخذ من القرون، ينفخ فيه . ٤٦٣ تفسير سورة الأنعام : ٧٣ وقالٍ آخرون: ((الصور)) فى هذا الموضع جمع ((صورة))، ينفخ فيها روحها فتحي، كقولهم: (١) ((سور)) لسور المدينة، وهو جمع ((سورة))، كما قال جرير : • سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَلُ الْثُشْحَ. (٢) ٠ ٥ والعرب تقول: (نفخ فى الصور)) و((نفخ الصور))، ومن قولهم: ((نفخ الصور ))، (٣) قول الشاعر : (٤) لَوْلَا ابْنُ جَبْدَةَ لَمَ تُفْتَحْ قُهُنْهُزُ كُمْ وَلَّا خُرَاسَانَ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ(٥) ء م(٥) ... قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا ، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((إن إسرافيلَ قد التقم الصور وحتى جبهته، ينتظرمتى يؤمر فينفخ))، (٦) وأنه قال: ((الصور قرن ينفخ فيه)).(٧) ... وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول فى قوله: (( يوم ينفخ فى الصور علم الغيب والشهادة))، يعنى : أن عالم الغيب والشهادة ، هو الذى ينفخ فى الصور. ١٣٤٣٢ -حدثی به المثی قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس فى قوله: ((عالم الغيب والشهادة))، (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لقولهم))، والصواب بالكاف كما أثبته. (٢) مضى تخريجه وتمامه فيما سلف ٢ : ١٧، ٢٤٢. (٣) انظر تفسير ((نفخ)) فيما سلف ٦ : ٤٢٦، ٤٢٧. (٤) لم أعرف قائله . (٥) معانى القرآن الفراء ١: ٣٤٠، نسب قريش: ٣٤٥، المعرب الجواليقى : ٢٦٧ اللسان (صور). و((ابن جعدة))، هو: ((عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومى))، وكان أبوه ((جعدة بن هبيرة)) على خراسان، ولاهعلى بن أبى طالب. و((القهندز)) (بضم القاف والماء وسكون النون، وضم الدال). من لغة أهل خراسان ، يعنون بها : الحصن أو القلعة . (٦) رواه الترمذى فى باب ((ما جاء فى الصور))، وفى أول تفسير سورة الزمر وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣: ٣٣٧، ثم قال: ((رواه مسلم فى صحيحه))، ولم أستطع أن أعرف مكانه فى صحيح مسلم. (٧) انظر التعليق السالف ص : ٤٦٢، تعليق : ١ ٤٦٤ تفسير سورة الأنعام : ٧٣ يعنى : أنّ عالم الغيب والشهادة هو الذى ينفخ فى الصور . ٠٠٠ = فكأن ابن عباس تأوّل فى ذلك أن قوله: ((عالم الغيب والشهادة ))، اسم الفاعل الذى لم يسمَّ فى قوله: (( يوم ينفخ فى الصور))، وأن معنى الكلام: يوم ١٥٨/٧ ينفخ الله فى الصور، عالم الغيب الشهادة. كما تقول العرب: ((أكل طعامك، عبدُ اللّه))، فتظهر اسم الآكل بعد أن قد جرى الخبر بما لم يسم آكله . وذلك وإن كان وجهاً غير مدفوع، فإن أحسن من ذلك أن يكون قوله: ((عالم الغيب والشهادة))، مرفوعاً على أنه نعت لـ ((الذى))، فى قوله: ((وهو الذى خلق السموات والأرض بالحق )). ٠ وروى عنه أيضاً أنه كان يقول: ((الصور)) فى هذا الموضع، النفخة الأولى. ١٣٤٣٣ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( يوم ينفخ فى الصور عالم الغيب والشهادة))، يعنى بالصور : النفخة الأولى ، ألم تسمع أنه يقول : ﴿وَنِفِخَ فِىِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمُوَاتِ وَمَنْ فِى الأَرْضِ إِلَّ مَنْ شَاءَ الله ثُّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ يعنى الثانية ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَمٌ يَنْظُرُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٨]. ٠ ويعنى بقوله: ((عالم الغيب والشهادة))، عالم ما تعاينون : أيها الناس ، فتشاهدونه ، (١) وما يغيب عن حواسكم وأبصاركم فلا تحسونه ولا تبصر ونه (٢) = ((وهو الحكيم))، فى تدبيره وتصريفه خلقه من حال الوجود إلى العدم، ثم من جال العدم والفناء إلى الوجود ، ثم فى مجازاتهم بما يجازيهم به من ثواب أو عقاب (٣) = (١) انظر تفسير ((الشهادة)) فيما سلف من فهارس اللغة (شهد). (٢) انظر تفسير ((الغيب)) فيما سلف ص: ٤٠٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((الحكيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (حكم). ٤٦٥ تفسير سورة الأنعام : ٧٣ ، ٧٤ (الخبير))، بكل ما يعملونه ويكسبونه من حسن وسي ، حافظ ذلك عليهم ليجازيهم على كل ذلك . (١) يقول تعالى ذكره : فاحذروا، أيها العادلون بربكم، عقابه، فإنه عليم بكل ما تأتون وتذرون، وهو لكم من وراء الجزاء على ما تعملون . # القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذْ قَلَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِهِ ،اذَرَ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : واذكر ، يا محمد = لحجاجك الذى تحاجّ به قومك، وخصومتك إياهم فى آلهتهم ، وما تراجعهم فيها ، مما نلقيه إليك ونعلمكه من البرهان والدلالة على باطل ما عليه قومك مقيمون ، وصحة ما أنت عليه مقيم من الدين ، وحقيقة ما أنت به عليهم محتج (٢) =(٣) حجاجَ إبراهيم خليلى قومَه، ومراجعته إياهم فى باطل ما كانوا عليه مقيمين من عبادة الأوثان ، وانقطاعه إلى الله والرضى به وليًّا وناصراً دون الأصنام، (٤) فاتخذه إماماً واقتد به ، واجعل سيرته فى قومه لنفسك مثالاً = إذ قال لأبيه مفارقاً لدينه ، وعائباً عبادته الأصنام دون بارئه وخالقه: يا آزر . (٥) # (١) انظر تفسير ((الخبير)) فيما سلف من فهارس اللغة ( خبر). (٢) فى المطبوعة: ((وحقية ما أنت عليهم محتج))، وفى المخطوطة: ((وحقيقة أنعم عليهم محتج)). فعل ناشر المطبوعة فى ((حقيقة)) ما فعل فى أشباهها، كما سلف ص: ٤٣٤، تعليق : ٣، والمراجع هناك . وأما ما كان فى المخطوطة: (( ما أنعم عليهم محتج))، فالصواب فيما أرجح أن الناسخ جمع الكلمتين فى كلام واحد، فكتب ((ما أنت به))، ((ما أنيم)). (٣) السياق: ((واذكر، يا محمد، ... حجاج إبراهيم)). (٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((واليا وناصراً))، والصواب ما أثبت. حجاج إبراهيم ... إذ قال لأبيه ... يا آزر)) (٥) السياق: ((واذكر يا محمد،. ج ١١ (٣٠) ٤٦٦ تفسير سورة الأنعام : ٧٤ ثم اختلف أهل العلم فى المعنىّ :((آزر))، وما هو، اسم هو أم صفة؟(١) وإن كان اسماً ، فمن المسمى ،؟ فقال بعضهم : هو اسم أبيه . * ذكر من قال ذلك : ١٣٤٣٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر))، قال : اسم أبيه (( آزر)). ١٣٤٣٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، حدثنى محمد بن إسحق قال: ((آزر))، أبو إبراهيم. وكان، فيما ذكر لنا والله أعلم ، رجلاً من أهل كُوثَى ، من قرية بالسواد . سواد الكوفة . ١٣٤٣٦ - حدثنى ابن البرقى قال، حدثنا عمرو بن أبى سامة قال : سمعت سعيد بن عبد العزيز يذكر قال: هو ((آزر))، وهو ((تارح))، مثل ((إسرائيل)) و(( يعقوب)). * * وقال آخرون : إنه ليس أبا إبراهيم . ذكر من قال ذلك : ٠ ١٣٤٣٧ - حدثنا محمد بن حميد وسفيان بن وكيع قالا، حدثنا جرير ، عن ليث، عن مجاهد قال: ليس ((آزر))، أبا إبراهيم . ١٣٤٣٨ - حدثی الحارث قال ، حدثنى عبد العزيز قال، حدثنا الثوری قال ، أخبرنى رجل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر))، قال: ((آزر)) لم يكن بأبيه، إنما هو صنم. ١٣٤٣٩ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان ، (١) فى المطبوعة: ((اسم أم صفة))، حذف ((هو))! ٤٦٧ تفسير سورة الأنعام : ٧٤ عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: (( آزر)) اسم، صنم. ١٣٤٤٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قال: ((وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر))، قال: اسم أبيه، ويقال: لا، بل اسمه ((تارح))، واسم الصنم ((آزر)). يقول: أتتخذ ١٥٩/٧ آزرَ أصناماً آلهة. (١) وقال آخرون: هو سبَّ وعيب بكلامهم ، ومعناه: معوَجٌّ . كأنه تأوّل أنه عابه بزَيْغه واعوجاجه عن الحق . (٢) واختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿ وَإِذْ قَلَ إبْرَاهِمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ بفتح ((آزر)» على اتباعه ((الأب)) فى الخفض، ولكنه لما كان اسماً أعجميًّا فتحوه، إذ لم يجروه ، وإن كان فى موضع خفض . وذكر عن أبى يزيد المدينى والحسن البصرى أنهما كانا يقرآن ذلك : ﴿ آزَرُ﴾ بالرفع على النداء ، بمعنى : يا آزر . ٠ فأما الذى ذكر عن السدىّ من حكايته أن ((آزر)) اسم صنم ، وإنما نصبه بمعنى: أتتخذ آزر أصناماً آلهة = فقولٌ من الصواب من جهة العربية بعيد" . وذلك أن العرب لا تنصب اسماً بفعلٍ بعد حرف الاستفهام، لا تقول: (( أخاك أكلمت))؟ وهى تريد : أكلمت أخاك؟ ٠ قال أبو جعفر : والصواب من القراءة فى ذلك عندى ، قراءةُ من قرأ بفتح ٠ (١) فى المخطوطة: ((أتتخذ أصناماً آلة))، ليس فيها ((آزر))، وما فى المطبوعة قريب من الصواب إن شاء اللّه، لما سيأتى فى نقد أبى جعفر مقالة السدى بعد قليل . (٢) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٣٤٠. ٤٦٨ تفسير سورة الأنعام : ٧٤ ((الراء)) من (آزَرَ)، على إتباعه إعراب ((الأب))، وأنه فى موضع خفض ففتح ، إذا لم يكن جارياً ، لأنه اسم عجمى. وإنما اخترتُ قراءة ذلك كذلك ، (١) الإجماع الحجة من القرأة عليه . وإذْ كان ذلك هو الصواب من القراءة ، وكان غير جائز أن يكون منصوباً بالفعل الذى بعد حرف الاستفهام ، صحَّ لك فتحه من أحد وجهين : إما أن يكون اسماً لأبى إبراهيم صلوات الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله ، فيكون فى موضع خفض ردًّا على ((الأب))، ولكنه فتح لما ذكرت من أنه لمّا كان اسماً أعجميًّا ترك إجراؤه ففتح، كما تفعل العرب فى أسماء العجم. (٢) = أو يكون نعتاً له ، فيكون أيضاً خفضاً بمعنى تكرير اللام عليه ، (٣) ولكنه لما خرج مخرج((أحمر)) و((أسود)) ترك إجراؤه، وفعل به كما يفعل بأشكاله. فيكون تأويل الكلام حينئذ : وإذاقال إبراهيم لأبيه الزائغ : أتتخذ أصناماً آلهة . (٤) وإذ لم يكن له وجهة فى الصواب إلاّ أحد هذين الوجهين، فأولى القولين بالصواب منهما عندى قولُ من قال: ((هو اسم أبيه))، لأن الله تعالى ذكره أخبر أنه أبوه ، وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم ، دون القول الآخر الذى زعم قائلُهُ أنه نعتٌ . # # فإن قال قائل: فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى ((تارح))، فكيف يكون ((آزر)) اسماً له، والمعروف به من الاسم ((تارح)»؟ (١) فى المطبوعة: ((وإنما أجيزت قراءة ذلك))، وهو كلام فاسد، والصواب ما أثبت، وهو فى المخطوطة غير منقوط بتمامه . (٢) فى المطبوعة: ((كما فتح العرب))، والصواب من المخطوطة. (٣) فى المخطوطة: ((تكرير الأمر عليه))، والصواب ما فى المطبوعة ". (٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة))، وهو نص الآية، لا تأويل لها على النعت. وأما تأويل النعت الذى ذكره آنفاً فى أن ((آزر)) سب وعيب فى كلامهم ومعناه ((معوج))، لزيغه واعوجاجه عن الحق = فهو الذى أثبت ، وهو الصواب إن شاء الله . : ٤٦٩ تفسير سورة الأنعام : ٧٤ قيل له : غير محال أن یکون کان له اسمان ، کما لكثير من الناس فی دهرنا هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم. وجائز أن يكون لقباً يلقّب به . (١) القول فى تأويل قوله (أَتَتَّخِذُأَصْنَامَاءَالِهَةَ إِِّى أَرَمُكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَلِ مُبِينٍ ﴾ ٧٤ قال أبو جعفر : وهذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن قيل إبراهيم لأبيه آزر أنه قال: ((أتتخذ أصناماً آلهة))، تعبدها وتتخذها ربًّا دون اللّه الذى خلقك فسوَّاك ورزقك؟ # ٠ و((الأصنام)) جمع ((صنم))، و((الصنم)) التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك فى صورة إنسان، وهو ((الوثن)). وقد يقال للصورة المصوّرة على صورة الإنسان فى الحائط وغيره: ((صنم)) و (( وثن)). ٠ ٠ = ((إنى أراك وقومك فى ضلال مبين))، يقول: ((إنى أراك))، يا آزر، ((وقومَك)) الذين يعبدون معك الأصنام ويتخذونها آلهة = ((فى ضلال))، يقول: فى زوال عن محجّة الحق، وعدول عن سبيل الصواب = ((مبين))، يقول: يتبين لمن أبصره أنه جوْرٌ عن قصد السبيل، وزوالٌ عن محجة الطريق القويم . يعنى بذلك أنه قد ضلّ هو وهم عن توحيد الله وعبادته ، الذى استوجب عليهم إخلاص العبادة له بآلائه عندهم، دون غيره من الآلهة والأوثان. (٢) (١) فى المطبوعة: ((وجائز أن يكون لقباً والله تعالى أعلى))، حذف ((يلقب به))، وهو دهو ثابت فى المخطوطة ، وزاد ما ليس فى المخطوطة . (٢) انظر تفسير ((الضلال)) و((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) (بين). ٤٧٠ تفسير سورة الأنعام : ٧٥ القول فى تأويل قوله ﴿وَكَذَلِكَ ثُرِىّ إِنْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمُوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَّكُونَ مِنَ الْمُوقِينَ) (١) ١٦٠/٧ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وكذلك))، وكما أريناه البصيرة فى دينه ، والحقّ فى خلافه ما كانوا عليه من الضلال، (١) نريه ملكوت السموات والأرض = یعنی ملكه . (٢) * وزيدت فيه ((التاء)) كما زيدت فى ((الجبروت)) من ((الجبر))(٣)، وكما قيل: ((رَهَبَوتٌ خيرٌ من رَحَمُوت))، بمعنى: رهبة خير من رحمة. (٤) وحكى عن العرب سماعاً: ((له مَكوت اليمنِ والعراق))، بمعنى: له ملك ذلك. ٥ ٠ واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض )) . فقال بعضهم : معنى ذلك : نريه خلقَ السموات والأرض . ذكر من قال ذلك : ١٣٤٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله : ((نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض )) ، أى : خلق السموات والأرض . ١٣٤٤٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، (١) فى المطبوعة: ((فى خلاف ما كانوا عليه من الضلال)). وفى المخطوطة: ((فى خلافه بما كانوا عليه من الضلال))، وبينهما بياض، وفى الهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ، وظنى أن الناسخ أشكل عليه الكلام فترك البياض، والكلام موصول صحيح المعنى . (٢) فى المخطوطة: ((يعنى ملكوت وزيدت فيه)) بينهما بياض أيضاً، والذى فى المطبوعة صحيح المعنى . (٣) فى المخطوطة: ((من الجبروة))، والصواب ما فى المطبوعة. (٤) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ١٩٧، ١٩٨ . ٤٧١ تفسير سورة الأنعام : ٧٥ عن قتادة: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض))، أى : خلق السموات والأرض = (( وليكون من الموقنين)). ١٣٤٤٣ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: (( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض))، يعنى: ((ملكوت السموات والأرض))، خلق السموات والأرض. ٠ ٠٠ وقال آخرون: معنى ((الملكوت)) الملك، بنحو التأويل الذى تأوّلناه.(١) · ذكر من قال ذلك : ١٣٤٤٤ -حدثنا ابن حميد قال، حدثنا یحی بن واضح قال ، حدثنا عمر بن أبى زائدة قال: سمعت عكرمة، وسأله رجل عن قوله: (( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض))، قال : هو الملك ، غير أنه بكلام النبط : « ملكوتاً)» .(٢) ١٣٤٤٥ -حدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا أبی ، عن ابن أبى زائدة، عن عكرمة قال: هى بالنبطية: ((ملكوتًا)). (٢) # وقال آخرون : معنى ذلك : آيات السموات والأرض . * ذكر من قال ذلك : ١٣٤٤٦ - حدثنا هناد بن السرى قال، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور، عن مجاهد: ((نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض))، قال: آيات السموات والأرض . (١) فى المخطوطة: ((وبنحو الذى تأولناه))، وفى الهامش ((التأويل))، وعليها علامة ((صح))، وفى الجهة الأخرى من السطر (كذا) بالحمرة، والذى فى المطبوعة أشبه بالصواب، إلا أنه كتب ((الذى أولناه))، والصواب ما فى المخطوطة. (٢) الأثر: ١٣٤٤٤، ١٣٤٤٥ - ((عمر بن أبى زائدة الهمدانى الوادعى»، وهو ((ابن أبى زائدة)) فى الإسناد الثانى، هو أخو ((زكريا بن أبى زائدة))، وهو الأكبر. و ((زکریا )» أخوه أعلى منه بكثير. وهو ثقة، ولكنه كان يرى القدر، وهوفى الحديث مستقيم. مترجم فى التهذيب. ٤٧٢ تفسير سورة الأنعام : ٧٥ ١٣٤٤٧ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ))، قال: آيات . ١٣٤٤٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض )) ، قال : تفرجت لإبراهيم السموات السبعُ حتى العرش، فنظر فيهنّ، وتفرَّجت له الأرضون السبع ، فنظر فیهنّ . ١٣٤٤٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ))، قال: أقيم على صخرة وفتحت له السموات ، فنظر إلى ملك اللّه فيها ، حتى نظر إلى مكانه فى الجنة . وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرض ، فذلك قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِىِ الدُّنْيَاَ﴾ [سورة العنكبوت: ٢٧]، يقول: آتيناه مكانه فى الجنّة، ويقال: ((أجره))، الثناء الحسن . ١٣٤٥٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد قوله: (( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض))، قال: فرجت له السموات فنظر إلى ما فيهنّ، حتى انتهى بصره إلى العرش ، وفرجت له الأرضون السبع فنظر ما فيهنّ . ١٣٤٥١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن سالم ، عن سعيد بن جبير: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض))، قال : كشف له عن أديم السمواتِ والأرض ، حتى نظر إليهن على صخرة، والصخرةُ ، ١٦١/٧ على حوت، والحوت على خاتم ربّ العزّة لا إله إلاّ اللّه.(١) ١٣٤٥٢ - حدثنا هناد وابن وكيع قالا، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم ، (١) قد مضى قولنا فى هذا الضرب من الأخبار التى لا حجة فيها من الصادق صلى الله عليه وسلم. ٤٧٣ تفسير سورة الأنعام : ٧٥ عن أبى عثمان، عن سلمان قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، رأى عبداً على فاحشة، فدعا عليه، فهلك . ثم رأى آخر على فاحشة، فدعا عليه، فهلك . ثمرأى آخر على فاحشة، فدعا علیه، فهلك. فقال: أنزلوا عبدى لاُ يهْلِك عبادى! ١٣٤٥٣ - حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة ، عن سفيان، عن طلحة ابن عمرو ، عن عطاء قال: لما رفع الله إبراهيم فى الملكوت فى السموات، أشرف فرأى عبداً يزنى ، فدعا عليه ، فهلك. ثم رُفع فأشرف ، فرأى عبداً يزنى ، فدعا عليه ، فهلك . ثم رفع فأشرف ، فرأى عبداً يزنى ، فدعا عليه ، فنودى : على رِسْلِك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجابٌ لك ، وإنى من عبدى على ثلاث: إما أن يتوب إلىّ فأتوب عليه ، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة، وإما أن يتمادى فيما هو فيه ، فأنا من ورائه . ١٣٤٥٤ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا ابن أبى عدى ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب، عن عوف، عن أسامة: أن إبراهيم خليل الرّحمن حدّث نفسه أنه أرحمُ الخلق، وإن الله رفعه حتى أشرفَ على أهل الأرض ، فأبصر أعمالهم . فلما رآهم يعملون بالمعاصى قال : اللهم دمِّر عليهم ! فقال له ربه : أنا أرحم بعبادی منك ، اهبطْ، فلعلهم أن يتوبوا إلىّ ويُراجِعِوا. (١) # وقال آخرون : بل معنى ذلك ، ما أخبر تعالى أنه أراه من النَّجوم والقمر والشمس . · ذكر من قال ذلك : ١٣٤٥٥ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن جويبر ، عن الضحاك: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض))، قال: الشمس والقمر والنجوم . (١) فى المطبوعة: ((ويرجعوا))، والصواب الجيد من المخطوطة. ٤٧٤ تفسير سورة الأنعام : ٧٥ ١٣٤٥٦ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور، عن مجاهد: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض))، قال : الشمس والقمر . ١٣٤٥٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض))، يعنى به: الشمس والقمر والنجوم. (١) ١٣٤٥٨ - حدثنا محمد بنعبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال: خُبِّئ إبراهيم صلى الله عليه وسلم من جبار من الجبابرة، فجُعِل له رزقه فى أصابعه ، فإذا مصّ إصبعاً من أصابعه وَجَد فيها رزقاً . فلما خرج ، أراه اللّه ملكوت السموات والأرض . فكان ملكوت السموات : الشمس والقمر والنجوم ، وملكوت الأرض : الجبال والشجر والبحار . ١٣٤٥٩ - حدثنا بشر بن معاذ ، قال ، حدثنا يزيد قال ، (٢) حدثنا سعيد، عن قتادة : ذكر لنا أن نبيّ اللّه إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فُرَّ به من جَبَّار مُتْرَف، (٣) فجعل أفى سَرَبٍ؟، (٤) وجعل رزقه فى أطرافه، فجعل لا يمصّ إصبعاً من أصابعه إلا وجد فيها رزقاً. فلما خرج من ذلك السَّرَّب، أراه اللّه ملكوت السموات ، فأراه شمساً وقمراً ونجوماً وسحاباً وخلقاً عظيماً ، وأراه ملكوت الأرض ، فأراه جبالاً وبحوراً وأنهاراً وشجراً ومن كلّ الدواب وخلقاً عظيماً. ٥ (١) فى المطبوعة: ((يعنى به: نريه الشمس))، وزاد ((نريه))، وليست فى المخطوطة. (٢) فى المطبوعة، سقط ((قال حدثنا يزيد)). (٣) فى المخطوطة: ((قربه جبار مبرى))، وأما ما فى المطبوعة، فهو نص ما فى الدر المنثور ٣ : ٢٥ . (٤) ((السرب)) (بفتحتين): حفير فى الأرض، كالسرداب. ٤٧٥ تفسير سورة الأنعام : ٧٥ قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى تأويل ذلك بالصواب ، قولُ من قال : عنى الله تعالى ذكره بقوله: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض))، أنه أراه ملك السموات والأرض ، وذلك ما خلق فيهما من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما، وجلىّ له بواطن الأمور وظواهرها، لما ذكرنا قبل من معنى ((الملكوت))، فى كلام العرب، فيما مضى قبل . (١) وأما قوله: ((وليكون من الموقنين))، فإنه يعنى أنه أراه ملكوت السموات والأرض، ليكون ممن يقرّ بتوحيد الله، (٢) ويعلم حقيقة ما هداه له وبصّره إياه، (٣) من معرفة وحدانيته ، وما عليه قومه من الضلالة ، من عبادتهم الأصنام ، واتخاذهم ٨ /١٦٢ إياها آلهة دون اللّه تعالى . (٤) وكان ابن عباس يقول فى تأويل ذلك ، ما :- ٠ ١٣٤٦٠ -حدثی به محمد بن سعد قال، حدثنی ابی قال، حدثنی عمى قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((وليكون من الموقنين ))، أنه جلَّى له الأمر سرَّه وعلانيته، فلم يخف عليه شىء من أعمال الخلائق . فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب ، قال الله: إنك لا تستطيع هذا! فردَّه اللّه كما كان قبل ذلك . ٠ ٠ فتأويل ذلك على هذا التأويل : أريناه ملكوت السموات والأرض ليكون ممن يوقن علم كل شىء حسًّاً لا خبرًا. (١) انظر ما سلف ص : ٤٧٠ وما بعدها (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ممن يتوحد بتوحيد الله))، وهو كلام لا معنى له، صوابه ما أثبت. وإنما هو خطأ من عجلة الناسخ، واستظهرته من معنى ((يوقن)) فيما سلف ١٠: ٣٩٤. (٣) فى المطبوعة: ((ويعلم حقية ما هداه له))، فعل بها ما فعل بصواحياتها، كما سلف قريباً : ص : ٤٦٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٤) انظر تفسير ((أيقن)) فيما سلف ١٠: ٣٩٤، ٣٩٥. ٤٧٦ تفسير سورة الأنعام : ٧٥ ١٣٤٦١ - حدثنى العباس بن الوليد قال، أخبرنى أبى قال، حدثنا ابن جابر قال ، وحدثنا الأوزاعىُّ أيضاً = قال : حدثى خالد بن اللجلاج قال: سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرميّ يقول : صلى بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات غداة ، فقال له قائل : ما رأيتُك أسفرَ وجهاً منك الغداة! (١)قال: ومالى ، وقد تبدّى لى ربّى فى أحسن صورة، (٢) فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى، (٣) يا محمد ؟ قلت أنت أعلم [ يارب ]! (٤) فوضع يده بين كتفى فوجدت بردّها بين ثدبىّ،(٥) فعلمت ما فى السموات والأرض. (٦) ثم تلاهذه الآية: (( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين)). (٧) * (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ما رأيت أسعد منك اليوم))، وهو خطأ، صوابه من منتخب ذيل المذيل لأبى جعفر الطبرى ، تاريخه ١٣ : ٥٩، حيث روى الخبر بتمامه هناك. وقوله: ((أسفر وجهاً منك الغداة))، يعنى: أحسن إشراقاً وإضاءة، يقال: ((سفر وجهه حسنا، وأسفر))، إذا أشرق وأضاء، ومنه فى التنزيل العزيز: ((وجوه يومئذ مسفرة)). (٢) فى المطبوعة: ((مالى قد أتانى ربى))، وفى المخطوطة: ((ومالى وقد سانى ربى)) غير منقوطة ، محرفة ، صوابها من ذيل المذيل لأبى جعفر . (٣) فى المطبوعة: ((ففيم يختصم)) لم يحسن قراءة المخطوطة، وهو الموافق لما فى ذيل المذيل. (٤) زيادة ما بين القوسين من رواية أبى جعفر فى ذيل المذيل. (٥) قوله: ((فوجدت بردها بين ثدي))؛ أسقطه ناشر المطبوعة، لأنه كان فى المخطوطة هكذا: ((فوضع يده بين كتفى، ثدى))، أسقط الناسخ ما بين الكلامين ، والصواب زيادته من رواية أبى جعفر فى ذيل المذيل . (٦) فى ذيل المذيل: ((ما فى السماء والأرض)). (٧) الأثر : ١٣٤٦١ - هذا خبر مشكل جداً، كما سترى بعد، وكان فى المخطوطة والمطبوعة محرفاً أشد التحريف ، وكان إسناده أشد تحريفاً ، ولكنى صححته بعون الله تعالى ذكره ، من رواية أبى جعفر فى ذيل المذيل (تاريخ الطبرى ١٣ : ٥٩، ٦٠). ((العباس بن الوليد بن مزيد العذرى الآملى البيروتى))، شيخ الطبرى ، ثقة، روى عنه كثيراً ، مضى برقم : ٨٩١ ، ١١٠١٤ ، ١١٨٢١. وأبوه: ((الوليد بن مزيد العذرى البيروتى)»، ثقة ؛ مضى برقم: ١١٨٢١. قال الأوزاعى شيخه: ((كتبه صحيحة))، وقال النسائى: ((هو أحب إلينا فى الأوزاعى من الوليد بن مسلم ، لا يخطئء ، ولا یدلس ». و((ابن جابر)) هو: ((عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدى، ثقة، روى له الجماعة ، روى عنه الأوزاعى، والوليد بن مزيد البيروقى ، وغيرهما . ومضى برقم : ٦٦٥٥. وكان فى المطبوعة ٤٧٧ تفسير سورة الأنعام : ٧٥ والمخطوطة: ((أبو جابر))، وهو خطأ، صوابه من ذيل المذيل وغيره . و ((خالد بن اللجلاج العامرى))، كان ذا سن وصلاح ، جرىء اللسان على الملوك، فى الغلظة عليهم. قال البخارى: ((سمع عمر بن الخطاب، وأباه)). وقال ابن أبى حاتم: ((روى عن عمر، مرسل ، وعن أبيه ، ولأبيه صحبة، وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمى )) وذكره ابن حبان فى ثقات التابعين. مترجم فى التهذيب، والكبير ١٥٦/١/٢، وابن أبى حاتم ٣٤٩/٢/١. وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((خالد الحلاج))، وهو خطأ صرف . وأما ((عبد الرحمن بن عائش الحضرمى))، فأمره وأمر صحبته مشكل من قديم ، وسيأتى ذكر ذلك. وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((عبد الرحمن بن عياش))، وحذف ناشر المطبوعة ((الحضرمى))، وهى ثابتة فى المخطوطة . والصواب من رواية أبى جعفر فى ذيل المذيل . ولكن أعجب العجب أنه جاء كذلك فى المسند ٥: ٢٤٣: ((عبد الرحمن بن عياش الحضرمى))، مع أنى لم أجد أحداً ذكر فى ترجمته خلافاً فى اسم أبيه ((عائش))، فمن عجيب الاتفاق، وهو قليل مثله ، أن يأتى كذلك فى مخطوطة الطبرى والمسند جميعاً، وهو اتفاق عجيب على الخطأ فى كتابين متباينين. والذى فى المسند خطأ لاشك فيه أيضاً ، لأنى وجدت ابن كثير فى تفسيره ٧ : ٢٢٠، ونقل الخبر عن هذا الموضع من مسند أحمد، وفيه ((عبد الرحمن بن عائش)) على الصواب. وتحريف ((عائش)) إلى ((عياش)) جائز قريب، لشهرة ((عياش)) وكثرة من تسمى به، وخفاء ((عائش)) وندرة من تسمى به. و ((عبد الرحمن بن عائش الحضرمى)) مترجم فى التهذيب، وفى ابن سعد ١٥٠/٢/٧، فى الصحابة، وفى ذيل المذيل للطبرى (١٣: ٥٩، ٦٠)، وفى الاستيعاب لابن عبد البر: ٣٩٩، وابن أبى حاتم ٢٦٢/٢/٢، وأسد الغابة ٣: ٣٠٣، ٣٠٤، وفى الإصابة، وفى ميزان الاعتدال ٢ : ١٠٨ . و ((عبد الرحمن بن عائش)) مختلف فى صحبته ، فمن صرح بصحبته ، ابن سعد ، وابن جرير فى ذيل المذيل، وابن حبان. أما ابن عبد البر فى الاستيعاب ، وابن الأثير فى أسد الغابة ، فذكر أنه لا تصح صحبته، لأن حديثه مضطرب. وأما أبو حاتم فقال: ((أخطأ من قال : له صحبة ، هو عندى تابعى)). أما أبو زرعة فقال: ((عبد الرحمن بن عائش، ليس بمعروف)). وعد الحافظ ابن حجر فى الإصابة من عده فى الصحابة فقال: ((وذكره فى الصحابة : محمد بن سعد ، والبخارى ، وأبو زرعة الدمشقى، وأبو الحسن بن سميع، وأبو القاسم، والبغوى، وأبو زرعة الحرانى، وغيرهم)). وقد استوفى الكلام فى ترجمته فى الإصابة . وقال البخارى: ((له حديث واحد، إلا أنهم مضطربون فيه))، يعنى هذا الحديث . قال الحافظ ابن حجر فى الإصابة: ((قلت: وقد وجدت له حديثاً آخر مرفوعاً، وحديثاً آخر موقوفاً)). وهذا الخبر رواه أبو جعفر فى ذيل المذيل (تاريخه ١٣ : ٥٩، ٦٠) بهذا الإسناد، وأشار إليه الترمذى فى تفسير ((سورة ص)) من سننه (١٢ : ١١٦، ١١٧ شرح ابن عربى) ، بعد أن ذكر حديث معاذ بن جبل ، من طريق زيد بن سلام ، عن أبى سلام ، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرى أنه حدثه عن مالك بن يخامر السكبيكى ، عن معاذ بن جبل ، وذكر الحديث = ((قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل (البخارى) عن هذا الحديث ٤٧٨ تفسير سورة الأنعام : ٧٦ القول فى تأويل قوله ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوْكَبَا قَلَ هَذارَ بِي فَلَّآ أَفَلَ قَلَ لَا أُحِبُّ الْأَقِلِينَ) ) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : فلما واراه الليل وغيّبه. (١) ... يقال منه: ((جنَّ عليه الليل)) و((جنَّه الليل)) و((أجنه))، و((أجنّ عليه)). وإذا ألقيت ((على))، كان الكلام بالألف أفصح منه بغير ((الألف))، (( أجنه الليل))، أفصح من ((أجن عليه)) و ((جنّ عليه الليل))، أفصح من (( جنّه))، وكل ذلك مقبول مسموع من العرب. (٢) ((جنّه الليل))، فى أسد = ((وأجنه فقال : هذا أصح من حديث الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال ، حدثنا خالد بن اللجلاج ، حدثنى عبد الرحمن بن عائش الحضرمى ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث ، وهذا غير محفوظ ، هكذا ذكر الوليد فى حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد ، عن عبد الرحمن بن عائش، عن النبى صلى الله عليه وسلم = وهذا أصبح ، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبى صلى الله عليه وسلم)). وقد استوفى الحافظ ابن حجر فى الإصابة، فى ترجمة ((عبد الرحمن بن عائش)) وجوه الاختلاف والاضطراب فى هذا الخبر، وما قالوه فى الكتب التى ذكرتها من أنه لم يقل فى حديثه: ((سمعت النبى صلى الله عليه وسلم))، إلا الوليد بن مسلم، وقد ذكر أن الوليد بن مسلم لم ينفرد برواية ذلك ، بل رواه أيضاً ثقة ثبت عن الأوزاعى، صحيح الحديث عنه، هو ((الوليد بن مزيد البيروق)) بمثل رواية ((الوليد بن مسلم))، وإذن فالاضطراب فيه لم يأت من طريق ((الوليد بن مسلم)). وذكر الحافظ سائر المتابعات التى تؤيد الوليد بن مسلم فى روايته . وأما الخبر بغير هذا الإسناد ، فقد رواه أحمد فى مسنده ٥ : ٢٤٣، والترمذى، كما أشرت إليه آنفاً . ثم رواه أحمد من حديث ابن عباس فى مسنده رقم : ٣٤٨٤، بمثله . وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٥ : ٣١٩ - ٣٢١ من حديث جماعة من الصحابة، من حديث ابن عباس، ومعاذ ابن جبل، وأبى هريرة ، وأنس بن مالك ، وأبى أمامة الباهلى ، وطارق بن شهاب ، وعدى بن حاتم ، وأبى عبيدة بن الجراح ، وثوبان . وهذا قدر كاف فى تخريج هذا الخبر المضطرب ، تراجع فيه سائر الكتب التى ذكرتها . وكتبه محمود محمد شاكر (١) فى المطبوعة: ((داراه الليل وجئه))، والصواب من المخطوطة. (٢) هذا بيان لا تصيبه فى كتب اللغة، فقيده هناك، وانظر معانى القرآن للفراء ٠١ ٣٤١. ٤٧٩ تفسير سورة الأنعام : ٧٦ وجنه)) فى تميم. (١) والمصدر من: ((جن عليه))، ((جنًّا وجُنُوناً وجَنَّاناً))، = ومن ((أجنّ)) ((إجناناً)). ويقال: ((أتى فلان فى جِنّ الليل)). (٢) و((الجن)) من ذلك لأنهم استجنُّوا عن أعين بنى آدم فلا يرون . وكل ما توارى عن أبصار الناس، فإن العرب تقول فيه: ((قد جَنّ))، ومنه قول الهذلى: (٣) وَمَاءِ وَرَدْتُ قُبَيْلَ الكَرَى وَقَدْ جَنَّهُ السَّدَقُ الْأَدْهَمُ وقال عبيد : ◌ُوفٍ إِذَا مَاجَنَّهُ الََّيْلُ مَرْهُوبٍ (٥) وَخَرْقٍ نَصِيحُ البُومُ فِيهِ مَعَ الصَّدَى ومنه: ((أجننت الميت،)) إذا واريته فى اللحد، و (( جننته))، وهو نظير (١) يعنى أن الأولى أشهر فى لغة بنى أسد، وأن الثانية أشهر فى لغة بنى تميم. (٢) ((جن الليل)) (بكسر الجيم) : اختلاط ظلمته . (٣) هو البريق الهذلى، واسمه: ((عياض بن خويلد الخناعى))، وروى الأصمعى أن قائل الشعر هو ((عامر بن سدوس الخناعى)). (٤) ديوان الهذليين ٣: ٥٦، وما بقى من أشعار الهذليين رقم: ٣١، واللسان (سدف) (جنن) ، من أبيات يمجد فيها نفسه ، وبعد البيت : مَعِى صَاحِبٌ مِثْلُ نَصْلِ السَّانِ عَنِيفٌ ◌َلَى قِرْنِهِ مِنْثَمُ ويروى: ((وماء وردت على خيفة))، ويروى ((قبيل الصباح))، وكله حسن. و((السدف)): الظلمة من أول الليل أو آخره، عند اختلاط الضوء. و((الأدهم)): الضارب إلى السواد. (٥) ديوانه : ٣٣، ذكر نفسه فى هذا البيت ثم قال بعده: تَزِلُ الوَلَا يَاعَنْ جَوَانِبٍ مَكْرُوبٍ قَطَعْتُ بِصَهْبَاءِ السَّرَاةِ شِلَةٍ وختمها بالبيت الحكيم : تَرَى المَرْء يَصْبُو لِلِحَيَاةِ وَطُولِهَاَ وَفِ طُولٍ عَنْيش المَرْء أَبْرَحُ تَعْذِيبٍ وصدق غاية الصدق! وكان فى المطبوعة: ((الليل مرهب))، والصواب من المخطوطة. و((الخرق)) ( بفتح فسكون): الفلاة الواسعة، ورواية الديوان: ((تصبح الهام))، و((الهام)) ذكر اليوم ، ورواية أبى جعفر أجود، لأن ((الصدى)) هو أيضاً ذكر اليوم. ٤٨٠ تفسير سورة الأنعام : ٧٦ = ((جنون الليل))، فى معنى غطيته. ومنه قيل للترس ((مِجَنّ)) لأنه يُجنّ من استجن به فیغطیه ویواریه ، ٠ ٠ وقوله: (( رأی کوکباً))،يقول : أبصر کو کباً حین طلع = (( قال هذا ربی )) ، فروى عن ابن عباس فى ذلك ، ما : - ١٣٤٦٢ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ))، يعنى به الشمس والقمر والنجوم = ((فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربى))، فعبده حتى غاب ، فلما غاب قال: لا أحب الآفلين = ((فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربى))، فعبده حتى غاب ، فلما غاب قال : لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين = ((فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر)) ، فعبدها حتى غابت ، فلما غابت قال : يا قوم إنىّ برى ء مما تشركون . ١٣٤٦٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (( فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحبّ الآفلين ))، ١٦٣/٧ علم أن ربّه دائم لا يزول. فقرأ حتى بلغ: ((هذا ربى هذا أكبر))، رأى خلقاً هو أكبر من الخلقين الأوّلين وأنور.(١) وكان سبب قيل إبراهيم ذلك ، ما :- ١٣٤٦٤ - حدثنى به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، حدثنى محمد بن إسحق = فيما ذكر لنا، والله أعلم = أن آزر كان رجلاً من أهل (١) فى المطبوعة: ((وأى خلق))، وهو فاسد المعنى، وفى المخطوطة: ((وأى خلقاً))، وصواب قراءتها ما أثبت .