النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
تفسير سورة الأنعام : ٣٥، ٣٦
ترك فعله بهم . وفى تركه فعل ذلك بهم ، أوضحُ الدليل أنه لم يعطهم كل الأسباب
التى بها يصلون إلى الهداية ، ويتسبّبون بها إلى الإيمان .
٥
٥
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسَْعُونَ
وَالْمَوْتَىْ يَبْعَتُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يكبُرُن"
عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك ، وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى
توحيد ربهم والإقرار بنبوّتك ، فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من
ذلك، (١) إلاّ الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق، وسَّل لهم اتباع الرُّشد ،
دون من ختم الله على سمعه ، فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق
إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رُعاتها ، فهم كما وصفهم به اللّه تعالى ذكره :
﴿مُّ ◌ُكْمُىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونْ﴾ [سورة البقرة: ١٧١] = ((والموتى يبعثهم الله))،
يقول: والكفارُ يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم تعالى ذكره فى عداد الموتى
الذين لا يسمعون صوتاً، ولا يعقلون دعاء ، ولا يفقهون قولاً، إذ كانوا لا يتدبرون
حجج الله ، ولا يعتبرون آياته ، ولا يتذكرون فینزجرون عما هم عليه من تكذيب
رُسُل اللّه وخلافهم. (٢)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
« ذكر من قال ذلك :
(١) انظر تفسير ((الاستجابة)) فيما سلف ٣ : ٤٨٣، ٤٨٤ /٧ : ٤٨٦ - ٤٨٨.
(٢) فى المطبوعة: ((ولا يتذكرون فينزجروا))، وفى المخطوطة: ((ولا يتذكروا فينزجروا))
والصواب ما أثبته .

٣٤٢
تفسير سورة الأنعام : ٣٦
١٣٢٠٦ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((إنما يستجيب الذين يسمعون))،
المؤمنون، للذكر = ((والموقى))، الكفار، حين يبعثهم الله مع الموتى.
١٣٢٠٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٣٢٠٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((إنما يستجيب الذين يسمعون))، قال: هذا مَثّل المؤمن ، سمع
كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله. والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ، وهذا مثل
الكافر أصم أبكم ، لا يبصر هدّى ولا ينتفع به .
١٣٢٠٩ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان الثورى ،
عن محمد بن جحادة، عن الحسن: ((إنما يستجيب الذين يسمعون))، المؤمنون =
((والموتى))، قال : الكفار.
١٣٢١٠ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن محمد بن جحادة قال: سمعت الحسن يقول فى قوله: ((إنما يستجيب الذين
يسمعون والموتى يبعثهم الله))، قال : الكفار .
٠ ٠ ٠
وأما قوله: (( ثم إليه يرجعون))، فإنه يقول تعالى ذكره: ثم إلى اللّه يرجع
المؤمنون الذين استجابوا للّه والرسول، (١) والكفارُ الذين يحول الله بينهم وبين أن
يفقهوا عنك شيئاً ، فیثیب هذا المؤمن على ما سلف من صالح عمله فى الدنيا بما
وعد أهل الإيمان به من الثواب ، ويعاقب هذا الكافرّ بما أوعدَ أهل الكفر به
من العقاب ، لا يظلم أحداً منهم مثقال ذرة .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ثم إلى اللّه يرجعون المؤمنون))، وليس بشىء هنا، والجيد
ما أثبته .

٣٤٣
تفسير سورة الأنعام : ٣٧
القول فى تأويل قوله ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزَّلَ عَلَيْهِ ءَ ايَةٌ مِّن
رَّبِّهِ حُ قُلْ إِنَّ اللهَ فَدِرٌ عَلَىّ أَنْ يَزِّلَ ايَّةً وَلَكِنَّ أَ كْثَرَهُمْ لَا
يْلُونَ﴾(
٧
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء العادلون بربهم ، المعرضون
عن آياته: ((لولا نزل عليه آية من ربه))، يقول: قالوا: هلاًّ نزل على محمد آية
من ربه؟ (١) كما قال الشاعر : (٢)
١١٩/٧
بَنِ ضَوْطَرَى، لَوَلَا الكَمِّالُقَنَّا(٣)
تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَل ◌َجْدِكُمْ
بمعنى : هلأَّ الكمىَّ.
و((الآية))، العلامة. (٤)
*
٠
وذلك أنهم قالوا: ﴿ مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطََّمَ وَيَمْشِى فِ الأَسْوَاقِ
لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً، أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونَ لَهُ
جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [سورة الفرقان: ٨،٧]. قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه
وسلم: قل، يا محمد، لقائلى هذه المقالة لك: ((إنّ اللّه قادر على أن ينزل آية))،
يعنى: حجة على ما يريدون ويسألون = ((ولكن أكثرهم لا يعلمون))، يقول: ولكن
أكثر الذين يقولون ذلك فيسألونك آية ، (٥) لا يعلمون ما عليهم فى الآية إن نَزَّلها
من البلاء، ولا يدرون ما وجه ترك إنزال ذلك عليك . ولو علموا السبب الذى من
أجله لم أنزلها عليك ، لم يقولوا ذلك ، ولم يسألوكه ، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك .
٠٠٠
(١) انظر تفسير ((لولا)) فيما سلف ٢: ٥٥٢، ١٠/٥٥٣: ١١/٤٤٨: ٢٦٢،
(٢) هو جرير .
(٣) مضى البيت وتخريجه وتفسيره وصواب نسبته فيما سلف ٢ : ٥٥٢، ٥٥٣.
(٤) انظر تفسير ((الآية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبى).
(٥) فى المخطوطة: ((ولكن أكثرهم الذين يقولون))، والجيد ما فى المطبوعة.

٣٤٤
تفسير سورة الأنعام : ٣٨
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِىِ الْأَرْضِ وَلَا
◌َرٍ يَطِيرُ بِنَيْهِ إِلّ أُمُمْ أَمْثَلُكُم مَّا فَرَّطْنَ فِىِ الْكِتَّبِ مِن
شَىْءٌ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُعْشَرُونَ) (2)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء
المعرضين عنك ، المكذبين بآيات الله: أيها القوم، لا تحسبُنَّ اللّه غافلاً عما
تعملون ، أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون ! وكيف يغفل عن أعمالكم ، أو
يترك مجازاتكم عليها ، وهو غير غافل عن عمل شىء دبَّ على الأرض صغيرٍ أو
كبيرٍ، (١) ولا عمل طائر طار بجناحيه فى الهواء ، بل جعل ذلك كله أجناساً
مجنّسة وأصنافاً مصنفة، (٢) تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سُخِّرت له كما
تتصرفون ، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها ، ومُثْبَت كل ذلك من أعمالها
فى أم الكتاب، ثم إنه تعالى ذكره مميتها ثم منشرها ومجازيها يوم القيامة جزاءً أعمالها .
يقول: فالرب الذى لم يضيّع حفظ أعمال البهائم والدواب فى الأرض ، والطير فى
الهواء ، حتى حفظ عليها حركاتها وأفعالها ، وأثبت ذلك منها فى أم الكتاب ،
وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها فى دار البلاء ، أحرى أن لا يُضيع أعمالكم،
ولا يُفَرِّط فى حفظ أفعالكم التى تجترحونها ، أيها الناس، حتى يحشركم فيجازيكم
على جميعها ، إن خيراً فخيراً ، وإن شرًّا فشرًا ، إذ كان قد خصكم من نعمه ،
وبسط عليكم من فضله ، ما لم يعمَّ به غيركم فى الدنيا، وكنتم بشكره أحقًّ، وبمعرفة
واجبه عليكم أولى ، لما أعطاكم من العقل الذى به بين الأشياء تميِّزون ، والفهم
(١) انظر تفسير ((داية)) فيما سلف ٣ : ٢٧٥.
(٢) انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف ١٠: ٤٦٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٣٤٥
تفسير سورة الأنعام : ٣٨
الذى لم يعطه البهائم والطيرَ، الذى به بين مصالحكم ومضارُّكم تفرّقُون .
٠ ٠ ٥
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٢١١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((أمم أمثالكم))، أصناف
مصنفة تعرف بأسمائها .
١٣٢١٢ -حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن آبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٣٢١٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: (( وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلاّ
أمم أمثالكم))، يقول : الطير أمة ، والإنس أمة ، والجن أمة .
١٣٢١٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قوله: (( إلا أمم أمثالكم))، يقول: إلا خلق أمثالكم .
١٣٢١٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج فى قوله: (( وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلاّ أم
أمثالكم)) ، قال : الذرّة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب.
...
وأما قوله: ((ما فرطنا فى الكتاب من شىء ))، فإن معناه : ما ضيعنا إثبات
شىء منه ، كالذى : -
١٣٢١٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: (( ما فرطنا فى
الكتاب من شىء))، ما تركنا شيئاً إلا قد كتبناه فى أم الكتاب .
١٣٢١٧ -حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:

٣٤٦
تفسير سورة الأنعام : ٣٨
((ما فرطنا فى الكتاب من شىء ))، قال: لم نُغفيل الكتاب، ما من شيء إلا
وهو فى الكتاب .(١)
١٣٢١٨ - وحدثنى به يونس مرة أخرى، قال فى قوله: (( ما فرطنا فى
الكتاب من شىء))، قال : كلهم مكتوبٌ فى أم الكتاب .
#
وأما قوله: ((ثم إلى ربهم يحشرون))، فإن أهل التأويل اختلفوا فى معنى
((حشرهم))، الذى عناه الله تعالى ذكره فى هذا الموضع. (٢)
فقال بعضهم : (( حشرها ))، موتها .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٢٠/٧
١٣٢١٩ -حدثی محمد بن عمارة الاسدیقال، حدثنا عبيد الله بن موسى ،
عن إسرائيل، عن سعيد، عن مسروق، عن عكرمة، عن ابن عباس: (( وما
من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلاّ أمم أمثالكم)) ، قال ابن عباس :
موت البهائم حشرها . (٣)
١٣٢٢٠ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((ثم إلى ربهم يحشرون))،
قال : يعنى بالحشر ، الموت .
١٣٢٢١ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ الفضل
ابن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((ثم
(١) فى المطبوعة: ((لم نغفل ما من شىء ... ))، أسقط ((الكتاب))، وهى ثابتة فى
المخطوطة .
(٢) انظر تفسير (الحشر)) فيما سلف ص: ٢٩٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) الأثر: ١٣٢١٩ - ((عبيد الله بن موسى بن أبى المختار العيسى))، سلف قريباً
رقم: ١٣١٧٧، وكان هنا فى المطبوعة والمخطوطة أيضاً ((عبد الله بن موسى))، وهو خطأ، أشرت
إليه فيما سلفيس

٣٤٧
تفسير سورة الأنعام : ٣٨
إلى ربهم يحشرون))، يعنى بالحشر : الموت .
٠٠٠
وقال آخرون: ((الحشر)» فى هذا الموضع ، يعنى به الجمعُ لبعث الساعة
وقيام القيامة .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٢٢٢ -حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر = وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر.
= عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبى هريرة فى قوله: ((إلا أم
أمثالكم ما فرَّطنا فى الكتاب من شىء ثم إلى ربهم يحشرون))، قال: يحشر الله
الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائمَ والدوابَّ والطير وكل شىء ، فيبلغ من عدل
اللّه يومئذ أن يأخذَ للجمَّاء من القَرْناء، ثم يقول: ((كونى تراباً ))، فلذلك
يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِى كُنْتُ تُرَابًا﴾ [سورة النبأ: ٤٠].(١)
١٣٢٢٣ -حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بنثور، عن معمر
= وحدثنا الحسن بن يحی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر = ، عن
الأعمش، عمن ذكره ، (٢) عن أبى ذر قال : بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه
(١) الأثر: ١٣٢٢٢ - ((جعفر بن برقان الكلابى))، ثقة، مضى برقم : ٤٥٧٧،
٧٨٣٦ ٠
و((يزيد بن الأصم بن عبيد البكانى))، تابعى ثقة، مضى برقم : ٧٨٣٦.
وهذا الخبر رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٣١٦، من طريق عبد الرزاق، عن معمر ، عن
جمفر الجذرى، عن يزيد بن الأصم، وقال: ((جعفر الجذرى هذا، هو ابن برقان، قد احتج
به مسلم، وهو صحيح على شرطه، ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي.
وخرجه ابن كثير فى تفسيره ٣: ٣٠٨، ٣٠٩، ثم قال: « وقد روى هذا مرفوعاً فی حدیث
الصور)). وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣: ١١، وزاد نسبته لأبى عبيد، وابن المنذر ، وابن
أبى حاتم .
و((الجماء)): الشاة إذا لم تكن ذات قرن. و((القرناء)): الشاة الكبيرة القرن.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((عن الأعمش ذكره))، وهو سهو من الناسخ، صوابه من
تفسير ابن كثير. وقوله ((عمن ذكره)) كأنه يعنى: ((منذر الثورى)) أو ((الهزيل بن شرحبيل))
كما يتبين من التخريج .

٣٤٨
تفسير سورة الأنعام : ٣٨
وسلم إذا انتطحت عنزان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون فيما انتطحتا؟
قالوا : لا ندرى! قال: لكن الله يدرى، وسيقضى بينهما.(١)
١٣٢٢٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق بن سليمان قال، حدثنا فطر
ابن خليفة ، عن منذر الثورى، عن أبى ذر قال : انتطحت شاتان عند النبى
صلى الله عليه وسلم فقال لى: يا أبا ذَرّ، أتدرى فيم انتطحتا ؟ قلت: لا! قال :
لكن الله يدرى وسيقضى بينهما! قال أبوذر: لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم وما يقلِّب طائرٌ جناحيه فى السماء إلاّ ذكرنا منه علماً. (١)
#
#
(١) الأثران: ١٣٢٢٣، ١٣٢٢٤ - ((إسحق بن سليمان الرازى العبدى))، ثقة مضى
برقم : ٦٤٥٦ ، ١٠٢٣٨، ١١٢٤٠.
و ((فطر بن خليفة القرشى))، ثقة، مضى برقم: ٣٥٨٣، ٦١٧٥، ٧٥١١. وكان
فى المطبوعة: ((مطر بن خليفة))، وهو خطأ، صوابه فى المخطوطة.
و((منذر الثورى))، هو: ((منذر بن يعلى الثورى))، ثقة، قليل الحديث روى عن
التابعين ، لم يدرك الصحابة . مضى برقم : ١٠٨٣٩.
وهذا الخبر رواه أحمد فى مسنده ٥ : ١٥٣، مختصراً من طريق ابن نمير ، عن الأعمش ،
عن منذر، عن أشياخ من التيم، قالوا، قال أبو ذر: ((لقد تركنا محمد صلى الله عليه وسلم وما يحرك
طائر جناحيه فى السماء إلا أذكرنا منه علماً)) .
ثم رواه أيضاً فى المسند ٥ : ١٦٢، من ثلاث طرق، مطولا ومختصراً كالسالف، أولها مطولا
من طريق محمد بن جعفر ، عن سليمان ، عن منذر الثورى ، عن أشياخ لهم ، عن أبى ذر = ثم
من الطريق نفسه مختصراً كالسالف = ثم من طريق حجاج ، عن فطر ، عن المنذر ، بمعناه .
وقد تبين من رواية أحمد أن الذى روى عنه الأعمش فى الإسناد الأول ، هو منذر الثورى نفسه .
وإسناد هذه كلها إما منقطعة ، كإسناد أبى جعفر - أو فيها مجاهيل ، كأسانيد أحمد .
ثم رواه أحمد فى مسنده بغير هذا اللفظ، (٥ : ١٧٢، ١٧٣) من طريق عبيد اللّه بن محمد ،
عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن ثروان ، عن الهزيل بن شرحبيل، عن أبى ذر : أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان جالساً وشاتان تقترنان، فنطحت إحداهما الأخرى فأجهضتها . قال :
فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقيل له: ما يضحكك يا رسول الله ؟ قال : عجبت لها !
والذى نفسى بيده ليقادن لها يوم القيامة )).
وكان فى المسند: ((عبد الرحمن بن مروان)»، وهو خطأ، وإنما الراوى عن الهزيل ، هو
((بن ثروان)) .
وهذا إسناد حسن متصل .

٣٤٩
تفسير سورة الأنعام : ٣٨
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله تعالى ذكره
أخبر أنّ كل دابة وطائر محشورٌ إليه. وجائز أن يكون معنيًا بذلك حشر القيامة =
وجائز أن يكون معنيًّاً به حشر الموت = وجائز أن يكون معنيًّاً به الحشران جميعاً، ولا
دلالة فى ظاهر التنزيل ، ولا فى خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أيُّ ذلك
المراد بقوله: ((ثم إلى ربهم يحشرون))، إذ كان ((الحشر))، فى كلام العرب
الجمع، (١) من ذلك قول الله تعالى ذكره: ﴿وَالطَّيْرَ تَحْشُورَةٌ كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾.
[سورة ص: ١٩]، يعنى: مجموعة. فإذا كان الجمع هو ((الحشر))، وكان الله
تعالى ذكره جامعاً خلقه إليه يوم القيامة ، وجامعهم بالموت، كان أصوبُ القول
فى ذلك أن يُعَمَّ بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها = وأن يقال : كل دابة وكل طائر
محشورٌ إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة ، إذ كان الله تعالى ذكره قد عم بقوله :
« ثم إلی رہہم يحشرون))، ولم يخصص به حشراً دون حشر.
٠٠٠
فإن قال قائل: فما وجهُ قوله: ((ولا طائر يطير بجناحيه))؟ وهل يطير الطائر
إلا بجناحيه؟ فما فى الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة ؟
قيل : قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى ذكره أنزل هذا الكتاب بلسان
قوم ، وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه فى منطقهم خاطبهم . فإذا كان
من كلامهم إذا أرادوا المبالغة فى الكلام أن يقولوا: ((كلمت فلاناً بفمى ))،
و((مشيت إليه برجلى)) و((ضربته بيدى))، خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه فى
كلامهم، ويستعملونه فى خطابهم ، ومن ذلك قوله تعالى ذكره : ﴿ إِنَّهُذَا أُخِى
لَهَ قِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةَ أَنْشَى﴾، [سورة ص: ٢٣].(٢)
(١) انظر تفسير ((الحشر)) فيما سلف ص: ٣٤٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ذكر الآية كقراءتنا فى مصحفنا، هكذا: ((إن هذا أخى له تسع
تسعون نعجة ولى نعجة واحدة))، وليس هذا موضع استشهاد أبى جعفر ، والصواب فى المخطوطة
كما أثبته . وهى قراءة عبد الله بن مسعود، وقد ذكرها أبو جعفر فى تفسيره بعد (٢٣: ٩١،
بولاق) ثم قال: [وذلك على سبيل توكيد العرب الكلمة، كقولهم: ((هذا رجل ذكر))، ولا يكادون

٣٥٠
تفسير سورة الأنعام : ٣٩
القول فى تأويل قوله ﴿وَلِّينَ كَذَّبُواْ بَّا يَتِنَ صُمّ
وَبَكُمْ فِىِ الْظُلُمَتِ مَن يَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأَ يَجْعَلْهُ عَلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٦)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين كذبوا بحجج اللّه وأعلامه وأدلته (١) =
((صم))، عن سماع الحق = ((بكم))، عن القيل به (٢) = ((فى الظلمات))، يعنى: فى
ظلمة الكفر حائراً فيها ، (٣) يقول: هو مرتطم فى ظلمات الكفر ، لا يبصر
آيات الله فيعتبر بها ، ويعلم أن الذى خلقه وأنشأه فديَّره وأحكم تدبيره، وقدَّره
أحسن تقدير، وأعطاه القوة ، وصحح له آلة جسمه = لم يخلقه عبئاً ، ولم يتركه
سدّى، ولم يعطه ما أعطاه من الآلات إلاّ لاستعمالها فى طاعته وما يرضيه ، دون
١٢١/٧ معصيته وما يسخطه. فهو لحيرته فى ظلمات الكفر، وتردّده فى غمراتها، غافلٌ
عمَّا اللّه قد أثبت له فى أمّ الكتاب، وما هو به فاعلٌ يوم يحشر إليه مع سائر
الأمم . ثم أخبر تعالى ذكره أنه المضِلّ من يشاء إضلاله من خلقه عن الإيمان
إلى الكفر ، والهادى إلى الصراط المستقيم منهم من أحبَّ هدايته ، فموفّقه بفضله
وطوله للإيمان به ، وترك الكفر به وبرسله وما جاءت به أنبياؤه ، وأنه لا يهتدى
من خلقه أحد إلا من سبق له فى أمّ الكتاب السعادة، ولا يضل منهم أحد إلا من
سبق له فيها الشقاء، وأنّ بيده الخير كلُّه، وإليه الفضل كله، له الخلق والأمر. (٤)
٠ ٠
يفعلون ذلك إلا فى المؤنث والمذكر الذى تذكيره وتأنيثه فى نفسه، كالمرأة والرجل والناقة ، ولا يكادون
أن يقولوا: ((هذه دار أنثى، وملحفة أنثى))، لأن تأنيثها فى اسمها لا فى معناها].
(١) انظر تفسير ((الآية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبي).
(٢) انظر تفسير ((صم)) و((بكم)) فيما سلف ١: ٣٢٨ - ٣/٣٣١: ٠٣١٥
(٣) وحد الضمير بعد الجمع فقال: ((حائراً فيها))، يعنى الكافر المكذب بآيات الله،
وهو جائز فى مثل هذا الموضع من التفسير .
(٤) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
= وتفسير ((الصراط المستقيم)) فيما سلف ١٠: ٤٢٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.

٣٥١
تفسير سورة الأنعام : ٤٣٩ ٤٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال قتادة :
١٣٢٢٥ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة :
((ھم ویکم ) ، هذا مثل الكافر ، أصم أبکم ، لا يبصر هدى، ولا ينتفع به ،
صمّ عن الحق فى الظلمات ، لا يستطيع منها خروجاً ، متسگُع فيها .
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَمْكُمْ عَذَابُ
اللَّهِ أَوْ أَتَشْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَّدِقِينَ) )
قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية فى معنى قوله: ((أرأيتكم)).
فقال بعض نحوبى البصرة: ((الكاف )) التى بعد (( التاء )) من قوله: (( أرایتکم،
إنما جاءت للمخاطبة، وتركت ((التاء)) مفتوحة = كما كانت للواحد. قال:
وهى مثل ((كاف)) ((رويدك زيداً))، إذا قلت: أرود زيداً = هذه ((الكاف))
ليس لها موضع مسمى بحرف ، لا رفع ولا نصب ، وإنما هى فى المخاطبة مثل
كاف ((ذاك)). ومثل ذلك قول العرب: ((أبصركَ زيداً))، (١) يدخلون ((الكاف))
للمخاطبة .
٠
٠ ٠
وقال آخرون منهم: معنى: ((أرأيتكم إن أتاكم))، أرأيتم . قال: وهذه
((الكاف)) تدخل للمخاطبة مع التوكيد، و((التاء)) وحدها هى الاسم ، كما
أدخلت ((الكاف)) التى تفرق بين الواحد والاثنين والجميع فى المخاطبة، كقولهم:
(((هذا، وذاك، وتلك، وأولئك))، فتدخل ((الكاف)) للمخاطبة، وليست باسم،
و((التاء)) هو الاسم الواحد والجميع، تركت على حال واحدة . ومثل ذلك قولهم:
(١) فى المطبوعة: ((انصرك زيداً)) بالنون، والصواب بالباء كما سيأتى.

٣٥٢
تفسير سورة الأنعام : ٤٠
(((ليسك ثَمَّ إلازيد))، يراد: ليس= و((لاسيَّك زيد))، فيراد: ولاسيما زيد=
و (بلاك)) فيراد، ((بلى)) فى معنى: ((نعم)) = و((لبئسك رجلاً، ولنعمك رجلاً)).
وقالوا: (انظرك زيداً ما أصنع به)) = و((أبصرك ما أصنع به))، بمعنى: أبصره. وحكى
بعضهم: ((أبصركُم ما أصنع به))، يراد: أبصروا حو ((انظركم زيداً))، أى
انظروا. وحكى عن بعض بنى كلاب: (( أتعلمك كان أحد أشعر من ذى
الرمة؟))، فأدخل ((الكاف)).
#
وقال بعض نحوبى الكوفة: ((أرأيتك عمراً))، أكثر الكلام فيه ترك الهمز. قال:
و((الكاف)) من ((أرأيتك)) فى موضع نصب، كأن الأصل : أرأيت نفسك على غير
هذه الحال؟ قال: فهذا يثنى ويجمع ويؤنث، فيقال: ((أرأيتما كما)) و((أرأيتموكم)).
و (( وَأَرَأَ يْتُنَّكُنَّ))، (١) أوقع فعله على نفسه، وسأله عنها، ثم كثر به الكلام حتى
تركوا ((التاء)) موحدة للتذكير والتأنيث والتثنية والجمع، فقالوا: ((أرأيتكم زيداً
ما صنع)) و ((أرأيتكنّ ما صنع))، فوحدوا التاء وثنوا الكاف وجمعوها ، فجعلوها
بدلاً من ((التاء))، (٢) كما قال: ﴿هَؤُمُ أَقْرَأُوا كِتَبِيَهُ﴾ [سورة الحاقة: ١٩]،
و((هاء يارجل)) و((هاؤما))، ثم قالوا: ((هاكم))، اكتفى بالكاف والميم مما كان
يثنى ويجمع. فكأن ((الكاف)) فى موضع رفع، إذ كانت بدلاً من ((التاء)). وربما
وحدت للتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وهى كقول القائل: ((عليك زيداً)»،
((الكاف)) فى موضع خفض، والتأويل رفع. فأما ما يُجْلب فأكثر ما يقع على
الأسماء، ثم تأتى بالاستفهام فيقال: ((أرأيتك زيداً هل قام))، لأنها صارت
بمعنى: أخبرنى عن زيد ، ثم بيَّن عما يستخبر. فهذا أكثر الكلام . ولم يأت
(١) فى المطبوعة فصل وكتب ((أرأيتن كن))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو المطابق لما فى معانى
القرآن الفراء .
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٣٣، ٠٣٣٤

-
٣٥٣
تفسير سورة الأنعام : ٤٠، ٤١
الاستفهام يليها. (١) لم يقل: ((أرأيتك هل قمت))، لأنهم أرادوا أن يبينوا عمن يسأل،
ثم تُبيّن الحالة التى يسأل عنها. وربما جاء بالجزاء ولم يأت بالاسم ، (٢) فقالوا:
((أرأيت إن أتيت زيداً هل يأتينا)) (٣) = و((أرأيتك)) أيضاً = و ((أرأيتُ زيداً إن
أتيته هل يأتينا)، إذا كانت بمعنى: ((أخبرنى))، فيقال باللغات الثلاث.
قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين باللّه الأوثان
والأصنامَ : أخبرونى، إن جاءكم ، أيها القوم، عذاب الله كالذى جاءمن قبلكم
من الأمم الذين هلك بعضهم بالرجفة ، وبعضهم بالصاعقة - أو جاءتكم الساعة
التى تنشرون فيها من قبوركم، وتبعثون لموقف القيامة، أغير الله هناك تدعون لكشف
ما نزل بكم من البلاء ، أو إلى غيره من آلهتكم تفزعون لينجيكم مما نزل بكم من
عظيم البلاء؟ = ((إن كنتم صادقين))، يقول: إن كنتم محقّين فى دعواكم ١٢٢/٧
وزعمكم أنّ آلمتكم التى تدعونها من دون الله تنفع أو تضر .
٥
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿بَلْ إِنَّهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ
مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاء وَتَتَسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره ، مكذِّباً لهؤلاء العادلين به الأوثان : ما
أنتم، أيها المشركون بالله الآلهةَ والأنداد، إن أتاكم عذابُ اللّه أو أتتكم الساعة ،
(١) فى المطبوعة، مكان ((يليها)) ((ثنيها) وهو خطأ، صوابه فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((وربما جاء بالخبر)) وهو خطأ، صوابه فى المخطوطة، وإن كانت
غير منقوطة ولا مهموزة . ومن أجل هذا التصرف ، تصرف فى عبارة أبى جعفر كما سترى فى التعليق
الحالى .
(٢) فى المطبوعة: ((فقالوا: أرأيت زيداً هل يأتينا))، حذف ((إن أتيت)) لسوه تصرفه
كما فى التعليق السابق .
ج ١١ (٢٣)

٣٥٤
تفسير سورة الأنعام : ٤١، ٤٢
بمستجيرين بشىء غير الله فى حال شدة الهول النازل بكم من آلهة ووثن ومثم ،
بل تدعون هناك ربكم الذي خلقكم ، وبه تستغیئون ، وإليه تفزعون ، دون کل
شىء غيره = ((فيكشف ما تدعون إليه)) ، يقول: فيفرِّج عنكم عند استغاثتكم به
وتضرعكم إليه ، عظيم البلاء النازل بكم إن شاء أن يفرج ذلك عنكم ، لأنه القادر
على كل شىء ، ومالك كل شىء ، دون ما تدعونه إلهاً من الأوثان والأصنام
= ((وتنسون ما تشركون))، يقول: وتنسون حين يأتيكم عذاب الله أو تأتيكم
الساعة بأهوالها، ما تشرکونه مع الله فى عبادتكم إياه ، فتجعلونه له ندًا من وثن
وَصْنم ، وغير ذلك مما تعبدونه من دونه وتدعونه إلهاً .
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىَ أُثَمِ مِّن قَبْلِكَ
فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَآءِ وَلَّرَآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَرَّعُونَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : = متوعداً لهؤلاء العادلين به الأصنام =
ومحذّرّهم أن يسلك بهم إن هم تمادوا فى ضلالهم سبيلَ من سلك سبيلهم من الأمم
قبلهم ، فى تعجيل اللّه عقوبته لهم فى الدنيا = ومخبراً نبيّه عن سنته فى الذين خلوا
قبلهم من الأمم على منهاجهم من تكذيب الرسل =: ((لقد أرسلنا))، يا محمد ،
((إلى أمم))، يعنى: إلى جماعات وقرون(١) = ((من قبلك فأخذناهم بالبأساء)» ،
يقول: فأمرناهم ونهيناهم، فكذبوا رسلنا، وخالفوا أمرنا ونهينا، فامتحناهم بالابتلاء =
((بالبأساء))، وهى شدة الفقر والضيق فى المعيشة (٢) = ((والضراء))، وهى
(١) انظر تفسير (أمة)) فيما سلف ص: ٣٤٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((البأساء)) فيما سلف ٣: ٣٤٩ - ٤/٣٥٢: ٢٨٨.

٩٠
٣٥٥
تفسير سورة الأنعام : ٤٢
الأسقام والعلل العارضة فى الأجسام . (١)
٠
وقد بينا، ذلك بشواهده ووجوه إعرابه فى ((سورة البقرة))، بما أغنى عن إعادته
فى هذا الموضع . (٢)
٠
وقوله: ((لعلهم يتضرعون)) يقول : فعلنا ذلك بهم ليتضرعوا إلىّ ، ويخلصوا
لى العبادة، ويُفْردوا رغبتهم إلىَّ دون غيرى، بالتذلل منهم لى بالطاعة، والاستكانة
منهم إلىّ بالإنابة .
٠ ٥
وفى الكلام محذوفٌ قد استغنى بما دلّ عليه الظاهر من إظهاره دون قوله: (٣)
(( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم )، وإنما كان سببأخذه إياهم، تكذيهم
الرسل وخلافهم أمرَه = لا إرسال الرسل إليهم . وإذا كان ذلك كذلك ، فمعلوم
أن معنى الكلام: ((ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك )) رسلاً فكذبوهم، (( فأخذناهم
بالبأساء )) .
و((التضرع)) هو ((التفعل)) من ((الضراعة))، وهى الذلة والاستكانة.
(١) انظر تفسير ((الضراء)) فيما سلف ٣: ٣٤٩ - ٤/٣٥٢: ٧/٢٨٨: ٢١٤.
(٢) انظر المراجع كلها فى التعليقين السالفين .
(٣) فى المطبوعة: ((بما دل عليه الظاهر عن إظهاره من قوله))، غير ما فى المخطوطة،
وأثبت ما فى المخطوطة بنصه ، وإن كنت أخشى أن يكون سقط من الناسخ كلام .

٣٥٦
تفسير سورة الأنعام : ٤٣
القول فى تأويل قوله ﴿ فَلَوْلَا إِذْ بِجَاءَهُم بَأْسُنَاَ تَضَرَّعُواْ
وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيْنَ لَهُمُ الشَّيْطُنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) )
قال أبو جعفر: وهذا أيضاً من الكلام الذى فيه متروك استغنى بدلالة الظاهر
عن ذكر ما تُرك . وذلك أنه تعالى ذكره أخبر عن الأمم التى كذّبت رسلها أنه
أخذهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا له، (١) ثم قال: ((فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا))،
ولم يخبر عما كان منهم من الفعل عند أخذه إياهم بالبأساء والضراء. ومعنى الكلام:
((ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون))، فلم
يتضرعوا، ((فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا)).
ومعنى: ((فلولا))، فى هذا الموضع، فهلاً. (٢) والعرب إذا أُوْلَتْ(لولا)) اسماً
مرفوعاً، جعلت ما بعدها خبراً، وتلقتها بالأمر، (٣) فقالت: ((لولا أخوك لزرتك))
و((لولا أبوك لضربتك))، وإذا أوْلتها فعلاً، أولم تُولها اسماً، جعلوها استفهاماً فقالوا:
((لولا جئتنا فنكرمك)) و((لولا زرت أخاك فنزورك))، بمعنى: ((هلاً))، كما
قال تعالى ذكره: ﴿لَوْلاَ أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّدَقَ﴾ [سورة المنافقون: ١٠].
وكذلك تفعل بـ ((لوما)) مثل فعلها: ((لولا)). (٤)
...
فتأويل الكلام إذاً : فهلاّ إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلتها ،
الذين لم يتضرعوا عند أخذ ناهم بالبأساء والضراء = ((تضرعوا))، فاستكانوا لربهم ،
وخضعوا لطاعته ، فيصرف ربهم عنهم بأسه ، وهو عذابه .
٠
٥
(١) فى المطبوعة حذف (له))، وهى فى المخطوطة: ((به))، وهذا صواب قراءتها.
(٢) انظر تفسير ((لولا)) فيما سلف ص: ٣٤٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) فى المطبوعة: ((وتلتها))، غير ما فى المخطوطة وأفسد الكلام.
(٤) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٣٤، ٠٣٣٥

٣٥٧
تفسير سورة الأنعام : ٤٣، ٤٤
وقد بينا معنى ((البأس)) فى غير هذا الموضع ، بما أعنى عن إعادته فى هذا
الموضع. (١)
٠
a
=( ولکن قست قلوبهم،» يقول: ولکن أقاموا على تكذيهم رسلهم، وأصروا
على ذلك ، واستكبروا عن أمر ربهم ، استهانةً بعقاب اللّه ، واستخفافاً بعذابه ،
وقساوةَ قلب منهم(٢) = ((وزين لهم الشيطانُ ما كانوا يعملون))، يقول: وحسن ١٢٣/٧
لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الأعمال التى يكرهها اللّه ويسخطها منهم .
٥
القول فى تأويل قوله ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَاذُ كِرُواْ بِهِے
فَحْنَ عَلَيْهِمْ أَبْوُّبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتْىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْتَهُم
بَْتَةً فَإِذَا هُم مَّيْلِسُونَ ) (١)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فلما نسوا ما ذكروا به))، فلما
تركوا العمل بما أمرفاهم به على ألسن رسلنا ، (٣) كالذى : -
١٣٢٢٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طاحة ، عن ابن عباس قوله : ((فلما نسوا
ما ذكروا به)) ، يعنى : تركوا ما ذكروا به .
١٣٢٢٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
(١) انظر تفسير (البأس)) فيما سلف ٣: ٣٥٤، ٨/٣٥٥: ٥٨٠.
(٢) انظر تغير ((قسا)) فيما سلف ٢: ٢٣٣ - ١٠/٢٣٧: ١٢٦، ١٢٧.
(٣) انظر تغير ((النسيان)) فيما سلف ٢: ٩، ٤٧٣ - ٥/٤٨٠: ٦/١٦٤:
١٣٢، ١٣٣ - ١٠/١٣٥: ٠١٢٩
= وانظر تفسير ((التذكير)) فيما سلف ١٠: ١٣٠، تعليق ٢، والمراجع هناك.

٣٥٨
تفسير سورة الأنعام : ٤٤
ابن جريج قوله: ((نسوا ما ذكروا به))، قال: ما دعاهم اللّه إليه ورسله ،
أبوه وردُّوه عليهم .
٥
= ((فتحنا عليهم أبوابَ كل شىء))، يقول: بدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة
فى العيش ، ومكان الضراء الصحة والسلامة فى الأبدان والأجسام ، استدراجاً
منّاله ، کالذى :-
١٣٢٢٨ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى = وحدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل = ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: ((فتحنا عليهم أبواب كل
شىء))، قال : رخاء الدنيا ويُسْرها ، على القرون الأولى.
١٣٢٢٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: (( فتحنا عليهم أبواب كل شىء ))، قال : يعنى
الرخاء وسعة الرزق .
٠
١٣٢٣٠ - حدثنى محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،حدثنا
أسباط، عن السدى قوله: ((فتحنا عليهم أبواب كل شىء))، يقول : من الرزق .
٠ ٠٠
فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: (( فتحنا عليهم أبوابَ كل شىء ))، وقد
علمت أن باب الرحمة وباب التوبة [لم يفتحا لهم]، ولم تفتح لهم أبواب أخر
غيرهما كثيرة ؟ (١)
قيل : إن معنى ذلك على غير الوجه الذى ظننتَ من معناه ، وإنما معنى
ذلك: فتحنا عليهم ، استدراجاً منا لهم ، أبوابَ كل ما كنا سددنا عليهم بابه ،
عند أخذنا إياهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا ، إذ لم يتضرعوا وتركوا أمر الله تعالى
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أن باب الرحمة وباب التوبة لم يفتح لهم وأبواب أخر غيره
كثيرة)) إلا أن المخطوطة ليس فيها إلا ((أبواب أخر)) بغير واو، ورجحت أنه سقط من الكلام
ما أثبته ، وأن صوابه ما صححت من ضمائره .

٣٥٩
تفسير سورة الأنعام : ٤٤
ذكره، لأنّ آخرَ هذا الكلام مردودٌ على أوله. وذلك كما قال تعالى ذ کره فى موضعآخر
من كتابه: ﴿وَمَا أَرْنَ فِى قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء
لَعَلَّهُمْ يَضَّرَُّونَ. ثُمَّ بَدَّلْنَاَ مَكَانَ السَّيْئَةِ الْحَسَنَةَ حَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَ
آَ بَاءَنَالضَّرَّاءِ وَالسَّرَّاء فَأَخَذْ نَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، [سورة الأعراف: ٩٥،٩٤]،
ففتح اللّه على القوم الذين ذكر فى هذه الآية [أنهم نسوا ما] ذكرهم، (١) بقوله :
((فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء ))، هو تبديله لهم مكان
السيئة التى كانوا فيها فى حال امتحانه إياهم ، من ضيق العيش إلى الرخاء والسعة ،
ومن الضرفى الأجسام إلى الصحة والعافية، وهو (( فتح أبواب كل شىء)) كان
أغلق بابه عليهم، مما جرى ذكره قبل قوله: (( فتحنا عليهم أبواب كل شىء ))، فردّ
قوله: (( فتحنا عليهم أبواب كل شىء )) عليه .
٠٠٠
ويعنى تعالى بقوله: (( حتى إذا فرحوا بما أوتوا))، يقول: حتى إذا فرح هؤلاء
المكذّبون رسلهم بفتحنا عليهم أبوابَ السَّعة فى المعيشة ، والصحة فى الأجسام ،
كالذى : -
١٣٢٣١ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((حتى إذا فرحوا بما أوتوا ))، من الرزق .
١٣٢٣٢ - حدثنا الحارث قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، سمعت
عبد الرحمن بن مهدى يحدّث، عن حماد بن زيد قال : كان رجل يقول :
رحم الله رجلاً تلا هذه الآية، ثم فكر فيها ماذا أريد بها: (( حتى إذا فرحوا
بما أوتوا أخذناهم بغتة )).
١٣٢٣٣ - حدثنى الحارث قال، حدثنا القاسم قال ، حدثنا ابن أبى رجاء
رجل من أهل الشعر ، عن عبد الله بن المبارك ، عن محمد بن النضر الحارثى فى
(١) هذه الزيادة بين القوسين، يقتضيها السياق.

٣٦٠
تفسير سورة الأنعام : ٤٤
قوله: ((أخذناهم بغتة))، قال: أُمهلوا عشرين سنة. (١)
٠ ٠ ٠
ويعنى تعالى ذكره بقوله: (( أخذناهم بغتة ))، أتيناهم بالعذاب فجأة ، وهم
غارُّون لا يشعرون أن ذلك كائن ، ولا هو بهم حالٍ، (٢) كما :-
١٣٢٣٤ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج، عن
ابن جريج: (( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة))، قال : أعجبَ ما كانت
إليهم، وأغَرَّها لهم. (٣)
١٣٢٣٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((أخذناهم بغتة))، يقول: أخذهم العذابُ بغتةً.
١٣٢٣٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
١٢٤/٧
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((أخذناهم بغتة))، قال : فجأة آمنين .
٠ ٠
وأما قوله: (( فإذا هم مبلسون))، فإنه هالكون ، منقطعة حججهم ، نادمون
على ما سلف منهم من تكذيبهم رسلهم ، كالذى : -
١٣٢٣٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
(١) الأثر: ١٣٢٣٣ - ((ابن أبى رجاء))، لم أعرفه. وكان فى المطبوعة: ((من أهل
الثغر))، وحذف ((رجل))، وأثبت ما فى المخطوطة.
و ((محمد بن النضر الحارثى))، أبو عبد الرحمن العابد، مترجم فى الكبير ٢٥٢/١/١،
وابن أبى حاتم ١١٠/١/٤، وحلية الأولياء ٨: ٢١٧، وصفة الصفوة ٣ : ٩٣.
وهذا الخبر رواه أبو نعيم فى الحلية ٨ : ٢٢٠ من طريق أبى بكر بن مالك، عن عبد الله
ابن أحمد بن حنبل ، عن أحمد بن إبراهيم ، عن محمد بن منبه ، ابن أخت ابن المبارك ، عن
عبد الله بن المبارك .
فأخشى أن يكون ((ابن أبى رجاء)) هو ((محمد بن منبه)) ابن أخت بن المبارك . وعسى أن توجد
ترجمته ((محمد بن منبه))، فيعرف منها ما نجهل، ويصحح ما فى المخطوطة أهو ((رجل من أهل
الشعر))، أم ((من أهل الثغر)»، كما فى المطبوعة.
(٢) انظر تفسير ((بغتة)) فيما سلف ص : ٣٢٥.
(٣) فى المطبوعة: ((وأعزها لهم)) (بالعين والزاى) والصواب ((أغرها))، من ((الغرور!
و ((الغرة)) (بالغين والراء المهملة).