النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
تفسير سورة الأنعام : ٢٤،٢٣
ويعنى بقوله: ((ما كنا مشركين))، ما كنا ندعو لك شريكاً ، ولا ندعو ١٠٧/٧
سواك . (١)
٠ ٠
#
القول فى تأويل قوله ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىَّ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ
عَنْهُ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : انظر ،
يا محمد، فاعلم، كيف كذب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثان والأصنام،
فى الآخرة عند لقاء الله = على أنفسهم بقيلهم: ((والله يا ربنا ما كنا مشرکین))،
واستعملوا هنالك الأخلاق التى كانوا بها يتخلّقون فى الدنيا ، (٢) من الكذب
والفرية .
. ..
ومعنى ((النظر)) فى هذا الموضع ، النظر بالقلب ، لا النظر بالبصر . وإنما
معناه : تبين فاعلم كيف كذبوا فى الآخرة .
وقال: ((كذبوا))، ومعناه: يكذبون ، لأنه لما كان الخبر قد مضى فى
الآية قبلها ، صار کالشىء الذى قد كان ووُجد .
٠ ٠
= ((وضل عنهم ما كانوا يفترون))، يقول: وفارقهم الأنداد والأصنام ، وتبرأوا
منها، فسلكوا غير سبيلها ، لأنها هلكت، [ وأعيد الذين كانوا يعبدونها اجتراء"]، (٣)
(١) انظر ما سلف رقم: ٩٥٢٠ - ٩٥٢٢ (ج ٨: ٣٧٣، ٣٧٤).
(٢) فى المطبوعة: ((بها متخلقين))، وفى المخطوطة: ((بها متخلقون))، وهذا صواب
قراءتها
(٣) هكذا جاء فى المطبوعة ما وضعته بين القوسين، وهو فى المخطوطة: ((وعبدوا الذين كانوا

٣٠٢
تفسير سورة الأنعام : ٢٤
ثم أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على اللّه، وعبادتهم إياها ، وإشراكهم
إياها فى سلطان اللّه ، فضلت عنهم ، وعوقب عابدُوها بفريتهم .
وقد بينا فيما مضى أن معنى ((الضلال))، الأخذ على غير الهدى . (١)
وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سَعةَ رحمة
الله يومئذ .
• ذكر الرواية بذلك :
١٣١٤٠ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام قال ، حدثنا عمرو .
عن مطرّف ، عن المنهال بن عمرو ، وعن سعيد بن جبير قال: أتى رجلٌ ابنَ
عباس فقال: سمعت الله يقول: ((والله ربنا ما كنا مشركين))، (٢) وقال فى آية
أخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ أَلْهَ حَدِيثاً﴾، [سورة النساء: ٤٢] ؟قال ابن عباس: أما قوله:
(((والله ربنا ما كنا مشركين))، فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلاّ أهل الإسلام:
قالوا: ((تعالوا نجحد))، فقالوا: ((والله ربنا ما كنا مشركين))، فختم الله على
أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم، ((ولا يكتمون اللّه حديثاً)). (٣)
يعبدونها اصرا))، غير منقوطة. ولم أهتد إلى الصواب، وأخشى أن يكون سقط من الكلام سطر
أو بعضه، فلذلك آثرت أن أضع ما فى المطبوعة بين قوسين ، ولأنى فى ريبة من أمره .
(١) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف ١٠: ١٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((أتى رجل ابن عباس فقال، قال الله: واله ربنا ... ))، أما
المخطوطة ففيها خرم، كان فيها: ((أتى رجل ابن عباس وقال فى آية أخرى))، ولذك تصرف ناشر
المطبوعة . والذى أثبته هو الصواب، وهو نص الأثر الذى رواه أبو جعفر قديماً ، كما سيأتى فى
التخريج . وقد سمحت حروفاً فى هذا الخبر من الأثر السالف ولم أشر إليها هنا .
(٣) الأثر: ١٣١٤٠ - مضى هذا الخبر برقم: ٩٥٢٠ (ج ٨: ٣٧٣).
هذا وقد اختصر أبو جعفر أخبار ابن عباس هذه ، فإنه روى هناك خبرين آخرين رقم :
٩٥٢١، ٩٥٢٢، تبين منهما أن السائل هو نافع بن الأزرق، وكان يأتى ابن عباس ليلقى عليه
متشابه القرآن . وهذا من ضروب اختصار أبى جعفر فى تفسيره هذا . وأيضاً فإنه سيأتى هنا آثار
فى تفسير آية سورة النساء: ٤٢ (ج ٨: ٣٧١ - ٣٧٥) لم يذكرها هناك، كما سترى فى الآثار
التالية .

٣٠٣
تفسير سورة الأنعام : ٢٤
١٣١٤١ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نحيح، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: ((والله ربنا
ما كنا مشركين))، قال : قول أهل الشرك ، حين رأوا الذنوب تغفر ، ولا يغفر
اللّه لمشرك = ((انظر كيف كذبوا على أنفسهم))، بتكذيب اللّه إياهم.
١٣١٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجبح ، عن مجاهد، بنحوه .
١٣١٤٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله :
((والله ربنا ما كنا مشركين))، ثم قال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً)،
[ سورة النساء: ٤٢]، بجوارحهم.
١٣١٤٤ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى ، عن حمزة الزيات ، عن
رجل يقال له هشام، عن سعيد بن جبير: ((ثم لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا واللّه
ربنا ما كنا مشركين))، قال: حلفوا واعتذروا، قالوا: ((واللّه ربنا)).(١)
١٣١٤٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال ، حدثنا سفيان ،
عن سعيد بن جبير قال: أقسموا واعتذروا: ((والله ربنا)).
١٣١٤٦ -حدثنا هناد قال ، حدثنا و کیع، عن حمزة الزنات ، عن رجل
يقال له هشام ، عن سعيد بن جبير ، بنحوه .
١٣١٤٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية ، عن سفيان بن زياد
العُصْفرى، عن سعيد بن جبير فى قوله: ((والله ربنا ما كنا مشركين))، قال:
لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد ، قال من فيها من المشركين :
((تعالوا نقول: لا إله إلا اللّه، لعلنا نخرج مع هؤلاء)). قال: فلم يصدَّقَوا. قال:
فحلفوا: ((والله ربنا ما كنا مشركين)). قال: فقال الله: ((انظر کیف کذبوا
(١) الأثر: ١٣١٤٤ - ((هشام))، الذى يروى عنه ((حمزة الزيات))، لم أعرفه.

٣٠٤
تفسير سورة الأنعام : ٢٤
على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون)). (١)
١٣١٤٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((وضل عنهم ما كانوا يفترون)) أى: يشركون. (٢)
١٣١٤٩ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا المنهال
ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فى قوله: ((والله ربنا ما كنا
مشركين))، قال : لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم ، قالوا : تعالوا
إذا سألنا قلنا: ((والله ربنا ما كنا مشركين)). فسئلوا، فقالوا ذلك، فختم الله
على أفواههم ، وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم ، فودّ الذين كفروا حين رأوا
ذلك: ((لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثاً)).
١٣١٥٠ - حدثنى الحارث قال ، حدثنى عبد العزيز قال، حدثنا مسلم
ابن خلف ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال : يأتى على الناس يوم القيامة
ساعة، لما رأوا أهل الشرك أهل التوحيد يغفر لهم (٣)، فيقولون: ((والله ربنا ماكنا
مشركين))، قال: ((انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا
يفترون)»(٤).
١٠٨/٧
١٣١٥١ -حدثی الحارث قال ،حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان،
عن رجل، عن سعيد بن جبير: أنه كان يقول: ((والله ربِّنا ماكنا مشركين)»،
يخفضها . قال : أقسموا واعتذروا - قال الحارث قال ، عبد العزيز ، قال سفيان
مرة أخرى : حدثنى هشام ، عن سعيد بن جبير .
٠ ٠
(١) الأثر: ١٣١٤٧ - ((سفيان بن زياد العصفرى))، مضى برقم: ٢٣٣١.
(٢) فى المطبوعة: ((يشركون به)) بالزيادة، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((لما رأى أهل الشرك))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو لغة من لغات
العرب جائزة .
(٤) الأثر: ١٣١٥٠ - ((مسلم بن خلف))، لم أجد له ترجمة، وأخشى أن يكون فى
اسمه تحريف .

٣٠٬٥
تفسير سورة الأنعام : ٢٥
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَنْهُ مَّن يَسْتَبِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَاَ عَلَى١
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن ◌َفْتَهُوهُ وَفِىَ اذَانِمْ وَفْرًا﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثان
والأصنامَ من قومك، يا محمد = ((من يستمع إليك))، يقول : من يستمع
القرآن منك ، ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربك ، وأمره ونهيه ، ولا يفقه
ما تقول ولا يُوعِيه قلبَه، ولا يتدبره، ولا يصغى له سمعه، ليتفقهه فيفهم حجج الله
عليه فى تنزيله الذى أنزله عليك ، إنما يسمع صوتك وقراء تك وكلامك ، ولا يعقل
عنك ما تقول ، لأن الله قد جعل على قلبه ((أكنة)).
٠ ٠
٠
= وهى جمع ((كنان))، وهو الغطاء، مثل: ((سنان))، ((وأسنة )). يقال
منه: ((أكننت الشىء فى نفسى))، بالألف، ((وكننت الشىء))، إذا غطيته، (١) =
ومن ذلك: ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ، [سورة الصافات: ٤٩]، وهو الغطاء، (٢) ومنه
قول الشاعر : (٣)
تَحْتَ عَيْنٍ، كِنَانُنَاَ ظِلُّ بُرْدٍ مُرَحِّلُ(٤)
(١) انظر ما سلف ٥: ١٠٢، ١٠٣.
(٢) الأجود أن يقال: ((وهو المغطى))، وكأنه كان كذلك، وكأن الذى فى المطبوعة
والمخطوطة تحريف . ولكن ربما عبر القدماء بمثل هذا التعبير ، ولذلك تركته على حاله . وقد قال
الطبرى فى ج ٥: ١٠٢، وذكر الآية: ((أى: مخبوه)).
(٣) هو عمر بن أبى ربيعة.
(٤) ليس فى ديوانه، ولكنه من قصيدته التى فى ديوانه: ١٢٥ - ١٢٦، وهو فى الأغانى
١ : ١٨٤، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٤٦، ١٨٨، واللسان ( كنن)، وغيرها . من أبياته
التى أولها :
دَارِسُ أُلْآَىٍ مُحْوِلُ
هَاجَ ذَا القَلْبَ مَنْزِلُ
ج ١١ (٢٠)

٣٠٦
تفسير سورة الأنعام : ٢٥
يعنى : غطاؤُهم الذى يكنُهم .(١)
٠ ٥
=((وفى آذانهم وقراً))، يقول تعالى ذكره: وجعل فى آذانهم ثِقلاً وصمماً عن
فهم ما تتلو عليهم ، والإصغاء لما تدعوهم إليه .
#
والعرب تفتح ((الواو)) من ((الوَقْر)) فى الأذن ، وهو الثقل فيها = وتكسرها
فى الحمل فتقول: ((هو وِقْرُ الدابة)). ويقال من الحمل: ((أوقرْتُ الدَّابة فهى
مُؤْقَرَة)) = ومن السمع: ((وَقَرْتُ سمعه فهو موقور))، ومنه قول الشاعر: (٢)
• وَلِ هَمَةٌ قَدْ وَقَّر الضَّرْبُ سَمْعَهَا.
وقد ذكر سماعاً منهم: (( وُقِرَتْ أذنه))، إذا ثقلت ((فهى موقورة)) = (( وأوقرتِ
النخلةُ، فهى مُوقِر)) كما قيل: ((امرأة طامث، وحائض))، لأنه لاحظّ فيه للمذكر.
فإذا أريد أن اللّه أوقرها، قيل ((مُوقَرَةٌ)).
وقبله فى رواية أبى الفرج فى أغانيه .
وتَعْذُلُ
وتُقَدِّی
أَرْسَلَتْ تَسْتَحِى
بَيْنَ غُصْنَيْنِ يُوَبَلُ
أَيُّنَاَ بَاتَ لَيْلَةً
وروايته للبيت :
تَحْتَ عَيْنٍ، يُكِتْنَاَ بُرْدُ عَصْبٍ مُلْهَلُ
ورواية ابن برى ، وصمح رواية أبى عبيدة وأبى جعفر :
تَحْتَ عَيْنٍ، كِنَنُناَ بُرْدُ عَصْبٍ مُرَخَّلُ
و ((العين)) فى البيت السحاب. و((المرحل)) من الثياب، الذى عليه تصاوير الرحال.
(١) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٨٨، وهو شبيه بنص كلامه.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وإن كنت أذكر أنى قرأت هذا الشعر فى مكان .

٣٠٧
تفسير سورة الأنعام : ٢٥
وقال تعالى ذكره: ((وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه))، بمعنى : أن
لا يفقهوه، كما قال (يُبَيُِّ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [ سورة النساء: ١٧٦]، بمعنى:
أن لا تضلوا، (١) لأن ((الكنّ)) إنما جعل على القلب، لئلا" يفقهه، لا ليفقهه. (٢)
. ..
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
· ذکر من قال ذلك :
١٣١٥٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة: ((وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقراً))،
قال : يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئاً ، كمثل البهيمة التى تسمع النداء ، ولا
تدرى ما يُقَال لها .
١٣١٥٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم
وقراً ))، أما ((أكنة))، فالغطاءُ أكنّ قلوبهم، لا يفقهون الحق = (( وفى آذانهم
وقراً » ، قال : صمم.
١٣١٥٤ -حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: ((ومنهم من يستمع
إليك))، قال : قريش.
١٣١٥٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ،
عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
٠ ٠
:
۔
(١) انظر ما سلف ٩ : ٤٤٥، ٤٤٦.
(٢) انظر تفسير ((فقه)) فيما سلف ٨ : ٥٥٧ .

٣٠٨
تفسير سورة الأنعام : ٢٥
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِاَ
حَتَّىَ إِذَا جَآءُوكَ بُحَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ
٥)
اُلْأَوَّلِينَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وإن ير هؤلاء العادلون بربهم الأوثان
والأصنام، الذين جعلت على قلوبهم أكنة أن يفقهوا عنك ما يسمعون منك = (( كل
آية ))، يقول: كل حجة وعلامة تدلُّ أهل الحجتى والفهم على توحيد الله وصدق
قولك وحقيقة نبوتك(١) = (( لا يؤمنوا بها))، يقول: لا يصدّقون بها، ولا يقرّون بأنها
دالّة على ما هى عليه دالة =((حتى إذا جاؤوك يجادلونك))، يقول: حتى إذا صاروا
إليك بعد معاينتهم الآيات الدالة على حقيقة ما جئتهم به = ((يجادلونك))، يقول:
يخاصمونك (٢) = ((يقول الذين كفروا))، يعنى بذلك: الذين جحدوا آيات الله
وأنكروا حقيقتها، يقولون لنبىّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سمعوا حجج الله التى
احتجَّ بها عليهم، وبيانَه الذى بيَّنْه لهم = ((إن هذا إلاَّ أساطير الأولين))، أى:
ما هذا إلاّ أساطير الأولين.
٠
و((الأساطير)) جمع ((إسْطارة)) و((أُسطُورة)) مثل ((أفكوهة)) و((أضحوكة))
١٠٩/٧ = وجائز أن يكون الواحد (أسطارًا)) مثل ((أبيات))، و((أبابيت))، و(( أقوال
وأقاويل ))، (٣) من قول الله تعالى ذكره: ﴿وَكِتَبٍ مَسْطُورٍ﴾، [سورة الطور: ٢].
من: ((سَطَرَ يَسْطُرُ سَطْرًا)).
(١) انظر تفسير ((آية)» فيما سلف من فهارس اللغة (أبي).
(٢) انظر تفسير ((جادل)) فيما سلفه: ٩/١٤١: ١٩٠، ١٩٣.
(٣) يعنى بقوله: ((أسطاراً))، جمع ((سطر)»، كما هو بين.

٣٠٩٠
تفسير سورة الأنعام : ٢٥
فإذا كان من هذا : فإن تأويله : ما هذا إلاّ ما كتبه الأوَّلون .
٠٠٠
وقد ذكر عن ابن عباس وغيره أنهم كانوا يتأوّلونه بهذا التأويل ، ويقولون :
معناه : إنْ هذا إلاّ أحاديث الأوّلين .
١٣١٥٦ - حدثنى بذلك المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح
قال ، حدثنى معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس .
١٣١٥٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: أمّا ((أساطير الأولين))، فأستاجيع الأولين. (١)
٠٠ ٠
وكان بعض أهل العلم = وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى = بكلام العرب
يقول: ((الإسطارةُ)) لغةٌ، ومجازُها مجازُ التَرَّهات. (٢)
وكان الأخفش يقول: قال بعضهم: واحده ((أسطورة)). وقال بعضهم :
((إسطارة)). قال: ولا أراه إلاّ من الجمع الذى ليس له واحد، نحو ((العباديد))، (٣)
((المَذَاكير))، و((الأبابيل)). (٤) قال: وقال بعضهم: واحد ((الأبابيل)»،
((إِيِّيل))، وقال بعضهم: ((إيَّوْل)) مثل ((عِجَّوْل))، (٥) ولم أجد العرب تعرف له
واحداً، وإنما هو مثل ((عباديد)) لا واحد لها. وأما ((الشَّاطيط))، فإنهم يزعمون
(١) ((الأساجيع)) جمع ((أسجوعة)): يراد به: ما سمع به الكهان على هيئة كلامهم.
(٢) فى المطبوعة: ((لغة، الخرافات والترهات)) غير ما فى المخطوطة، وهو نص أبى عبيدة
فى مجاز القرآن ١ : ١٨٩. وهذا من سىء العبث بالكتب !
(٢) فى المطبوعة: ((عبابيد))، وهو صواب، إلا أنى أثبت ما فى المخطوطة. يقال:
((جاء القوم عباديد، وعبابيد))، أى متفرقون .
(٤) ((المذاكير))، يقال فى الفرد أيضاً. وفى الخبر أن عبداً أبصر جارية لسيده، فجب
السيد مذاكيره = فاستعمله لرجل واحد ، وأراد به شيئه ، وما تعلق به .
و((أبابيل)): جماعات من هنا، وجماعات من هنا .
(٥) يقال: ((عجل)) و((عجول)) (بكسر العين، وتشديد الجهم المفتوحة، وسكون
الواو): ولد البقرة، وجمعه ((عجاجيل)).

٣١٠
تفسير سورة الأنعام : ٢٥
أن واحده ((شمطاط)). (١) قال: وكل هذه لها واحد، إلاّ أنه لم يستعمل
ولم يتكلم به ، لأن هذا المثال لا يكون إلاّ جميعاً. (٢) قال: وسمعت العرب الفصحاء
تقول: ((أرسل خيله أبابيل))، تريد جماعات، فلا تتكلم بها بواحدة. (٣)
...
وكانت مجادلتهم رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم التى ذكرها الله فى هذه الآية،
فيما ذُكِرِ ، ما : -
١٣١٥٨ -حدثی به محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال، حدثنی عمی
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((حتى إذا جاؤوك يجادلونك))
الآية، قال: هم المشركون، يجادلون المسلمين فى الذَّ بيحة، يقولون: ((أما ماذبحتم
وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل اللّه فلا تأكلون! وأنتم تتَّبعون أمر الله تعالى ذكره))! (٤)
(١) ((شماطيط)): قطع متفرقة، يقال: ((ذهب القوم شاطيط)): إذا تفرقوا أرسالا.
(٢) فى المطبوعة: ((جمعا))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((فلا تتكلم بها موحدة))، وأثبت ما فى المخطوطة، وقد كرهت عبث
الناشر بنص أبى جعفر !!
(٤) عند هذا الموضع، انتهى جزء من التقسيم القديم الذى نقلت منه نسختنا ، وفيها
ما نصه :
(( يتلوه القولُ فى تأويل قوله
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَونَ عَنْهُ وَإِنْ يُهِلِكُونَ
إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَ يَثْعُرُونَ﴾
وَصَلَّى اللهُ على مُحَمَدِ النّبِىِّ وَعَلَى آلِهِ وَسَلّم كثيراً
والحمدُ لِ ربِّ العالمينِ»
ثم يتلوه ما نصه :
((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرحيم
رَبِّ يَسِّرْ))

٣١١
تفسير سورة الأنعام : ٢٦
القول فى تأويل قوله ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْثَوْنَ عَنْهُ
وَإِن يُمْلِكُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا بِشْعُرُونَ) (@)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((وهم ينهون عنه
ویتأون عنه » .
فقال بعضهم : معناه: هؤلاء المشركون المكذبون بآيات الله، ينهونَ الناس
عن اتباع محمّد صلى الله عليه وسلم والقبول منه = ((ويناً ون عنه)) ، يتباعدون عنه .
• ذكر من قال ذلك :
١٣١٥٩ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص بن غياث وهانئ بن
سعيد، عن حجاج ، عن سالم، عن ابن الحنفية: ((وهم ينهون عنه وينأون عنه )) ،
قال: يتخلفون عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا يجيبونه، وينهون الناس عنه.(١)
١٣١٦٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((وهم ينهون
عنه وينأون عنه))، يعنى ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به = ((وينأون عنه)) ،
یعنی : یتباعدون عنه .
١٣١٦١ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وهم ينهون عنه وينأون عنه))، أن يُنَّبع محمد،
ویتباعدون هم منه .
(١) الأثر: ١٣١٥٩ - ((هانى" بن سعيد النخعى))، صالح الحديث، مترجم فى
الكبير ٢٣٣/٢/٤، وابن أبى حاتم ٤ /١٠٢/٢.
و ((حجاج)) هو: ((حجاج بن أرطاة))، مضى مراراً.
و((سالم))، هو ((سالم بن أبي الجعد))، مضى أيضاً.
و ((ابن الحنفية)) هو: ((محمد بن على بن أبى طالب))، مضى أيضاً

٣١٢
تفسير سورة الأنعام : ٣٦
١٣١٦٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((وهم ينهون عنه وينأون
عنه )) ، يقول: لا يلقونَه، ولا يَدَعُون أحداً يأتيه .
١٣١٦٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ،
فى قوله: (( وهم ينهون عنه))، يقول: عن محمد صلى الله عليه وسلم.
١٣١٦٤ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((وهم ينهون عنه وينأون عنه))، جمَعُوا النهى والنأى. و(النأى))، التباعد.(١)
#
وقال بعضهم: بل معناه: ((وهم ينهون عنه)) عن القرآن ، أن يسمع له
ويُعمَل بما فيه .
ذكر من قال ذلك :
١٣١٦٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((وهم ينهون عنه))، قال : ينهون عن القرآن ، وعن
النبي صلى الله عليه وسلم = ((وينأون عنه)) ، ويتباعدون عنه .
١٣١٦٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
غیسی ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد قوله : (( وهم ینهون عنه )) ، قال : قریش،
عن الذكر = ((وينأون عنه ))، يقول : يتباعدون .
١٣١٦٧ -حدثی المثی قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( ينهون عنه وينأون عنه))، قريش ، عن الذكر .
= ((وينأون عنه )) ، يتباعدون .
١٣١٦٨ -حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
١١٠/٧ معمر، عن قتادة: ((وهم ينهون عنه وينأون عنه))، قال: ينهون عن القرآن،
(١) فى المخطوطة: ((والنهى التباعد))، وهو خطأ، صوابه ما فى المطبوعة بلا شك.

٣١٣
تفسير سورة الأنعام : ٢٦
وعن النبى صلى الله عليه وسلم ، ويتباعدون عنه .
١٣١٦٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله : ((یناون عنه ))، قال: ((ویناون عنه ))، یباعدونه.(١)
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : معنى ذلك : وهم ينهون عن أذى محمد صلى الله عليه وسلم =
« ویناون عنه )) ، یتباعدون عن دينه واتباعه .
• ذكر من قال ذلك :
١٣١٧٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وقبيصة = وحدثنا ابن وكيع
قال، حدثنا أبی=،عن سفيان،عن حبيببن أبى ثابت، عمن سمع ابن عباس يقول:
نزلتفى أبىطالب، کان ینهى عن محمد أن يُؤذَى، وينأىعما جاء به أن يؤمن به .
١٣١٧١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان ،
عن حبيب بن أبى ثابت قال، حدثنى من سمع ابن عباس يقول: ((وهم ينهون عنه
ویناون عنه ))، قال : نزلت فى أبى طالب، ینهى عنه أن يؤذى، وينأى عما جاء به .
١٣١٧٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى، عن حبيب بن أبى ثابت ، عمن سمع ابن عباس: ((وهم ينهون عنه
وينأون عنه))، قال : نزلت فى أبى طالب، كان ينهى المشركين أن يؤذُوا محمداً ،
وينأى عمّا جاء به .
١٣١٧٣ - حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة ، عن إسمعيل بن أبى خالد ،
عن القاسم بن مخيمرة قال : كان أبو طالب ينهى عن النبى صلى الله عليه وسلم ،
ولا يصدّقُّه. (٢)
(١) فى المطبوعة: ((يبعدون))، وفى المخطوطة: ((يبعدونه))، وآثرت قراءتها كما أثبتها.
(٢) الأثر: ١٣١٧٣ - ((القاسم بن مخيمرة الهمدانى))، ((أبو عروة))، روى عن عبد الله
ابن عمرو، وأبى سعيد الخدرى، وأبي أمامة، وغيرهم من التابعين. ثقة. مترجم فى التهذيب. والكبير
١٦٧/١/١، وابن أبى حاتم ١٢٠/٢/٣.

٣١٤
تفسير سورة الأنعام : ٢٦
١٣١٧٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ومحمد بن بشر ، عن إسماعيل
ابن أبى خالد، عن القاسم بن مخيمرة فى قوله: ((وهم ينهون عنه وينأون عنه))،
قال: نزلت فى أبى طالب - قال ابن وكيع ، قال ابن بشر : كان أبو طالب
ينهى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن يؤذى ولا يصدّق به.
١٣,١٧٥ - حدثنا هناد قال ،حدثنا يونس بن بکیر ، عن أبى محمد الأسدى،
عن حبيب بن أبى ثابت قال ، حدثنى من سمع ابن عباس يقول فى قول الله تعالى
ذكره: « وهم ینهون عنه ویناون عنه ))، نزلت فی ابی طالب، کان ینهی عن
أذى محمد، وينأى عما جاء به أن يتبعه. (١). الج نه لاالله- ٢١/٢١
١٣١٧٦ - حدثنا هنادٍ قال، حدثنا وكيع، عن إسمعيل بن أبى خالد ،
عن القاسم بن مخيمرة فى قوله: ((وهم ينهون عنه وينأون عنه))، قال: نزلت فى
١٣١٧٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن عبد العزيز
ابن سياه، عن حبيب قال: ذاك أبو طالب، فى قوله: ((وهم ينهون عنه
وينأون عنه)) . (٢)بابهاالغ رير
٣٧٢٦/٥
١٣١٧٨٠ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنى سعيد بن
أبى أيوب قال، قال عطاء بن دينار فى قول الله: ((وهم ينهون عنه وينأون عنه)))) ..
(١) الأثر: ١٣١٧٥ - ((أبو محمد الأسدى))، لم أعرف من هو، ولم أجد من يكنى به . .
وأخشى أن يكون هو ((عبد العزيز بن سياه الأسدى))، الآتى فى الأثر رقم: ١٣١٧٧ و(«عبد العزيز»
يروى عنه يونس بن بكير".
(٢) الأد : ١٣١٧٧ = ((عبيد الله بن موسى بن أبى المختار العبسى)، مضى مراراً كثيرة.
وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((عبد الله بن موسى))، وهو خطأ محض.
و ((عبد العزيز بن سياه الأسدى))، ثقة، محله الصدق، وكان من كبار الشيعة. روى عنه
عبيد الله بن موسى، ويونس بن بكير، ووكيع ، وغيرهم. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم
٣٨٣/٢/٢ /رواية شرة
وانظر التعليق على الأثر السالف، فإنى أرجح أن ((أبا محمد الأسدى))، كنية: ((عبد العزيز
این سیاه الأسدی » .٤٠

٣١٥
تفسير سورة الأنعام : ٢٦
إنها نزلت فى أبى طالب ، أنه كان ينهى الناس عن إيذاء رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وينأى عما جاء به من الهدى . (١)
...
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ، قولُ من قال : تأويلُه:
(وهم ينهون عنه))، عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم مَنْ سواهم من الناس،
ویناون عن اتباعه .
وذلك أن الآيات قبلَها جرت بذكر جماعة المشركين العاد لين به ، والخبر
عن تكذيبهم رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، والإعراض عما جاءهم به من تنزيل
الله ووحيه، فالواجب أن يكون قوله: ((وهم ينهون عنه))، خبراً عنهم، إذ لم
يأتنا ما يدُلَّ على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم . بل ما قبل هذه الآية وما بعدها،
يدلّ على صحة ما قلنا ، من أن ذلك خبر عن جماعة مشركى قوم رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم ، دون أن يكون خبراً عن خاصٌ منهم.
٠٠
وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية : وإن يرّ هؤلاء المشركون، يا محمد،
كلَّ آية لا يؤمنوا بها ، حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقولون: (( إن هذا الذی جئتنا
به إلاّ أحاديث الأوَّلين وأخبارهم))! وهم ينهون عن استماع التنزيل، وينأون عنك
فيبعدون منك ومن اتباعك = (( وإن يهلكون إلاّ أنفسهم ))، يقول: وما يهلكون"
بصدّهم عن سبيل الله، وإعراضهم عن تنزيله، وكفرهم بربهم - إلاّ أنفسهم
لا غيرها ، وذلك أنهم يكسبُونها بفعلهم ذلك، سخط الله وأليم عقابه ، وما لا
(١) الأثر: ١٣١٧٨ - ((سعيد بن أبى أيوب الخزاعى المصرى))، وهو: ((سعيد بن
مقلاص))، ثقة ثبت . ومضى فى الأثرين رقم : ٥٦١٥، ٦٧٤٣، غير مترجم. مترجم فى التهذيب،
والكبير ٤١٩/١/٢، وابن أبى حاتم ٦٦/١/٢.
و ((عطاء بن دينار المصرى))، من ثقات أهل مصر، مضى برقم : ١٦٠.

٣١٦
تفسير سورة الأنعام : ٢٧،٢٦
قبل لها به (١) = ((وما يشعرون))، يقول: وما يدرون ما هُمْ مكسبوها من الهلاك
والعطب بفعلهم . (٢)
والعرب تقول لكل من بعد عن شىء: ((قد نأى عنه، فهو ينأى نا"باً)).
ومسموع منهم: ((نأيتُكَ))، (٣) بمعنى: ((نأيت عنك)). وأما إذا أرادوا أبعدتُك
عنى، قالوا: ((أنأيتك)). ومن ((نأيتك)) بمعنى: نأيتُ عنك ، قول الحطيئة :
١١١/٧ نَأَتْكَ أُمَّامَةُ إِلَّ سُؤَالًا وَأَبْصَرْتَ مِنْهَاَ بِطَيْفٍ خَيَلَا(٤)
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْ تَرَىََّ إِذْ وُبِقُواْ عَلَى النَّارِ
فَقَالُواْ ◌َلَيْتَ ثُرَةُ وَلَا نُكَذِّبَ بَّايَتِ رَبِناَ وَفَكُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ)
٢٧
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((ولو
ترى))، يا محمد، هؤلاء العادلين بربهم الأصنامَ والأوثانَ ، الجاحدين نبوّتك،
الذين وصفت لك صفتهم = ((إذا وُقُفوا))، يقول: إذا حُبِسوا = ((على النار))،
يعنى: فى النار - فوضعت ((على)) موضع ((فى)) كما قال: ﴿وَأَتَبَعُوا مَا تَتْلُوا
(١) انظر تفسير ((الهلاك)) فيما سلف قريباً ص: ٢٦٣.
(٢) انظر تفسير ((شعر)) فيما سلف. ١: ٢٧٧، ٦/٢٧٨: ٥٠٢.
(٣) فى المطبوعة: ((مسموع منهم: نأيت))، خطأ، صوابه فى المخطوطة.
(٤) ديوانه: ٣١، من قصيدته التى مدح بها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، معتذراً له
من هجاء الزبرقان بن بدر ، وبعد البيت :
م. وَيَأْتِى مَعَ الصُّبْحِ إِلاَّ زَوَالاَ
خَيَلاً يَرُوعُكَ عِنْدَ الَّنَا
كِتَنِيَّةٌ، دَارُهَاَ غَرْبَةٌ تُجِدُ وِصَلاً وَتُبْلي وصَلاَ

٣١٧
تفسير سورة الأنعام : ٢٧
الشَّيَاطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، [سورة البقرة: ١٠٢]، بمعنى: فى ملك سلمان.(١)
وقيل: ((ولو ترى إذ وقفوا))، ومعناه: إذا وقفوا = لما وصفنا قبلُ فيما مضى:
أن العرب قد تضع ((إذا)) مكان ((إذا))، ((وإذا)) مكان ((إذ))، وإن كان حظّ
((إذ)) أن تصاحب من الأخبار ما قد وُجُد فقضى، وحظ ((إذا )) أن تصاحب
من الأخبار ما لم يوجد، (٢) ولكن ذلك كما قال الراجز ، وهو أبو النجم:
مَدَّ لَنَاَ فِى ◌ُْرِهِ رَبُّ ◌َهَا ثُمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنَّا إِذْ جَزَى
جَنَّاتٍ عَدْنٍ فِىِ الْعَلَالِيِّ الْعُلَى (٣)
فقال: ((ثم جزاه الله عنا إذ جزى)) فوضع، ((إذا)) مكان ((إذا)).
٠
وقيل: ((وقفوا))، ولم يُقَل: ((أوقفوا))، لأن ذلك هو الفصيح من كلام
العرب. يقال: ((وقفتُ الدابة وغيرها))، بغير ألف، إذا حبستها . وكذلك :
((وقفت الأرضَ ))، إذا جعلتها صدقةً حبيساً ، بغير ألف ، وقد : ۔۔
١٣١٧٩ - حدثی الحارث، عن أبىعبيد قال: أخبرفی الیزیدیّ والأصمعى،
كلاهما، عن أبى عمرو قال: ما سمعت أحداً من العرب يقول: ((أوقفت الشىء))
بالألف. قال: إلاّ أنى لو رأيت رجلاً بمكان فقلت: ((ما أوقفك ها هنا؟))،
بالألف ، لرأيته حسناً . (٤)
(١) انظر تفسير (على)) بمعنى ((فى)) فيما ملف ١: ٢/٢٩٩: ٤١١، ١١/٤١٢: ٢٠١،٢٠٠
ومواضع أخرى ، التمسها فى فهارس النحو والعربية .
(٢) انظر ((إذا)) و((إذ)) فيما سلف ص: ٢٣٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) مضى بيتان منها فيما سلف ص: ٢٣٥، والبيت الأول من الرجز، فى اللسان (طها)
وقال: ((وإنما أراد: رب طه، فحذف الألف)). وكان رسم ((طها)) فى المطبوعة والمخطوطة:
(طه))، فآثرت رسمها كما كتبها صاحب السمان (طها).
(٤) الأثر: ١٣١٧٩ - انظر هذا الخبر في لسان العرب ((وقف)). وكان فى المطبوعة:
«الحارث بن أبى عبيد»، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة. وقد مضى هذا الإسناد مراراً.

٣١٨
تفسير سورة الأنعام : ٢٧
= ((فقالوا يا ليتنا فرد))، يقول: فقال هؤلاء المشركون بربهم، إذ حُبسوا
فى النار: ((ياليتنا فردّ))، إلى الدنيا حتى نتوب ونراجعَ طاعة اللّه = ((ولا
نكذب بآيات ربنا )) ، يقول: ولا نكذّب بحجج ربنا ولا نجحدها= (( ونگون من
المؤمنين))، يقول: ونكون من المصدّقين بالله وحججه ورسله، متَّبّعى أمره ونهيه.
*
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والعراقيين: ﴿ يَاَ لَيْقَنَا نُرَدُّ وَلَا نَكَذِّبُ
بِآيَاتٍ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، بمعنى: يا ليتنا فردُّ ، ولسنا نكذب
بآيات ربنا ، ولكنّا نكون من المؤمنين .
وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفة: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بَآيَاتٍ رَبَِّاَ
وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، بمعنى: يا ليتنا فرد ، وأن لا نكذب بآيات ربنا ،
ونكونَ من المؤمنين . وتأوَّلوا فى ذلك شيئاً : -
١٣١٨٠ - حدثنيه أحمد بن يوسف قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ،
حدثنا حجاج، عن هرون قال: فى حرف ابن مسعود: ﴿ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلّا
تُكَذِّبَ ) بالفاء.
٠
وذكر عن بعض قرأة أهل الشام، أنه قرأ ذلك: ﴿ يَا لَيْتَنَا نُرَدُ وَلَا نَكَذِّبُ﴾
بالرفع ﴿وَنَكُونَ ﴾ بالنصب، كأنه وجَّه تأويله إلى أنهم تمنوا الردّ، وأن يكونوا
من المؤمنين، وأخبروا أنهم لا يكذِّبُون بآيات ربهم إن رُدُّوا إلى الدنيا .
واختلف أهل العربية فى معنى ذلك منصوباً ومرفوعاً .
فقال بعض نحوبى البصرة: ((ولا نكذِّبَ بآيات ربِّنا ونكون" من المؤمنين)»،
نصبٌ، لأنه جواب للتمنى، وما بعد ((الواو)) كما بعد ((الفاء)). قال: وإن شئت
رفعتَ وجعلته على غير التمنى، كأنهم قالوا: ولا نكذِّبُ واللّه بآيات ربنا، ونكونُ

٣١٩
تفسير سورة الأنعام : ٢٧
والله من المؤمنين . هذا، إذا كان على ذا الوجه ، كان منقطعاً من الأوّل . قال:
والرفع وجهُ الكلام، لأنه إذا نصب جعلها ((واو)) عطف. فإذا جعلها ((واو ))
عطف ، فكأنهم قد تمنوا أن لا يكذّبوا ، وأن يكونوا من المؤمنين . قال : وهذا ،
والله أعلم، لا یکون ، لأنهم لم يتمنوا هذا ، إنما تمنوا الردّ، وأخبروا أنهم لا يكذبون،
ویکونون من المؤمنین .
...
وکان بعض نحوی الكوفة يقول: لو نصب (( نكذب )» و « نكون » على
الجواب بالواو، لکان صواباً . قال: والعرب تجیب ؛ ((الواو)) ، و((ثم))، کما تجيب
بالفاء. يقولون: ((ليت لى مالاً فأعطيك))، ((وليت لى مالاً وأُعْطيَك))، ((وثم
أعطيَك)). قال: وقد تكون نصباً على الصَّرف، كقولك: ((لا يَسَعُنِى شىء
ويعجِزَ عَنك)).(١)
٥
وقال آخر منهم : لا أحبُّ النصب فى هذا، لأنه ليس بتمنَّ منهم ، إنما هو
خبرٌ ، أخبروا به عن أنفسهم. ألا ترى أن الله تعالى ذكره قد كذَّبهم فقال :
﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَآَ مُهُوا عَنْهُ﴾؟ وإنما يكون التكذيب للخبر لا للتمنّى.
وكان بعضهم ينكر أن يكون الجواب ((بالواو))، وبحرف غير ((الفاء)). ١١٢/٧
وكان يقول: إنما ((الواو)) موضع حال، ((لا يسعنى شىء ويضيقَ عنك))، أى:
وهو يضيق عنك. قال: وكذلك الصَّرف فى جميع العربية. قال: وأما ((الفاء))
فجواب جزاء: ((ما قمت فنأتيك))، أى: لو قمت لأتينَاك. قال: فهكذا حكم
الصرف ((الفاء)). قال: وأمّا قوله: ((ولا نكذب))، و((نكون)) فإنما جاز، لأنهم
قالوا: ((ياليتنا فرد))، فى غير الحال التى وقفنا فيها على النار. فكان وقفهم فى تلك ،
(١) ((الصرف))، مضى تفسيره فيما سلف ١: ٥٦٩، تعليق: ٣/١: ٥٥٢،
تعليق: ٧/١: ٢٤٧، تعليق : ٢ .

٣٢٠
تفسير سورة الأنعام : ٢٧
فتمنَّوا أن لا يكونوا وُقِفُوا فى تلك الحال .
٠٠٠
قال أبو جعفر: وكأنّ معنى صاحب هذه المقالة فى قوله هذا : ولو ترى
إذ وقفوا على النار، فقالوا: قد وقفنا عليها مكذً بين بآيات ربِّنا كفاراً، فياليتنا نرد"
إليها فنُوقَف عليها غير مكذبين بآيات ربِّنا ولا كفارًا .
وهذا تأويلٌ يدفعه ظاهر التنزيل، وذلك قول الله تعالى ذكره: ﴿وَلَوْ رُدُّوا
لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فأخبر الله تعالى أنهم فى قيلهم ذلك كذبة،
والتكذيب لا يقع فى التمنى. ولكن صاحب هذه المقالة أظنُّ به أنّه لم يتدبر التأويل،
ولَزِمِ سَنَن العربيّة .
#
قال أبو جعفر: والقراءة التى لا أختار غيرها فى ذلك: ﴿ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ
نُكَذِّبُ بَآيَاتٍ رَبَّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ بالرفع فى كليهما، بمعنى: يا ليتنا
فردّ ، ولسنا نكذب بآيات ربِّنا إن رددنا ، ولكنا نكون من المؤمنين = على وجه
الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردُّوا إلى الدنيا ، لا على التمنّى منهم أن لا يكذِّبُوا
بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين . لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردُّوا
لعادوا لما نهوا عنه ، وأنهم كذبة فى قيلهم ذلك . ولو كان قيلهم ذلك على وجه
التمنى ، لاستحال تكذيبهم فيه ، لأن التمنى لا يكذّب، وإنما يكون التصديقُ
والتكذيبُ فى الأخبار .
وأما النصب فى ذلك ، فإنى أظنّ بقارئه أنه توخّى تأويل قراءة عبد الله التى
ذكرناها عنه، (١) وذلك قراءته ذلك: ﴿ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلَا نَكَّذِّبَ بَآيَاتٍ رَبِّنَا
وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، على وجه جواب التمنى بالفاء. وهو إذا قرئ بالفاء
(١) فى المطبوعة: ((فإنى أظن بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد اللّه))، وهو كلام غث.
وفى المخطوطة: (( ... أنه رحا تأويل قراءة عبد الله)) غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.