النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
تفسير سورة الأنعام : ٣، ٤
القول فى تأويل قوله {وَهُوَ اللهُ فِ السَّمَوَاتِ وَفِ الْأَرْضِ يَتَمُ
سِرِّكُمْ وَيَهْرَ كُمْ وَيْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) (2)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : إن الذى له الألوهةُ التى لا تنبغى لغيره،
المستحقَّ عليكم إخلاصَ الحمد له بآلائه عندكم، أيها الناس، الذي يعدل به
كفاركم من سواه، هو اللهالذى هو فى السموات وفى الأرض يعلم سرًّكم وجهوكم،
فلا يخفى عليه شيء. يقول: فربكم الذى يستحقُّ عليكم الحمدَ، ويجب عليكم
إخلاصُ العبادة له ، هو هذا الذى صفته = لا من لا يقدر لكم على ضرّ ولا
نفع ، ولا یعمل شيئاً،ولا يدفع عن نفسه سوءًا أريد بها .
...
وأما قوله: ((ويعلم ما تكسبون))، يقول: ويعلم ما تَعمَلُون وتجرَحُون،
فیحصی ذلك علیکم لیجازیکم به عند معاد کم إليه .(١)
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا تَأْتِهِم مِّنْ، إِيَةٍ مِنْ ابَتِ رَتِهِمْ
إِلََّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِفِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما تأتى هؤلاء الكفار الذين بربهم
يعد لون أوثانهم وآلهتهم = ((آية من آيات ربهم))، يقول: حجّة وعلامة ودلالة
من حُجج ربهم ودلالاته وأعلامه على وحدانيته ، وحقيقة نبوتك ، يا محمد ،
وصدق ما أتيتهم به من عندى(٢)= ((إلا كانوا عنها معرضين))، يقول : إلا
(١) انظر تفسير ((كسب)) فيما سلف ١٠: ٢٩٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الآية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبي).
٢٦٢
تفسير سورة الأنعام : ٥،٤
أعرضوا عنها ، يعنى عن الآية، فصدّوا عن قَبُولها، والإقرار بما شهدت على
حقيقته ودلَّت على صحته ، جهلاً منهم باللّه، واغتراراً بحلمه عنهم. (١)
القول فى تأويل قوله ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَّا جَبَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ
أَنَّأْ مَاكَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: فقد كذب هؤلاء العادلون بالله، الحقّ.
لما جاءهم، وذلك ((الحق))، هو محمد صلى الله عليه وسلم(٢): كذّبوا به، وجحدوا
نبوّته لما جاءهم. قال اللّه لهم متوعداً على تكذيبهم إياه وجحود هم نبوّته: سوف
یأتی المکذّبین بك، یا محمد،من قومك وغیرهم = «أنباء ما كانوا به يستهزئون)»،
يقول : سوف يأتيهم أخبارُ استهزائهم بما كانوا به يستهزئون من آياتى وأدلَّتى التى
آتيتهم .(٣) ثم وفى لهم بوعيده لمّا تمادوا فی غیُّهم ،وعتوا على ربهم، فقتلتهم يوم
بدرٍ بالسَّيف.
٩٦/٧
(١) انظر تفسير ((الإعراض)) فيما سلف ٠٩ ٣١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك
٣٧٧ ، تعليق٠ ١، والمراجع هناك
( ٢) انظر تفسير ((الحق)» فيما سلف ١٠
(٣) انظر تفسير ((النبأ)) فيما سلف ١٠ ٣٩١. تعليق ٢، والمراجع هناك
= وتفسير ((الاستهزاء)» فيما سلف ١ ٣٠١ ٠ ٣٠٣
٢٦٣
تفسير سورة الأنعام : ٦
القول فى تأويل قوله ﴿أَلَمْ يَرَوْأْ كُمْ أَهْلَكْنَاَ مِن قَبْلِهِم مِّن
قَرْن مَّكْهُمْ فِ الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمْكِن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَ السَّمَاءَ عَلَيْم
مَدْرَارًا وَجَعَلْنَ اْأَنْهَرَ تَجْرِى مِنْ تَحْتِمْ فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأَنَ
مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَ اخَرِينَ)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم يرَ هؤلاء
المكذبون بآياتى ، الجاحدون نبوتك ، كثرةَ من أهلكت من قبلهم من القُرون
= وهم الأمم = الذين وطَّأَت لهم البلاد" والأرض توطئة لم أوطّتُها لهم، (١) وأعطيتهم
فيها ما لم أعطهم ؟ كما :-
١٣٠٧٢ - حدثنا الحسن بنيحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((مكناهم فى الأرض ما لم نمكن لكم)) ، يقول :
أعطيناهم ما لم نعطكم .
٠
قال أبو جعفر : أمطرت فأخرجت لهم الأشجارُ ثمارها ، وأعطتهم الأرض رَيْع
نَباتها ، وجابوا صخورَ جبالها، ودرَّت عليهم السماء بأمطارها ، وتفجرت من تحتهم
عيون المياه بينابيعها بإذنى، فغمَطُوا نعمة ربهم ، وعصوا رسولَ خالقهم، وخالفوا
أمرّ بارئهم، وبغَوْا حتى حقَّ عليهم قَوْلى، فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم ،
وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم ، وأهلكت بعضهم بالرَّجفة ، وبعضهم بالصيحة ،
وغير ذلك من أنواع العذاب.
...
ومعنى قوله: ((وأرسلنا السماء عليهم مدراراً))، المطر. ويعنى بقوله: ((مدراراً)»،
غزيرة دائمةً = ((وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين))، يقول : وأحدثنا من بعد
(١) فى المطبوعة: ((وطأة لم أرها))، وأثبت ما فى المخطوطة.
تفسير سورة الأنعام : ٦
٢٦٤
الذين أهلكناهم قرناً آخرين، فابتدأنًا سواهم .
٠٠ ٠
فإن قال قائل: فما وجهُ قوله: ((مكناهم فى الأرض ما لم نمكن لكم))؟ ومن
المخاطب بذلك؟ فقد ابتدأ الخبر فى أول الآية عن قوم غَيّبٍ بقوله: ((ألم يروا كم
أهلكنا من قبلهم من قرن » ؟
قيل: إن المخاطب بقوله: ((ما لم يمكن لكم))، هو المخبر عنهم بقوله: ((ألم
يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن))، ولكن فى الخبر معنى القول = ومعناه:
قُلْ، يا محمد ، لهؤلاء القوم الذين كذبوا بالحقِّ لما جاءهم: ألم يروا كم أهلكنا
من قبلهم من قَرْن مكناهم فى الأرض ما لم نمكن لكم .
والعرب إذا أخبرت خبراً عن غائبٍ، وأدخلت فيه ((قولاً))، فعلت ذلك،
فوجهت الخبرَ أحياناً إلى الخبر عن الغائب ، وأحياناً إلى الخطاب ، فتقول :
(((قلت لعبدالله: ما أكرمه))، و((قلت لعبد الله: ما أكرمك))، وتخبر عنه أحياناً على
وجه الخبر عن الغائب ، ثم تعود إلى الخطاب . وتخبر على وجه الخطاب له ،
ثم تعود إلى الخبر عن الغائب . وذلك فى كلامها وأشعارها كثيرٌ فاشٍ . وقد ذكرنا
بعض ذلك فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (١)
٠
٠٠
وقد كان بعض نحوبى البصرة يقول فى ذلك : كأنه أخبر النبي صلى اللّه
عليه وسلم، ثم خاطبه معهم. وقال: ﴿حَقّ إِذَا كُثْمُمْ فِ الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ
◌ِهِمْ بِرِيحِ طَيِّبَةٍ﴾ [سورة يونس: ٢٢]، فجاء بلفظ الغائب ، وهو يخاطب ،
لأنه المخاطَب .
(١) انظر ما سلف ١: ١٥٣ - ٢/١٥٤: ٢٩٣، ٢٩٤، ٣٥٧، ٣/٣٨٨:
٦/١٧٠ : ٥٦٤ ٠
٢٦٥
تفسير سورة الأنعام : ٧
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَوْ نَزَّْنَا عَلَيْكَ كِتَبًا فِ قِطَسٍ
فَلَسُوهُ بِأَيْفِيهِمْ لَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّاسِعْرُ مُبِينٌ) ))
قال أبو جخر : وهذا إخبار من اللّه تعالى ذكره نبيَّه محمداً صلى الله عليه
وسلم ، عن هؤلاء القوم الذين يعدلون بربهم الأوثانَ والآلهة والأصنام . يقول
تعالى ذكره : وكيف يتفقهون الآيات، أم كيف يستدلُّون على بُطْلان ما هم
عليه مُقيمون من الكفر بالله وجحود فيوتك، بحجج اللّه وآياته وأدلته، وهم لعنادهم
الحىّ وبعدِهِم من الرشد، لو أنزلت عليك، يا محمد، الوحى الذى أنزلته. عليك
مع مول، فی قر طاس یعاینونه ويمسُونه بأيديهم، (١) وينظرون إليه ويقرأونه منه،
معلقاً بين السماء والأرض ، بحقيقة ما تدعوهم إليه، وصَّة ما تأتيهم به من توحیدی
وتنزيلى، قال الذين يعدلُون بى غيرى فيشركون فى توحيدى سواى: ((إِنْ هذا
إلا سحرٌّ مِينٌ))، أى: ما هذا الذى جئتنا به إلاّ سحر سحرتَ به أعيننا،
ليست له حقيقة ولا صحة (٢) =(مبين))، يقول: مبين لمن تدبّره وتأمَلَّه أنه سحر
لا حقيقة له _m
٠
وبنحو الذى لا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
١٣٠٧٣ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: ((كتاباً فى
قرطاس فلو بأيديهم))، قال: فسوه ونظروا إليه، لم يصدّقُوا به.
(١) أنظر تغير (إلى) فيا ملف ٨: ١٠/٣٩٩: ٨٣.
(٢) انظر تغير «الحر)) فيإ ملف ٢ : ٤٣٦ - ٤٤٢.
(٢) أنظر تغير (مين)) فيا ملف ١٠: ٥٧٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
٢٦٦ .
تفسير سورة الأنعام : ٧ ، ٨
١٣٠٧٤ -حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((ولو نزلنا عليك كتاباً فى قرطاس فسلموه بأيديهم »، يقول :
فعاينوه معاينة = ((لقال الذين كفروا إن هذا إلاّ سحرٌ مبين)).
١٣٠٧٥ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عی
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( ولو نزلنا عليك كتاباً
فى قرطاس فلمسوه بأيديهم))، يقول: لو نزلنا من السماء ◌ُصُفاً فيها كتاب فلمسوه
بأیدیهم، لزادهم ذلك تكذيباً .
١٣٠٧٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( ولو نزلنا عليك كتاباً فى قرطاس )) ، الصحف .
١٣٠٧٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((فى قرطاس))، يقول: فى صحيفة =(( فلمسوه بأيديهم
لقال الذين كفروا إنْ هذا إلاّ سحر مبين)).
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلكٌ وَلَوْ أَنزَ لْنَاَ
مَلَّكَا لَقُضِىَ اْأَمْرُ ثُمْ لَا يُنظَرُونَ) (2)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قال هؤلاء المكذبون بآياتى ، العادلون
فى الأندادَ والآلهةَ، يا محمد، لك لو دعوتهم إلى توحيدى والإقرار بربوبيتى ،
وإذا أتيتهم من الآيات والعبر بما أتیتهم به ، واحتججت عليهم بما احتججت
عليهم مما قطعتَ به عذرَهم: هَلاَّ نُزِّل عليك ملك من السماء فى صورته، (١)
يصدّقك على ما جئتنا به، ويشهد لك بحقيقة ما تدَّعى من أنَّ اللّه أرسلك إلينا !
(١) انظر تفسير (لولا)) فيما سلف ٢: ٥٥٢، ١٠/٥٥٣: ٤٤٨ وما سيأتى ص: ٣٤٣
٩٧/٧
٢٦٧
تفسير سورة الأنعام : ٨
كما قال تعالى ذكره مخبراً عن المشركين فى قيلهم لنبىّ اللّه صلى الله عليه وسلم:
﴿وَقَالُوا مَا لَهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطََّمَ وَيَخْشِى فِ الأَسْوَاقِ لَوْلَا أَنْزِلَ إِلَيْهِ
مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} [سورة الفرقان: ٧]، = ((ولو أنزلنا ملكاً لقضى الأمر ثم لا
ينظرون))، يقول: وهو أنزلنا ملكاً على ما سألوا، ثم كفروا ولم يؤمنوا بى وبرسولى ،
الجامعم العذابُ عاجلاً غير آجل، (١) ولم يُنْظروا فيؤخَّرُوا بالعقوبة مراجعةٌ
التوبة، (٢) كما فعلت بمن قبلهم من الأمم التى سألت الآيات ، ثم كفرت بعد
مجيئها ، من تعجيل النقمة ، وترك الإنظار ، كما : -
١٣٠٧٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((ولو أنزلنا ملكاً لقضى الأمر ثم لا ينظرون))، يقول:
الجامهم العذاب.
١٣٠٧٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((أو أنزانا ملكاً لقضى الأمر ثم لا ينظرون ) ، يقول : ولو أنهم أنزلنا إليهم ملكاً،
ثم لم يؤمنوا، لم يُنْظَروا.
١٢٠٨٠ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا .
عیسی ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد فی قول الله تعالی ذ کره: « لولا أنزل
عليه ملك)) فى صورته = (((لو أنزلنا ملكاً لقضى الأمر))، لقامت الساعة.
١٣٠٨١ - حدثنا ابن وكيع، عن أبيه قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن
سفيان الثورى، عن عكرمة: ((لقضى الأمر))، قال: لقامت الساعة .
١٣٠٨٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر، عن قتادة: ((ولو أنزلنا ملكاً لقضى الأمر))، قال يقول: لو أنزل اللّه ملكاً
(١) انظر تفسير ((قضى) فيا سلف ٢: ٤/٥٤٢: ٩/١٩٥: ١٦٤.
(٢) أنظر تغير وأنظر) فيما سلف ٣ : ٦/٢٦٤: ٥٧٧.
٢٦٨
تفسير سورة الأنعام : ٩،٨
ثم لم يؤمنوا ، لعجل لهم العذاب.
٠٠
وقال آخرون فى ذلك بما : -
١٣٠٨٣ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال، أخبرنا
بشر بن عمارة ، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قوله: ((ولو أنزلنا
ملكاً لقضى الأمر ثم لا ينظرون))، قال: لو أتاهم ملك فى صورته لماتوا ، ثم لم
يؤخَّرُوا طرفةَ عينٍ .
٥
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَّكَا لَجَلْنَهُ رَجُلًا ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولو جعلنا رسولنا إلى هؤلاء العادلین بی،
القائلين : لولا أنزل على محمّد ملك بتصديقه - ملكاً ينزل عليهم من السماء ،
يشهد بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم، ويأمرهم باتباعه = ((لجعلناه رجلاً))،
يقول: الجعلناه فى صورة رجل من البشر، لأنهم لا يقدرون أن يروا الملك فى الم
صورته . يقول : وإذا كان ذلك كذلك ، فسواء أنزلت عليهم بذلك ملكاً
أو بشرًا، إذا كنت إذا أنزلت عليهم ملكاً إنما أنزله بصورة إنسىّ ، وحججى
فى كلتا الحالتين عليهم ثابتة : بأنك صادق ، وأنّ ما جئتهم به حق .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال بعض أهل التأويل.
• ذكر من قال ذلك :
١٣٠٨٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا
بشر بن عمارة، عن أبى روق ، عن الضحاك، عن ابن عباس: (( ولو جعلناه
٢٦٩
تفسير سورة الأنعام : ٩
ملكاً لجعلناه رجلاً))، يقول: ما أتاهم إلا فى صورة رجل ، لأنهم لا يستطيعون
النظر إلى الملائكة .
١٣٠٨٥ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً))، ٩٨/٧
فى صورة رجل ، فى خلق رجل .
١٣٠٨٦ -حدثنا بشر قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: (( ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً))، يقول : لو بعثنا إليهم ملكاً
لجعلناه فى صورة آدم .(١)
١٣٠٨٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً))، يقول: فى صورة آدمى.
١٣٠٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر ، عن قتادة ، مثله .
١٣٠٨٩ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال،قال،ابن زيد فى قوله:
((ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً))، قال: لجعلنا ذلك الملك فى صورة رجل،
لم ترسله فى صورة الملائكة .
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَبِّسْنَاَ عَلَيْهِ مَّا يَلْبِسُونَ) (١)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: (( طلبسنا عليهم)) : ولو أنزلنا
ملكاً من السماء مصدّقاً لك، يا محمد ، شاهداً لك عند هؤلاء العادلين بى ،
الجاحدين آياتك على حقيقة فيوتك ، فجعلناه فى صورة رجل من بنى آدم ،
(١) فى المطبوعة: ((آدمى))، وأثبت ما فى المخطوطة.
٢٧٠
تفسير سورة الأنعام : ٩
إذ كانوا لا يُطبقون رؤية الملكبصورته التی خلقتُہ بهاسالتبس عليهم أمرُه، ظلم یدروا
أملك هو أمْ إنسىّ! فلم يوقنوا به أنَّه ملك، ولم يصدقوا به،وقالوا: « ليس
هذا ملكاً) !! ولبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك، وصصة برهانك
وشاهدك على نبوّتك .
يقال منه: ((لَبَست عليهم الأمر أَ لْبِسُه تَبْساً))، إذا خلطته عليهم = ((ولبست
الثوبَ ألبَسُهُ لُبْساً)). و((اللَّبوس))، اسم الثياب.(١)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . (٢)
١٣٠٨٩ - حدثنى التى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( والبسنا عليهم
ما يلبسون)) ، يقول : تشبهنا عليهم.
١٣٠٩٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة :
((والبسنا عليهم ما يلبسون))، يقول: ما لبَّس قوم على أنفسهم إلا لَبَّس الله عليهم.
واللَّبْس إنما هو من الناس.
١٣٠٩١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وطلبسنا عليهم ما يلبسون))، يقول : شبَّهنا عليهم
ما يشبّهون على أنفسهم .
وقد روى عن ابن عباس فى ذلك قول آخر ، وهو ما : -
١٣٠٩٢ -حدثی به محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عی
٠٠٠
(١) انظر تفسير ((البس)) فيما سلف ١: ٥٦٧، ٦/٥٦٨ : ٥٠٣ - ٥
= وتفسير ((المباس)) فيما سلف ١: ٥٦٧، ٣/٥٦٨: ٤٨٩ ، ٤٩٠.
(٢) انظر أثراً آخر فى تفسير هذه الآية فيما سلف رقم: ٨٨٢ (ج ١ : ٥٦٧)، لم
بذكره فى الآثار المفسرة ، وهو باب من أبواب اختصاره لتفسيره.
٢٧١
تفسير سورة الأنعام : ٩، ١٠
قال حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( وللبسنا عليهم ما يلبسون))،
فهم أهل الكتاب ، فارقوا دينهم ، وكذَّبوا رسلهم ، وهو تحريفُ الكلام عن
مواضعه .
١٣٠٩٣ - حدثت عن الحسين قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد
ابن سليمان قال، سمعت الضحاك فى قوله: ((وللبسنا عليهم ما يلبسون))، يعنى :
التحريفَ ، هم أهل الكتاب ، فرقوا كتبهم ودينهم، وكذَّبوا رسلهم، فلبَّس اللّه
عليهم ما لبَّسوا على أنفسهم .
وقد بينا فيما مضى قبل أن هذه الآيات من أوّل السورة ، بأن تكون فى أمر
المشركين من عبدة الأوثان ، أشبهُ منها بأمر أهل الكتاب من اليهود والنصارى ،
بما أغنى عن إعادته . (١)
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ
فَحَاقَ بِالَِّنَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءٌونَ))
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، مسلياً
عنه بوعيده المستهزئين به عقوبة ما يلقى منهم من أذى الاستهزاء به، والاستخفاف
فى ذات الله: هَوَّنْ عليك، يا محمد، ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك،
المستخفِّين بحقك فىّ وفى طاعتى، وامضٍ لما أمرتك به من الدُّعاء إلى توحيدى
والإقرار بى والإذعان لطاعتى ، فإنهم إن تمادوا فى غيّهم، وأصَرُّوا على المقام على
كفرهم، نسلك بهم سبيلَ أسلافهم من سائر الأمم من غيرهم ، من تعجيل النقمة
(١) انظر ما سلف ص : ٢٥٤.
٢٧٢
تفسير سورة الأنعام : ١١،١٠
م، وحلول المَثُلاتِ بهم . فقد استهزأت أمم من قبلك برسلٍ أرسلتهم إليهم بمثلِ
الذى أرسلتك به إلى قومك، وفعلوا مثل ما فعل قومُك بك= (( فحاق بالذين سخروا
منهم ما كانوا به يستهزئون ))، يعنى بقوله: (( فحاق ))،فنزل وأحاط بالذین هزئوا
من رسلهم = ((ما كانوا به يستهزئون))، يقول: العذابُ الذى كانوا يهزأون به ،
وینکرون أن یکون واقعاً بهم على ما أنذرتهم رسلهم .
٠
٠
٠
يقال منه : ((حاق بهم هذا الأمر يَحِيقُ بهم حَيْقاً وحُبُوقاً وحَيَقَاناً)).
٠
٠
٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٣٠٩٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( فحاق بالذين سخروا منهم)) ، من الرسل = (( ما
كانوا به يستهزئون))، يقول: وقع بهم العذاب الذى استهزأوا به.
٩٩/٧
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ سِيرُواْ فِ الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِنَ ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((قل))، يا محمد = لهؤلاء العادلين بى
الأوثان والأنداد ، المكذُبین بك ، الجاحدین حقيقة ما جئتهم به من عندی =
((سيروا فى الأرض))، يقول: جولوا فى بلاد المكذُّبين رسلهم، الجاحدين آياتى
مِنْ قبلهم من ضُرّبائهم وأشكالهم من الناس = (( تم انظروا كيف كان عاقبة
المكذبين ))، يقول: ثم انظروا كيف أعقبهم تكذيبهم ذلك، الهلاكَ والعطب
وخزىّ الدنيا وعارَها، وما حَلَّ بهم من سَخَط اللّه عليهم ، من البوار وخراب
٢٧٣
تفسير سورة الأنعام : ١١ ، ١٢
الديار وعفوّ الآثار. فاعتبروا به، إن لم تنهكم حُلُومكم، ولم تزجركم حُجج الله
عليكم، عمّا أنتم [عليه] مقيمون من التكذيب، (١) فاحذروا مثل مصارعهم ، واتقوا
أن يحلّ بكم مثلُ الذى حلّ بهم.
وكان قتادة يقول فى ذلك بما : -
١٣٠٩٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((قل سيروا فى الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين))،
دمَّر الله عليهم وأهلكهم ، ثم صيّرهم إلى النار.
١٠٠٠
القول فى تأويل قوله ﴿قُل لِمَنْ مَّا فِى السَّمَوَاتِ وَاَلْأَرْضِ
قُل ◌ِقْهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّْهَةَ)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمّد صلى الله عليه وسلم: ((قل))،
يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم = ((لمن ما فى السموات والأرض»، يقول : لمن
ملك ما فى السموات والأرض ؟ ثم أخبرهم أن ذلك لله الذي استعبدّ كل شىء،
وقهر كل شىء بملكه وسلطانه = لا للأوثان والأنداد ، ولا لما يعبدونه ويتخذونه
إلهاً من الأصنام التى لا تملك لأنفسها نفعاً ولا تدفع عنها ضُرًّا.
وقوله: ((كتب على نفسه الرحمة)) ، يقول: قضى أنَّه بعباده رحيم ، لا
يعجل عليهم بالعقوبة ، ويقبل منهم الإنابة والتوبة . (٢)
وهذا من الله تعالى ذكره استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة .
(١) الزيادة بين القوسين لابد منها حتى يستقيم الكلام.
(٢) انظر تفسير ((كتب)) فيما سلف ١٠: ٣٥٩، تعليق: ١.
ج ١١ (١٨)
٢٧٤
تفسير سورة الأنعام : ١٢
يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء العادلين بى، الجاحدين نبوّتك ، يا محمد ، إن تابوا
وأنابوا قبلت توبتهم، وإنى قد قضيت فى خَلْفى أنّ رحمتى وسعت كل شىء ،
كالذى : -
١٣٠٩٦ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ،
عن الأعمش ، عن ذكوان ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
لما فرغ اللّه من الخلق، كتب كتاباً: ((إنّ رحمتی سَبَقَتْ غضبى)).(١)
١٣٠٩٧ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا
داود ، عن أبى عثمان، عن سلمان قال: إنّ اللّه تعالى ذكره لما خلق السماء
والأرض ، خلق مئة رحمة ، كل رحمة ملء ما بين السماء إلى الأرض . فعنده
تسع وتسعون رحمةً، وقسم رحمة بين الخلائق . فبها يتعاطفون ، وبها تشرب
الوَحْش والطير الماءَ. فإذا كان يوم ذلك، (٢) قصرها الله على المتقين، وزادهم
تسعاً وتسعين. (٣)
١٣٠٩٨ -حدثنا ابن المثنی قال، حدثنا ابن أبی عدی ، عن داود ، عن
أبى عثمان ، عن سلمان ، نحوه = إلا أن ابن أبى عدی لم یذ کر فى حديثه :
(((وبها تشرب الوحش والطير الماء)). (٣)
٥
(١) الأثر: ١٣٠٩٦ - إسناده صحيح . وهو حديث مشهور.
((ذكوان))، هو ((أبو صالح)).
رواه البخارى ( الفتح ١٣: ٣٢٥) من طريق أبى حمزة، عن الأعمش، عن أبى صالح ،
عن أبى هريرة ، بغير هذا اللفظ ، مطولا .
وانظر تعليق أخى السيد أحمد على المسند رقم : ٧٢٩٧، ٧٤٩١، ٧٥٢٠.
(٢) فى المطبوعة: ((فإذا كان يوم القيامة، قصرها))، وأثبت ما فى المخطوطة. وأما سائر
المراجع فذكرت ما كان فى المطبوعة. والذى فى المخطوطة جائز، فإن ((ذلك)) إشارة إلى معهود معروف،
وهو يوم القيامة .
(٣) الأثران: ١٣٠٩٧، ١٣٠٩٨ - ((داود))، هو ((داود بن أبى هند)» مضى مراراً.
و((أبو عثمان))، هو ((أبو عثمان النهدى)): ((عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدى
النهدى)»، تابعى ثقة، أدرك الجاهلية. مترجم فى التهذيب.
٢٧٥
تفسير سورة الأنعام : ١٢
١٣٠٩٩ -حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن عاصم بن سليمان ، عن أبى عثمان ، عن سلمان قال : نجد فى التوراة
عطفتين: أن الله خلق السموات والأرض ، ثم خلق مئة رحمة = أو : جعل
مئة رحمة = قبل أن يخلق الخلق . ثم خلق الخلق ، فوضع بينهم رحمة واحدة ،
وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة . قال : فبها يتراحمون ، وبها يتبادلون ، وبها
يتعاطفون، وبها يتزاورون، (١) وبها تحنُّ الناقة ، وبها تثُوجُ البقرة ، (٢) وبها
تيعر الشاة، (٣) وبها تتَّابع الطير، وبها تتَّبع الحيتان فى البحر. (٤) فإذا كان
يوم القيامة ، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده ، ورحمته أفضل وأوسع .
١٣١٠٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن عاصم بنسلیمان ، عن أبى عثمان الهدى، عن سلمان فىقوله : (( کتب
على نفسه الرحمة)) ، الآية قال : إنا نجد فى التوراة عَطْفتين - ثم ذكر نحوه
إلا أنه قال: (٥) ((وبها تَتّابع الطير ، وبها تتابع الحيتان فى البحر )).
(١) فى المخطوطة، فوق ((يتزاورون))، حرف (ط)، دلالة على الشك أو الخطأ. ولا أدرى
ما أراد بذلك ، والذى فى المخطوطة والمطبوعة، مثله فى الدر المنثور .
(٢) فى المطبوعة: ((تنتج البقرة))، وفى الدر المنثور: ((تنتج البقرة))، وهو خطأ.
والذى فى المطبوعة، صواب فى المعنى. يقال: ((نأج الثور ينتج))، إذا صاح. وأما الذى فى
المخطوطة، فهو صواب أيضاً، ولذلك أثبته، يقال: ((ثاجت البقرة تشاج وتشوح، ثوجاً وثواجاً)) :
صوتت، قال صاحب اللسان: ((وقد يهمز، وهو أعرف. إلا أن ابن دريد قال: ترك الهمز أعلى)).
(٣) ((يعرت الشاة تيعر يعاراً)): صاحت.
(٤) أنا فى شك فى قوله ((تتابع الطير)) و((تتابع الحيتان))، ولكن هكذا هو المطبوعة
والمخطوطة ، وهو معنى شبيه بالاستقامة . وانظر التعليق التالى.
(٥) فى المطبوعة: ((إلا أنه ما قال))، زاد ((ما))، لأنه استشكل عليه الكلام، فإن
الذى قاله فى هذا الخبر، هو الذى قاله فى الخبر السالف. والظاهر - والله أعلم - أن الأولى كما
ضبطتها هناك ((تتابع)) (بفتح ثم تاء مفتوحة مشددة) وأن هذه الثانية ((تتابع)) ( بفتح التاء الثانية
غير مشددة) على حذف إحدى التاءات الثلاث .
(٦) الأثران: ١٣٠٩٩، ١٣١٠٠ - خرجهما السيوطى فى الدر المنثور ٣: ٦،
وقال: ((أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ،
عن سلمان ... »، وساق الخبر .
٢٧٦
تفسير سورة الأنعام: ١٢
١٣١٠١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر قال ، قال ابن طاوس ، عن أبيه: إن اللّه تعالى ذكره لما خلق الخلق، لم
يعطف شىء على شىء ، حتى خلق مئة رحمة ، فوضع بينهم رحمة واحدة ،
فعطف بعضُ الخلق على بعضُ.
١٣١٠٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
١٠٠/٧ معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، بمثله.
١٣١٠٣ - حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر
قال ، وأخبرنى الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، حسبته أسنده قال: إذا فرغ اللّه
عز وجل من القضاء بين خلقه ، أخرج كتاباً من تحت العرش فيه : (( إن رحمتی
سبقت غضبى ، وأنا أرحم الراحمين )) ، قال : فيخرج من النار مثل أهل الجنة =
أو قال: ((مثلاً أهل الجنة))، ولا أعلمه إلا قال: ((مثلا)) وأما ((مثل)) فلا
أشك = مكتوباً ها هنا، وأشار الحكم إلى نحره: ((عتقاء الله))، فقال رجل
لعكرمة: يا أبا عبد الله، فإن الله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ
وَمَاَ هُمْ بِخَرِ حِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [سورة المائدة: ٣٧]؟ قال: ويلك!
أولئك أهلها الذين هم أهلها .
١٣١٠٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، حسبت أنه أسنده قال : إذا كان
يوم القيامة ، أخرج اللّه كتاباً من تحت العرش = ثم ذكر نحوه ، غير أنه قال:
فقال رجل : يا أبا عبد اللّه، أرأيت قوله: ((يريدون أن يخرجوا من النار)).؟
= وسائر الحديث مثل حديث ابن عبد الأعلى .
١٣١٠٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبدالرزاق قال، أخبرنا معمر .
عن همام بنمنبه قال: سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى اللهعليه وسلم :لما
٢٧٧
تفسير سورة الأنعام : ١٢
قضى اللهالخلق، کتبفیکتاب فهو عنده فوقالعرش: (( إن رحمتی سبقتغضبی)).(١)
١٣١٠٦ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد ، عن قتادة ، عن أبى أيوب ، عن عبد الله بن عمرو : أنه كان يقول :
إن لله مئة رحمة، فأهبط رحمةً إلى أهل الدنيا، يتراحم بها الجن والإنس ، وطائر
السماء، وحيتان الماء، ودواب الأرض وهوامّها . وما بين الهواء . واختزن عنده تسعاً
وتسعين رحمة، حتى إذا كان يوم القيامة، اختلج الرحمة التى كان أهبطها إلى أهل
الدنيا، (٢) فحواها إلى ما عنده ، فجعلها فى قلوب أهل الجنة، وعلى أهل الجنة. (٣)
١٣١٠٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة قال: قال عبد الله بن عمرو: إن الله مئة رحمة، أهبط منها إلى
الأرض رحمة واحدة، يتراحم بها الجنّ والإنس، والطير والبهائم وهوامّ الأرض.
١٣١٠٨ - حدثنا محمد بن عوف قال ، أخبرنا أبو المغيرة عبد القدوس
ابن الحجاج قال ، حدثنا صفوان بن عمرو قال ، حدثنى أبو المخارق زهير بن
سالم قال ، قال عمر لكعب : ما أوَّل شىء ابتدأه الله من خلقه ؟ فقال كعب :
کتب الله كتاباً لم یکتبه بقلم ولا مداد ، ولکن کتبه بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ
والياقوت (٤): ((أنا الله لا إله إلا أنا، سبقت رحمتى عضبى)). (٥)
٥
٠ ٥
(١) الأثر: ١٣١٠٥ - رواه أحمد فى مسنده بهذا الإسناد رقم: ٨١١٢، ولفظه :
((غلبت غضبى)). وانظر تعليق أخى السيد أحمد عليه هناك. وانظر التعليق على الأثر السالف
رقم : ١٣٠٩٦.
(٢) ((اختلج الشىء)): جذبه وانتزعه.
(٣) الأثر: ١٣١٠٦ - خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣: ٦، وزاد نسبته إلى
عبد بن حميد ، وأبى الشيخ .
(٤) هكذا فى المطبوعة، وفى الدر المنثور، ((يتلوها))، وهى فى المخطوطة كذلك، إلا أنها
غير منقوطة ، وأنا فى ريب من أمر هذا الحرف ، أخشى أن يكون محرفاً عن شىء آخر لم أتبينه ،
وإن كان المعنى مستقيما على ضعف فيه .
(٥) الأثر: ١٣١٠٨ - ((محمد بن عوف بن سفيان الطائى))، شيخ الطبرى مضى،
٢٧٨
تفسير سورة الأنعام : ١٢
القول فى تأويل قوله ﴿لَيَجْتَمَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِالْقِيَةِلَ رَيْبَ فِيهِ)
قال أبو جعفر: وهذه ((اللام)) التى فى قوله: ((ليجمعنكم)) ، لام قسم.
...
ثم اختلف أهل العربية فى جالبها ، فكان بعض نحوبى الكوفة يقول : إن
شئت جعلت ((الرحمة)) غاية كلام، ثم استأنفت بعدها ((ليجمعنكم)). قال :
وإن شئت جعلته فى موضع نصب = يعنى : كتب ليجمعنكم = كما قال :
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّْحَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِهَلَةٍ﴾ [سورة
الأنعام : ٥٤]، يريد: كتب أنه من عمل منكم = قال : والعرب تقول فى الحروف
التى يصلح معها جوابُ كلام الأيمان؛ ((أن)) المفتوحة وبـ((اللام))، (١) فيقولون:
((أرسلت إليه أن يقوم))، ((وأرسلت إليه ليقومن)). قال: وكذلك قوله :
بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّ حِينٍ﴾، [سورة يوسف: ٣٥].
قال: وهو فى القرآن كثير. ألا ترى أنك لو قلت: ((بدا لهم أن يسجنوه))،
لكان صواباً ؟ (٢)
رقم : ٥٤٤٥ ، ٠١٢١٩٤
و ((أبو المغيرة)): ((عبد القدوس بن الحجاج الخولانى))، مضى برقم : ١٠٣٧١،
٠١٢١٩٤
و («صفوان بن عمرو بن هرم السكسكى))، مضى برقم : ٧٠٠٩، ١٢٨٠٧.
و((أبو المخارق)): ((زهير بن سالم العنسى)). ذكره ابن حبان فى الثقات، («روى له
أبو داود وابن ماجة حديثاً واحداً. وقال الدار قطنى: ((حمصى، منكر الحديث))، مترجم فى التهذيب ،
والكبير ٣٩٠/١/٢، وابن أبى حاتم ٥٨٧/٢/١، وميزان الاعتدال ١: ٣٥٣.
وهذا الخبر، خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ٦، ولم ينسبه لغير ابن جرير . وهو
خبر كما ترى ، عن كعب الأحبار ، مشوب بما كان من دأبه فى ذكر الإسرائيليات .
(١) هكذا فى المطبوعة والمخطوطة، وهو فى معانى القرآن ((جواب الأيمان))، وهو الأجود.
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٢٨. وهذا نص كلامه .
٢٧٩
تفسير سورة الأنعام : ١٢
وكان بعض نحوبى البصرة يقول: نصبت ((لام)) ((ليجمعنكم))، لأن
معنى: ((كتب))[: فرضَ، وأوجب، وهو بمعنى القسم]، (١) كأنه قال: واللّه
ليجمعنكم .
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى ، أن يكون قوله :
((كتب على نفسه الرحمة))، غايةً، وأن يكون قوله: ((ليجمعنكم))، خبراً مبتدأ
= ويكون معنى الكلام حينئذ: ليجمعنكم الله، أيها العادلون باللّه، ليوم القيامة
الذی لا ریب فیه ، لينتقم منکم یکفرکم به .
وإنما قلت : هذا القول أولى بالصواب من إعمال (( کتب» فى(( لیجمعنكم )) ،
لأن قوله: ((كتب)) قد عمل فى ((الرحمة))، فغير جائز، وقد عمل فى ((الرحمة))،
أن يعمل فى((ليجمعنكم))، لأنه لا يتعدّى إلى اثنين.
١٠١/٧
...
فإن قال قائل: فما أنت قائل فى قراءة من قرأ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرّْحَةَ أَنَّهُ﴾، [سورة الأنعام: ٥٤] بفتح ((أنّ))؟
قيل: إن ذلك إذا قرىء كذلك، فإن ((أنّ)) بيانٌ عن ((الرحمة))، وترجمة
عنها. لأن معنى الكلام : كتب على نفسه الرحمة أن يرحم [من تاب]من عباده بعد
اقتراف السوء بجهالة ويعفو، (٢) و((الرحمة))، يترجم عنها ويبيّن معناها بصفتها .
وليس من صفة الرحمة((ليجمعنكم إلى يوم القيامة))، فيكون مبيناً به عنها. فإذا
كان ذلك كذلك، فلم يبق إلاّ أن تنصب بنية تكرير ((كتب )) مرة أخرى معه ،
ولا ضرورة بالكلام إلى ذلك ، فيوجَّه إلى ما ليس بموجود فى ظاهره .
(١) الزيادة التى بين القوسين، استظهرتها من سياق التفسير، ليستقيم الكلام . وهى ساقطة
من المخطوطة والمطبوعة .
(٢) هذه الزيادة بين القوسين لابد منها حتى يستقيم الكلام، استظهرتها من معنى الآية.
وانظر ما سيأتى فى تفسيرها ص : ٣٩٢، ٣٩٣
٢٨٠
: ٠
تفسير سورة الأنعام : ١٢
وأما تأويل قوله: ((لا ريب فيه ))، فإنه : لا شك فيه . (١) يقول : فى أنّ
اللّه يجمعكم إلى يوم القيامة ، فيحشركم إليه جميعاً ، ثم يؤتى كلَّ عامل منكم
أجرَ ما عمل من حسن أو سئء .
القول فى تأويل قوله ﴿الَّذِينَ خَسِرُ وَاْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) )
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((الذين خسروا أنفسهم))،
العادلين به الأوثانَ والأصنامَ. يقول تعالى ذكره: ليجمعن اللّه = ((الذين خسروا
أنفسهم))، يقول: الذين أهلكوا أنفسهم وغبنوها بادعائهم الله الندَّ والعديل،
فأوبقوها باستيجابهم سَخَط اللّه وأليم عقابه فى المعاد . (٢)
٠٠
وأصل ((الخسار))، الغَبْنُ. يقال منه ((: خسر الرجل فى البيع))، إذا
غين ، كما قال الأعشى :
لَا يَأْخُذُ الرَّشْوَةَ فِ حُكْمِهِ وَلَا يُبَلِ خَسَرَ الخَاسِرِ (٣)
(١) انظر تفسير ((الريب)) فيما سلف ٨: ٥٩٢، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((بإيجابهم سخط اللّه))، وهو لا يستقيم، صوابه ما أثبت.
(٣) ديوانه: ١٠٥، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٨٧. وهكذا جاء فى المخطوطة
والمطبوعة ((خسر الخاسر))، ورواية ديوانه وغيره: ((غَبْنَ الْخَاسِرِ)) بتحريك الباء بالفتح.
والذى نص عليه أصحاب اللغة أن ((الغبن)) بفتح وسكون، فى البيع، وأن ((الغبن)) (بفتحتين)
فى الرأى، وهو ضعفه. فكأن ما جاء فى رواية ديوان الأعثى، ضرورة، حركت الباء وهى ساكنة
إلى الفتح. وأما رواية أبى جعفر، فهى على الصواب يقال: ((خسر خسراً (بفتح فسكون) ،
وخسراً (بفتحتين). »
وهذا البيت من قصيدته فى هجاء علقمة بن علامة ومدح عامر بن الطفيل ، ذكرت خبرها فى
أميات سلفت منها ١ : ٢/٤٧٤: ٥/١٣١: ٤٧٧، ٤٧٨. وقبل البيت :