النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
تفسير سورة المائدة : ١١٢
ليتقرَّر عنده حقيقةُ ثبوتها وصحَّة أمرها، كما كانت مسألة قريش نبينا محمداً صلى
اللّه عليه وسلم أن يحوّل لهم الصَّفَا ذهباً، ويفجر فجَاج مكة أنهاراً، مَنْ سأله
من مشركى قومه = وكما كانت مسألة صالح الناقةَ من مكذّبى قومه = ومسألة
شُعَيْب أن يسقط كِسْفاً من السماءِ ، من كفّار من أرسل إليه .(١)
فإنْ كان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزّل عليهم مائدة من
السماء، (٢) على هذا الوجه كانت مسألتهم، فقد أحلّهم الذين قرأوا ذلك بـ ((التاء))
ونصب ((الرب)) محلاًّ أعظم من المحلِّ الذى ظنوا أنَّهم يحيدون بهم عنه (٣) = أو
يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبى مبعوث ورسول مرسلٌ" ، وأن الله
تعالی ذ کره على ما سألوا من ذلك قادر .
فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك ، وإنما كانت مسألتهم إيَّه ذلك على نحو
ما يسأل أحدُهم نبيَّه إذا كان فقيراً، أن يسأل له ربه أن يُغْنيه = وإن عرضتْ له
حاجة، (٤) أن يسأل له ربه أن يقضيها، فليسَ ذلك من مسألة الآية فى شىء، (٥)
بل ذلك سؤال ذى حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيَّه مسألةَ ربه أن يقضيها له .
وخبر اللّه تعالى ذكره عن القوم، ينبئء بخلاف ذلك . وذلك أنهم قالوا
لعيسى، إذ قال لهم: ((اتقوا اللّه إن كنتم مؤمنين)) = ((نريد أن نأكل منها وتطمئنّ
(١) فى المطبوعة: ((من أرسل إليهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، فهو صواب محض.
(٢) فى المطبوعة: ((وكان الذين سألوا ... ))، حذف ((فإن))، وعطف الكلام بعضه
على بعض فاضطرب اضطراباً فاحشاً .
(٣) فى المطبوعة: ((الذى ظنوا أنهم نزهوا ربهم عنه))، سبحانه وتعالى، ولكن ما فعله
الناشر بنص المخطوطة جعل هذا الكلام كله لامعنى له. وكان فى المخطوطة: ((((بحدوارهم))،
مضطربة الكتابة ، فأساء الناشر قراءتها ، وأبلغ فى الإساءة حين غير الكلام على الوجه الذى نشره به .
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((إن عرضت به حاجة))، وهو غير عربى، عربيته ما أثبت.
(٥) فى المطبوعة: ((فأنى ذلك من مسألة الآية))، وفى المخطوطة: ((فإن ذلك)) وصواب
ذلك ما أثبت .

٢٢٢
تفسير سورة المائدة : ١١٢
قلوبنا ونعلم أنْ قد صدقتنا)). فقد أنبأ هذا من قِيلهم، (١) أنهم لم يكونوا يعلمون
أن عيسى قد صدقهم ، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته. فلا بيان أبين
من هذا الكلام، فى أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم مرضٌ وشك فى دينهم
وتصديق رسولهم، وأنهم سَألوا ما سألوا من ذلك اختباراً .
٠ ٠
٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٢٩٩٥ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ليث، عن عقيل ، عن ابن عباس: أنه كان يحدّث عن عيسى صلى اللّه
عليه وسلم: أنه قال لبنى إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً، ثم تسألوه
فيعطيكم ما سألتم ؟ فان أجرَ العامل على من عمل له ! ففعلوا ، ثم قالوا: يا معلّم
الخير، قلت لنا: ((إن أجر العامل على من عمل له))، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً،
ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلاّ أطعمنا حين نفرُغ طعاماً ، فهل
يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى: ((اتقوا الله إن كنتم
مؤمنين)) = ((قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون
عليها من الشاهدين))، إلى قوله: ((لا أعذبه أحداً من العالمين)). قال: فأقبلت
الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعةُ أحواتٍ وسبعة أرغفة، حتى وضعتها
بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم .
١٢٩٩٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء))،
قالوا: هل يطيعك ربُّك ، إن سألته؟ فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع
الطَّعام إلاّ اللحم ، فأكلوا منها .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فقد أنبأ هذا عن قيلهم))، وهو خطأ محض، مخل بالسياق.
٨٥/٧

٢٢٣
تفسير سورة المائدة : ١١٢
وأما ((المائدة)) فإنها ((الفاعلة)) من: ((ماد فلان القوم يَميدهم مَيْداً))،
إذا أطعمهم ومارهم ، ومنه قول رؤبة :
إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُمْتَارُ(١)
مُهْذِى رُؤُوسَ المَتْرَفينَ الأَنْدَادْ
يعنى بقوله: ((الممتاد)) المستعْطَى. فـ((المائدة)) المطعمة، سميت ((الخوان))
بذلك، لأنها تطعم الآكل ممّا عليها. و((المائد))، المُدّار به فى البحر، يقال:
((مادَ يَمِيدُ مَيْداً)).
٠ ٠
وأما قوله : ((قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ))، فإنه يعنى : قال عيسى للحواريّين
القائلين له: ((هل يستطيع ربك أن ينزِّل علينا مائدة من السماء)) = راقبوا اللّه،
أيها القوم، وخافوه، (٢) أن يَنْزل بكم من اللّه عقوبة على قولكم هذا، فإن الله
لا يعجزه شىء أراده . وفى شككم فى قدرة الله على إنزال مائدة من السماء ، كفرٌ
به، فاتقوا الله أن يُنْزِل بكم نقمته = ((إن كنتم مؤمنين))، يقول: إن كنتم مصدقىَّ
على ما أتوعدكم به من عقوبة اللّه إياكم على قولكم: ((هل يستطيع ربك أن ينزل
علينا مائدة من السماء )) ؟
٠
٠
(١) ديوانه: ٤٠، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٨٣، واللبان (ميد)، وسيأتى
فى التفسير ١٢: ٨٤ (بولاق)، من رجز تمدح فيه بنفسه، ومدح قومه تميما وسعداً وخندفاً . ثم.
قبله فى آخرها يذكر قومه :
نَكْفِى قُرَيْشاً مَنْ سَعَى بِالإِفْسَادْ مِنْ كُلِّ مَرْهُوبِ الشِّقَفِ جَحَادٌ
وَمُلْحِدٍ خَالَطَ أَمْرَ الإِلْحَادْ
وقوله: ((نهدى)) بالنون، لا بالتاء كما فى لسان العرب، وكما كان فى المطبوعة هنا. و ((المترفون)):
المتنعمون المتوسعون فى لذات الدنيا وشهواتها. و((الأنداد)) جمع ((ند)) ( بكسر النون) وهو هنا
بمعنى ((الضد))، يقال للرجل إذا خالفك، فأردت وجهاً تذهب إليه، ونازعك فى ضده: ((هو
ندى، ونديدى)). ويأتى أيضاً بمعنى ((المثل والشبيه)). ورواية الديوان، ورواية أبى جعفر فى
المكان الآتى بعد: ((الصداد))، جمع ((صاد))، وهو المعرض المخالف. يقول : نقتل الخارجين
على أمير المؤمنين ، ثم نهدى إليه رؤوسهم ، وهو المسئول دون الناس .
(٢٠) فى المطبوعة: و((خافوا))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٢٢٤
تفسير سورة المائدة : ١١٤،١١٣
القول فى تأويل قوله ﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن تَأْكُلَ مِنْهَاَ وَقْطَنَّ
قُلُوبُنَا وَنَعْلَ أَنْ قَدْ صَدَقْتُنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَ مِنَ الشَّهِدِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : قال الحواريون مجيبى عيسى على
قوله لهم: ((اتقوا الله إن كنتم مؤمنين))، فى قولكم لى: ((هل يستطيع ربك أن
ينزل علينا مائدة من السماء)) = : إنا إنما قلنا ذلك، وسألناك أن تسأل لنا ربك
لتأكل من المائدة، فنعلم يقيناً قدرته على كل شىء = ((وتطمئن قلوبنا))، يقول:
وتسكن قلوبنا ، وتستقرّ على وحدانيته وقدرته على كل ما شاء وأراد (١) = (( ونعلم
أن قد صدقتنا)) ، ونعلم أنك لم تكذبنا فى خبرك أنك لله رسول مرسل ونبيّ مبعوث
= ((ونكونَ عليها))، يقول: ونكون على المائدة = ((من الشاهدين))، يقول:
ممن يشهد أن الله أنزلها حجةً لنفسه علينا فى توحيده وقدرته على ما شاء، ولك
على صدقكَ فى نبوّتك. (٢)
مَاُللَّهُمَّ رَبْنَآ أنزلْ
ہے
القول فى تأويل قوله ( قال عِيسَى ابْنُ.
عَلَيْنَ مَآَ بِدَةً مِنَ السّماءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَ وَآخِرِنَاَ وَءَايَّةً مِّنْكَ
وَأَرْزُقْنَاَ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّزْقِينَ) (١١)
قال أبو جعفر : وهذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن نبيه عيسى صلى اللّه عليه
وسلم، أنه أجاب القوم إلى ما سألوه من مسألة ربه مائدةً تنزل عليهم من السماء.
(١) انظر تفسير ((الاطمئنان)) فيما سلف ٥: ٩/٤٩٢ : ١٦٥.
(٢) انظر تفسير ((الشاهد)) فيما سلف من فهارس اللغة (شهد).

٢٢٥
تفسير سورة المائدة : ١١٤
ثم اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا)).
فقال بعضهم : معناه: نتخذ اليوم الذی نزلت فيه عیداً نُعَظّمه نحن ومنبعد نا.
• ذكر من قال ذلك :
١٢٩٩٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا))، يقول :
نتخذ الیوم الذی نزلت فيه عیداً نعظمه نحن ومن بعدنا .
٨٦/٧
١٢٩٩٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا))، قال: أرادوا أن تكون لعقبهم
من بعدهم .
١٢٩٩٩ -حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج، عن
ابن جريج قوله: ((أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا))، قال :
الذين هم أحياء منهم يومئذ = ((وآخرنا)) ، من بعدهم منهم .
١٣٠٠٠ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، قال سفيان :
( تكون لنا عيداً ))، قالوا : نصلی فیه . قال نزلت مرتين .
٠ ٠
وقال آخرون : معناه: تأكل منها جميعاً .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٠٠١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن آليث، عن عقيل، عن ابن عباس أنه قال: أكل منها = يعنى: من المائدة=
حين وضعت بين أيديهم ، آخر الناس ، كما أكل منها أولهم .
٠ ٠
وقال آخرون: معنى قوله: (( عيداً))، عائدة من الله تعالى ذكره علينا ،
وحجة وبرهاناً
ج ١١ (١٠)

٢٢٦
تفسير سورة المائدة : ١١٤
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب، قولُ من قال: (( معناه : تكون
لنا عیداً ، نعبد ربنا فی الیوم الذى تنزل فيه ، ونصلى له فيه ، کما يعبد الناس
فى أعيادهم))، لأن المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم فى ((العيد))،
ما ذكرنا ، دون القول الذى قاله من قال: ((معناه: عائدة من اللّه علينا)).
وتوجيه معانى كلام اللّه إلى المعروف من كلام من خوطب به ، أولى من توجيهه
إلى المجهول منه ، ما وجد إليه السبيل .
#
وأما قوله: ((لأولنا وآخرنا))، فإن الأولى من تأويله بالصواب، قولُ من
قال: ((تأويله: للأحياء منا اليوم، ومن يجىء بعدنا منا))، للعلة التى
ذكرناها فى قوله: ((تكون لنا عيداً))، لأن ذلك هو الأغلب من معناه .
#
وأما قوله: ((وآية منك))، فإن معناه: وعلامةً وحجة منك يا رب ، على
عبادك فى وحدانيتك ، وفى صدقى على أنىّ رسولٌ إليهم بما أرسلتنى به (١) =
((وارزقنا وأنت خير الرازقين))، وأعطنا من عطائك ، فإنك يا رب خير من
يعطى، وأجود من تفضّل، لأنه لا يدخل عطاءه منّ ولا نكد . (٢)
#
وقد اختلف أهل التأويل فى ((المائدة )) ، هل أنزلت عليهم ، أم لا ؟ وما
كانت ؟
فقال بعضهم : نزلت ، وكانت حوتاً وطعاماً، فأكل القوم منها ، ولكنها رفعت
بعد ما نزلت بأحداثٍ منهم أحدثوها فيما بينهم وبين الله تعالى ذكره .
ذكر من قال ذلك :
١٣٠٠٢ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
(١) انظر تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبي).
(٢) وانظر تفسير ((الرزق)) فيما سلف من فهارس اللغة (رزق).

٢٢٧
تفسير سورة المائدة : ١١٤
شعبة ، عن أبى إسحق ، عن أبى عبد الرحمن السلمى قال : نزلت المائدة ،
خبزاً وسمكاً .
١٣٠٠٣ - حدثنى الحسين بن على الصدائى قال، حدثنا أبى، عن الفضيل ،
عن عطية قال: ((المائدة))، سمكة فيها طعم كلٌّ طعام
١٣٠٠٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد اللّه ، عن فضيل ، عن
مسروق، عن عطية قال: ((المائدة)) ، سمك فيه من طعم كل طعام .
١٣٠٠٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ،
عن أبى إسحق ، عن أبى عبد الرحمن قال : نزلت المائدة خبزاً وسمكاً .
١٣٠٠٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : نزلت على عيسى بن مريم
والحواربين ، خوانٌ عليه خبز وسمك ، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا .
١٣٠٠٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرت
المنذر بن النعمان: أنه سمع وهب بن منبه يقول فى قوله: ((أنزل علينا مائدة
من السماء تكون لنا عيداً))، قال : نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات =
قال الحسن ، قال أبو بكر : (١) فحدَّت به عبد الصمد بن معقل فقال :
سمعت وهباً ، وقيل له : وما كان ذلك يُغْنى عنهم ؟ فقال: لا شىء ، ولكن
اللّه حَثًا بين أضعافهن البركة ، فكان قوم بأكلون ثم يخرجون ، ويجىء آخرون
فيأكلون ثم يخرجون ، حتى أكل جميعهم وأفضَلُوا .
١٣٠٠٨ -حدثنا ابن وکیع قال، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائیل، عن أبى
بحیی، عن مجاهد قال : هو الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا .
١٣٠٠٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
(١) ((أبو بكر)) هو (عبد الرزاق))، وهو: ((عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميرى)).

٢٢٨
تفسير سورة المائدة : ١١٤
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: ((مائدة من
السماء))، قال : مائدة عليها طعام ، أُتُوا بها ؛ حين عرض عليهم العذاب
إن كفروا. ألوان من طعام ينزل عليهم . (١)
١٣٠١٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
أبى معشر ، عن إسحق بن عبد اللّه : أن المائدة نزلت على عيسى بن مريم ،
عليها سبعة أرغفة وسبعة أحْوات ، يأكلون منها ما شاؤوا . قال : فسرق بعضهم
منها وقال: ((لعلها لا تنزل غداً! ))، فرفعت .
١٣٠١١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن
سماك بن حرب ، عن رجل من بنى عجل قال : صليت إلى جنب عمار بن
ياسر ، فلما فرغ قال : هل تدرى كيف كان شأن مائدة بنى إسرائيل ؟ قال
فقلت : لا ! قال : إنهم سألوا عيسى بن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه
لا ينفد . قال : فقيل لهم : فإنها مقيمة لكم ما لم تخبأوا، أو تخونوا ، أو ترفعوا ،
فإن فعلتم فإنىّ أعذبكم عذاباً لا أعذّبه أحداً من العالمين! قال: فما تمّ يومهم حتى
خبأوا ورفعوا وخانوا ، فعذبوا عذاباً لم يعذبه أحد من العالمين . وإنكم معشر العرب ،
كنتم تتْبعون أذنابَ الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولاً من أنفسكم ، تعرفون
حسبه ونسبه ، وأخبركم على لسان نبيكم أنكم ستظهرون على العرب ، ونهاكم أن
تكنزوا الذهب والفضة. وايمْ اللّه. لا يذهبُ الليلُ والنهارُ حتى تكتزوهما ،
ويعذُ بكم عذاباً أيماً .
١٣٠١٢ - حدثنا الحسن بن قزعة البصرى قال ، حدثنا سفيان بن حبيب
قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن خلاس بن عمرو ، عن عمار بن ياشر
(١) فى المطبوعة، غير هذه العبارة تغيراً شاملاً مزيلاً لمعناها، فكتب : مائدة عليها طعام ،
أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تنزل عليهم))، وأثبت ما فى المخطوطة .
أما المعنى الذى صحح الناشر الأول عليه هذا الأثر، فهو مخالف لهذا كل المخالفة ، لأنه من قول
من قال: ((لم تنزل على بنى إسرائيل مائدة))، وهو قول مروى عن مجاهد فيما سيأتى رقم: ١٣٠٢١.
٨٧/٧

٢٢٩
تفسير سورة المائدة : ١١٤
قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلت المائدة خبزاً ولحماً، وأمروا أن
لا يخونوا ولا يدّخروا ولا يرضعوا لغد، فخانوا وادّخروا ورفعوا ، فمسخوا قردة
وخنازير .(١)
١٣٠١٣ - حدثنى محمد بن عبد الله بن بزیع قال، حدثنا يوسف بن خالد
قال، حدثنا نافع بن مالك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، فى المائدة قال :
کانت طعاماً ينزل عليهم من السماء حيثما نزلوا .
وقال آخرون : كانت المائدة تنزل وعليها ثمرٌّ من ثمار الجنة.
• ذكر من قال ذلك :
١٣٠١٤ -حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبى عدی ، عن سعيد ،
عن قتادة ، عن خلاس بن عمرو ، عن عمار قال : نزلت المائدة وعليها ثمرٌ من
ثمر الجنة ، فأمروا أن لا يخبأوا ولا يخونوا ولا يدخروا، قال : فخان القوم وخبأوا
وإدَّخرا، فحوّلهم الله قردة وخنازير. (٢)
١٣٠١٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال: ذُكر لنا أنها كانت مائدة ينزل عليها الثمرُ من ثمار الجنة، وأمروا أن لا
(١) الأثر: ١٣٠١٢ - ((الحسن بن قزعة بن عبيد الهاشمى البصرى))، ثقة. مضى
برقم : ٨٢٨١ .
و «سفيان بن حبيب البصرى))، ثقة، مضى برقم: ١١٣٠٢، ١١٣٢١.
و ((خلاس بن عمرو المجرى))، مضى مراراً، منها: ٤٥٥٧، ٥١٣٤، وغيرهما .
وكان فى المطبوعة: ((جلاس بن عمرو))، وهو خطأ.
وهذا الخبر، رواه الترمذى فى كتاب التفسير من سننه ، بإسناده عن الحسن بن قزعة ، ثم
قال: ((هذا حديث رواه أبو عاصم وغير واحد، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة ، عن خلاص،
عن عمار، موقوفاً. ولا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الحسن بن قزعة = حدثنا حميد بن مسعدة،
حدثنا سفيان بن حبيب ، عن سعيد بن أبى عروبة، نحوه، ولم يرفعه. وهذا أصح من حديث الحسن
ابن قزعة، ولا نعرف الحديث المرفوع أصلا)).
وانظر الأثر التالى رقم : ١٣٠١٤، وهو الخبر الموقوف.
(٢) الأثر: ١٢٠١٤ - انظر التعليق على رقم: ١٣٠١٢، وكان فى المطبوعة هنا أيضاً
((جلاس بن عمرو)» وهو خطأً

٢٣٠
تفسير سورة المائدة : ١١٤
يخبأوا ولا يخونوا ولا يدخروا لغد، بلاء ابتلاهم الله به، (١) وكانوا إذا فعلوا شيئاً
من ذلك ، أنبأهم به عيسى ، فخان القوم فيه فخبأوا وادّخروا لغد .
٠ ٠
وقال آخرون : كان عليها من كلّ طعام إلا اللحم.
* ذكر من قال ذلك :
١٣٠١٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جرير ، عن عطاء، عن ميسرة
قال : كانت إذا وضعت المائدة لبنى إسرائيل ، اختلفت عليها الأيدى بكل
طعام .
١٣٠١٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ،
عن عطاء ، عن ميسرة وزاذان قالا : كانت الأيدى تختلف عليها بكل طعام .
١٣٠١٨ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان
الثورى ، عن عطاء بن السائب، عن زاذان وميسرة، فى: ((هل يستطيع ربك
أن ينزل علينا مائدةً من السماء))، قالا: رأوا الأيدى تختلف عليها بكل شىء
إلاّ اللحم. (٢)
وقال آخرون : لم ينزل الله على بنى إسرائيل مائدة .
٠
ثم اختلف قائلو هذه المقالة .
فقال بعضهم : إنما هذا مثل ضربه اللّه تعالى ذكره لخلقه ، نهاهم به عن
مسألة نبيّ اللّه الآيات .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٠١٩ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ،
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أبلاهم الله به))، وهو لا يصح، صواب قراءته ما أثبت.
(٢) الأثران: ١٣٠١٧، ١٣٠١٨ - ((زاذان الكندى الضرير))، مضى برقم : ٩٥٠٨.

٢٣١
تفسير سورة المائدة : ١١٤
عن ليث، عن مجاهد فى قوله: ((أنزل علينا مائدة من السماء))، قال : مثل ضُرب،
لم ينزل عليهم شىء .
وقال آخرون: إنّ القوم لما قيل لهم: ((فمن يكفر بعدُ منكم فإنى أعذَّبُه
عذاباً لا أعذّبه أحداً من العالمين)) ، استعقَوْا منها فلم تنزل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٣٠٢٠ -حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید بن زريع قال، حدثنا
سعيد ، عن قتادة قال : كان الحسن يقول : لما قيل لهم: " هن یکفر بعد منكم)) ،
إلى آخر الآية ، قالوا : لا حاجة لنا فيها ! فلم تنزل .
١٣٠٢١ - حدثنا ابن المتى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن: أنه قال فى المائدة: لم تنزل . (١)
١٣٠٢٢ - حدثنى الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا
حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال : مائدة عليها طعام ، أبوها حين
عرض عليهم العذاب إن كفروا ، فأبوا أن تَنْزِل عليهم .
٠٠٠
قال أبو جعفر: والصواب من القول عندنا فى ذلك أن يقال: إن الله تعالى ٨٨/٧
ذكره أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربّه .
وإنما قلنا ذلك ، للخبر الذى روينا بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم ، غير من انفرد بما ذكرنا عنه .
وبعدُ، فإن الله تعالى ذكره لا يخلف وعده، ولا يقع فى خبره الخُلف،
وقد قال تعالى ذكره مخبراً فى كتابه عن إجابة نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم حين
سأله ما سأله من ذلك: ((إنى مترِّهما عليكم))، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره:
(١) الأثر: ١٢٠٢١ - ((منصور بن زاذان الثمنفى الواسطى))، أبو المغيرة. ثقة،
روى عن أبي العالية، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وابن سيرين. مترجم فى التهذيب.

٢٣٢
تفسير سورة المائدة : ١١٤، ١١٥
((إنى منزلها عليكم))، ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه تعالى ذكره خبر، ولا يكون منه
خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول: ((إنى منزلها عليكم))، ثم لا ينزلها عليهم ،
جاز أن يقول: ((فمن يكفر بعد منكم فإنىّ معذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين))،
ثم يكفر منهم بعد ذلك، فلا يعذّبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة.
وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى ذكره بذلك .
...
وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال : كان عليها مأكول .
وجائز أن يكون كان سمكاً وخبزاً ، وجائزٌ أن يكون كانَ ثمراً من ثمر الجنة ، وغيرُ
نافع العلم به ، ولا ضارّ الجهل به ، إذا أقرَّ تالى الآية بظاهر ما احتمله التنزيل .
القول فى تأويل قوله ﴿ قَلَ اللهُ إِنِى مُنَزّ لَهَا عَلَيْكُمْ فَمَن
يَكْفُرْ بَعْدُ مِنَكُمْ فَإِنِىَ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّاَ أُعَذِّبُهُوَ أَحَدًا مِّنَ
اَلْعُلَمِينَ﴾.
١١٥
قال أبو جعفر: وهذا جواب من اللّه تعالى ذكره القومَ فيما سألوا نبيّهم عيسى
مسألةَ ربهم، من إنزاله مائدة عليهم . فقال تعالى ذكره : إنى منزلها عليكم ، أيها
الحواريون، فمطعمكموها = ((فمن يكفر بعد منكم))، يقول : فمن يجحد بعد
إنزالها علیکم ، وإطعامیکموها - منکم رسالتی إلیه ، وینکر نبوة نبیی عیسی صلى
اللّه عليه وسلم، ويخالفْ طاعتى فيما أمرته ونهيته = ((فإنى أعذبه عذاباً لا أعذبه
أحد من العالمين))، من عالمى زمانه . ففعل القوم ، فجحدوا وكفروا بعد ما أنزلت
عليهم ، فيما ذكر لنا ، فعذبوا ، فيما بلغنا، بأن مُسِخوا قردة وخنازير ، كالذى :-
١٣٠٢٤ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
قوله: ((إنى منزلها عليكم)) الآية، ذكر لنا أنهم حوّلوا خنازير.

٢٣٣
تفسير سورة المائدة : ١١٥، ١١٦
١٣٠٢٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهابومحمد بن أبی عدی ،
ومحمد بن جعفر ، عن عوف ، عن أبى المغيرة القوّاس ، عن عبد الله بن عمرو
قال : إن أشدّ الناس عذاباً ثلاثة : المنافقون ، ومن كفر من أصحاب المائدة ،
وآل فرعون .(١)
١٣٠٢٦ - حدثنا الحسن بن عرفة قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن
عوف قال : سمعت أبا المغيرة القوّاس يقول: قال عبد الله بن عمرو: إنّ أشد
الناس عذاباً يوم القيامة: من كفرمن أصحاب المائدة، والمنافقون، وآل فرعون. (١)
١٣٠٢٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((فمن يكفر بعد منكم )) ، بعد ما جاءته المائدة
=(( فإنى أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين))، يقول: أعذبه بعذاب لا
أعذبه أحداً من العالمين غير أهل المائدة .
٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذْ قَلَ اللهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَ ، أَنتَ
كُلْتَ لِلنَّاسِ أَنْخِذُو فِى وَأْمِىَ إِلَهَبْنِ مِن دُونِ اللهِ قَلَ سُبْحَمْنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ
أَنْ أَقُولَ مَا لَبْسَ لِ بِجَقٍ إِن كُنْتُ قُلْتُهٍُ فَقَدْ عَلِمْهُ)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (( يوم يجمع اللّه الرسل فيقول ماذا
أجبتم))، ((إذ قال الله يا عيسى بن مريم أ أنت قلت للناس اتخذونى وأمّىَ إلهين
من دون الله)) .
...
(١) الأثران: ١٢٠٢٥، ١٣٠٢٦ - ((أبو المغيرة القواس))، روى عن عبد الله
ابن عمرو. روى عنه عوف. ومثل أبو زرعة عن اسمه فقال: ((لا أعلم أحداً يسميه)). ضعفه
سليمان التيمى، ووثقه ابن معين. مترجم فى الكنى البخارى: ٧٠، وابن أبى حاتم ٤٣٩/٢/٤.

٢٣٤
تفسير سورة المائدة : ١١٦
وقيل : إن الله قال هذا القول لعيسى حين رفعه إليه فى الدنيا .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٠٢٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أ أنت قلت للناس
اتخذونى وأمى إلهين من دون الله))، قال: لما رفع اللّه عيسى بن مريم إليه ، قالت
النصارى ما قالت ، وزعموا أنّ عيسى أمرَهم بذلك ، فسأله عن قوله فقال :
(( سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما فى
نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام الغيوب)) إلى قوله: (( وأنت على كل
شیء شهيد )) .
*
وقال آخرون : بل هذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن أنه يقول لعيسى ذلك
فى القيامة .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٠٢٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن
ابن جريج: (( وإذا قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى
إلهين من دون الله))، قال: والناس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت ، وأقرّ له
بالعبودية على نفسه ، فعلم من كان يقول فى عيسى ما يقول : أنه إنما كان يقول
باطلاً .
٨٩/٧
١٣٠٣٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن ميسرة
قال : قال الله: يا عيسى، أ أنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون اللّه؟
فأُرْعِدت مفاصله، وخشى أن يكون قد قال، فقال : سبحانك، إن كنت قلته
فقد علمته = الآية .
١٣٠٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر ،

٢٣٥
تفسير سورة المائدة : ١١٦
عن قتادة فى قوله: ((يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين
من دون الله))، متى يكون ذلك؟ قال: يوم القيامة، ألا ترى أنه يقول: ((هذا
يوم ينفع الصادقين صدقهم)» ؟
٠ ٠
= فعلى هذا التأويل الذى تأوَّله ابن جريج، يجب أن يكون ((وإذ)) بمعنى:
و((إذا))، كما قال فى موضع آخر: ﴿وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعَوا﴾، [ سورة سبأ: ٥١]،
بمعنى : يفزعون ، وكما قال أبو النجم:
ثُمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنَّا إذْ جَزَىْ جَنَّاتِ عَدْنٍ فِى الْعَلَالِىِّ الْعُلَى (١)
والمعنى : إذا جزى، وكما قال الأسود : (٢)
فَأَلَآنَ، إِذْ هَزَلْتُهُنَّ، فإنَّ يَقُلْنَ: أَلَا لَمْ يَذْهَرِ الشَّمْحُ مَذْهَبَ!(٣)
بمعنى : إذا هازلتهن .
(١) الأضداد لابن الأنبارى: ١٠٢، والصاحبى: ١١٢، واللسان (طها) وسيأتى
بعد قليل فى هذا الجزء ص: ٣١٧، زيادة بيت. وقوله: ((العلالى))، جمع ((علمية)) (بكسر.
العين، وتشديد اللام المكسورة، والياء المشددة): وهى الغرفة العالية من البيت . وأرد بذلك:
(((فى عليين))، المذكورة فى القرآن. وقد قال هدية من خشرم أيضاً، فتصرف:
كأنَّ حَوْطَاً، جزاءُ اللهُ مَغْفِرَةً وَجَنَّةً ذاتَ عِلَّتِ وأَشْرَاعِ
و((الأشراع))، القائف.
(٢) هو الأسود بن يعفر التبشلى، أعشى بنى نهثل.
(٣) ديوان الأعثين: ٢٩٣، والأضداد لابن الأنبارى: ١٠١، من قصيدة له،
ذهب أكثرها فلم يوجد منها فى الكتب المطبوعة ، غير هذا البيت ، وخمسة أبيات أخرى ، فى ديوانه ،
وفى العينى (هامش خزانة الأدب ٤ : ١٠٣)، وهى أبيات جياد :
تَعَقَبَهُ لَمَّا أُسْتَبَانَ وَجَرَّبًا
صَحَا سَكَرٌ مِنْهِ طَوِيلٌ بِزَيْفَاَ
وَكَان لَهُ، فِياَ أَقَدَ، خَلَائِلٌ
فَأَصْبَحْنَ لَا يَنْأَلَنَهُ عَنْ بمَ بِهِ
طَوَّامِحُ بالأَبْصَارِ عَنْهَ، كَأَ
فَكَيْفَ تَصَابِيهِ وَقَدْ صَارِ أَشْيَبَا؟
وَأَحْكَمَهُ شَيْبُ الَّذَالِ عَنِ الِبَا
عَجِلْنَ، إِذَا لَا فَيْنَهُ، قُلْنَ: مَرْحَباً!
أَصَمََّ فِ عُلْوِ الهَوَى أم تَصَوَّباً؟
يَرَيْنَ عَلَيْهِ جُلَّ أَدْهَرَ أَجْرَبَا

٢٣٦
تفسير سورة المائدة : ١١٦
وكأنّ من قال فى ذلك بقول ابن جريج هذا، وجّ تأويل الآية إلى: ((فمن
يكفر بعدُ منكم فإنى أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين)» فى الدنيا = وأعذبه
أيضاً فى الآخرة: ((إذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى
إلهين من دون الله)).
٠
قال أبو جعفر : وأولى القولين عندنا بالصواب فى ذلك ، قولُ من قال بقول
السدى ، وهو أن اللّه تعالى ذكره قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه = وأن الخبر
خبرٌ عما مضى ، لعلّتين:
إحداهما: أن ((إذْ)) إنما تصاحب= فى الأغلب من كلام العرب المستعمل
بينها = الماضىّ من الفعل، وإن كانت قد تدخلها أحياناً فى موضع الخبر عما
يحدث ، إذا عرف السامعون معناها. وذلك غير فاشٍ ، ولا فصيح فى كلامهم، (١)
وتوجيه معانى كلام اللّه تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل، (٢) أولى
من توجيهها إلى الأجهل الأنكر.
والأخرى : أن عيسى لم يشك هو ولا أحد من الأنبياء ، أن الله لا يغفر
لمشرك مات على شركه ، فيجوز أن يُتّوهم على عيسى أن يقول فى الآخرة مجيباً
لربه تعالى ذكره : إن تعذّب من اتخذفى وأمى إلهين من دونك فإنهم عبادك ،
وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .
٥
فإن قال قائل: وما كان وجه سؤال الله عيسى: ((أأنت قلت للناس اتخذونى
وأمى إلهين من دون الله))، وهو العالم بأن عيسى لم يقل ذلك ؟
قيل : يحتمل ذلك وجهين من التأويل :
(١) انظر ما سلف من القول فى ((إذ)) و((إذا)) ١: ٣٤٩ - ٤٤٤، ٣/٤٩٣:
٩٢، ٦/٩٨: ٤٠٧، ٧/٥٥٠: ٩/٣٣٣: ٦٢٧. وانظر ما سيأتى ص : ٣١٧
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فتوجيه)) بالفاء، والجيد ما أثبت.

٢٣٧
تفسير سورة المائدة : ١١٦
أحدهما : تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيُه، كما يقول القائل لآخر :
((أفعلت كذا وكذا))؟ مما يعلم المقولُ له ذلك أن القائل يستعظم فعل ما قال له :
((أفعله)) ، على وجه النهى عن فعله ، والتهديد له فيه .
الآخر : إعلامه أنّ قومه الذين فارقهم قد خالفوا عهده ، وبدلوا دینهم
بعده . فیکون بذلك جامعاً إعلامه حالهم بعده ، وتحذیراً له قیله .(١)
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأما تأويل الكلام، فإنه: ((أأنت قلت للناس اتخذونى
(أمی إلهین» ، أى: معیودین تعبدونهما من دون الله. قال عيسى : تتزيهاً لك يا رب
وتعظيماً أن أفعل ذلك أو أتكلم به (٢) = ( ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق))،
يقول: ليس لى أن أقول ذلك، لأنى عبد مخلوق ، وأمى أمَةً لك، وكيف يكون
العبد والأمة ادّعاء ربوبية؟ =(٣) ((إن كنت قلته فقد علمته))، يقول: إنك لا
يخفى عليك شىء، وأنت عالم أتى لم أقل ذلك ولم آمرُهم به .
٥
القول فى تأويل قوله ﴿تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَّا أَعْلَمُ مَا فِى
تَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَمُ الْغُبِ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مخبراً عن نبيه عيسى صلى اللّه عليه
وسلم: أنه يبرأ إليه مما قالت فيه وفى أمه الكفرةُ من النصارى، أن يكون دعاهم إليه
أو أمرهم به، فقال: ((سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق إن كنت
(١) فى المطبوعة: ((وتحذيره))، غيرما كان فى المخطوطة لغير طائل.
(٢) انظر تفسير ((صيحان)) فيا ملف ١: ٤٧٤ - ٤٧٦، ٢/٤٩٥: ٦/٥٣٧: ٤٢٣.
(٢) فى المطبوعة: ((فهل يكون العبد)، وفى المخطوطة: ((فيكون يكون العبد))، هكذا.
ورجحت قرامها كما أثبتها .

٢٣٨
تفسير سورة المائدة : ١١٦ :: ١١٧
قلته فقد علمته )) . ثم قال: ((تعلم ما فى نفسی))، يقول: إنك،يا رب ، لا يخفى
عليك ما أضمرته نفسى مما لم أنطق به ولم أظهره بجوارحى، فكيف بما قد نطقتُ به
وأظهرته بجوارحى ؟ يقول: لو كنت قد قلت للناس: ((اتخذونى وأمى إلهين
من دون الله))، كنت قد علمته، لأنك تعلم ضمائر النفوس مما لم تنطق به ، فكيف
بما قد نطقت به؟ = ((ولا أعلم ما فى نفسك))، يقول : ولا أعلم أنا ما أخفيته
عنى فلم تطلعنى عليه ، لأنى إنما أعلم من الأشياء ما أعلمتنيه = ((إنك أنت
عَلاَّم الغيوب))، يقول: إنك أنت العالم بخفيّات الأمور التى لا يطلع عليها
سواك ، ولا يعلمها غيرك.(١)
٩٠/٧
القول فى تأويل قوله ﴿ مَا كُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَآَ أَمَرْتَنِىِ بِهِ ـَ أَنِ
أُعْبُدُواْ اللهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَّا
تَوَّفَيْتَنِ كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيِبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ) (١)
قال أبو جعفر : وهذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن قول عيسى ، يقول :
ما قلت لهم إلا الذى أمرتنى به من القول أن أقوله لهم ، وهو أن قلت لهم: ((اعبدوا
الله ربي وربكم)) = ((وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم))، يقول: وكنت على
ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهداً عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم (٢) = ((فلما توفيتنى))،
(١) انظر تفسير ((علام الغيوب)) فيما سلف قريباً: ٢١١ = وتفسير ((الغيب)) ١: ٢٣٦،
٦/٢٣٧ : ١٠/٤٠٥ : ٥٨٥
(٢) انظر تفسير: ((شهيد)) فيما سلف من فهارس اللغة (شهد) - وتفسير ((ما دام))
فيما سلف ١٠ : ١١/١٨٥: ٧٤.

٢٣٩
تفسير سورة المائدة : ١١٧
يقول: فلما قبضتى إليك(١) = (( كنت أنت الرقيب عليهم))، يقول: كنت أنت
الحفيظ عليهم دونى، (٢) لأنى إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم .
وفى هذا تبيانُ أن الله تعالى ذكره إنما عرفه أفعالَ القوم ومقالتهم بعد ما قبضه
إليه وتوفاه بقوله: ((أأنت قلت للناس اتخذونى وأمىّ إلهين من دون اللّه)).
=((وأنت على كل شىء شهيد)) يقول: وأنت تشهد على كل شىء، لأنه
لا يخفى عليك شىء. وأما أنا ، فإنما شهدت بعض الأشياء ، وذلك ما عاينت وأنا
مقيم بين أظهر القوم ، فإنما أنا أشهد على ذلك الذى عاينت ورأيتُ وشهدت .
وبنحو الذى قلنا فى قوله: (( كنت أنت الرقيب عليهم ))، قال أهل التأويل.
· ذكر من قال ذلك :
١٣٠٣٢ -حدثی محمد بن الحسین قال،حدثنا أحمد بنمفضل قال، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((كنت أنت الرقيب عليهم))، أما ((الرقيب))، فهو الحفيظ.
١٣٠٣٣ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج، عن ابن
جريج: ((كنت أنت الرقيب عليهم))، قال : الحفيظ .
...
وكانت جماعة من أهل العلم تقول : كان جواب عيسى الذى أجاب به
ربِّه، من اللّه تعالى، توقيفاً منه له فيه . (٣)
• ذكر من قال ذلك :
١٣٠٣٤ -حدثنا ابن وکیع قال، حدثنا ابن یمان، عن سفيان، عن معمر،
(١) انظر تفسير ((توفاه)) فيما سلف ٦: ٤٥٥ - ٨/٤٦١: ٩/٧٣: ١٠٠ .
(٢) انظر تفسير ((الرقيب)) فيما سلف ٧ : ٥٢٣.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((توفيقاً)) (بالفاء قبل القاف)، فى هذا الموضع وما يليه.
وهو خطأً من التامخ والناشر لاشك فيه، صوابه ما أثبت. يقال: «وقفت الرجل على الكلمة
توقيفاً))، إذا عليه الكلمة لم يكن يعلمها، أو غابت عنه. أى أنها كانت من تعليم اللّه إياه،
لم يقلها من عند نفسه.

٢٤٠
تفسير سورة المائدة : ١١٧، ١١٨
عن ابن طاوس، عن أبيه: ((أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله
قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق))، قال: اللّه وقّفَه. (١)
١٣٠٣٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود الحفرى قال ، قرئ على
سفيان ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس قال : احتج عيسى ،
والله وقفه: ((أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله))، الآ ية.
١٣٠٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن عطاء ، عن ميسرة
قال: قال الله تعالى ذكره: ((يا عيسى أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى
إلهين من دون الله))؟ قال: فأُرعدت مفاصله، وخشى أن يكون قد قالها، فقال :
(( سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم
ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام الغيوب)).
القول فى تأويل قوله ﴿ إِن ◌ُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أنتَ الْعَزِيزُ الْعَّكِيمُ﴾ (٢)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إنْ تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه
المقالة، بإماتتك إياهم عليها = ((فإنهم عبادك))، مستسلمون لك ، لا يمتنعون
مما أردت بهم، ولا يدفعون عن أنفسهم ضرًا ولا أمراً تنالهم به = ((وإن تغفر لهم»،
بهدايتك إياهم إلى التوبة منها، فتستر عليهم = ((فإنك أنت العزيز))، (٢) فى
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((اللّه وفقه))، وانظر التعليق السالف، وكذلك ما سيأتى
فى الأثر التالى .
(٢) انظر تفسير ((العباد))، و((المغفرة))، و((العزيز))، و((الحكيم)) فيما سلف
من فهارس اللغة (عبد)، (غفر)، (عزز)، (حكم) .