النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
ملك سليمان، وكما قال: ﴿وَلَأُمَلِّبْكُمُ فِىِ جُذُوعِالنَّخْلِ﴾ [ سورة له: ٧١.
(((فی ) توضع موضع (( علی ))، و ( علی)» فى موضع ((فی ))، کل واحد ة منهما
تعاقب صاحبتها فى الكلام ، (١) ومنه قول الشاعر: (٢)
مََّى مَتُنْكِّرُوهَا تَرِفُوهَاَ عَلَى أَقْطَارِهَا عَلَقٌ نَغَيْثُ(٣)
#
وقد تأوّلت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى ذكره: «فإن عثر على
أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما من الذين استحقّ عليهم الأوليان))،
أنهما رجلان آخران من المسلمين، أو رجلان أعدل من المقسمين الأوَّلَين.
ذكر من قال ذلك :
٠
١٢٩٧٤ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا
داود بن أبى هند ، عن عامر، عن شريح فى هذه الآية: ((يا أيها الذين آمنوا
شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران
من غيركم))، قال : إذا كان الرجل بأرض غُرْبة ولم يجد مسلماً يشهده على
(١) انظر ما سلف ١: ٢/٢٩٩: ٤١١، ٤١٢، وغيرها من المواضع فى باب تعاقب
الحروف .
(٢) هو أبو المثلم المثلى.
(٢) ديوان المذليين ٢: ٢٢٤، مشكل القرآن: ٢٩٥، ٤٣٠، والمعانى الكبير:
٩٦٩، ٩٧٠، " والاقتضاب: ٤٥١، والجواليقى: ٣٧٣، واللسان (نفث) وغيرها. من أبيات
فى ملاحاة بينه وبين صخر التى ، من جراء دم كان أبو المثلم يطلب عقله ، أى ديته ، وقبل البيت :
لَحَقُّ ◌َِ شُغَارَةٌ أن يَقُولوا لِصَخْرِ الفَىِّ: مَذَا تَسْتَبِيثُ ؟
أى: ماذا تستثير؟ وإنما أراد الحرب، فقال له بعد: ((متى ما تنكروها ... )»، أى :
إذا جاءت الحرب أنكرتموها، ولكن ما تكادون تنكرونها ، حتى تروا الدم يقطر من نواحيها ،
يعنى كتائب المحاربين. و((العلق)): الدم، و((الأقطار)): النواحى. و((النفيث))، الدم
الذى تنفثه القروح والجروح .
وقد خلط البطليومى فى شرح هذا الشعر، فزعم أن الضمير فى قوله: ((متى ما تنكروها»، عائد
( إلى المقالة))، يعنى هذا الهجاء بينهما، وأتى فى ذلك بكلام لا خير فيه، أراد به الإغراب كعادته.
٢٠٢
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
وصيته، فأشهد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيا، فشهادتهم جائزة. فإن جاء رجلان
مسلمان فشهدًا بخلاف شهادتهم ، أجيزت شهادة المسلمين ، وأبطلت شهادة
الآخرين . (١)
١٢٩٧٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((فان عثر))، أى: اطلع منهما على خيانة، على أنهما كذبا أو كما،
فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا ، أجيزت شهادة الآخرين ،
وأبطلت شهادة الأوَّلين .
١٢٩٧٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن
عطاء قال : كان ابن عباس يقرأ: ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلَيْنِ ﴾
وقال: كيف يكون (( الأوليان ))، أرأيت لو كان الأوليان صغيرين ؟
١٢٩٧٧ - حدثنا هناد وابن وكيع قالا ، حدثنا عبدة، عن عبد الملك،عن
عطاء، عن ابن عباس قال: كان يقرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلَيْنِ)
قال ، وقال : أرأيت لو كان الأوليان صغيرين ، كيف يقومان مقامهما؟
٠
قال أبو جعفر : فذهب ابن عباس ، فيما أرى ، إلى نحو القول الذى حكيتُ
عن شريح وقتادة ، من أنّ ذلك رجلان آخران من المسلمين ، يقومان مقام
النَّصرانيين ، أو عَدْلان من المسلمين هما أعدل وأجوزُ شهادة من الشاهدين
الأولين أو المقسمين .
وفى إجماع جمیع أهل العلم على أن لا حكم لله تعالى ذكره يجب فيه على
شاهدٍ يمينٌ فيما قام به من الشهادة، دليلٌ واضح على أنّ غير هذا التأويل = الذى
قاله الحسن ومن قال بقوله فى قول الله تعالى ذكره: ((فآخران يقومان مقامهما)) =أولى به.
٠ ٠
(١) الأثر: ١٢٩٧٤ - مضى هذا الخبر رقم: ١٢٩٠٩، ١٢٩٤٣، وانظر التعليق
على رقم : ١٢٩٠٩ .
٢٠٣
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
وأما قوله: ((الأوليان))، فإن معناه عندنا: الأولى بالميت من المقسمين الأولين
فالأولى. (١) وقد يحتمل أن يكون معناه: الأولى باليمين منهما فالأولى = ثم حذف
((منهما))، (٢) والعرب تفعل ذلك فتقول: ((فلان أفضل))، وهى تريد :
(أفضل منك))، وذلك إذا وضع ((أفعل)) موضع الخبر. وإن وقع موقع الاسم
وأدخلت فيه ((الألف واللام))، فعلوا ذلك أيضاً، إذا كان جواباً لكلام قد
مضى، فقالوا: ((هذا الأفضل، وهذا الأشرف))، يريدون: هو الأشرف منك.
٠٠٠
وقال ابن زيد : معنى ذلك : الأوليان بالميت .
١٢٩٧٨ -حدثییونس ، عن ابن وهب ، عنه
٠
القول فى تأويل قوله ﴿فَيُقْسِمَنِ بِاللهِ لَشَهَدَتُنَآَ أَحَقُّ مِن
شَهَدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَآَ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِنَ) (١١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فيقسم الآخران اللذان يقومان مقام
اللَّذين عثر على أنهما استحقا إثماً بحياتهما مالَ الميت، الأوليان باليمين والميِّت
من الخائنين : = ((لشهادتنا أحقُ من شهادتهما))، يقول: لأيماننا أحقُّ من أيمان
المقسمين المستحقَّين الإثم، وأيما نهما الكاذبة= فى أنّهما قد خانا فی کذا وكذا
من مال ميّتنا ، وكذا فى أيمانهما التى حلفا بها = ((وما اعتدينا))، يقول : وما
تجاوزنا الحقَّ فى أيماننا .
٨٠/٧
وقد بينا أن معنى ((الاعتداء))، المجاوزة فى الشىء حدَّه. (٣)
٠٠ ٠ ٠
(١) السياق: ((الأولى بالميت ... فالأولى)).
(٢) فى المطبوعة: ((ثم حذف فيهما))، وهو خطأ صرف، وهى فى المخطوطة غير منقوطة.
(٣) انظر تفسير ((الاعتداء)) فيما سلف من فهارس اللغة (عدا).
٢٠٤
تفسير سورة المائدة : ١٠٧ ، ١٠٨
((إنا إذا لمن الظالمين)) يقول : إنّا إن كنا اعتدينا فى أيماننا ، فحلفنا
مبطلين فيها كاذبين= ((لمن الظالمين))، يقول: لِمَنْ عِدَادٍ مَنْ يأخذ ما ليس
له أخذه ، (١) ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس . (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىَّ أَنْ يَأْتُواْ بِلَّهْدَةِ عَلَىّ
وَجْمِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَ أَيْمَلْنُ بَعْدَ أَيْمَنِمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ذلك))، هذا الذي قلت لكم
فى أمر الأوصياء = إذا ارتبتم فى أمرهم ، واتهمتموهم بخيانة لمالٍ من أوصى إليهم،
من حبسهم بعد الصلاة، واستحلافكم إيَّاهم على ما ادَّعى قبلهم أولياء الميت=
((أدنى)) لهم ((أن يأتوا بالشهادة على وجهها))، يقول: هذا الفعل، إذا فعلتم بهم،
أقربُ لهم أن يصدُقوا فى أيمانهم، (٣) ولا يكتموا، ويقرُّوا بالحق ولا يخونوا (٤) = ((أو
يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم))، يقول: أو يخاف هؤلاء الأوصياء إن عثر
عليهم أنهم استحقُّوا إثماً فى أيمانهم باللّه ، أن تردَّ أيمانهم على أولياء الميت ، بعد
أيمانهم التى عُثِر عليها أنها كذب، فيستحقُّوا بها ما ادّعوا قِبلهم من حقوقهم ،
فيصدقوا حينئذٍ فى أيمانهم وشهادتهم ، مخافة الفضيحة على أنفسهم، وحذراً أن
يستحقّ عليهم ما خانُوا فيه أولياء الميِّت وورثته.
(١) فى المطبوعة: ((لممن عدا ومن يأخذ))، غير ما فى المخطوطة، وأساء أقبح الإساءة.
(٢) انظر تفسير ((الظلم))، فيما سلف من فهارس اللغة.
(٣) انظر تفسير ((أدفى)) فيما سلف ٦: ٧/٧٨: ٥٤٨.
(٤) انظر تفسير ((على وجهه)) فيما سلف ٢ : ٥١١ .
٢٠٥
تفسير سورة المائدة : ١٠٨
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . وقد تقدّمت الروايةُ بذلك عن
بعضهم ، ونحن ذا کرو الرواية فى ذلك عن بعضٍ من بقى منهم .
١٢٩٧٩ - حدثى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((فإن عُثر على
أنهما استحقًا إنماً))، يقول: إن اطّلع على أنّ الكافرين كذبًا- ((فآخران يقومان
مقامهما))، يقول: من الأولياء، فحلفا بالله أنّ شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد،
فترد شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء . يقول تعالى ذكره : ذلك أدنى
أن يأتى الكافرون بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم . وليس
على شُهود المسلمين أقْسام ، وإنما الأقسام إذا كانوا كافرين .
١٢٩٨٠ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: (( ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة)) الآية، يقول : ذلك
أحرى أن يصدقوا فى شهادتهم، وأن يخافوا العقيب. (١)
١٢٩٨١ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم))، قال: فتبطل أيمانهم ، وتؤخذ
أيمانُ هؤلاء .
. .
وقال آخرون : [معنى ذلك تحبسونهما من بعد الصلاة . ذلك أدنى أن
يأتوا بالشهادة على وجهها، على أنهما استحقا إنماً، فآخران يقومان مقامهما]. (٢)
• ذكر من قال ذلك :
(١) فى المطبوعة: ((وأن يخافوا العقاب))، والصواب ما فى المخطوطة و((العقب)) (بفتح
فكسر): العاقية، وذلك عاقية أمرهما فى وبطلان أيمانهم، وعاقبة رد الفضيحة على أنفسهم.
(٢) هذه الجملة كلها مضطربة المعنى، ولا تطابق الأثر التالى، وظنى أن فى الكلام سقطاً، أسقط
التالمخ مطراً أو فحو، وتركها على حالها فى المخطوطة والمطبوعة، ولكنى وضعتها بين قوسين، شكاً
فى فى محّها.
٢٠٦
تفسير سورة المائدة : ١٠٨
١٢٩٨٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : يوقف الرجلان بعد صلاتهما فى دينهما ،
فيحلفان بالله: ((لا نشترى به ثمناً قليلاً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله
إنا إذاً لمن الآثمين، أنّ صاحبكم لبهذا أوصى، وأنّ هذه لتركته)). فيقول لهما
الإمام قبل أن يحلفا: (( إنکما إن كنتما کتمتما أو خنتما ، فضحتكما فى قومكما ،
ولم أجز لكما شهادة، وعاقبتكما)). فإن قال لهما ذلك ، فإنّ ذلك أدنى أن يأتوا
بالشهادة على وجهها .
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَسْمَعُواْ وَاللهُ لَا يَهْدِى
الْقَوْمَ الْفُسِقِينَ﴾ (١٠٨)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وخافوا الله، أيها الناس ، وراقبوه فى
أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبةً، وأن تُذْهبوا بها مال من يَحْرم عليكم ماله، وأن
تخونوا من اتَّمنكم (١) = ((واسمعوا))، يقول: اسمعوا ما يقال لكم وما توعظون به،
فاعملوا به، وانتهوا إليه = ((والله لا يهدى القوم الفاسقين))، يقول: والله لا يوفِّق
من فَسَق عن أمرر بّه ، فخالفه وأطاع الشيطانَ وعصى ربِّه .
...
وكان ابن زيد يقول: ((الفاسق))، فى هذا الموضع، هو الكاذب. (٢)
١٢٩٨٣ - حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
((والله لا يهدي القوم الفاسقين))، الكاذبين ، يحلفون على الكذب .
#
(١) انظر ما كتبته فى ((اتمن)) فيما سلف ص: ١٩٧، تعليق: ٣
(٢) انظر تفسير ((الفاسق)) بهذا المعنى من تفسير ابن زيد، فيما سلف رقم : ١٢١٠٣
فى الجزء ١٠: ٣٧٦. ثم انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف من فهارس اللغة (فسق).
٢٠٧
تغير سورة المائدة : ١٠٨
وليس الذى قال ابن زيد من ذلك عندي بمدفُوعٍ ، إلا أن اللّه تعالى ذكره
عَمَّ الخبر بأنه لا يهدى جميع الفسَّاق ، ولم يخصص منهم بعضاً دون بعض بخير
ولا عقلٍ ، فذلك على معانى (الفسق)) كلها، حتى يخصِّص شيئاً منها ما يجب التسليم ٨١/٧
له، فيُلَّم له.
. ..
ثم اختلف أهل العلم فى حكم هاتين الآيتين ، هل هو منسوخ ، أو هو
مُحكم ثابت ؟
فقال بعضهم : هو منسوخ
· ذکر من قال ذلك :
١٢٩٨٤ -حدثنا أبو کریب قال، حدثنا ابن إدريس ، عن رجل قد
سماه ، عن حماد، عن إبراهيم قال : هى منسوخة .
١٢٩٨٥ -حدثی محمدبن سعد قال، حدثی أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثی أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : هى منسوخة = يعنى هذه الآية :
((يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم)) ، الآية .
٠٠
وقال جماعة: هى محكمة وليست بمنسوخة. وقد ذكرنا قول أكثرهم فيما
مضى .
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك أن حكم الآية غيرُ منسوخ . (١)
وذلك أن من حكم الله تعالى ذكره الذى عليه أهل الإسلام، من لدن بعث الله
تعالى ذكره نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، أنّ من ادّعِى عليه
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أن حكم الآية منسوخ))، وهو خطأ فاحش، فإن أبا جعفر
يقول بعد ذلك أنها غير منسوخة، كما سترى ، فالصواب ما أثبته .
٢٠٨
تفسير سورة المائدة : ١٠٨
دَعْوى ممَّا يملكه بنو آدم، أنّ المدَّعَى عليه لا يبرئه مما ادَّعى عليه إلا اليمين ،
إذا لم يكن للمدَّعِى بيّنة تصحح دعواه= وأنه إن اعترف فى يد المدَّعى [ عليه ]
سلعةً له، (١) فادَّعَى أنها له دون الذىفى يده، فقال الذىهى فى يده: « بل هى
لى، اشتريتها من هذا المدَّعِى))، أنّ القول قول من زَعمَ الذي هى فى يده أنه
اشتراها منه ، دون من هى فى يده مع يمينه ، إذا لم يكن للذى هى فى يده بيّنة
تحقق به دعواه الشراء منه .
فإذا كان ذلك حكم الله الذي لا خلاف فيه بين أهل العلم ، وكانت الآيتان
اللتان ذكر الله تعالى ذكره فيهما أمرَ وصية الموصى إلى عدلين من المسلمين ، أو إلى
آخرين من غيرهم، إنما ألزم النبى صلى الله عليه وسلم ، فيما ذكر عنه ، الوصيّين
اليمينَ حين ادَّعَى عليهما الورثة ما ادَّعوا، ثم لم يلزم المدَّعَى عليهما شيئاً إذ حلفا،
حتى اعترفت الورثة فى أيديهما ما اعترفُوا من الجام أو الإبريق أو غير ذلك من
أموالهم، فزعما أنهما اشترياه من ميتهم، فحينئذ ألزم النبيُّ صلى الله عليه وسلم
ورثة الميِّت اليمين، لأن الوصيين تحوَّلاَ مُدَّعِيين بدعواهما ما وجدًا فى أيديهما من
مال الميِّت أنه لهما، اشتريًا ذلك منه، فصارًا مُقْرَّين بالمال للميِّت، مدَّعيين منه
الشراء، فاحتاجاحينئذ إلى بيِّنَة تصحِّح دعواهما، وصارتْ ورثة الميتِ ربِّ السلعة، (٢)
أولى باليمين منهما. فذلك قوله تعالى ذكره: ((فإن عثر على أنهما استحقا إثماً
فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان باللّه لشهادتنا
أحق من شهادتهما))، الآية .
(١) فى المطبوعة: ((وأنه إن اعترف وفى يدى المدعى سلعة))، غير ما فى المخطوطة، وفيها:
((وأنه إن اعترف فى يد المدعى سلعة))، فأثبت ذلك، وهو الصواب، وزدت ((عليه)) بين القوسين ،
لأنه حق المعنى .
وقوله: ((اعترف)) بمعنى: عرفها وميزها، كما سيأتى فى سائر الفقرة.
(٢) فى المطبوعة: (( ... تصحح دعواهما، وورثة الميت رب السلعة))، حذف قوله
((وصارت))، مع أن الكلام لا يستقيم إلا بها، وهى فى المخطوطة ثابتة، إلا أن الناسخ أساء كتابتها.
٢٠٩.
تفسير سورة المائدة : ١٠٨، ١٠٩
فإذا كان تأويل ذلك كذلك، فلاوجه لدعوى مدَّع أن هذه الآية منسوخة،
لأنه غير جائز أن يُقْضى على حُكم من أحكام الله تعالى ذكره أنه منسوخ ، إلا
بخبرٍ يقطع العذرَ: إمّا من عند الله، أو من عند رسوله صلى الله عليه وسلم،
أو بورود النَّقل المستفيض بذلك . فأمَّا ولاخبر بذلك ، ولا يدفع صحته عقل ، فغير
جائز أن يقضى عليه بأنه منسوخ .
#
القول فى تأويل قوله ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَقُولُ مَاذَآ
أُجْتُمْ قَالُواْ لَاعِلِمَ لَتَآَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (
١٠٩
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: واتقوا اللّه، أيها الناس. واسمعوا وَعْظه
إياكم وتذكيره لكم ، واحذروا يَوْم يَجْمع اللّه الرسل = ثم حذف ((واحذروا))،
واكتفى بقوله: ((واتقوا الله واسمعوا))، عن إظهاره، كما قال الراجز:
عَلَفْتُهَاَ تِبْنَا وَمَاءَ بَارِدًا حََّى شَقَتْ هَمَّالَةً عَيْنَهَا!(١)
يريد: ((وسقيتها ماء بارداً))، فاستغنى بقوله: ((علفتها تبناً)) من إظهار
((سقيتها))، إذ كان السامع إذا تسمعه عرف معناه. فكذلك فى قوله: (( يوم يجمع
الله الرسل))، حذف ((واحذروا)) لعلم السامع معناه، اكتفاءً بقوله: ((واتقوا الله
واسمعوا))، إذا كان ذلك تحذيراً من أمر الله تعالى ذكره، خلقه عقابَه على معاصيه .
٠ ٠
وأما قوله: ((ماذا أُجبتم))، فإنه يعنى به: ما الذى أجابتكم به أممكم، (٢) حين
. (١) مضى تخريج البيت وتفسيره فيما سلف ١: ٢٦٤، وكان فى المطبوعة هنا: ((حتى
غدت همالة)) ، غير ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((ماذا)) فيما سلف ٤: ٢٩٢٠، ٣٤٦، ٨/٣٤٧: ٣٥٩.
ج ١١ (١٤)
٢١٠
تفسير سورة المائدة : ١٠٩
دعوتموهم إلى توحيدى ، والإقرار بى، والعمل بطاعتى ، والانتهاء عن معصيتى ؟=
(قالوا لا علم لنا)).
فاختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم: معنى قولهم: ((لا علم لنا))، لم يكن ذلك من الرسل إنكاراً
أن يكونوا كانوا عالمين بما عملت أمهم، ولكنهم ذَهِلوا عن الجواب من حَوْلِ ذلك
اليوم ، ثم أجابوا بعد أن ثَابَتْ إليهم عقولهم بالشَّهادة على أمهم .
٨٢/٧
ذكر من قال ذلك :
#
١٢٩٨٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل . قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدىّ: ((يوم يجمع اللّه الرسل فيقول مَاذا أجبتم قالوا لا علم
لنا)»، قال: فذلك أنهم نزلوا منزلاً ذَهلت فيه العقول، (١) فلما سئلوا قالوا :
((لا علم لنا))، ثم نزلوا منزلاً آخر ، فشهدوا على قومهم.
١٢٩٨٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ..
قال: سمعت الحسن يقول فى قوله: ((يوم يجمع اللّه الرسل))، الآية، قال : من
هول ذلك اليوم . (٢)
١٢٩٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
الثورى ، عن الأعمش ، عن مجاهد فى قوله: (( يوم يجمع اللّه الرسل فيقول ماذا
أجبتم )) ، فيفزعون ، فيقول : ماذا أجبتم ؟ فيقولون : لا علم لنا!
٠٠
وقال آخرون : معنى ذلك : لا علم لنا إلاّ ما عدّمتنا .
(١) فى المطبوعة: ((ذلك أنهم لما نزلوا))، وفى المخطوطة: ((فذلك أنهم لما نزلوا)) وأثبت
ما فى المخطوطة، وحذفت ((لما)) لأنه لا موضع لها هنا، وكأنها زيادة من عجلة الناسخ.
(٢) الأر. ١٢٩٨٧ - هذا إسناد ناقص بلا شك، بين ((عنبسة)»، و«الحسن البصرى))"
فوضعت مكانه النقط، وقد أعجلت أن أجد مثله فيما سلف، فتركته حتى أجد تمامه .
٢١١
تفسير سورة المائدة : ١٠٩
ذكر من قال ذلك :
١٢٩٨٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان،
عن الأعمش، عن مجاهد فى قوله: (( يوم يجمع اللّه الرسل فيقول ماذا أجبتم))،
فيقولون := لا علم لنا إلاّ ما علمتنا = ((إنك أنتَ علام الغيوب)).
٠ ٠
وقال آخرون : معنى ذلك : قالوا لا علم لنا ، إلا علمٌ أنت أعلمُ به منّا .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٢٩٩٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( يوم يجمع الله
الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا)) ، إلا علم أنت أعلم به منا .
#
وقال آخرون: معنى ذلك: ((ماذا أجبتم))، ماذا عماوا بعدكم ؟ وماذا
أحدثوا ؟
ذكر من قال ذلك :
١٢٩٩١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: (( يوم يجمع اللّه الرسل فيقول ماذا أجبتم»، ماذا عملوا بعدكم ؟
وماذا أحدثوا بعدكم؟ = (( قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب)).
٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب، قولُ من قال: ((معناه : لا علم
لنا، إلاّ علم أنت أعلم به منّا))، لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا: ((لا علم لنا
إنَّك أنتَ علام الغيوب))، أى: إنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره
من خفىِّ العلوم وجليُّها. فإنما نّفى القومُ أن يكون لهم بما سُئلوا عنه من ذلك علم
لا يعلمه هو تعالى ذكره= لا أَنّهم نَفَوا أن يكونوا علموا ما شاهدُوا. وكيف يجوز أن
يكون ذلك كذلك، وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنَّهم يخبرون بما أجابتهم به الأمم،
٢١٢
تفسير سورة المائدة: ١٠٩، ١١٠
وأنهم يسْتشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء، (١) فقال تعالى ذكره :
﴿وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَ كُمْ أُمَةً وَسَطَاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ
عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [سورة البقرة: ١٤٣].
...
وأما الذى قاله ابن جريج، من أن معناه: ((ماذا عملت الأمم بعد كم ؟ وماذا
أحدثوا؟ ))، فتأويل لا معنى له ، لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يحدُث بعدها
إلاّ ما أعلمها الله من ذلك، وإذا سئلت عَمَّا عملت الأمم بعدها والأمر كذلك،
فإنما يقال لها: ماذا عَرَّفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهرُ خَبر الله تعالی ذ کره عن
مسألته إيّاهم، يدلّ على غير ذلك .
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ إِذْ قَلَ اللهُ يَمِسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ
◌َِّتِى عَلَيْكَ وَعَى وَلِتِكَ إِذْأَيَدْتُكَ بِرُوحِ الْقُلُسِ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لعباده: احذروا يومَ يجمع اللّه الرسلَ فيقول
لهم: ماذا أجابتكم أممكم فى الدنيا = ((إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتى
عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس)) .
( (((إذْ)) من صلة ((أجبتم))، كأنّ معناها: ماذا أجابت عيسى الأمم التى
أرسل إليها عيسى .
(١) فى المطبوعة: (ميشهدون على تبليغهم))، حرف ما فى المخطوطة وأسماء.
٥
٢١٣
تفسير سورة المائدة : ١١٠
فإن قال قائل : وكيف سئلت الرسل عن إجابة الأمم إيّاها فى عهد عيسى ،
ولم يكن فى عهد عيسى من الرُّسل إلا أقلُّ ذلك؟ (١)
قيل: جائزٌ أن يكون اللّه تعالى ذكره عنى بقوله: ((فيقول ماذا أجبتم))،
الرسل الذين كانوا أرسلوا فى عهد عيسى ، فخرج الخبر مخرج الجميع ، والمراد
منهم من كان فى عهد عيسى، كما قال تعالى ذكره: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَعُوا لَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣]، والمراد واحدٌ من الناس، وإن
كان مخرج الكلام على جميع الناس . (٢)
٠ ٠٠
قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: ((إذ قال اللّه))، حين قال = « یا عيسى
ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس)» ، يقول :
ياعيسى اذكر أيادىّ عندك وعند والدتك، (٣) إذ قوّيتك برُوح القُدس وأعنتُك به. (٤)
٠٠
وقد اختلف أهل العربية فى ((أيدتك))، ما هو من الفعل .
فقال بعضهم: هو ((فعلتك))، [(( من ((الأيد))]، كما قولك: ((قوّيتك))
((فعّلت)) من ((القوّة)). (٥)
وقال آخرون: بل هو ((فاعلتك)) من ((الأيد)).
(١) فى المطبوعة: ((إلا أقل من ذلك))، زاد ((من))، فأفسد الكلام، والصواب ما فى
المخطوطة .
(٢) انظر ما سلف ٧ : ٤٠٥ - ٤١٣.
(٣) انظر تفسير ((النعمة)) فيما سلف من فهارس اللغة (نعم).
(٤) انظر تفسير ((أيد)) فيما سلف ٢: ٥/٣١٩: ٦/٣٧٩ : ٢٤٢.
(٥) الزيادة بين القوسين، لا بد منها. وفى المطبوعة: ((كما فى قولك)) بزيادة ((فى))،
والصواب ما فى المخطوطة بحذفها .
٢١٤
تفسير سورة المائدة : ١١٠
وروى عن مجاهد أنه قرأ: (إِذْ آَيُذْتُك)، بمعنى ((أفعلتك))، من القوّة
والأيد . (١)
٠
وقوله: ((بروح القدس))، يعنى: بجبريل. يقول: إذ أعنتك بجبريل.
٨٣/٧
وقد بينت معنى ذلك، وما معنى ((القدس))، فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته
فى هذا الموضع. (٢)
٥٥٠
القول فى تأويل قوله ﴿ُّكَلُمُالَّاسَ فِى الْتَهْدِوَكَهْلَا وَإِذْ عَلَّتُكَ
الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَّةُ وَاَلْإِنْجِلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ اْلَيْنِ كَهَيْئَةٍ
اُلْطَيْرِ بِإِذْنِى فَنْفُ فِيهَاَ فَتَكُونُ طَيْرَاءِ بِإِذْنِى وَ تُبْرِىُّ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْصَ
بِذْنِ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَى بِذْنِى وَإِذْ كَفَفْتُ بِ إِسْرَ ◌َّوِيلَ عَنكَ إِذْ
جْهُمْبِالْبَعِنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلََّ سِحْرٌ مُبِينٌ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخيراً عن قيله، لعيسى: ((اذكر نعمتى
عليك وعلى والدتك إذ أيديك بروح القدس))، فى حال تكليمك الناس فى المهد
و کهلاً .
. ..
وإنما هذا خبر من اللّه تعالى ذكره: أنه أيده بروح القدس صغيراً فى المهد ،
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٢٥. وهذا الذى ذكره هنا فى ((أيدتك)) تفصيل
أغفله فى بيانه السالف فى ٢: ٣١٩، وهذا من ضروب اختصاره فى التفسير، وهو دال أيضاً على
طريقته فى تأليف هذا التفسير .
(٢) انظر تفسير ((روح القدس)) فيما سلف ٢: ٣٢٠، ٥/٣٢١ : ٢٧٩.
٢١٥
تفسير سورة المائدة : ١١٠
وكهلاً كبيراً = فردّ ((الكهل)) على قوله ((فى المهد))، لأن معنى ذلك: صغيراً ،
كما قال الله تعالى ذكره: ﴿دَعَنَاَ لِجَنْبِهِ أَوْ قَعِدًا أَوْ قَائِمَاً﴾، [سورة يونس: ١٢].
#
وقوله: ((وإذا علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل))، يقول: واذكر
أيضاً نعمتى عليك ((إذا علمتك الكتاب))، وهو الخطّ = ((والحكمة))، وهى الفهم
بمعانى الكتاب الذى أنزلته إليك، وهو الإنجيل = (( وإذ تخلق من الطين كهيئة
الطير))، يقول: كصورة الطير .... (١) = ((بإذنى))، يعنى بقوله: ((تخلق))
تعمل وتصلح - ((من الطين كهيئة الطير بإذنى))، يقول : بعونى على ذلك ،
وعلم منّى به = ((فتنفخ فيها))، يقول: فتنفخ فى الهيئة ، فتكون الهيئة والصورة
طيراً بإذنى = ((وتبرئ الأكمه))، يقول: وتشفى ((الأكمة))، وهو الأعمى الذى
لا يبصر شيئاً ، المطموس البصر = ((والأبرص بإذنى)).
#
وقد بينت معانى هذه الحروف فيما مضى من كتابنا هذا ، مفسراً بشواهده ،
بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (٢)
(١) مكان هذه النقط بياض فى المخطوطة، وفى هامشها حرف (ط)، دلالة على موضع
خطأ . فأثبتها كذلك . وإن كنت أرجح أن سياق أبى جعفر يقتضى أن تكون عبارته هكذا :
﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير، يعنى بقوله: ((تخلق))، تعمل وتصلح
((من الطين كهيئة الطير))، يقول: كصورة الطير: ((بإِذنى))، يقول: بعونى على
ذلك ... )
ومع ذلك ، فقد تركت ما فى المخطوطة على ما هو عليه .
(٢) انظر تفسير ((المهد)) فيما سلف ٦: ٤١٧ = وتفسير ((الكهل)) ٦: ٤١٧،
٤١٨ = وتفسير ((الكتاب))، و((الحكمة)) فيما سلف من فهارس اللغة ( كتب) و (حكم) =
وأما تفسير ((خلق)) و((هيأة)) بهذا المعنى، فلم يذكره فيما سلف، وإن كان ذلك مضى فى ٦ : ٤٢٤
وتفسير ((أبرأ)) ٦: ٤٢٨ = وتفسير ((الأكمه)) ٦: ٤٢٨ - ٤٣٠ = وأما ((الأبرص))
فلم يفسره - وتفسير ((الإذن)) فيما سلف ١٠: ١٤٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
٢١٦
تفسير سورة المائدة : ١١٠
وقوله: ((وإذا كففت بنى إسرائيل عنك إذا جثتهم بالبينات))، يقول :
واذ کر أيضاً نعمتی علیك بکفی عنك بنی إسرائیل إذا کففتهم عنك ، (١) وقد هموا
بقتلك = ((إذ جئتهم بالبينات))، يقول: إذ جثتهم بالأدلة والأعلام المعجزة على
نبوّتك ، (٢) وحقيقة ما أرسلتك به إليهم (٣) = ((فقال الذين كفروا منهم))، يقول
تعالى ذكره: فقال الذين جحدُوا نبوَّتك وكذبوك من بنى إسرائيل = ((إن هذا إلا
سحر مبين)) .
٠
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة: (((إِنْ هُذَا إِلاَّسِخْرٌ مُبِينٌ﴾
يعنى : يبين عمّا أتى به لمن رآه ونظر إليه ، أنه سحر لا حقيقة له .
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة : ﴿إِنْ هُذَا إِلاَّ سَاحِرٌ مُبِينٌ﴾، بمعنى: (ما هذا))،
یعنی به عیسی ،(( إلاساحر مبین ))، يقول: یبین بأفعاله وما یأتیبه من هذه الأمور
العجيبة عن نفسه ، أنه ساحرٌ لا نبيِّ صادق . (٤)
٠ ٠
قال أبو جعفر : الصواب من القول فى ذلك أنَّهما قراءتان معروفتان صحيحتاً
المعنى، متفقتان غير مختلفتين. وذلك أن كل من كان موصوفاً بفعل ((السحر))،
فهو موصوف بأنه (( ساحر)). ومن كان موصوفاً بأنه ((ساحر )»، فإنه موصوف بفعل
(١) انظر تفسير ((الكف)) فيما سلف ٨: ٥٤٨، ٩/٥٧٩: ١٠/٢٩: ١٠١
(٢) انظر تفسير ((البينات)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(٣) فى المطبوعة: ((وحقية ما أرسلتك))، غيرها كما فعل مراراً كثيرة فيما سلف، والصواب
ما فى المخطوطة، وانظر ما سلف ١٠: ٢٤٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
٢١٧
تفسير سورة المائدة : ١١٠ ،١١١
((السحر)). فالفعل دالٌّ على فاعله، والصفة تدلُّ على موصوفها، والموصوف يدل
على صفته ، والفاعلُ يدلُّ على فعله. فبأى ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ
فى قراءته .
القول فى تأويل قوله {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِ يَكُنَ أَنْ ، مِنُواْ
◌ِ وَبِرَ سُولِ قَلُواْ ءَامَنَّا وَأَشْهَدْ بِأَنَّنَ مُسْلِمُونَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: واذكر أيضاً، يا عيسى، إذ ألقيت (١) =
(((إلى الحواریین))، وهم وزراء عيسى على دينه .
وقد بينا معنى ذلك، ولم قيل لهم ((الحواريون))، فيما مضى ، بما أغنى عن
إعادته . (٢)
#
وقد اختلفت ألفاظ أهل التأويل فى تأويل قوله: ((وإذ أوحيت))، وإن
كانت متفقة المعانى .
فقال بعضهم، بما : -
١٢٩٩٢ - حدثنى به محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل،
(١) انظر تفسير ((أوحى)) فيما سلف ٦ : ٤٠٥، ٩/٤٠٦ : ٣٩٩.
(٢) انظر تفسير ((الحواريون)) فيما سلف ٦ : ٤٤٩ - ٤٥١.
٢١٨
تفسير سورة المائدة : ١١١ ، ١١٢
قال، حدثنا أسباط، عن السدى: ((وإذا أوحيت إلى الحوار بين))، يقول:
قذفت فى قلوبهم .
وقال آخرون : معنى ذلك : ألهمتهم .
٥
٠
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذاً: وإذْ ألقيتُ إلى الحواربين أنْ صدّقوابى وبرسولى
عيسى ، فقالوا: ((آمنا))، أى: صدقنا بما أمرتنا أن نؤمنَ يا ربنا = ((واشهد)) علينا
((بأننا مسلمون))، يقول: واشهد علينا بأننا خاضعُون لك بالذّلة، سامعون
مطيعُون لأمرك .
القول فى تأويل قوله ﴿إِذْ قَلَ اُلْحَوَارِيُّونَ يْمِيَسى أَبْنَ مَرْيَمَ
هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبْكَ أَنْ يَزْلَ عَلَيْنَاَ مَآَبِدَةً مِّنَ السَّمَاء فَلَ أَتَّقُواْ اللّهَ إِن
كُنْتُ مُؤْمِنِينَ) (١)
٨٤/٧
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : واذكر ، با عيسى ، أيضاً نعمنى
عليك، إذ أوحيت إلى الحواربين أن آمنوا بي وبرسولى ، إذ قالوا لعيسى بن مريم
هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء - فـ((إذ))، الثانية من صلة
((أوحیت)).
٠
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((يستطيع ربك))
فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ) بالتاء (رَبَّكَ﴾.
بالنصب، بمعنى : هل تستطيع أن تسأل ربك؟ أو: هل تستطيع أن تده وَ ربِّك؟
٢١٩
تفسير سورة المائدة : ١١٢
أو : هل تستطيع وترى أن تدعوه ؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكِّين أن الله تعالى
ذكره قادرٌ أن ينزل عليهم ذلك ، وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟(١)
١٢٩٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر ، عن نافع ، عن
ابن عمر ، عن أبى مليكة قال : قالت عائشة : كان الحواريون لا يشكّون أن الله.
قادر أن ينزل عليهم مائدة ، ولكن قالوا : يا عيسى هَل تَسْتطيع ربَّك؟
١٢٩٩٤ - حدثنى أحمد بن يوسف التَّغْلِىّ قال، حدثنا القاسم بن سلام
قال ، حدثنا ابن مهدى، عن جابر بن يزيد بن رفاعة، عن حسّان بن مخارق ،
عن سعيد بن جبير: أنه قرأها كذلك: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، وقال: تستطيع
أن تسأل ربَّك. وقال : ألا ترى أنهم مؤمنون؟ (٢)
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والعراق: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ بالياء ﴿رَّبِّكَ)،
بمعنى: أن ينزل علينا ربُّك، كما يقول الرجل لصاحبه: ((أتستطيع أن تنهض
معنا فى كذا ))؟ وهو يعلم أنه يستطيع، ولكنه إنما يريد: أنهض معنا فيه؟ وقد يجوز
أن يكون مرادُ قارئه كذلك: هل يستجيبُ لك ربك ويُطِيعك أنْ تنزل علينا؟
#
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٣٢٥.
(٢) الأثر: ١٢٩٩٤ - ((أحمد بن يوسف التغلبى))، مضى قريباً برقم : ١٢٩٥٧،
وكان فى المطبوعة هنا أيضاً: ((الثعلبى))، وهو خطأ.
و((جابر بن يزيد بن رفاعة العجلى))، ثقة عزيز الحديث. مترجم فى التهذيب، والكبير
٢١٠/٢/١، وابن أبى حاتم ٤٩٨/١/١.
((حسان بن مخارق)). قال البخارى: ((أراه: الشيبانى))، مترجم فى الكبير ٣١/١/٢،
وابن أبى حاتم ٢٣٥/٢/١، وقال المعلق على تاريخ البخارى: ((فى الثقات رجلان، أحدهما فى
التابعين: حسان بن مخارق الكوفى، يروى عن أم سلمة. روى عنه أبو إسحق الشيبانى = والآخر
فى أتباع التابعين: حسان بن مخارق الشيبانى، وقد قيل: حسان بن أبى المخارق، أبو العوام، يروى
عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ : هل تستطيع ربك. روى عنه جابر بن يزيد، وجعلهما ابن أبى حاتم
واحداً )) .
وكان فى المطبوعة: ((حيان بن مخارق)) حرف ما هو صواب فى المخطوطة .
٢٢٠
تفسير سورة المائدة : ١١٢
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين عندى بالصواب ، قراءة من قرأ ذلك :
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ بالياء ﴿رَبْكَ) برفع ((الربّ))، بمعنى: هل يستجيب
لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه ؟
وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب، لما بيّنّاً قبلُ من أن قوله: ((إذا
قال الحواريون))، من صلة: ((إذ أوحيت))، وأنَّ معنى الكلام: وإذ أوحيت
إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولى ، إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل
يستطيع ربَّك؟ فبيِّنّ، إذ كان ذلك كذلك، أن اللّه تعالى ذكره قد کړه منهم
ما قالوا من ذلك واستعظمه، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قِيلهم ذلك ،
والإقرار لله بالقدرة على كل شىء، وتصديقٍ رسوله فيما أخبرهم عن ربّهم من
الأخبار. وقد قال عيسى لهم ، عند قيلهم ذلك له ، استعظاماً منه لما قالوا :
((اتقوا الله إن كنتم مؤمنين)). ففى استتابة اللّه إيّاهم، ودعائه لهم إلى الإيمان به
وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك، واستعظام نبيِّ اللّه
صلى الله عليه وسلم كلمتهم =(١) الدلالةُ الكافيةُ من غيرها على صحة القراءة فى
ذلك بالياء ورفع ((الرب))، إذْ كان لا معنى فى قولهم لعيسى ، لو كانوا قالوا
له: ((هل تستطيع أن تسأل ربَّك أن ينزل علينا مائدة من السماء))؟ أن يُستكبر
هذا الاستكبار .
فإن ظنّ ظانَ أنّ قولهم ذلك له إنما استُعظِيمَ منهم، (٢) لأنّ ذلك منهم كان
مسألة آيةٍ ، [فقدظنّ خطأ]. (٣) فإن الآية، إنّما يسألها الأنبياء مَنْ كان بها مكذباً
. الدلالة الكافية ... ))، وما بينهما عطوف .
(١) السياق: (( ... فى استتابة الله إياهم.
(٢) فى المطبوعة: ((إنما هو استعظام منهم))، غير ما فى المخطوطة وزاد على نصها، فضرب
على الكلام فساداً لا يفهم !! و((استعظم)) بالبناء المجهول.
(٣) هذه الزيادة بين القوسين، لابد منها، لا أشك أن الناسخ قد أسقطها غفلة، فاضطرب
سياق الكلام ، وسياق حجة أبى جعفر ، فاضطر الناشر أن يعبث بكلمات أبى جعفر لكى تستقهم
معه، فأفسد الكلام إفساداً بيناً لا يحل له . وقد رددت الكلام إلى أصله، كما سترى فى التعليقات التالية .
٠٫٠