النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٢٩٥٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير: ((أو آخران من غيركم )) ، قال : إذا
كان الرجل بأرض الشرك ، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب ، فإنهما يحلفان
بعد العصر. فإذا اطّلع عليهما بعد حلفهما أنهما خانا شيئاً ، حلف أولياء الميت أنه
كان كذا وكذا ، ثم استحقوا .
١٢٩٦٠ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، بمثله .
١٢٩٦١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس فى قوله: (( أو آخران
من غيركم))، من غير المسلمين = ((تحبسونهما من بعد الصلاة))، فإن ارتیب
فى شهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً. فإن اطلع
الأولياء على أن الكافرين كذبا فى شهادتهما ، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله :
((إن شهاده الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد)). فذلك قوله: (( فإن عثر على أنهما
استحقا إثماً))، يقول: إن اطلع على أنّ الكافرَيْن كذبا = ((فآخران يقومان
مقامهما))، يقول: من الأولياء، فحلفا باللّه: (( إن شهادة الكافرين باطلة ، وإنا
لم نعتد))، فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء.
١٩٢٦٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((فإن عثر على أنهما استحقا إثماً))، أى: اطلع منهما على خيانة أنهما كذبا
أو كتما .
واختلف أهل التأويل فى المعنى الذى له حكم اللهُ تعالى ذكره على الشاهدين

١٨٢
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
بالأيمان فنقلها إلى الآخرين، (١) بعد أن عثر عليهما أنهما استحقا إثماً .
فقال بعضهم : إنما ألزمهما اليمين ، إذا ارتيب فى شهادتهما على الميت فى
وصيته أنه أوصى بغير الذي يجوز فى حكم الإسلام . (٢) وذلك أن يشهد أنه أوصى
بماله كله ، أو أوصى أن يفضل بعض ولده ببعض ماله .
: ذكر من قال ذلك :
١٢٩٦٣ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال، حدثی عمی قال ،
حدثی أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس: (( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا
حضر أحدكم الموت)) إلى قوله: ((ذوا عدل منكم))، من أهل الإسلام =
((أو آخران من غيركم))، من غير أهل الإسلام = ((إن أنتم ضربتم فى الأرض))
إلى: ((فيقسمان بالله))، يقول: فيحلفان بالله بعد الصلاة، فإن حلفا على شىء
يخالف ما أنزل الله تعالى ذكره من الفريضة، (٣) يعنى اللذين ليسا من أهل الإسلام =
:((فآخران يقومان مقامهما))، من أولياء الميت، فيحلفان باللّه: ((ما كان
صاحبنا ليوصى بهذا))، أو: ((إنهما لكاذبان، ولشهادتنا أحق من شهادتهما)).
٧٤/٧
١٢٩٦٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدىّ قال : يوقف الرجلان بعد صلاتهما فى دينهما،
يحلفان بالله: «لا نشترى به ثمناً ولو كان ذا قربى ولانكتم شهادة اللّه إنا إذاً لمن
الآثمين))، إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإنّ هذه لتركته : فإذا شهدا ، وأجاز
الإمام شهادتهما على ما شهدا، قال لأولياء الرجل : اذهبوا فاضربوا فى الأرض
واسألوا عنهما ، فإن أنتم وجدتم عليهما خيانة ، أو أحداً يطعُن عليهما ، رددنا
شهادتهما . فينطلق الأولياء فيسألون ، فإن وجدوا أحداً يطعُن عليهما ، أو هما غير
(١) فى المخطوطة: ((فمن نقلها)، والصواب ما فى المطبوعة، أو شبيه بالصواب.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لغير الذى يجوز))، وصواب قراءتها ما أثبت.
(٢) ((الفريضة))، يعنى المواريث.

١٨٣
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
مرضيين عندهم ، أو الطُّلع على أنهما خانا شيئاً من المال وجدُوه عندهما ، أقبل
الأولياء فشهدوا عند الإمام، (١) وحلفوا بالله: ((لشهادتنا أنهما خائنان متهمان
فى دينهما مطعون عليها ، أحق من شهادتهما بما شهدا، وما اعتدينا)). فذلك قوله :
(((فإن عُثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم
الأوليان)) .
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : بل إنما ألزم الشاهدان اليمين، لأنهما ادَّعيا أنه أوصى لهما
ببعض المال . وإنما ينقل إلى الآخرين من أجل ذلك ، إذا ارتابوا بدعواهما . (٢)
• ذكر من قال ذلك :
١٢٩٦٥ -حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد
قال ، حدثنا إسحق بن سويد ، عن يحيى بن يعمر فى قوله : « تحبسونهما من
بعد الصلاة فيقسمان بالله))، قال: زعما أنه أوصى لهما بكذا وكذا= «فإن عثر
على أنهما استحقا إثماً)). أى: بدعواهما لأنفسهما = ((فآخران يقومان مقامهما
من الذين استحق عليهم الأوليان)) ، أنّ صاحبنا لم يوص إليكما بشىء مما تقولان .
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا ، أنّ الشاهدين ألزما
اليمينَ فى ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله ، ودعواهم قبلهما
خيانةَ مالٍ معلوم المبلغ ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التى كانت من
الورثة فيهما ، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما ، فيحلف
الوارث حينئذ مع شهادة الشاهد عليهما، أو على أحدهما، إنما صحح دعواه إذ حُقِّق
حقه = أو: الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادّعى عليهما الوارث أو بجميعه ، ثم
(١) فى المطبوعة: ((فأقبل الأولياء فشهدوا))، وفى المخطوطة: ((فأقبل الأولياء شهدوا))،
والسياق يقتضى ما أثبت .
(٢) فى المخطوطة: ((إذا ارتابا)).

١٨٤
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
دعواهما فى الذى أقرّاً به من مال الميت مالا يقبل فيه دعواهما إلا ببينة ، ثم لا يكون
لهما على دعواهما تلك بيّنة ، فينقل حينئذ اليمين إلى أولياء الميت .
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال فى ذلك بالصحة ، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام
حكماً يجب فيه اليمين على الشهود، ارتيب بشهادتهما أو لم يُرْتَبْ بها ، فيكون الحكم
فى هذه الشهادة نظیراً لذلك = ولا ۔۔ إذ لم نجد ذلك کذلك ۔ صحّ بخبر عن الرسول
صلى الله عليه وسلم، (١) ولا بإجماع من الأمة. لأن استحلاف الشهود فى هذا
الموضع من حكم الله تعالى ذكره، فيكون أصلاً مسلَّماً . والقول إذا خرج من أن
يكون أصلاً أو نظيراً لأصل فيما تنازعت فيه الأمة ، كان واضحاً فسادُ . .
وإذا فسد هذا القول بما ذكرنا ، فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما
ادّعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله، أفسد(٢) = من أجل أن أهل العلم
لا خلاف بينهم فى أنّ من حكم الله تعالى ذكره أن مدّعياً لوادعى فى مال ميت
وصية ، أنّ القول قولُ ورثة المدعى فى ماله الوصية مع أيمانهم ، دون قول مدعى
ذلك مع يمينه ، وذلك إذا لم يكن للمدعى بينة . وقد جعل الله تعالى اليمين فى هذه
الآية على الشهود إذا ارتيب بهما، وإنما نُقِلِ الأيمانُ عنهم إلى أولياء الميت، إذا عثر
على أن الشهود استحقوا إثماً فى أيمانهم. فمعلوم بذلك فساد قول من قال: ((ألزم
اليمينَ الشهودُ، لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت من ماله)).
على أن ما قلنا فى ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذى وردت به الأخبارُ
عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قَضَى به حين نزلت هذه الآية ، بين الذين نزلت فيهم وبسببهم .
ذكر من قال ذلك :
٠
(١) فى المطبوعة: ((فلم نجد ذلك كذلك صح ... ))، وأثبت ما فى المخطوط، وسياقه
((ولا ... صح بخبر عن الرسول))، وقوله: ((إذالم نجد ذلك كذلك)) اعتراض.
(٢) السياق: ((فالقول بأن الشاهدين .... أفد))، يعنى: أفسد من القول السابق.

١٨٥
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
١٢٩٦٦ -حدثنی ابن و کیع قال، حدثنا یحی بن آدم ، عن یحی بن أبى
زائدة، عن محمد بن أبى القاسم ، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، ٧٥/٧
عن ابن عباس قال : خرج رجل من بنى سهم مع تميم الدارىّ وعدىّ بن بدَّاء ،
فمات السَّهمى بأرض ليس فيها مسلم. فلما قدِ ما بتركته ، فقدوا جاماً من فضة
مخوّصاً بالذهب، (١) فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم وُجد الجام بمكة،
فقالوا: اشتريناه من تميم الدارىّ وعدىّ بن بدّاء! فقام رجلان من أولياء السهمى
فحلفا: ((لشهادتنا أحق من شهادتهما))، وأنّ الجام لصاحبهم. قال : وفيهم
أنزلت: ((يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم)».(٢)
(١) ((الجام)): إناء من فضة، وهو عربى صحيح. ((مخوص بالذهب)): عليه صفائح من
ذهب على هيئة خوص النخل، وهو ورقه. و((التخويص)): أن يجعل على الشىء صفائح من الذهب ،
على قدر عرض خوص النخل .
(٢) الأثر: ١٢٩٦٦ - ((محمد بن أبى القاسم))، الطويل، الكوفى. روى عن أبيه ،
وعبد الله وعبد الملك ، ابنى سعيد بن جبير ، وعن عكرمة . وروى عنه يحيى بن زكريا بن أبى زائدة ،
وأبو أسامة، وحماد بن أسامة. وثقه ابن معين، وأبو حاتم. وقال البجيرى وقال البخارى)): ((لا أعرف
محمد بن أبى القاسم كما أشتهى ، وكان على بن عبد الله يستحسن هذا الحديث ( يعنى حديث تميم الدارى)
قيل له : رواه غير محمد بن أبى القاسم ؟ قال: لا. قال: وروى عنه أبو أسامة ، إلا أنه غير
مشهور)). وقال الحافظ ابن حجر، بعد ذكر محمد بن أبى القاسم: ((وما له فى البخارى ، ولا لشيخه
عبد الملك بن سعيد بن جبير ، غير هذا الحديث الواحد . ورجال الإسناد ، ما بين على بن عبد الله المدينى
(شيخ البخارى )، وابن عباس، كوفيون)).
و ((عبد الملك بن سعيد بن جبير الأسدى))، الكوفى، عزيز الحديث ، ثقة. مضى برقم :
١٢٧٧٦.
و((تميم الدارى))، هو ((تميم بن أوس بن خارجة اللخمى))، منسوب إلى جده ((الدار بن هانى.
ابن حبيب بن نمارة بن ظم))، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سنة تسع وأسلم. وكان نصرانيا ،
وهو الذى قال لرسول الله: ((ألا أعمل لك منبراً كما رأيت يصنع بالشأم!)) فصنع المنبر. وكان عابداً .
وأما ((عدى بن بداء)) (بتشديد الدال) ، فكان نصرانيا، ذكر أنه أسلم ، ولكن صحيح ابن حجر
فى ترجمته فى الإصابة أنه مات نصرانياً .
وهذا الحديث، رواه البخارى فى صحيحه (الفتح ٥ : ٣٠٧ - ٣٠٩)، وفى التاريخ الكبير

١٨٦
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
١٢٩٦٧ - حدثنا الحسن بن أحمد بن أبى شعیب الحرانى قال، حدثنا
محمد بن سلمة الحرانى قال، حدثنا محمد بن إسحق ، عن أبى النضر، عن باذان
مولى أم هانئ ابنة أبى طالب ، عن ابن عباس ، عن تميم الدارى فى هذه الآية :
((يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت))، قال: برئ الناس منها
غيرى وغير عدىّ بن بدّاء = وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشأم قبل الإسلام.
فأتيا الشأم لتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبنى سهم يقال له بريل بن أبى مريم
بتجارة ، ومعه جامُ فضّة يريد به الملك، وهو عظم تجارته ، (١) فمرض، فأوصى
إليهما، وأمرهما أن يُبلغا ما ترك أهله . قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجامَ فبعناه
بألف درهم، فقسمناه أنا وعدىّ بن بدّاء، [فلما قدمنا إلى أهله، دفعنا إليهم ما كان
معنا، وفقدوا الجام، فسألوا عنه ]، (٢) فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره:
قال تميم: فلما أسلمتُ بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، تأثَّمت من
ذلك ، (٣) فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأدّيت إليهم خمسمئة درهم ، وأخبرتهم
أن عند صاحبى مثلها! فوثبوا إليه ، (٤) فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٢١٥/١/١، وأبو داود فى سننه ٣: ٤١٨، ورقم: ٣٦٠٦، والبيهقى فى السنن الكبرى ١٠: ١٦٥،
وأبو جعفر النحاس فى الناسخ والمنسوخ: ١٣٣، وأحكام القرآن الجصاص ٢: ٤٩٠، والترمذى
فى سننه (فى كتاب التفسير)، وقال: ((هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبى زائدة)).
وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٢٦٦، نقلا عن الطبرى، ولم يذكر روايته فى صحيح البخارى .
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٣٤٢، فقصر فى نسبته إلى البخارى فى صحيحه ، ونسبه إليه فى
التاريخ ، ثم زاد نسبته إلى ابن المنذر، والطبرانى ، وأبى الشيخ ، وابن مردويه .
(١) فى المخطوطة: ((وهى عظم))، وأثبت ما فى المطبوعة، لمطابقته لما فى المراجع الأخرى.
وقوله: ((عظم تجارته))، أى: معظمها ، يعنى أن الجام كان أنفس ما معه وأغلاه ثمناً.
(٢) هذه الجملة التى بين القوسين، ليست فى المخطوطة ولا المطبوعة، وهى ثابتة فى المراجع
الأخرى ، وأثبتها من نص الناسخ والمنسوخ .
(٣) ((تأثم من الشىء))، تحرج منه، ووجده إنما يريد البراءة منه.
(٤) قوله: ((فوثبوا إليه))، حذفها ناشر المطبوعة، وهى ثابتة فى المخطوطة، وفى الناسخ
والمنسوخ .

١٨٧
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
فسألهم البيئة ، فلم يجدوا. فأمرهم أن يستحلفوه بما يُعَظَّم به على أهل دينه ،
فحلف، فأنزل الله تعالى ذكره: ((يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم)) إلى قوله:
((أن ترد أيمان بعد أيمانهم))، فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا، (١)
فتزعتُ الخمسمئة من عدى بن بدَّاء. (٢)
(١) فى المخطوطة: ((حلفا))، بغيرفاء، وأثبت ما فى المطبوعة والمراجع.
(٢) الأثر: ١٢٩٦٧ - ((الحسن بن أحمد بن أبى شعيب الحرانى))، ((أبو مسلم الحرانى))،
ثقة مأمون، مضت ترجمته برقم: ١٠٤١١، وكان فى المطبوعة هنا: ((الحسن بن أبى شعيب)) أسقط
((بن أحمد»، مع ثبوتها فى المخطوطة، وعذره أنه رأى الناسخ كتب (( الحسن بن يحی أحمد قال ابن أبى
شعيب))، وضرب على ((يحيى)) وعلى ((قال))، فضرب هو أيضا على ((بن أحمد)) فحذفها !! وهو
تساهل رديء .
و((محمد بن سلمة الحرانى الباهلى))، ثقة، مضت ترجمته برقم: ١٧٥، وقد ورد فى إسناد محمد
ابن إسحق ، مئات من المرات .
و((أبو النضر)) هو ((محمد بن السائب الكلبى))، ضعيف جداً، رمى بالكذب. وقد روى.
الثورى عن الكلبى فقه أنه قال: (( ما حدثت عنى ، عن أبى صالح ، عن ابن عباس ، فهو كذب ،
فلا تروه)) . مضت ترجمته برقم: ٧٢، ٢٤٦، ٢٤٨.
وأما («باذان، مولى أم هانئ'))، أو ((باذام)) فهو ((أبو صالح))، ثقة، مضى برقم:
١٦٨،١١٢ وغيرها. وهو مترجم فى التهذيب، والكبير ١٤٤/٢/١، وابن أبى حاتم ٤٣١/١/١.
وكان فى المطبوعة والمخطوطة، والناسخ والمنسوخ جميعاً ((زاذان، مولى أم هانئ'))، وهذا شىء لم يقله
أحد ، ولذلك غيرته إلى الصواب الذى أجمعوا عليه ، وكأنه خطأ من الناسخ .
وأما ((تميم الدارى))، و((عدى بن بداء)» فقد سلفا فى الأثر السابق.
وأما ((بريل بن أبي مريم»، مولى بنى سهم، أو مولى عمرو بن العاص السهمى، صاحب
هذه التجارة، فقد ترجم له ابن حجر فى الإصابة فى (( بديل)) بالدال ، وكذلك ابن الأثير فى أسد
الغابة . وكان بديل مسلماً من المهاجرين .
يقال فى اسمه ((بديل بن أبي مريم))، و((بديل بن أبى مارية))، ثم اختلف فى ((بديل))،
فروى بالدال، وروى «بريل)) بالراء، وروى ((زيل)) بالزاى، وروى ((برير))، وقال
ابن الأثير: ((والذى ذكره الأئمة فى كتبهم: بزيل، بضم الياء وبالزاى، ونحن نذكره فى موضعه
إن شاء الله تعالى)). هكذا قال ووعد، ثم لم أجد له ذكراً فى كتابه بعد ذلك، فلا أدرى أنسى
ابن الأثير ، أم فى كتابه خرم أو نقص !!
وقال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى ٥: ٣٠٨، ما لم يذكره فى الإصابة، فقال: ((بزيل،
بموحدة، وزاى، مصغر . وكذا ضبطه ابن ماكولا ، ووقع فى رواية الكلبى ، عن أبى صالح ،
عن ابن عباس، عن تميم نفسه عنه الترمذى والطبرى ( يعنى هذا الخبر ) : بديل ، بدال ، بدل
الزاى. ورأيته فى فسنة صحيحة من تفسير الطبرى: بريل، براء بغير نقطة . ولابن مندة من طريق

١٨٨
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
١٢٩٦٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان ، عن
معمر ، عن قتادة وابن سيرين وغيره = قال : وحدثنا الحجاجُ ، عن ابن جريج ،
عن عكرمة = دخل حديث بعضهم فى بعض: (( يا أيها الذين آمنوا شهادة
بينكم )) الآية، قال: كان عدى وتميم الدارى، وهما من لَخْ، نصرانيَّان، يتّجران
إلى مكة فى الجاهلية . فلما هاجرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حوَّلا متجرهما إلى
المدينة ، فقدم ابن أبى مارية ، مولى عمرو بن العاص المدينة ، وهو يريد الشأم
تاجراً ، فخرجوا جميعاً ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، مرض ابن أبى مارية ،
فکتب وصيته بيده ثم دسّها فى متاعه، ثم أوصى إليهما . فلما مات فتحا متاعه ،
فأخذا ما أرادا ، ثم قدما على أهله فدفعا ما أرادا ، ففتح أهله متاعه ،
فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به ، وفقدوا شيئاً ، فسألوهما عنه ، فقالوا :
هذا الذى قبضنا له ودفع إلينا . قال لهما أهله : فباع شيئاً أو ابتاعه ؟ قالا :
لا ! قالوا : فهل استهلك من متاعه شيئاً؟ (١) قالا: لا! قالوا: فهل تَجَر
السدى، عن الكلبى: بديل بن أبى مارية)). ثم قال: (( ووهم من قال فيه : بديل بن ورقاء ،
فإنه خزاعى، وهذا سهمى ، وكذا وهم من ضبطه بذيل ، بالذال المعجمة)) .
وكان فى المطبوعة ((بديل))، ولكنى أثبت ما فى المخطوطة، وأخشى أن تكون مخطوطتنا هذه،
هى ((النسخة الصحيحة من تفسير الطبرى) التى ذكرها الحافظ ابن حجر، أو هى منقولة عن النسخة
التى ذكرها ووصفها وصححها .
وهذا الخبر، رواه أبو جعفر النحاس فى الناسخ والمنسوخ : ١٣٣، والترمذى فى سننه فى
كتاب التفسير؛ بهذا الإسناد نفسه. وقال الترمذى: ((هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح.
وأبو النضر ، الذى روى عنه محمد بن إسحق هذا الحديث ، هو عندى : محمد بن السائب الكلبى ،
يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير. سمعت محمد بن إسماعيل.
يقول: محمد بن سائب الكلبى، يكنى أبا النضر، ولا نعرف لسالم أبي النضر المدينى رواية عن أبى
صالح ( باذان) مولى أم هانئ" . وقد روى عن ابن عباس شىء من هذا على الاختصار ، عن غير
" هذا الوجه))، ثم ساق الترمذى الأثر السالف بإسناده.
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢ : ٣٤١، وزاد نسبته إلى ابن أبى حاتم ، وأبى الشيخ ،
وابن مردويه ، وأبى نعيم فى المعرفة .
(١) قولهم: ((فهل استهلك من متاعه شيئاً))، أى: أضاعه وافتقده، وهذا حرف لم تقيده
كتب اللغة، استظهرت معناه من السياق. وقد جاء فى حديث عائشة (صحيح مسلم ٢ : ٥٩ ،

١٨٩
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
تجارة؟(١) قالا: لا ! قالوا : فإنا قد فقدنا بعضه! فاتُّهما، فرفعوهما إلى رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: ((يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا
حضر أحدكم الموت)) إلى قوله: ((إنا إذا لمن الآثمين)). قال: فأمر رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم أن يستحلفوهما فى دُبُر صلاة العصر: ((باللّه الذى لا إله إلاّ هو،
ما قبضنا له غيرَ هذا، ولا كتمنا)). قال: فمكثا ما شاء اللّه أن يمكثًا، (٢) ثم ظُهِرَ
معهما على إناء من فضة منقوش مموَّ بذهب، (٣) فقال، أهله: هذا من متاعه ؟
قالا : نعم، ولكنا اشترينا منه، ونسينا أن نذكره حين حلفنا ، فكرهنا أن نكذّب
أنفسنا! (٤) فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الأخرى: ((فإن
عثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم
الأوليان))، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا
على ما كما وغيِّبًا ويستحقَّنه. ثم إنّ تميماً الدارى أسلم وبايع النبى صلى اللّه
عليه وسلم ، وكان يقول: صدق الله ورسوله: أنا أخذت الإناء! (٥)
وتفسير الطبرى رقم: ٩٦٤٠) أن عائشة: ((استعارت من أسماء قلادة فهلكت))، أى: ضاعت،
كما فسرته فيما سلف ٨: ٤٠٤، رقم: ٢. فقوله: ((استهلك)) هنا، من معنى هذا الحرف
الذى لم تقيده كتب اللغة ببيان واضح، وهو ((استفعل))، بمعنى: وجده قد ضاع. وهو من صحيح
القياس وجيده ، وهذا شاهده إن شاء الله .
(١) ((تجر يتجر تجرأً وتجارة)) (على وزن: نصر ينصر): باع وشرى. وأرادوا به
هنا معنى الشراء بالعوض ، فيما أستظهر ، فإنهم قد سألوه قبل عن البيع والابتياع .
(٢) فى المطبوعة: ((فمكثنا ما شاء الله أن نمكث))، غير الناشر ما فى المخطوطة، وأفسد.
(٣) ((ظهر)) (بالبناء للمجهول)، أى ؛ عثر معها على إناء.
(٤) فى المخطوطة: (((مسا)) غير منقوطة، ولو شئت قرأتها: ((نفسينا))، مكان
((أنفسنا)»، وهما صواب.
(٥) الأثر: ١٢٩٦٨ - ((أبو سفيان)) هو: المعمرى، ((محمد بن حميد اليشكرى))،
مضى برقم : ١٧٨٧ ، ٨٨٢٩ .
و ((الحسين)) الراوى عنه، هو ((سنيد بن داود))، مضى مراراً.
و ((ابن أبى مارية))، هو ((بديل بن أبى مارية))، وقد بينت ذلك فى التعليق على الأثر
السالف .
وهذا الخبر خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٣٤٢، وزاد نسبته إلى ابن المنذر .

١٩٠
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
١٢٩٦٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان
ذوا عدل منكم))، الآية كلها . قال: هذا شىء [كان] حين لم يكن الإسلام
إلا بالمدينة، (١) وكانت الأرض كلها كفراً، (٢) فقال الله تعالى ذكره: ((يا أيها
الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل
منكم))، من المسلمين = ((أو آخران من غيركم))، من غير أهل الإسلام =
(((إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت))، قال : كان الرجل يخرج
مسافراً ، والعرب أهلُ کفر ، فعسى أن يموت فىسفره ، فيُسند وصيته إلى رجلین
منهم = ((فيقسمان باللّه إن ارتبتم))، فى أمرهما. إذا قال الورثة : كان مع صاحبنا:
كذا وكذا ، فيقسمان بالله ما كان معه إلاّ هذا الذى قلنا = ((فإن عثر على أنهما
استحقا إثماً ))، أنما حلفا على باطل وكذب = ((فآخران يقومان مقامهما من
الذين استحق عليهم الأوليان)) بالميت = ((فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما
اعتدينا إنا إذًا لمن الظالمين))، ذكرنا أنه كان مع صاحبنا كذا وكذا، قال هؤلاء:
لم يكن معه! قال : ثم عثر على بعض المتاع عندهما ، فلما عثر على ذلك رُدّت
القسامة على وارثه، (٣) فأقسما، ثم ضمن هذان. قال الله تعالى: ((ذلك أدنى أن
يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم))، (٤) فتبطل أيمانهم =
((واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين))، الكاذبين ، الذين يحلفون على
الكذب. وقال ابن زيد: قدم تميم الدارىّ وصاحب له ، وكانا يومئذ مشركين ،
ولم يكونا أسلما، فأخبرا أنهما أوصى إليهما رجلٌ، وجاءا بتركته . فقال أولياء الميت:
(١) الزيادة بين القوسين، لا بد منها السياق، وكان فى المخطوطة: (( ... لم يكن السلام))،
والصواب ما فى المطبوعة .
(٢) فى المطبوعة: ((كفر)» بالرفع، وأخشى أن يكون الأصل: ((وكانت الأرض كلها
دار كفر))، أو ما أشبه ذلك، وتركت ما فى المطبوعة على حاله، وهو صواب أيضاً.
(٣) ((القسامة)) (بفتح القاف)، أراد بها هنا: اليمين.
(٤) قوله تعالى: ((بعد أيمانهم)) لم تكن فى المخطوطة ولا المطبوعة، والصواب إثباتها.
٧٦/٧

١٩١
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
كان مع صاحبنا كذا وكذا ، وكان معه إبريق فضة ! وقال الآخران : لم يكن
معه إلاّ الذى جئنا به ! فحلفا خَلْف الصلاة، ثم عثر عليهما بعدُ والإبريق
معهما . فلما عثر عليهما، رُدَّت القسامة على أولياء الميت بالذى قالوا مع صاحبهم،
ثم ضمنهما الذى حلف عليه الأوليان .
١٢٩٧٠ - حدثنا الربيع قال، حدثنا الشافعى قال ، أخبرنا أبو سعيد معاذ
ابن موسى الجعفرى ، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان = قال بكير ،
قال مقاتل : أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك = فى قول الله:
(( اثنان ذوا عدل منكم )) ، أن رجلین نصرانیین من أهل دارین، أحدهما تمیمی،
والآخر يمانى ، صاحبهما مولّى لقريش فى تجارة ، فركبوا البحر ، ومع القرشى
مال معلومٌ قد علمه أولياؤه، من بين آنية وبزّ ورِقَة. (١) فمرض القرشى ، فجعل
وصيته إلى الداريّين ، فمات ، وقبض الداريّان المال والوصية ، فدفعاه إلى أولياء
الميت ، وجاءا ببعض ماله . وأنكر القوم قلة المال ، فقالوا للداريّين : إن صاحبنا
قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به ، فهل باع شيئاً أو اشترى شيئاً ، فوُضِع
فيه ، (٢) وهل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا : لا ! قالوا: فإنكما خنتمانا !
فقبضوا المال ، ورفعوا أمرهما إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى:
((يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم)» إلى آخر الآية. فلما نزل: أن يُحْبسا من
بعد الصلاة ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقاما بعد الصلاة ، فحلفا بالله رب
السموات: ((ما ترك مولاكم من المال إلاّ ما أتيناكم به ، وإنا لا نشترى بأيماننا
(١) ((البز)): الثياب، أو ضروب منها، وبائعها يقال له: ((البزاز)). و((الرقة))
( بكسر الراء وفتح القاف): الفضة، وأصلها ((الورق)) (بفتح الواو وكسر الراء)، ثم حذفت
الواو ، وجعلت الهاء فى آخرها عوضاً عن الواو .
(٢) يقال: ((وضع فى تجارته يوضع ضعة، ووضيعة)) فهو موضوع فيها)) ويقال:
((أوضع)) (كلاهما بالبناء للمجهول)، ويقال: ((وضع فى تجارته وضعاً)) (مثل: فرح فرحاً):
غبن فيها ، وخسر من رأس المال .

١٩٢.
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
ثمناً قليلاً من الدنيا، ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين)).
فلما حلفا خلَّى سبيلهما. ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناءً من آنية الميت، فأخذ
الداريَّان ، فقالا: اشتريناه منه فى حياته ! وكذبا، فكلّما البينة ، فلم يقدرا عليها.
فرفعوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى ذكره: ((فإن عثر))، يقول:
فإن اطلع= ((على أنهما استحقا إثماً)، يعنى الداريين، إن كما حقًّاً = ((فآخران))،
من أولياء الميت- ((يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان))، فيقسمان
بالله: ((إنّ مال صاحبنا كان كذا وكذا، وأن الذى يُطلب قبل الداريين لحقّ،
وما اعتدينا إنا إذًا لمن الظالمين))، هذا قول الشاهدين أولياء الميت = ((ذلك أدنى
أن يأتوا بالشهادة على وجهها))، يعنى: الداريَّين والناس، أن يعودوا لمثل ذلك.(١)
٠
٧٧/٧
قال أبو جعفر: فقما ذكرنا من هذه الأخبار التى روينا ، دليلٌ واضح
على صحة ما قلنا ، من أنّ حكم الله تعالى ذكره باليمين على الشاهدين فى هذا
الموضع، إنما هو من أجل دعوى ورثته على المسند إليهما الوصية، خيانةً فيما دفع
الميت من ماله إليهما، أو غير ذلك مما لا يبرأ فيه المدعى ذلك قِبَله إلا بيمين =
وأن نقل اليمين إلى ورثة الميت بما أوجبه اللّه تعالى ذكره، بعد أن عثر على الشاهدين
[ أنهما استحقا إثماً]، فى أيمانهما، (٢) ثم ظُهِرِ على كذبهما فيها، إن القوم ادَّعوا
(١) الأثر: ١٢٩٧٠ - ((معاذ بن موسى الجعفرى))، ((أبو سعيد))، لم أجد له ترجمة
إلا فى تعجيل المنفعة: ٤٠٦، لم يزد على أن قال: ((معاذ بن موسى، عن بكير بن معروف .
وعند الشافعى، رحمه اللّه تعالى)). وكان فى المطبوعة: ((سعيد بن معاذ بن موسى)) وهو خطأ،
مخالف المخطوطة .
و((بكير بن معروف الأسدى))، ((أبو معاذ النيسابورى، الدامغانى)) صاحب التفسير،
وهو صاحب مقاتل. قال ابن عدى: ((ليس بكثير الرواية، وأرجو أنه لا بأس به، وليس
حديثه بالمنكر جداً))، مترجم فى التهذيب، والكبير ١١٧/٢/١، وابن أبى حاتم ١/ ٤٠٦/١.
وكان فى المطبوعة: ((بكر))، وهو خطأ صرف.
وهذا الخبر رواه البيهقى فى السنن الكبرى ١٠: ١٦٤ من طريق إسماعيل بن قتيبة، عن أبى خالد
يزيد بن صالح ، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان. ثم رواه ( ١٠: ١٦٥) من طريق
أبى العباس الأصم ، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعى ، ثم أحال لفظه على الذى قبله .
(٢) هذه الزيادة بين القوسين، لابد منها، استظهرتها من نص الآية.

١٩٣
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
فيا صَع أنه كان الميت دعوى من انتقال ملك عنه إليهما ببعض ما تزول به
الأملاك ،مما يكون اليمينُ فيها على ورثة الميت دون المدَّعى، وتكون البينة فيها على
المدعى = وفساد ما خالف فى هذه الآية ما قلنا من التأويل. (١)
.. : .:
وفيها أيضاً، (٢) البيانُ الواضح على أن معنى (الشهادة)) التى ذكرها الله تعالى فى
أول هذه القصة إنما هى اليمين، كما قال الله تعالى فى مواضع آخر: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ
أَزْوَاجُهُمْ وَلَمَّ يَكُنْ لَهُمْ تُهَدَاء إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِمِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ
بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، [سورة النور: ٦]. فالشهادة فى هذا الموضع ، معناها
القَسم، من قول القائل: ((أشهد بالله إنى لمن الصادقين))، (٣) وكذلك معنى
قوله: ((شهادة بينكم)) إنما هو: قسَمَ بينكم = ((إذا حضر أحدكم الموتُ حين
الوصية »،أن یقسم اثنان ذوا عدل منكم، إن كانا اتُّمنا على مال فارتيب بهما ،
أو اثُّمِنَ آخران من غير المؤمنين فاتَّهما. (٤) وذلك أن الله تعالى ذكره ، لما
ذكر نقل اليمين من اللذين ظُهر على خيانتهما إلى الآخرين، قال: ((فيقسمان
باللّه لشهادتنا أحق من شهادتهما)). ومعلومٌ أنّ أولياء الميت المدعين قبل اللذين
ظُهر علی خیاتهما ، غير جائز أن یکونا شهداء ، بمعنى الشهادة التی یؤخذ بها
فى الحكم حق مدعى عليه لمدّع. لأنه لا يعلم الله تعالى ذكره حكم قضى فيه لأحد
بدعواه ويمينه على مدعى عليه بغير بينة ولا إقرار من المدعى عليه ولا برهان .
فإذا كان معلوماً أن قوله: ((لشهادتنا أحق من شهادتها))، إنما معناه: قسمُنا
أحق من قَسَمهما = وكان قسم اللذين عُثر على أنهما أثِمَا، هو الشهادة التى ذكر
(١) فى المطبوعة: ((ما قلنا من التأويل))، وفى المخطوطة: ((ما قبلنا من التأويل))،
وصواب القراءة ما أثبت .
(٢) قوله: ((وفيها أيضاً))، الضمير عائد على قوله فى أول الفقرة السالفة: ((ففيما ذكرنا
من هذه الأخبار التى روينا)) ، وهى عطف عليه .
(٢) فى المطبوعة: ((إنه لمن الصادقين))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) انظر ما كتبته فى ((اتمن)) فيما سلف ص: ١٧٢، تعليق: ١، ٢
ج ١١ (١٣)
!

١٩٤
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
الله تعالى ذكره فى قوله: ((أحق من شهادتهما)) = صحَّ أن معنى قوله: «إشهادة
بينكم))، بمعنى: ((الشهادة)) فى قوله: ((لشهادتنا أحق من شهادتهما))، وأنها
بمعنى القسم.
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((من الذين استحق عليهم
الأوليان )).
فقرأ ذلك قرأة الحجاز والعراق والشأم: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُسْتُحِقٌ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَان﴾،
بضم ((التاء)).
وروى عن على ، وأبىّ بن كعب ، والحسن البصرى أنهم قرأوا ذلك :
﴿ مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ)، بفتح ((التاء)).
...
واختلفت أيضاً فى قراءة قوله: ((الأوليان)).
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والشأم والبصرة : ﴿ الأوْلَيَان).
٠
٠
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ﴿الأوَّلِينَ﴾.
* *
٥
وذكر عن الحسن البصرى أنه كان يقرأ ذلك: ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ
الأوَّلاَنِ ﴾.
#
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب فى قوله: ((من الذين استحق
عليهم))، قراءة من قرأ بضم ((التاء))، لإجماع الحجة من القرأة عليه ، مع مشايعة
عامة أهل التأويل على صحة تأويله ، (١) وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله :
فآخران من أهل الميت ، الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم ،
(١) فى المطبوعة: ((مع مساعدة أهل التأويل))، وفى المخطوطة: ((مع مساعه)) غير منقوطة،
وآثرت قراءتها كما كتبتها. و((المشايعة))، الموافقة والمتابعة.

١٩٥
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
يقومان مقام المستحقَّى الإثم فيهما ، بخيانتهما ما خانًا من مال الميت .
وقد ذ کرنا قائلی ذلك ، أو أكثر قائلیه، فما مضى قبل ، ونحن ذاكرُو
باقيهم إن شاء الله ذلك:
١٢٩٧١ -حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: «شهادة
بینکم »، أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو کافران، لا يحضُره غير اثنين
منهم . فإن رضى ورثته ما عاجل عليه من تركته فذاك ، وحلف الشاهدان إن
اتُّهما : إنهما لصادقان = ((فإن عثر)) وُجد.
(١) حلف الاثنان
الأوليان من الورثة ، فاستحقّاً وأبطلا أيمانَ الشَّاهدين.
٠
٥
٠
وأحسب أن الذين قرأوا ذلك بفتح ((التاء))، أرادوا أن يوجهوا تأويله إلى :
(فآخران يقومان مقامهما))، مقام المؤمنين الذين عُثِر على خياتتهما فى القَسم،
و((الاستحقاق به عليهما))، دعواهما قبلهما = من ((الذين استحقً)) على المؤتمنين
على المالٍ على خياتهما القيامَ مقامهما فى القَسم والاستحقاق، الأوليان بالمبيت. (٢)
وكذلك كانت قراءة من رُوِيت هذه القراءة عنه، فقرأ ذلك: ﴿ مِنَ الَّذِينَ
أُسْتَحَقَّ) بفتح ((التاء)) = و((الأوليان))، (٣) على معنى: الأوليان بالميت وماله.
وذلك مذهبٌ صحيحٌ، وقراءةٌ غير مدفوعة صحتها ، غير أنا نختار الأخرى ،
٧٨/٧
(١) فى المطبوعة: ((فإن عثر، وجد لطخ حلف الاثنان ... ))، وقوله: ((لطخ))
هنا من عجائب الكلام، وفى المخطوطة بعد: ((فإن عثر وجد)) بياض إلى آخر السطر، مع علامات
بعد الكلام بالحمرة . والظاهر أن النسخة التى نقل عنها ناشر المطبوعة، كان فيها فى هذا الموضع
حرف (ط) دلالة على الخطأ، فكتب مكانها ما كتب . ووضعت أنا مكان البياض فى المخطوطة
نقطاً، والظاهر أن سياق الكلام كان: ((فإن عثر، وجد أنها استحقا إثماً)) حلف الاثنان ... ))،
ولكنى آثرت ترك البياض كما هو فى المخطوطة، والمعنى ظاهر.
(٢) فى المطبوعة: ((فى الأوليان)) زيادة ((فى))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب.
(٣) فى المطبوعة، حذف قوله: ((والأوليان))، وساق الكلام على سياق واحد. وأثبت
ما فى المخطوطة.

١٩٦
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
لإجماع الحجة من القرأة عليها ، مع موافقتها التأويل الذى ذكرْنا عن الصحابة
والتابعين .
١٢٩٧٢ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ،
عن أبى إسحق ، عن أبى عبد الرحمن وكريب ، عن على : أنه كان يقرأ :
﴿ مِنَ الَّذِينَ أُسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾.(١)
١٢٩٧٣ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا مالك بن إسمعيل ، عن حماد
بن زيد ، عن واصل مولى أبى عيينة ، عن يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر ،
عن أبىّ بن كعب: أنه كان يقرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأُوْلَيَانِ).(٢)
قال أبو جعفر: وأما أولى القراءات بالصَّواب فى قوله: ((الأوليان)) عندى ،
(١) الأثر: ١٢٩٧٢ - ((أبو إسحق))، هو السبيعى.
و((أبو عبد الرحمن)) هو ((السلمى)) القارئ، ((عبد الله بن حبيب)) مضى برقم : ٨٢.
و ((كريب)) هو ((كريب بن أبي كريب))، روى عن على. وروى عنه أبو إسحق،
مترجم فى الكبير ١/٤٪٢٣١، وابن أبى حاتم ١٦٨/٢/٣، ولم يذكرا فيه جرحا .
وترجمه فى لسان الميزان، وقال: ((يروى المقاطيع، من ثقات ابن حبان)).
(٢) الأثر: ١٢٩٧٣ - ((مالك بن إسماعيل بن درهم النهدى))، ((أبو غسان))، مضى
رقم: ٢٩٨٩، ٤٤٣٣، ٤٩٢٦، ٨٢٩٢. وأخشى أن يكون راوى هذا الخبر هو ((مؤمل
-ابن إسماعيل العدوى))، لا ((مالك بن إسماعيل))، ولكن هكذا ثبت فى المخطوطة .
و ((حماد بن زيد بن درهم الأزدى))، مضى برقم : ٨٥٦، ١٦٨٢، ٥٤٥٤.
و ((واصل مولى أبى عيينة بن المهلب بن أبي صفرة))، ثقة، روى عن يحيى بن عقيل الخزاعى،
والحسن البصرى ، ورجاء بن حيوة، وأبى الزبير المكى . روى عنه هشام بن حسان من أقرانه ،
ومهدى بن ميمون، وحماد بن زيد، وغيرهم. مترجم فى التهذيب، والكبير ١٧٢/٢/٤، وابن
أبى حاتم ٣٠/٢/٤. وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((وائل بن أبى عبيد))، وهو خطأ لاشك فيه،
بيانه فى التاريخ الكبير للبخارى .
و ((يحيى بن عقيل الخزاعى البصرى))، روى عن يحيى بن يعمر، وابن أبى أوفى، ذكره
ابن حبان فى الثقات، وقال ابن معين: ((ليس به بأس))، مترجم فى التهذيب، والكبير ٢٩٢/٢/٤
وابن أبى حاتم ٤ /١٧٦/٢ .
وأما ((يحيى بن يعمر القيسى الجدلى))، فهو ثقة جليل، يروى عن الصحابة والتابعين. كان
نحوياً صاحب على بالعربية والقرآن، وهو أول من نقط المصاحف . مترجم فى التهذيب ، والكبير
٣١١/٢/٤، وابن أبى حاتم ١٩٦/٢/٤.

١٩٧
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
فقراءةُ من قرأ ﴿الأوْلَيَانِ) لصحة معناها. (١) وذلك لأن معنى: ((فآخران يقومان
مقامهما من الذين استُحِقّ [عليهم الأوليان)): فآخران يقومان مقامهما من الذى
استُحقّ] فيهم الإثم، (٢) ثم حذف (الإثم))، وأقيم مقامه ((الأوليان))، لأنهما هما اللذان
ظَلَّما وأثِما فيهما، بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم، وعُثر عليهما بالخيانة
منهما فيما كان اتَّمنهما عليه الميت ، (٣) كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مثل
ذلك ، من حذفهم الفعل اجتزاء بالاسم ، (٤) وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل . (٥)
ومن ذلك ما قد ذكرنا فى تأويل هذه القصة، وهو قوله: ((شهادة بينكم إذا
حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ))، ومعناه : أن يشهد اثنان ، وكما قال :
((فيقسمان باللّه إن ارتبتم لا نشترى به ثمناً))، فقال: ((به))، فعاد بالهاء على اسم
اللّه، وإنما المعنى: لانشترى بقسمنا بالله، فاجتزئ بالعود على اسم اللّه بالذكر،
والمراد به: ((لا نشترى بالقسم بالله))، استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم
القسم. وكذلك اجتزئ، بذكر ((الأوليين)) من ذكر ((الإثم)) الذى استحقه
الخائنان لخيانتهما إيَّاهما، إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه
إياه عن إعادته، وذلك قوله: ((فإن عثر على أنَّهما استحقا إثماً)).
وأما الذين قرأو ذلك ﴿ الأوَّلِينَ) ، فإنهم قصدوا فى معناه إلى الترجمة به عن
((الذين))، فأخرجوا ذلك على وجه الجمع، إذْ كان ((الذین)) جميعاً ، (٦) وخفضاً،
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((بصحة معناها)) بالباء، والصواب ما أثبته.
(٢) الذى وضعته بين الأقواس، هو حق السياق والمعنى، فإن السياق يقتضى أن يذكر الآية،
ثم يذكر تأويلها ، وهكذا فعلت ، وهو الصواب إن شاء الله .
(٣) فى المطبوعة: ((انتمنهما))، وانظر ما كتبته سالفاً ص: ١٧٢، تعليق ٢،١، وص: ١٩٣
تعليق : ٤
(٤) ((الفعل))، هو المصدر، كما سلف مراراً، وانظر فهارس المصطلحات .
(٥) انظر ما سلف ص : ١٦٠
(٦) فى المطبوعة: ((جمعا))، وأثبت ما فى المخطوطة.

١٩٨
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
إذا كان ((الذين)) مخفوضاً، وذلك وجه من التأويل ، غير أنه إنما يقال الشىء
(( أوّل))، إذا كان له آخر هو له أوّل. وليس للذين استحق عليهم الإثم ، آخر
هم له أوّل . بل كانت أيمان اللذين عثر على أنهما استحقًّا إثماً قبل أيمانهم ،
فهم إلى أن يكونوا = إذا كانت أيمانهم آخراً = أولى أن يكونوا ((آخرين))، من أن
يكونوا ((أوّلين))، وأيمانهم آخرة لأولى قبلها.
وأما القراءة التى حكيت عن الحسن ؛ فقراءةٌ عن قراءة الحجة من القرأة
شاذة ، وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلاً على بُعدها من الصواب.
واختلف أهل العربية فى الرافع لقوله: ((الأوليان))، إذا قرئ كذلك.
فكان بعض نحوبى البصرة (١) يزعم أنه رفع ذلك، بدلاً من: ((آخران))
فى قوله: ((فَآخران يقومان مقامهما)). وقال: إنما جاز أن يبدل ((الأوليان))،
وهو معرفة، من ((آخران)) وهونكرة، لأنه حين قال: ((يقومان مقامهما من الذين
استحق عليهم))، كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرفة فى المعنى ، فقال :
((الأوليان))، فأجرى المعرفة عليهما بدلاً . قال: ومثل هذا = مما يجرى على
المعنى = كثير ، واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز: (٢)
◌َلَىَّ يَوْمَ بَهْلِكُ الأُمُورَا صَوْمُ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُذُورًا
وَبَادِنَا مُقَلَّدًا مَنْحُورًا(٣).
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فقال بعض نحوبى ... ))، والصواب ما أثبت.
(٢) لم أعرف قائله .
(٣) ((البادن)): الضخم السمين المكتنز، ولم أجدهم قالوا: ((البادن)) وأرادوا به
((البدنة)) (بفتح الباء والدال)، وهى الناقة التى كانوا يسمنونها ثم تهدى إلى البيت، ثم تنحر عنده.
ولعل الراجز استعملها على الصفة، ومع ذلك فهى عندى غريبة تقيد. و((المقلد))، الذى وضعت
عليه القلائد ، إشعاراً بأنه هدى يساق إلى الكعبة . ذكر الراجز ما نذره إذا ولى هذا الرجل
أمور الناس .

١٩٩
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
قال: فجعله: علىَّ واجب ، لأنه فى المعنى قد أوجب . (١)
...
وكان بعض نحوبى الكوفة ينكر ذلك ويقول: لا يجوز أن يكون ((الأوليان »
بدلاً من: ((آخران))، من أجل أنه قد نَسَق ((فيقسمان)) على ((يقومان » فى
قوله (٢): ((فآخران يقومان))، فلم يتمّ الخبر بعد ((مِنْ)).(٣) قال: ولا يجوز
الإبدال قبل إتمام الخبر. (٤) وقال: غير جائز: ((مررت برجل قام زيد
وقَعَد))، و((زيد)) بدل من ((رجل)).
. .
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: ((الأوليان)).
مرفوعان بما لم يسمّ فاعله، وهو قوله: (أُسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾ وأنهما وُضِعا موضعِ
الخبر عنهما ، (٥) فعمل فيهما ما كان عاملاً فى الخبر عنهما . وذلك أن معنى
الكلام: ((فآخران يقومان مقامهما من الذين استُحِقَّ عليهم الإثم بالخيانة))، فوضع
((الأوليان)) موضع ((الإثم))، كما قال تعالى ذكره فى موضع آخر: ﴿أَجَمَلُمْ سِقَابَةَ
الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، [ سورة التوبة: ١٩]،
ومعناه: أجعلتم سقاية الحاجُ وعمارة المسجد الحرام كليمان من آمن بالله واليوم الآخر
٧٩/٧
(١) تركت هذه الجملة كما هى فى المخطوطة والمطبوعة. وإن كنت أرجح أنه استشهد بالرجز
على أنه نصب ((صوم شهور))، وعطف عليه ((وبادناً مقلداً منحوراً))، على معنى: قد أوجبت
على نفسى صوم شهور، وبادفاً مقلداً منحوراً. فإن صح ذلك فيكون صواب هذه العبارة: ((فجعله:
على واجب = لأنه فى المعنى: قد أوجبت)).
(٢) ((فق))، أى: عطف.
(٢) فى المطبوعة: ((فلم يتم الخبر عند من قال ... ))، غير ما فى المخطوطة، وهذا
خطأ محض. الصواب ما فى المخطوطة، يريد: بعد ((من الذين استحق عليهم الأوليان)).
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((قال)) بغير واو، والصواب إثباتها كما يدل عليه السياق.
ثم كتب فى المطبوعة بعد ذلك ((كما قال: غير جائز ... ))، بزيادة ((كما))، وهى فى المخطوطة،
مكتوبة متصلة بالراء، فآثرت قراءتها ((وقال))، لأنه حق السياق.
(٥) فى المطبوعة: ((وأنهما موضع الخبر)» أسقط ((وضعا))، وهى ثابتة فى المخطوطة.
هله

٢٠٠
تفسير سورة المائدة : ١٠٧
= وكما قال: ﴿وَأَشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ بِكَفْرِ هِمْ﴾، [سورة البقرة: ٩٣]، وكما
قال بعض الهذليين . (١)
يُنِّى بَيْنَنَاَ حَنُوتُ خَمْرٍ مِنَ الْخُرْسِ الصَّرَاصِرَةِ الْقِطَطِ (٣)
وهو يعنى: صاحب حانوت خمر، فأقام ((الحانوت)) مقامه، لأنه معلوم أن
((الحانوت))، لا يمشى! ولكن لما كان معلوماً عنده أنَّه لا يخفى على سامعه ما
قصد إليه من معناه، حذف ((الصاحب))، واجتزا بذكر ((الحانوت)) منه.
فكذلك قوله: (( من الذين استُحِقِّ عليهم الأوليان))، إنما هو من الذين استُحِقّ
فيهم خيانتهما، فحذفت ((الخيانة)) وأقيم ((المختانان))، مقامهما . فعمل فيهما
ما كان يعمل فى المحذوف لو ظهر .
...
وأما قوله: ((عليهم)) فى هذا الموضع، فإن معناها : فيهم ، كما قال تعالى:
﴿وَأَنَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، [سورة البقرة: ١٠٢]، يعنى: فى
(١) هو المتنخل الهذلى .
(٢) ديوان الهذليين ٢: ٢١، والمعانى الكبير: ٤٧٢. واللسان (حنت) (قطط)
( خرص)، من قصيدة له طويلة ، يذكر مواضى أيامه ، ثم يقول بعد البيت فى صفة الخمر :
رَكُودٍ فى الإِنَاءِ لَهَا حَيَّ تَلَذُّ بِأَخْذِها الأَيْدِى السََّاطِى
مُتَعْشَعَةٍ كَمَيْنِ الدِّيكِ، لَيْسَتْ، إِذَا ذِيِقَتْ، مِنَ الْخَلَّ اِحِمَاطِ
وقوله: ((الخرس))، جمع ((أخرس))، وهو الذى ذهب كلامه عياً أو خلقة. ويعنى به:
خدماً من العجم لا يفصحون، فلذلك سماهم ((خرساً)). وروى بعضهم ((من الخرص))، وهو خطأ،
نبه عليه الأزهرى رحمه الله.
و ((الصراصرة))، نبط الشأم. وعندى أنهم سموا بذلك، لشىء كان فى أصواتهم وهم يتكلمون؛
فى أصواتهم صياح وارتفاع وامتداد، كأنه صرصرة البازى. و((القطاط)) جمع ((قطط)) (بفتحتين)
و((قط)) (بفتح وتشديد): وهو الرجل الشديد جعودة شعر الرأس. وقوله: ((ركود فى الإناء))،
يعنى أنها صافية ساكنة. و((حميا الخمر))، صورتها وأخذها بالبدن. و((الأيدى السواطى))، التى
تسطو إليها، أى: تتناولها معجلة شديدة الرغبة فيها. و((مشعشعة)): قد أرقها مزجها بالماء .
و((الخاط)) من الخمر: التى أصابتها ريح، فلم تستحكم ولم تبلغ الحموضة.