النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
تفسير سورة المائدة : ٩٥
فأما الهدى ، فإنّ من جَزّى به ما قتل من الصيد ، (١) فلن يجزئه من كفارة
ما قتل من ذلك إلا أن يبلغه الكعبة كما قال تعالى ذكره ، (٢) وينحره أو يذبحه
ويتصدق به على مساكين الحرم = وعنىَ بالكعبة فى هذا الموضع، الحرم كله . (٣)
ولمن قدَّم بهديه الواجبَ من جزاء الصيد ، أن ينحره فى كل وقت شاء ،
قبل يوم النحر وبعده ، ويطعمه . وكذلك إن كفر بإطعام ، (٤) فله أن يكفر
به متى أحب وحيث أحب . وإن كفّر بالصوم فكذلك .
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل ، خلا ما ذكرنا من اختلافهم
فى التفكير بالإطعام على ما قد بينا فيما مضى.
ذكر من قال ذلك :
١٢٦٢٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبى زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج
قال، قلت لعطاء: ((أو عدل ذلك صياماً))، هل لصيامه وقت ؟ قال: لا،
إذا شاء وحيث شاء، وتعجيله أحبُّ إلىّ .
١٢٦٢٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبى زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج
قال ، قلت لعطاء : رجل أصابَ صيداً فى الحج أو العمرة ، فأرسل بجزائه إلى
الحرم فى المحرَّم أو غيره من الشهور، أيجزئ عنه؟ قال: نعم. ثم قرأ: ((هدياً
بالغ الكعبة )) = قال هناد: قال يحيى : وبه نأخذ . (٥)
(١) فى المطبوعة: ((فأما الهدى، فإنه من جراء ما قتل من الصيد))، وهو كلام فاسد جداً.
وفى المخطوطة: ((فأما الهدى، فإن من جرائه ما قتل من الصيد)» غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها .
(٢) فى المطبوعة: ((إلا أن يبلغه الكعبة طيباً، وينحره أو يذبحه))، وهو فاسد المعنى.
وفى المخطوطة: ((إلا أن يبلغه الكعبة طيباً قال تعالى ذكره وينحره ... ))، وصواب قراءة ((طبا)»
غير منقوطة ((كما))، كما أثبتها .
(٣) فى المطبوعة: ((ويعنى بالكعبة))، وفى المخطوطة ((وعنا بالكعبة))، وصواب قراءتها
ما أثبت .
(٤) فى المطبوعة: ((بالطعام))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٥) الأثر: ١٢٦٢٧ - ((يحيى))، هو ((ابن أبى زائدة))، وهو: ((يحيى بن زكريا
ابن أبى زائدة ))، ومضى مراراً .

٤٢
تفسير سورة المائدة : ٩٥
١٢٦٢٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبى زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج
وابن أبى سليمان، عن عطاء قال: إذا قدمتَ مكة بجزاء صيد فانحره ، فإن الله
تعالى ذكره يقول: ((هدياً بالغ الكعبة))، إلا أن يقدَم فى العشر، فيؤخُرُه إلى
يوم النحر . (١)
١٢٦٢٩ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبى زائدة قال ، حدثنا ابن جريج ،
عن عطاء قال : يتصدّق الذى يصيب الصيدَ بمكة ، فإن الله تعالى ذكره يقول:
(( هدياً بالغ الكعبة)).
٥ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: أو على قاتل الصيد محرِماً ، عدلُ
الصيد المقتول من الصيام . وذلك أن يقوّم الصيد حيًّاً غير مقتول قيمته من الطعام
بالموضع الذى قتله فيه المحرم، ثم يصوم مكان كل مدّ يوماً. وذلك أن النبى صلى اللّه
عليه وسلم عَدَل المدَّ من الطعام بصوم يوم فى كفَّارة المُوَاقع فى شهر رَمَضَان. (٢)
٠٠
فإن قال قائل: فهلاًّ جعلت مكان كلّ صاع فى جزاءِ الصيد، صومَ يومٍ ،
قياساً على حكم النبى صلى الله عليه وسلم فى نظيره ، وذلك حكمه على كتَعْب
ابن عُجْرة إذ أمره أن يطعم إنْ كفَّر بالإطعام فَرْقاً من طعام، وذلك ثلاثة آصُعٍ
بين ستّة مساكين (٣) = إنْ كفر بالصيام أن يصوم ثلاثة أيام ، فجعل الأيام
(١) فى المطبوعة: ((فيوخر)) بغير ضمير، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر الأخبار فى كفارة من أتى أهله فى نهار رمضان، وهو صائم ، فى السنن الكبرى
البيهقى ٤ : ٢٢١ - ٢٢٥ .
(٣) انظر خبر ((كعب بن عجرة)) إذ شكا رأسه من صنبافه، فيما سلف فى التفسير
٤ : ٥٨ - ٦٩، الآثار رقم: ٣٣٣٤ - ٣٣٥٩.

٤٣
تفسير سورة المائدة : ٩٥
الثلاثة فى الصوم عَدْلاً من إطعام ثلاثة آصع، فإن ذلك بالكفارة فى جزاء الصيد،
أشبهُ من الكفارة فى قتلِ الصيد بكفَّارة المُواقع امرأتَه فى شهر رمضان ؟ .
قيل: إن ((القياس))، إنما هو رَدُّ الفروع المختلف فيها ، إلى نظائرها من
الأصول المجمع عليها . ولا خلافَ بين الجميع من الحجّة أنه لا يجزئ مكفِّراً كفّر
فى قتل الصيد بالصوم، أن يعدِلَ صوم يوم بصاعٍ طعام . فإذْ كان ذلك كذلك،
وكان غير جائز خلافها فيا حدَّثت به من الدين مجمعةً عليه، (١) صحَّ بذلك أن حكم
معادلة الصوم الطعامَ فى قتل الصيد، مخالف حكم معادلته إيّاه فى كفارة الحلق، إذْ
كان غير جائزردّ أَصْلٍ على أصلٍ قياساً. وإنما يجوز أن يقاس الفرعُ على الأصل.(٢)
وسواء قال قائل: ((هلأَّ رددتَ حكم الصوم فى كفارة قتلِ الصيد، على حكمه
فى حَلْق الأذى فيما يُعْدَل به من الطعام))؟ = وآخر قال: ((هلأَّ رددت حكم
الصوم فى الحلق، على حكمه فى كفارة قتل الصيد فيما يُعدلُ به من الطعام ،
فتُوجب عليه مكان كل مدّ أو مكان كل نصف صاع صومَ يوم)) ؟
٠٠٠
وقد بينا فيما مضى قبل أن ((العدْل)) فى كلام العرب بالفتح، هو قدر الشىء
من غير جنسه (٣) = وأن ((العدْل))، هو قدره من جنسه. (٤)
وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: (( العدل » مصدر من قول
القائل: ((عَدَلت هذا بهذا عَدْلاً حسناً)). قال: ((والعَدْل)) أيضاً بالفتح،
(١) فى المطبوعة: ((حدت به من الدين)) (بتشديد الدال والتاء فى آخره)، وفى المخطوطة
((حدث به» بالثاء، وصواب قراءتها ما أثبت .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((إذا كان غير جائز وداخل على آخر قياساً))، وفى المخطوطة
مثلها مهملة غير منقوطة . وهو كلام لا معنى له ، بل الصواب المحض ما أثبت ، وذلك أن الكاتب
كتب: ((وداحل))، وصوابها: ((رد أصل))، ثم كتب ((على احر))، وصوابها: ((على أصل))،
وهو ظاهر كلام أبى جعفر كما رأيت قبل ، وكما ترى بعد .
(٣) فى المطبوعة: ((وهو قدر ... )) بزيادة ((الواو))، وهو خطأ.
(٤) انظر تفسير (العدل)) فيما سلف ٢: ٣٥، ٥٧٤. ثم معانى القرآن للفراء ١: ٣٢٠،
ثم مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٥٣، ١٧٥، ١٧٦ ٠

٤٤
تفسير سورة المائدة : ٩٥
المثل، ولكنهم فرَّقوا بين (العدل)) فى هذا وبين ((عِدْل المتاع))، بأن كسروا
((العين)) من ((عدْل المتاع))، وفتحوها من قول الله تعالى (١): ﴿وَلاَ يُقْبَلُ
مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [سورة البقرة: ١٢٣]، وقول الله عز وجل: (( أو عدل ذلكصياماً ))،
كما قالوا: ((امرأة رزان)) و((حَجَرَ رَزين)».(٢)
وقال بعضهم: ((العدل)) هو القسط فى الحق، ((والعدْل)) بالكسر، المثل.
وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى . (٣)
٣٨/٧
وأما نصب ((الصيام)) فإنه على التفسير، (٤) كما يقال: ((عندى ملء زقّ
سمناً))، و((قدر رطلٍ عسلاً)).(٥)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل . (٦)
(١) فى المطبوعة: ((من قولهم))، وفى المخطوطة: ((من قول هم))، وهو خطأ غريب،
والصواب ما كتبت إن شاء الله .
(٢) نص هذا الكلام، ذكره صاحب لسان العرب فى مادة (عدل) ، ولم يشر إليه فى
مادة (رزن)، فهو مما يقيد فى اللسان فى موضعه. وجاء فى اللسان ((وعجز رزين)»، وهو خطأ
يصحح، إنما الصواب ((وحجر))، و ((حجر رزين)): ثقيل. وقد صرح صاحب أساس
البلاغة فقال: ((وامرأة رزان، ولا يقال ((رزينة)).
(٣) يعنى ما سلف فى ٢ : ٣٥.
(٤) ((التفسير))، هو التمييز، وانظر ما سلف فى فهارس المصطلحات.
(٥) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٢٠.
(٦) عند هذا الموضع انتهى المجلد الثامن من مخطوطة التفسير التى اعتمدناها. وفيها هنا ما نصه:
(( تمَّ المجلَّ الثامن بحمد الله وعونه
وصلى الله على سيدنا محمد النبيِّ وآله وصحبه وسلم كثيراً .
يتلُوه فى التاسع إن شاء الله تعالى:
ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو
عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قلت لعطاء : ما
((عَدْل ذلك صياماً»؟
قال : عدل الطعام من الصيام .

٤٥
تفسير سورة المائدة : ٩٥
١٢٦٣٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن
جريج قال، قلت لعطاء: ما ((عدل ذلك صياماً))؟ قال : عَدْل الطعامِ من
الصيام. قال: لكل مُدّ يوماً، يأخذ زعَمَ بصيام رمضان وبالظِّهار. (١) وزعم أن
ذلك رأى يراه، ولم يسمعه من أحد ، ولم تمض به سنة . قال : ثم عاودته بعد ذلك
بحين، قلت: ما ((عدل ذلك صياماً))؟ قال: إن أصاب ما عَدْله شاةٌ، قوِّمت
طعاماً ، ثم صام مكان كل مدّ يوماً . قال : ولم أسأله: هذا رأى أو سنة مسنونة ؟
١٢٦٣١ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا
أبو بشر، عن سعيد بن جبير فى قوله عز وجل: (( أو عدل ذلك صياماً))، قال :
يصوم ثلاثةَ أيام إلى عشرة أيام .
١٢٦٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن حماد :
((أو عدل ذلك صياماً))، من الجزاء، إذا لم يجد ما يشترى به هدياً، أو ما يتصدق
به مما لا يبلُغ ثمنَ هدى، حكم عليه الصيامُ مكان كل نصفٍ صاعٍ يومًا .
١٢٦٣٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( أو عدل ذلك
صياماً ))، قال : إذا قتل المحرم شيئاً من الصيد، حكم عليه فيه . فإن قتل ظبياً
أو نحوه ، فعليه شاة تذبح بمكة . فإن لم يجد ، فإطعام ستة مساكين. فإن لم يجد
وكان الفراغ منه فى شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وسبعمئة)).
ثم يليه فى أول الجزء التاسع ما نصه :
((بسم الله الرَّحمن الرحيم
رَبِّ يَسِّرْ
بقية تفسير: ((أُوْ عَدْلُ ذلك صِيَاماً )).
(١) فى المطبوعة: ((يؤخذ)»، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب. ومعنى قوله: ((يأخذ))
هنا ، يعنى به يقيس ذلك بكفارة المواقع أهله فى نهار رمضان ، وبكفارة الظهار .

٤٦
تفسير سورة المائدة : ٩٥
فصيام ثلاثة أيام. وإن قتل أيُّلا أو نحوه، فعليه بقرة . فإن لم يجدها أطعم عشرين
مسكيناً. فإن لم يجد ، إصام عشرين يوماً . وإن قتل نعامةً أو حمار وحش أو
نحوه، فعليه بدنة من الإبل . فإن لم يجد، أطعم ثلاثين مسكيناً . فإن لم يجد، صام
ثلاثين يوماً . والطعام : مدّ مدٌّ، شِبَعتهم.(١).
١٢٦٣٤ - حدثنا ابن البرقى قال، حدثنا عمرو بن أبى سلمة، عن سعيد :
[وسألته] عن المحرم يصيب الصيد، (٢) فيكون عليه الفدية، شاة أو البقرة أو البدنة.
فلا يجد ، (٣) فما عدل ذلك من الصيام أو الصدقة ؟ قال: ثمن ذلك ، فإن لم يجد
ثمنه، قوّم ثمنه طعاماً يتصدق به لكل مسكين مُدّ، ثم يصومُ بِكُلَ مدّ يوماً. (٤)
القول فى تأويل قوله (لِيُذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ے)
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : أوجبت على قاتل الصید محرماً ما أوجبت
من الجزاء والكفارة الذى ذكرت فى هذه الآية ، (٥) كى يذوق وبال أمره وعذابه .
٠٠٠
يعنى: ((بأمره))، ذنبه وفعله الذى فعله من قتله ما نهاه الله عز وجل عن قتله
فی حال إحرامه.
٥
(١) الأثر: ١٢٦٣٣ - مضى هذا الأثر برقم: ١٢٦٠٠، وفيه ((شبعهم)) بغير واو.
وفى المخطوطة هنا ((وشبعهم)) بالواو، والجميد حذف الواو . وفى المطبوعة هنا غيرها كما غيرها فى الموضع
السالف وكتب: ((يشبعهم)).
(٢) فى المطبوعة: ((عن سعيد: المحرم ... ))، وفى المخطوطة: ((عن سعيد: عن المحرم))،
فظاهر أنه سقط من الناسخ قوله: ((وسألته))، كما أثبتها بين القوسين، وهو حق السياق كما ترى.
والذى حذفه الناشر ((عن))، حذف مفسد الكلام .
(٣) فى المطبوعة:" ... أو البدنة، فإن لم يجد، فما عدل ذلك ... »، وهو تغيير
فاسد جداً، أداه إليه التصرف المعيب، كما رأيت فى التعليق السالف .
(٤) فى المطبوعة: ((لكل مد)) باللام، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٥) فى المطبوعة: ((ما أوجبت من الحق أو الكفارة))، وهو كلام لا معنى له، وفى المخطوطة:
(( ما أوجبت من الحق أو الكفاره)) غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها كما أثبته .

٤٧
تفسير سورة المائدة : ٩٥
يقول : فألزمته الكفارة التى ألزمته إياها، لأذيقه عقوبة ذنبه.، بإلزامه
الغرامة والعمل ببدنه مما يتعبه ويشق عليه. (١).
٠٠
وأصل (الوبال))، الشدّة فى المكروه، ومنه قول الله عز وجل: ﴿فَمَصَى فِرْ عَوْنُ
الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذَا وَبِيلاً﴾ [ سورة المزمل: ١٦].
وقد بيّن تعالى ذكره بقوله: ((ليذوق وبالَ أمره))، أنَّ الكفارات اللازمة"
الأموالَ وَالأَبْدَ انَ، عقوباتٌ منه لخلقه، وإن كانت تمحيصاً لهم، وكفارةٌ لذُنُوبهم
التى كفّروها بها .
٥ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٢٦٣٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: أما ((وبال أمره))، فعقوبة أمرِه.
٥
القول فى تأويل قوله ﴿عَفَاَ اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ
اللهُ مِنَّهُ ﴾
قال أبو جعفر : يقول جل من قائل لعباده المؤمنين به وبرسوله صلى اللّه عليه
وسلم: عفا الله، أيها المؤمنون، عمّاً سلف منكم فى جاهليتكم، من إصابتكم الصيد
وأنتم حُرُم، وقتلکموه، فلا يؤاخذكم بما کان منکم فى ذلك قبل تحريمه إیاہ علیکم،
ولا يلزمكم له كفارةً فى مال ولا نفس . ولكن من عاد منكم لقتله وهو محرم،
(١) انظر تفسير ((ذاق)) فيما سلف ٧: ٩٦، ٤٤٦، ٨/٤٥٢ : ٤٨٧ .

٤٨
تفسير سورة المائدة : ٩٥
بعد تحريمه بالمعنى الذى كان يَقْتُله فى حال كفره، وقبل تحريمه عليه ، من
ستحلاله قتله ، فينتقم الله منه .(١)
#
وقد يحتمل أن يكون معناه : (٢) من عاد لقتله بعد تحريمه فى الإسلام ،
فينتقم الله منه فى الآخرة. فأما فى الدنيا، فإن عليه من الجزاء والكفَّارة فيها ما بيَّنْت.
...
واختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم نحو الذى قلنا فيه .
* ذكر من قال ذلك :
١٢٦٣٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبى زائدة قال، أخبرنا ابن جريج
قال، قلت لعطاء: ما ((عفا الله عما سلف))؟ قال: عما كان فى الجاهلية. قال
قلت: ما ((ومن عاد فينتقم الله منه))؟ قال: من عاد فى الإسلام، فينتقم الله منه.
وعليه مع ذلك الكفارة .
٣٩/٧
١٢٦٣٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج
قال، قلت لعطاء، فذكر نحوه = وزاد فيه، وقال: وإن عاد فقتل، عليه الكفارة.
قلت : هل فى العَوْد من حدّ يعلم ؟ قال: لا، قلت : فترى حقًّا على
الإمام أن يعاقبه ؟ قال : هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله ، ولكن يفتدى .
١٢٦٣٨ - حدثنا سفيان قال، حدثنا محمد بن بكر وأبو خالد، عن ابن
جريج، عن عطاء: ((ومن عاد فينتقم الله منه))، قال: فى الإسلام ، وعليه مع
ذلك الكفارة . قلت: عليه من الإمام عقوبة؟ قال: لا . (٣)
(١) انظر تفسير ((عفا)) فيما سلف من فهارس اللغة = وتفسير ((سلف)) فيما سلف
٦ : ٨/١٤ : ١٣٧، ٠١٥٠
(٢) فى المطبوعة: ((أن يكون ذلك معناه))، زاد ((ذلك)) ليهلك العبارة !! وليست
فى المخطوطة .
(٣) الأثر: ١٢٦٣٨ - ((سفيان)) هو: ((سفيان بن وكيع)). مضى مراراً .

٤٩
تفسير سورة المائدة : ٩٥
١٢٦٣٩ -حدثنا هناد قال ، حدثنا و کیع = وحدثا ابن وكيع قال، حدثنا
أبى = عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: ((عفا الله عما سلف))، عمّاً
كان فى الجاهلية = ((ومن عاد))، قال: فى الإسلام = ((فينتقم الله منه))،
وعليه الكفارة . قال قلت لعطاء : فعليه من الإمام عقوبة ؟ قال : لا .
١٢٦٤٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا
سفيان ، عن ابن جريج، عن عطاء قال : يحكم عليه فى الخطأ والعمد والنسيان ،
وكلّما أصاب، قال الله عز وجل: ((عفا الله عما سلف))، قال: ما كان فى
الجاهلية = ((ومن عاد فينتقم الله منه))، مع الكفارة = قال سفيان ، قال ابن
جريج : فقلت : أيعاقبه السلطان ؟ قال : لا .
١٢٦٤١ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا محمد بن بكر وأبو خالد، عن ابن
جريح قال، قلت لعطاء: ((عفا الله عما سلف))، قال: عما كان فى الجاهلية.
١٢٦٤٢ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن أبى بشر ، عن عطاء
ابن أبى رباح أنه قال: يحكم عليه كلَّما عاد .
١٢٦٤٣ - حدثنا هناد قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد
قال : كلَّما أصاب المحرم الصيد ناسياً حُكمٍ عليه.
١٢٦٤٤ - حدثی یحی بن طلحة الیربوعی قال،حدثنا فضيل بن عياض،
عن منصور ، عن إبراهيم قال : كلَّما أصاب الصيدَ المحرمُ حُكمٍ عليه .
١٢٦٤٥ -حدثناعمرو بن علی قال، حدثنا سفيان بن عیینة، عن ابن أبى
نجيح، عن عطاء قال : من قتل الصيد ثم عاد ، حكم عليه .
١٢٦٤٦ - حدثنا عمرو قال، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن داود بن أبى
هند، عن سعيد بن جبير قال: يحكم عليه، أفيُخْلَع! أفيُتْرك !. (١)
و((محمد بن بكر بن عثمان البرسانى))، مضى برقم: ٥٤٣٨.
و((أبو خالد)) هو الأحمر، ((سليمان بن حيان الأزدى))، مضى برقم: ٣٩٥٦.
(١) فى المطبوعة: ((فيخلع أو يترك))، فأفسد معنى الكلام إفساداً، والصواب من المخطوطة.
وهذا الاستفهام تعجب من سأله: ((أيحكم عليه كلما عاد))، فأجابه بذلك، تأكيداً للحكم عليه
ج١١ (٤)

٥٠
تفسير سورة المائدة : ٩٥
١٢٦٤٧ - حدثنا عمرو قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود بن
أبى هند ، عن سعيد بن جبير : الذى يصيب الصيد وهو محرم فيحكم عليه ثم
يعود ؟ قال : يحكم عليه .
١٢٦٤٨ - حدثنا عمرو قال، حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا الفرات
ابن سلمان ، عن عبد الكريم ، عن عطاء قال: يحكم عليه كلَّما عاد. (١)
وقال آخرون : معنى ذلك : عفا الله عما سلف منكم فى ذلك فى الجاهلية،
ومن عاد فى الإسلام فينتقم الله منه، بإلزامه الكفّارة.
• ذكر من قال ذلك :
١٢٦٤٩ -حدثی ابن البرقی قال، حدثنا عمرو ، عن زهير ، عن سعيد
ابن جبير وعطاء فى قول الله تعالى ذكره: ((ومن عاد فينتقم الله منه))، قالا :
((ينتقم الله))، يعنى بالجزاء = ((عفا الله عما سلف))، فى الجاهلية.
٠٠ ٠
وقال آخرون فى ذلك : عفا الله عما سلف من قتل من قتلَ منكم الصيد
حراماً فى أول مرة . ومن عاد ثانية لقتله بعد أولى حراماً، فاللهُ ولىُّ الانتقام منه ،
دون كفارة تلزمه لقتله إياه .
* ذكر من قال ذلك :
١٢٦٥٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
كلما قتل الصيد . يعنى أن العائد عليه الحكم فى كل مرة! وإلا لأصبح مخلوعاً متروكاً يفعل بعد ذلك
ما شاء فى قتله الصيد وهو محرم. وانظر الأثر الآتى رقم : ١٢٦٥٢.
(١) الأثر: ١٢٦٤٨ - ((كثير بن هشام الكلابى))، أبو سهل الرقى. نزل بغداد،
روى عنه أحمد، وإسحق ، وابن معين، ومحمد بن بشار بندار ، وغيرهم . مترجم فى التهذيب .
والكبير البخارى ٢١٨/١/٤، وابن أبى حاتم ١٥٨/٢/٣.
و ((الفرات بن سلمان الحضرى الجزرى الرقى))، قال أبو حاتم: ((لا بأس به، محله الصدق،
صالح الحديث)). مترجم فى تعجيل المنفعة: ٣٣١، والبخارى فى الكبير ١٢٩/١/٤، ولم يذكر
فيه جرحاً، وابن أبى حاتم ٨٠/٢/٣. وكان فى المطبوعة: ((بن سليمان))، والصواب من المخطوطة.
ثم انظر إسناد الأثر التالى رقم : ١٢٦٦٣ .

٥١
تفسير سورة المائدة : ٩٥
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس : من قتل شيئاً من
الصيد خطأ وهو محرم ، حكم عليه فيه مرة واحدة. فإن عاد يقال له: ((ينتقم
الله منك))، كما قال الله عز وجل.
١٢٦٥١ -حدثنا یحی بن طلحة الیربوعی قال، حدثنا فضيل بن عياض،
عن هشام، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : إذا أصاب المحرم الصيدَ حُكم
عليه . فإن عاد، لم يحكم عليه، وكان ذلك إلى الله عز وجل: إن شاء عاقبه، وإن
شاء عفا عنه. ثم قرأ هذه الآية: ((ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام)).
١٢٦٥٢ -حدثنا هناد قال، حدثنا یحی بن أبى زائدة قال، حدثنا داود،
عن عامر قال : جاء رجل إلى شريح فقال : إنى أصبت صيداً وأنا محرم ! فقال :
هل أصبت قبل ذلك شيئاً؟ قال: لا. قال: لوقلت ((نعم))، وكلتك إلى الله يكون
هو ينتقم منك ، إنه عزيز ذو انتقام ! قال داود : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير
فقال : بل يحكم عليه ، أفَيَخْلَعَ! (١)
١٢٦٥٣ - حدثنى أبو السائب وعمرو بن على قالا، حدثنا أبو معاوية ،
عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : إذا أصابَ الرجلُ الصيدَ وهو محرم قيل له : ٤٠/٧
أصبت صيداً قبل هذا؟(٢) فإن قال: ((نعم))، قيل له: اذهب فينتقم الله منك! وإن
قال: ((لا))، حكم عليه .
١٢٦٥٤ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبى عدى، عن شعبة ،
عن سليمان ، عن إبراهيم، فى الذى يقتل الصيد ثم يعود ، قال : كانوا يقولون :
من عاد لا يحكم عليه ، أمرُه إلى الله عز وجل.
١٢٦٥٥ - حدثنا عمرو قال، حدثنا ابن عيينة، عن داود بن أبى هند ،
(١) فى المطبوعة: ((أو يخلع)) غير ما فى المخطوطة بلا طائل، والصواب ما أثبت من المخطوطة،
وانظر ما فعله فى خاتمة الأثر رقم: ١٢٦٤٦، والتعليق عليه ص ٤٩ ، رقم: ١ .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((مثل هذا))، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.

٥٢
تفسير سورة المائدة : ٩٥
عن الشعبى : أن رجلاً أتى شريحاً فقال : أصبت صيداً ؟ ، قال : أصبت قبله
صيداً؟ قال: لا. قال: أما إنك لو قلت ((نعم))، لم أحكم عليك.
١٢٦٥٦ - حدثنا عمرو قال، حدثنا ابن أبى عدى قال، حدثنا داود ،
عن الشعبى ، عن شريح ، مثله .
١٢٦٥٧ - حدثنا عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن الأشعث، عن محمد،
عن شريح ، فى الذى يصيب الصيد قال : يحكم عليه ، فإن عاد انتقمَ اللّه منه .
١٢٦٥٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكّام بن سلم، عن عنبسة ،
عن سالم، عن سعيد بن جبير: (( ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثلُ ما قتل من
النعم يحكم به ذوا عدل منكم))، قال : يحكم عليه فى العمد مرة واحدة ، فإن عاد
لم يحكم عليه، وقيل له: ((اذهب ينتقم الله مناث))، ويحكم عليه فى الخطأ أبداً .
١٢٦٥٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن خصيف،
عن سعيد بن جبير قال : رُخّص فى قتل الصيد مرة ، فمن عاد لم يدعه اللّه تعالى
ذكره حتى ينتقم منه .
١٢٦٦٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان ، عن خصيف ،
عن سعيد بن جبير ، مثله .
١٢٦٦١ -حدثنا عمرو بن علی قال، حدثنایحی بن سعيد وابن أبى عدى،
جميعاً عن هشام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، فيمن أصاب صيداً فحكم
عليه ، ثم عاد ، قال : لا يحكم ، ينتقم الله منه .
١٢٦٦٢ - حدثنا عمرو قال، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن أبى نجيح ،
عن مجاهد: إنما قال الله عز وجل: ((ومن قتله منكم متعمداً))، يقول : متعمداً
لقتله ، ناسياً لإحرامه ، فذلك الذى يحكم عليه . فإن عاد لا يحكم عليه ، وقيل
له : ((ينتقم الله منك)).
١٢٦٦٣ - حدثنا عمرو قال، حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا الفرات

٥٣
تفسير سورة المائدة : ٩٥
ابن سلمان، عن عبد الكريم ، عن مجاهد : إن عاد لم يحكم عليه ، وقيل له :
((ينتقم الله منك)). (١)
١٢٦٦٤ - حدثنا عمرو قال ، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا الأشعث،
عن الحسن، فى الذى يصيب الصيد فيحكم عليه ثم يعود ، قال : لا يحكم عليه .
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : معنى ذلك : عفا الله عما سلف من قتلكم الصيد قبل تحريم
الله تعالى ذكره ذلك عليكم. ومن عاد لقتله بعد تحريم اللّه إياه عليه، عالماً
بتحريمه ذلك عليه ، عامداً لقتله ، ذاكراً لإحرامه ، فإن الله هو المنتقم منه ،
ولا كفارة لذنبه ذلك ، ولا جزاء يلزمه له فى الدنيا .
* ذكر من قال ذلك :
١٢٦٦٥ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
ابن زيد فى قوله: ((ومن عاد فينتقم الله منه))، قال: من عاد بعد نهى الله - بعد
أن يعرف أنه محرَّم، وأنه ذاكرٌ لِحُرْمه (٢) - لم ينبغ لأحد أن يحكم عليه،
ووكلوه إلى نقمة اللّه عز وجل . فأما الذى يتعمد قتل الصيد وهو ناس لحرمه ، أو
جاهل أنّ قتله محرَّم ، فهؤلاء الذين يحكم عليهم . فأما من قتله متعمداً بعد نهى
اللّه، وهو يعرف أنه محرَّم، وأنه حرام، (٣) فذلك يوكل إلى نقمة الله، فذلك
الذى جعل الله عليه النقمة .
وهذا شبيه بقول مجاهد الذى ذكرناه قبل . (٤)
(١) الأثر: ١٢٦٦٣ - ((كثير بن هشام الكلابى))، و((الفرات بن سلمان الجزرى))،
مضيا قريباً برقم: ١٢٦٤٨، وكان فى المطبوعة هنا أيضاً ((الفرات بن سليمان))، وهو خطأ،
صوابه ما فى المخطوطة .
(٢) ((الحرم)) (بضم الحاء وسكون الراء) : الإحرام ، وقد سلف شرحه.
(٣) ((حرام)»، أى : محرم.
(٤) يعنى ما سلف رقم : ١٢٦٦٢.

٠
٥٤
تفسير سورة المائدة : ٩٥
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : عُنىٍ بذلك شخصٌ بعينه .
• ذكر من قال ذلك :
١٢٦٦٦ -حدثنا عمرو بن علی قال ، حدثنا معتمر بن سلمان قال ، حدثنا
زيد أبو المعلى: أن رجلاً أصاب صيدًا وهو محرم، فتجُوَّز له عنة . ثم عاد،فأرسل
الله عليه ناراً فأحرقته، فذلك قوله: ((ومن عاد فينتقم الله منه))، قال: فى الإسلام. (١)
...
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب عندنا ، قولُ من قال :
معناه: (( ومن عاد فى الإسلام لقتله بعد نهى الله تعالى ذكره عنه ، فينتقم الله منه،
وعليه مع ذلك الكفارة ))، لأن الله عز وجل إذْ أخبر أنه ينتقم منه ، لم يخبرنا =
وقد أوجب عليه فى قتله الصيد عمداً ما أوجب من الجزاء أو الكفارة بقوله: ((ومن
قتله منكم متعمداً فجزاء مثلُ ما قتل من النعم )) = أنه قد أزال عنه الكفارة فى المرة
الثانية والثالثة ، بل أعلم عبادَه ما أوجبَ من الحكم على قاتل الصيد من المحرمين
عمداً، ثم أخبر أنه منتقم ممن عاد، ولم يقل: ((ولا كفارة عليه فى الدنيا)).
٠٠٠
فإن ظن ظانّ أن الكفارة مزيلةٌ العقابَ، (٢) ولو كانت الكفارةُ لازمةً له
٤١/٧ فى الدنيا، لبطلَ العقاب فى الآخرة، فقد ظنّ خطأ. وذلك أن الله عز وجل"
أن يخالف بين عقوبات معاصيه بما شاء وأحب ، فيزيد فى عقوبته على بعض
معاصيه مما ينقصُ من بعض ، وينقص من بعض مما يزيد فى بعض ، كالذى
فعل من ذلك فى مخالفته بين عقوبته الزانى البكر والزانىَ الثيِّبَ المحصن ، وبين سارق
(١) الأثر: ١٢٦٦٦ - ((زيد)) ((أبو المعلى))، مترجم فى ((زيد بن مرة))، و«زيد بن
أبى ليلى))، ((أبو المعلى))، مولى بنى العدوية. قال أبو حاتم: ((صالح الحديث))، وقال أبو داود
الطيالسى: ((وكان ثقة)). مترجم فى لسان الميزان ٢: ٥١١، والكبير البخارى ٣٧٠/١/٢،
وعلق عليه ناشر التاريخ. تعليقاً وافياً، وابن أبى حاتم ٥٧٣/٢/١.
(٢) فى المطبوعة: ((مزيلة للعقاب)) بزيادة اللام، وهو تغيير لعبارة أبى جعفر فى المخطوطة.
وقوله: ((العقاب)) منصوب مفعول به لقوله: ((مزيلة)).

٥٥.
. تفسير سورة المائدة : ٩٥
ئے
ربع دينار وبين سارق أقلّ من ذلك . فكذلك خالف بين عقوبته قاتلَ الصيد
من المحرمين عمدًا ابتداءً، وبين عقوبته عَوْداً بعد بدء. فأوجب على البادئ المثل
من النعم ، أو الكفارة بالإطعام أو العدل من الصيام ، وجعل ذلك عقوبة جُرْمه
بقوله: ((ليذوق وبال أمره))، وجعل على العائد بعد البدء ، وزاده من عقوبته
ما أخبر عبادَه أنه فاعل به من الانتقام، تغليظاً منه عز وجل للعود بعد البدء. ولو
كانت عقوباته على الأشياء متفقة ، لوجب أن لا يكون حدّ فى شىء ، مخالفاً
حداً فى غيره ، ولا عقابٌ فى الآخرة، أغلظ من عقابٍ . وذلك خلاف ما جاء به
محكم الفرقان .
٠ ٥
وقد زعم بعض الزاعمين أن معنى ذلك : وون عاد فى الإسلام بعد نهى اللّه
عن قتله = لقتله بالمعنى الذى كان القوم يقتلونه فى جاهليتهم ، فعفا لهم عنه عند
تحريم قتله عليهم، وذلك قتله على استحلال قتله. قال : فأما إذا قتله على غير
ذلك الوجه = وذلك أن يقتله على وجه الفسوق لا على وجه الاستحلال = فعليه
الجزاء والكفارة كلَّما عاد .
وهذا قول لانعلم قائلاً قاله من أهل التأويل . و کفی خطأ بقوله ، خروجه عن
أقوال أهل العلم ، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه ، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ
عن فساده؟ وذلك أن الله عز وجل عمّ بقوله: (( ومن عاد فينتقم الله منه ))، كلّ
عائد لقتل الصيد بالمعنى الذى تقدم النهى منه به فى أوّل الآية ، ولم يخصّ به عائداً
منهم دون عائد . فمن ادَّعى فى التنزيل ما ليس فى ظاهره ، كُلِّف البرهانَ على
دعواه من الوجه الذى يجب التسليمُ له .
وأما من زعم أن معنى ذلك : ومن عاد فى قتله متعمداً بعد بدء لقتل تقدم
منه فى حال إحرامه، فينتقم الله منه، كان معنى قوله(١): ((عفا الله عما سلف))،
(١) فى المطبوعة: (فإن معنى قوله))، وهو خطأ فى قراءة المخطوطة، وإفساد السياق والمعنى جميعاً.

٠٦
تفسير سورة المائدة : ٩٠
إنما هو: عفا الله عما سلف من ذنبه بقتله الصيد بدءاً =(١) فإن" فى قول الله تعالى
ذكره : (( لیذوق وبال أمره ))، دليلاً واضحاً علی أن القول فىذلك غیر ما قال،
لأن العفوعن الجرم : تركُ المؤاخذة به. ومن أذيق وبال جرمه ، فقد عوقب به.
وغير جائز أن يقال لمن عوقب : « قد عنی عنه )) . وخبر الله عز وجل أُصدق من
أن يقع فيه تناقض .
...
فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون قاتل الصيد من المحرمين فى أوّل مرّة ،
قد أذيق وبال أمره بما ألزم من الجزاء والكفارة ، وعفى له من العقوبة بأكثر من
ذلك مما كان لله عز وجل أن يعاقبه به ؟
قيل له : فإن كان ذلك جائزاً أن يكون تأويلَ الآية عندك = وإن كان مخالفاً
لقول أهل التأويل = فما تُنكر أن يكون الانتقام الذى أوعده الله تعالى ذكره على
العود بعد البدء هو تلك الزيادة التىّ خفاها عنه فى أول مرة ، (٢) مما كان له فعله
به مع الذى أذاقه من وبال أمره، فيذيقه فى عوده بعد البدء وبالَ أمره الذي أذاقه
المرة الأولى = ويترك عفوه عما عفا عنه فى البدء ، فيؤاخذه به ؟ فلن يقول فى ذلك
شيئاً إلا ألزم فى الآخر مثله . (٣)
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو أنتِقِاَمِ﴾
٩٥
قال أبو جعفر : يقول عز وجل: والله منيعٌ فى سلطانه، لا يقهره قاهرٌ ،
ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه ، ولا من عقوبة من أراد عقوبته ، مانع . لأن
(١) قوله: ((فإن قول الله ... ))، جواب قوله: ((فأما من زم ... )).
(٢) يقال: ((عفا له ذنبه))، متعدياً، و((عفا له عن ذنيه)) لازماً.
(٣) فى المطبوعة: ((فلم يقل فى ذلك شيئاً))، وفى المخطوطة: ((فلم يقول ... ))، وصواب
قرامتها ما أثبت .

٥٧
تفسير سورة المائدة : ٩٥ ، ٩٦
الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة المَنّعة. (١)
وأما قوله: ((ذو انتقام))، فإنه يعنى به معاقبته لمن عصاه على معصيته إياه .
٠
٠
القول فى تأويل قوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَمُهٍ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((أحل لكم))، أيها المؤمنون، (( صيد
البحر »= وهو ما صید طریًّا ، كما : -
١٢٦٦٧ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عمر بن أبى
سلمة ، عن أبيه ، عن أبى هريرة قال: قال عمر بن الخطاب فى قوله: ((أحل
لكم صيد البحر))، قال: صيده، ما صيد منه. (٢)
١٢٦٦٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن سماك
قال، حُدّثت عن ابن عباس قال: خطب أبو بكر الناس فقال: ((أحل لكم
صيد البحر))، قال: فصيده ما أخذ . (٣)
١٢٦٦٩ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا مشيم قال ، أخبرنا حصين ، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس فى قوله: ((أحل لكم صيد البحر))، قال: ٤٢/٧
صيده ، ما صيد منه . (٤)
١٢٦٧٠ - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقىّ قال، حدثنا محمد بن سلمة
(١) انظر تفسير ((عزيز)) فيما سلف ١٠: ٢٨٩، تعليق ١، والمراجع هناك.
(٢) الأثر: ١٢٦٦٧ - ((عمر بن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف))، مضى برقم:
٣٩١١، قال ابن سعد: ((كان كثير الحديث، وليس يحتج بحديثه)). وقال شعبة: ((أحاديثه
واهية)). وقد مضى الكلام فيه. وكان فى المخطوطة هنا ((عمرو بن أبى سلمة))، وهو خطأ، سيأتى
على الصواب فى رقم : ١٢٦٨٧، فى المخطوطة .
وأبوه: ((أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف))، مضى برقم : ٨، ٦٧، ٣٠١٥،
٨٣٩٤، ثقة. وهذا الخبر، مختصر الخبر الآتى رقم : ١٢٦٨٧، وسيأتى تخريجه هناك .
(٣) الأثر: ١٢٦٦٨ - سيأتى هذا الخبر بنفس هذا الإسناد، بغير هذا اللفظ، برقم ١٢٦٨٦.
(٤) الأثر: ١٢٦٦٩ - رواه البيبى فى السنن ٩: ٢٥٥، من طريق خلف بن خليفة،
عن حصين ، مطولا بنحوه .

٧٥
تفسير سورة المائدة : ٩٦
الجرّانى، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس فى قوله، ((أحل لكم
صيد البحر))، قال: صيده ، الطرىّ .(١)
١٢٦٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا
الهذیل بن بلال قال ، حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس فى قوله :
((أحل لكم صيد البحر))، قال: صيدهُ، ما صيد .(٢)
١٢٦٧٢ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((أحل لكم صيد البحر))، قال: الطرىّ.
١٢٦٧٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا الحسن بن على الحنفيّ = أو:
الحسين، شك أبو جعفر = عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، قال : كان ابن
عباس يقول: صيد البحر ، ما اصطاده . (٣)
(١) الأثر: ١٢٦٧٠ - ((سليمان بن عمر بن خالد الرقى القرشى))، الأقطع. مضى
برقم : ٦٢٥٤ .
وكان فى المطبوعة: ((البرق))، وهو خطأ محض.
و ((محمد بن سلمة الحرانى الباهلى))، ثقة، مضى برقم : ١٧٥.
(٢) الأثر: ١٢٦٧١ - ((هذيل بن بلال الفزارى المدائنى))، ((أبو البهلول)). ضعيف،
قال ابن معين (ليس بشىء)). وقال أبو زرعة: ((هو لين، ليس بالقوى)). وقال ابن حيان:
((يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، فصار متروكاً)). وقال ابن سعد: ((كان ضعيفاً)). ولكن
قال أبو حاتم: ((محله الصدق، يكتب حديثه)). وضعفه النسائى والدارقطنى. مترجم فى الكبير
٢٤٥/٢/٤، ولم يذكر فيه جرحاً، وابن أبى حاتم ٤ /١١٣/٢، وفى تعجيل المنفعة : ٤٣٠،
ولسان الميزان ٦ : ١٩٢، وميزان الاعتدال ٣: ٢٥١. وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((هذيل
ابن هلال)) بالهاء، وهو خطأ محض. وسيأتى على الصواب فى المخطوطة: ((بلال)) فى رقم : ١٢٦٩٣،
ولكن الناشر سيغيره هناك إلى ((هلال)) خطأ أيضاً.
و((عبد الله بن عبيد بن عمير بن قتادة الليثى الجندعى))، روى عن أبيه، وقيل لم يسمع منه.
وروى عن عائشة، وابن عباس، وابن عمر. روى عنه ((هذيل بن بلال))، وجرير بن حازم ،
وابن جريج، والأوزاعى ، وعكرمة بن عمار ، وغيرهم. ثقة . وكان مستجاب الدعوة . مترجم
فى التهذيب .
(٣) الأثر: ١٢٦٧٣ - ((الحسن بن على الحنفى))، أو ((الحسين بن على الحنفى))، لم أجد
لأحدهما ترجمة فى المراجع التى بين يدى. وكان فى المطبوعة: ((الجعنى))، وهو تغيير بلا هدى.
فإن ((الجنى))، هو ((الحسين بن على الجعنفى))، مضى مراراً كثيرة، وهو أجل من أن يشك فى
اسمه أبو جعفر أو سفيان بن وكيع. ثم انظر الأثر التالى رقم : ١٢٦٩٢ .

٠٩
تفسير سورة المائدة : ٩٦
١٢٦٧٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن
أبى حصين، عن سعيد بن جبير: ((أحل لكم صيد البحر))، قال: الطرىّ ...
١٢٦٧٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن الحجاج،
عن العلاء بن بدر، عن أبى سلمة قال: ((صيد البحر))، ما صيد.(١)
١٢٦٧٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن أبى
حصين، عن سعيد بن جبير: ((أحل لكم صيد البحر))، قال : الطرىّ .
١٢٦٧٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن
سفیان ، عن أبى حصین ، عن سعيد بن جبير ، مثله .
١٢٦٧٨ -حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدی قال، حدثنا
سفيان، عن أبى حصين ، عن سعيد بن جبير: (( أحل لكم صيد البحر)) ،
قال : السمك الطرىّ .
١٢٦٧٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدی: (( أحل لكم صيد البحر))، أما « صيد البحر))، فهو
السمك الطرىّ ، هى الحيتان .
١٢٦٨٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ،
عن معمر، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب قال : صيده ، ما اصطدته طريًا -
قال معمر ، وقال قتادة : صيده ، ما اصطدته . (٢)
١٢٦٨١ -حدثی مُحمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: ((أحل لكم
صيد البحر)) ، قال : حيتانه .
(١) الأثر: ١٢٦٧٥ - ((العلاء بن بدر))، نسب إلى جده، وهو: ((العلاء بن عبد الله
ابن بدر الغنوى » ، مضى برقم : ٧٩٣٩ .
(٢) الأثر: ١٢٦٨٠ - ((أبو سفيان))، هو ((أبو سفيان المعمرى))، ((محمد بن حميد
اليشكرى)» . مضى برقم : ١٧٨٧، ٨٨٢٩ .

تفسير سورة المائدة : ٩٦
١٢٦٨٢ - حدثنا ابن البرقى قال، حدثنا عمرو بن أبى سلمة قال : سئل
سعيد عن صيد البحر فقال ، قال مكحول ، قال زيد بن ثابت : صيده ، ما
اصطدت . (١)
١٢٦٨٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد
فى قوله: ((أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم والسيارة))، قال : يصطاد
المحرِمِ والمحلُّ من البحر ، ويأكلُ من صيده.
١٢٦٨٤ - حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو ،
عن عكرمة قال: قال أبو بكر: طعام البحر كلُّ ما فيه = وقال جابر بن عبد الله:
ما حَسر عنه فكُلْ". وقال : كلّ ما فيه = يعنى جميع ما صيدَ .
١٢٦٨٥ - حدثنا سعيد بن الربيع قال، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، سمع
عكرمة يقول: قال أبو بكر: ((وطعامه متاعاً لكم وللسيارة ))، قال : هو كل
ما فيه .
وغنى! (( البحر))، فى هذا الموضع، الأنهار كلها . والعرب تسمى الأنهار
((بحاراً))، كما قال تعالى ذكره: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. (٣)
(١) الأثر: ١٢٦٨٢ - ((عمرو بن أبى سلمة التنيسى))، مضى برقم: ٣٩٩٧،
٥٢٣٠، ٥٤٤٤، ٦٦٢٨، وكان فى المطبوعة هنا ((عمر بن أبى سلمة))، وهو خطأ، ذاك
أقدم من هذا ( انظر ما مضى رقم : ١٢٦٦٧) . والصواب من المخطوطة .
و ((سعيد)) هذا، هو ((سعيد بن عبد العزيز بن أبى يحيى التنوخى))، مضى رقم : ٦٥٢٩،
٨٩٦٦، ٩٠٧١ . ومضى أيضاً فى الأثر : ٣٩٧٧، غير مترجم، فى مثل هذا الإسناد.
وهذا الخبر أخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٣٢، ولم ينسبه لغير الطبرى . .
(٢) الأثر: ١٢٦٨٤ - خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٣٢، ولم ينسبه لغير
الطبرى .. .
(٣) مضى ذكر ((البحر)) فى سورة البقرة: ٥٠ (٢: ٥٠)، ولم يشرح هذا الحرف
هناك. وهذا من وجوه اختصار تفسيره. ولكن جاء تفسير ((البحر)) فى الأثر السالف رقم :
٣٩٨٥، بغير هذا المعنى ، فانظره .