النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
تفسير سورة المائدة : ٧٢ ، ٧٣
ويقرّ لهم بأنى ربه وربهم، وينهاهم عن أن يشركوا بى شيئاً: ((هو إلههم))، جهلاً
منهم باللّه وكفراً به ، ولا ينبغى لله أن يكون والداً ولا مولوداً.
ويعنى بقوله: (( وقال المسيح يا بنى إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم))، يقول:
اجعلوا العبادة والتذلل للذى له بذل كل شىء، وله يخضع كل موجود(١) =( ربى
وربكم ))،يقول: مالكى ومالككم، وسيدى وسيد كم، الذى خلقتنى وإياكم (٢) =
((إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة))، أن يسكنها فى الآخرة = ((ومأواه
النار)) ، يقول : ومرجعه ومکانه ــ الذی یأوى إليه ویصیر فی معاده، من جعل لله
شريكاً فى عبادته - نارُ جهنم (٣) = ((وما للظالمين))، يقول : وليس لمن فعل غير
ما أباح اللّه له، وعبد غير الذى له عبادة الخلق (٤) = (( من أنصار))، ينصرونه
يوم القيامة من الله ، فينقذونه منه إذا أورده جهنم . (٥)
القول فى تأويل قوله ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ اُلَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّ اللهَ ثَالثُ
ثَلْئَةٍ وَمَا مِنْ إلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَتَهُواْ مَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ
الْذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمْ ) )
قال أبو جعفر : وهذا أيضاً خبر من اللّه تعالى ذكره عن فريق آخر من
الإسرائيليين الذين وصف صفتهم فى الآيات قبل : أنه لما ابتلاهم بعد حِسْبَانهم
أنهم لا يُبتلون ولا يفتنون، قالوا كفراً بربهم وشركاً: ((الله ثالث ثلاثة)).
٥ ٥
(١) انظر تفسير ((العبادة)) فيما سلف من فهارس اللغة (عبد).
(٢) انظر تفسير ((الرب)) فيما سلف ١ : ١٤٢، ثم فهارس اللغة فيما سلف.
(٣) انظر تفسير ((المأوى)) فيما سلف ٩: ٢٢٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٥) انظر تفسير ((الأنصار)) فيما سلف ٩ : ٣٣٩، تعليق ٣، والمراجع هناك.
ج.١ (٣١)

٤٨٢
تفسير سورة المائدة : ٧٣
وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية
والنَّسطورية. (١) كانوا فيما بلغنا يقولون: ((الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة
أقانيم : أباً والداً غير مولود ، وابناً مولوداً غير والد، وزوجاً متتبَّعة بينهما)).
يقول الله تعالى ذكره، مكذّباً لهم فيما قالوا من ذلك: ((وما من إله إلاّ إله
واحد )) ، يقول : ما لكم معبود ، أيها الناس ، إلا معبود واحد ، وهو الذی لیس
بوالد لشىء ولا مولود، بل هو خالق كل والد ومولود = ((وإن لم ينتهوا عما يقولون))،
يقول: إن لم ينتهوا قائلو هذه المقالة عما يقولون من قولهم: ((الله ثالث ثلاثة)) (٢) =
(( ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم))، يقول: لمسن الذين يقولون هذه المقالة، والذين
يقولون المقالة الأخرى: ((هو المسيح بن مريم))، لأن الفريقين كلاهما كفرة
مشركون ، فلذلك رجع فى الوعيد بالعذاب إلى العموم ، (٣) ولم يقل: ((يمسنّهم
عذابٌ أليم))، لأن ذلك لو قيل كذلك ، صار الوعيد من الله تعالى ذكره خاصًّا
لقائل القول الثانى، وهم القائلون: ((الله ثالث ثلاثة))، ولم يدخل فيهم القائلون:
((المسيح هو الله )). فعم بالوعید تعالی ذ کره کل کافر ، ليعلم المخاطبون بهذه الآيات
أنّ وعيد اللّه قد شمل كلا الفريقين من بنى إسرائيل ، ومن كان من الكفار
على مثل الذى هم عليه .
#
#
فإن قال قائل: وإن كان الأمر على ما وصفت، فعلى مَنْ عادت ((الهاء
والميم)) اللتان فى قوله: ((منهم))؟
قیل : علی بنی إسرائيل .
٥
(١) فى المطبوعة: ((والملكانية))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((انتهى)) فيما سلف ٣: ٦/٥٦٩: ١٤.
.(٣) انظر تفسير ((مس)) فيما سلف ٧: ٤١٤، تعليق: ٥، والمراجع هناك.

٤٨٣
تفسير سورة المائدة : ٧٤،٧٣
فتأويل الكلام ، إذْ كان الأمر على ما وصفنا : وإن لم ينته هؤلاء الإسرائيليون
عما يقولون فى اللّه من عظيم القول، ليمسنَّ الذين يقولون منهم: ((إن المسيح هو
الله))، والذين يقولون: ((إن الله ثالث ثلاثة))، وكل كافرسلك سبيلهم = عذابٌ
أليم، بكفرهم بالله .(١)
٠
وقد قال جماعة من أهل التأويل بنحو قولنا، فى أنه عنى بهذه الآيات النصارى.
ذكر من قال ذلك :
#
١٢٢٩٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((لقد كفر الذين قالوا: إنّ اللّه ثالث ثلاثة))).
قال: قالت النصارى: ((هو والمسيح وأمه))، فذلك قول الله تعالى ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ
لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونَ الله﴾، [ سورة المائده: ١١٦].
٢٠٣/٦
١٢٢٩٥ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال مجاهد: ((لقد كفر الذين قالوا إن اللّه ثالث ثلاثة))، نحوه.
*
#
القول فى تأويل قوله ﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ.
وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (4)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أفلا يرجع هذان الفريقان الكافران (٢)
= القائل أحدهما: ((إن الله هو المسيح بن مريم))، والآخر القائل: ((إن الله ثالث
ثلاثة )) = عما قالا من ذلك، ويتوبان مما قالا ونطقا به من كفرهما ، (٣) ويسألان
(١) انظر تفسير ((عذاب أليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).
(٢) انظر تفسير ((التوبة)) فيما سلف من فهارس اللغة (توب).
(٣) فى المطبوعة: ((وقطعا به من كفرهما))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب.

٠٧٠١٧ : خلالها في جمة
تفسير سورة المائدة : ٧٤ ، ٧٥
ربهما المغفرة مما قالا = ((والله غفور))، لذنوب التائبين من خلقه، المنيبين إلى طاعته
بعد معصيتهم = ((رحم ) بهم، فى قبوله قويتهم ومراجعتهم إلى ما يحبّ مما يكره،
فيصفح بذلك من فعلهم عما سلف من أجرامهم قبل ذلك. ( !! ).
رج الحالات ١ ملورية جه ينة جانالا راء ان فصالته دالة منقع
: داثة .. القول فى تأويل قوله ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّ رَسُولٌ قَدْ
خَلَبُ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِيقَةٌ كَانَ يَأْكُلاَنِ الطََّمَ﴾ .. أ ◌َنْهِ.
حسا بنااروسمار تاله : مالا
قال أبو جعفر: وهذا [خَبَرٌ] من اللّه تعالى ذكره، (٢) احتجاجاً لنبيّه
مع
محمد صلى اللّه عليه وسلم على فرق النصارى فى قولهم فى المسيح.
يقول = مكذّباً لليعقوبية فى قيلهم: ((هو الله)) والآخرين فى قيلهم: ((هو
٠
ابن الله)) = : ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة فى المسيح، ولكنه ابن مريم ولدته
ولادةَ الأمهات أبناء هن ، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر، وإنما
هو: لله رسولٌ ، كسائه أربياء الذين كانوا قياته،فضوا وحكوم، أخري على يده ما شاء
أن يجريه عليها من الآيات والعبر، حجةً له على صدقه، وعلى أنه للّه رسول إلى
من أرسله إليه من خلقه ، كما أجرى على أيدى من قبله من الرسل من الآيات
جمام
يقول تعالى ذكره وام المشبع، ضداجَعَةً بَا صيلا همهاته))): لعمل الغذا ==
(١) انظر تفسير ، اشتتفر بجودة((غفور)-فيل) خلف من مهارات اللغة (غفر}) بـ: وقفسير
((رحم)) فيما سلف من فها هو اللغة (ريجضة_ن" سط أياً)» فيمنالجنة )خا (٢)
(٢) الزيادةُ بَيْرُ القوّين الأبد منها حتى يستقيم الكلام ي العلق: فيمباعطارة (٦)
(٣) انظر تفسير ((المسيح)) فيما سلف ص: ٤٨٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٤٨٥
تفسير سورة المائدة : ٧٥
و(الصدّيقة)) ((الفِعِيلة))، من ((الصدق))، وكذلك قولهم: ((فلان
صِدِّيق))، ((فِعُيل) من (الصدق))، ومنه قوله تعالى ذكره: ﴿ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشَّهَدَاءِ﴾.
[ سورة النساء: ٧٠ ].(١)
وقد قيل إن ((أبا بكر الصدّيق)) رضى الله عنه إنما قيل له: ((الصّدّيق)) لصدقه.
وقد قيل: إنما سمى ((صديقاً))، لتصديقه النبى صلى الله عليه وسلم فى مسيره
فى ليلة واحدة إلى بيت المقدس من مكة ، وعوده إليها .
٠
وقوله: ((كانا يأكلان الطعام))، خبرٌ من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمّه:
أنهما كانا أهل حاجةٍ إلى ما يَغْذُ وهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر
البشر من بنى آدم، فإنّ من كان كذلك ، فغيرُ كائنٍ إلهاً، لأن المحتاج
إلى الغذاء قِوَامه بغيره . وفى قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه ، دليلٌ واضحٌ على
عجزه . والعاجز لا يكون إلا مربوباً لا ربّاً .
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿أَنظُرْ كَيْفَ نُبَِّنُ لَهُمُ الْأَيْتِ ثُمَّ أَنْظُرْ
أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾
٧٥
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : انظر ،
يا محمد، كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى= ((الآيات)»، وهى الأدلَّةُ،
والأعلام والحُجج على بُطُول ما يقولون فى أنبياء الله، (٢) وفى فريتهم على اللّه ،
وادُّعائهم له ولداً ، وشهادتهم لبعض خلقه بأنه لهم ربّ وإله ، ثم لا يرتدعون عن
كذبهم وباطل قِيلهم، ولا ينزجرون عن فريتهم على ربّهم وعظيم جهلهم ، مع
ورود الحجج القاطعة عذرَهم عليهم. يقول تعالى ذكره لنبيَّه محمد صلى الله عليه
(١) انظر تفسير ((الصديق)) فيما سلف ٨: ٥٣٠ - ٥٣٢.
(٢) انظر تفسير ((الآيات)) فيما سلف (أبى).

٤٨٦
تفسير سورة المائدة : ٧٥ ، ٧٦
وسلم: ((ثم انظر))، يا محمد = ((أنَّى يؤفكون))، يقول: ثم انظر، مع تبييننا لهم
آياتنا على بُطول قولهم، أىَّ وجه يُصرفون عن بياننا الذى نبيِّنْه لهم؟(١) وكيف عن
الهدى الذى نهديهم إليه من الحق يضلُّون ؟
٠ ٠
#
والعرب تقول لكل مصروف عن شىء: ((هومأ فوك عنه)). يقال: ((قد أفكت
فلاناً عن كذا))، أى: صرفته عنه، ((فأنا آفكه أفْكًا، وهو مأفوك)). و(( قد
أُفكت الأرض))، إذا صرف عنها المطر . (٢)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَالَاَ يْلِكُ
لَكُمْ ضَرَّا وَلَاَ نْهَوَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) )
قال أبو جعفر : وهذا أيضاً احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه
وسلم على النصارى القائلين فى المسيح ما وصف من قِيلهم فيه قبلُ .
يقول تعالى ذكره لمحمد صلى اللّه عليه وسلم: ((قل))، يا محمد ، لهؤلاء الكفرة
من النصارى ، الزاعمين أن المسيح ربهم ، والقائلين إن الله ثالث ثلاثة = أتعبدون
٢٠٤/٦ سوى الله الذى يملك ضركم ونفعكم، وهو الذى خلقكم ورزقكم ، وهو يحييكم
ويميتكم = شيئاً لا يملك لكم ضرًّاً ولا نفعاً ؟ يخبرهم تعالى ذكره أن المسيح الذى
زعم من زعم من النصارى أنه إله ، والذى زعم من زعم منهم أنه للّه ابنٌ، لا يملك
لهم ضرّاً يدفعه عنهم إن أحلَّه الله بهم، ولا نفعاً يجلبه إليهم إن لم يقضه الله لهم ..
يقول تعالى ذكره : فكيف يكون ربًّا وإلهاً من كانت هذه صفته ؟ بل الربّ
(١) المطبوعة: ((بينته لهم))، والصواب من المخطوطة، وهى غير منقوطة.
(٢) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ١٧٤، ١٧٥.

٤٨٧
تفسير سورة المائدة : ٧٦ ، ٧٧
المعبودُ: الذى بيده كل شىء، والقادر على كل شىء . فإياه فاعبدوا وأخلصوا له
العبادة ، دون غيره من العجزة الذين لا ينفعونكم ولا يضرون .
٠ ٥
وأما قوله: ((والله هو السميع العليم))، فإنه يعنى تعالى ذكره بذلك: ((والله
هو السميع))، لاستغفارهم لو استغفروه من قِيلهم ما أخبر عنهم أنهم يقولونه فى
المسيح ، ولغير ذلك من منطقهم ومنطق خلقه = ((العليم))، بتوبتهم لو تابوا منه ،
وبغير ذلك من أمورهم. (١)
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿ قُلْ يَنَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِى
دِينِكُمْ غَيْرَ الْحِقِّ وَلَا تَتَبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ خَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ
كَثِيرًا وَضَلُواْ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾
VV
قال أبو جعفر : وهذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه
وسلم. يقول تعالى ذكره: ((قل))،يا محمد، لهؤلاء الغالية من النصارى فى المسيح =
((يا أهل الكتاب))، يعنى : ((الكتاب))، الإنجيل = ((لا تغلوا فى دينكم))، يقول: لا تفر طوا
فى القول فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحقَّ إلى الباطل، (٢) فتقولوا
فيه: ((هو اللّه))، أو: ((هو ابنه))، ولكن قولوا: ((هو عبد الله وكلمته ألقاها
إلى مريم وروح منه)) = ((ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً))،
يقول : ولا تتبعوا أيضاً فى المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى
فى القول فيه، فتقولون فيه كما قالوا: ((هو لغير رَشْدة))، وتبهتوا أمَّه كما بَهَتُوها
(١) انظر تفسير ((سميع)) و((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٢) انظر تفسير ((غلا» فيما سلف ٩ : ٤١٥ - ٤١٧.

٤٨٨
تفسير سورة المائدة : ٧٧
بالفرية وهى صدِّيقة =(١) (( وأضلوا كثيراً)) ، يقول تعالى ذكره: وأضل هؤلاء
اليهود كثيراً من الناس ، فحادوا بهم عن طريق الحق ، وحملوهم على الكفر بالله
والتكذيب بالمسيح= (( وضلوا عن سواء السبيل )) ، يقول: وضلَّ هؤلاء اليهود عن
قصد الطريق ، وركبوا غير محجَّة الحق . (٢)
وإنما يعنى تعالى ذكره بذلك، كفرهم باللّه، وتكذيبَهم رسله: عيسى ومحمداً
صلى الله عليه وسلم، وذهابَهم عن الإيمان وبعدَهم منه . وذلك كان ضلالهم الذى
وصفهم الله به .
٠ ٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٢٢٩٦ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: ((وضلوا عن سواء السبيل))،
قال : يهود .
١٢٢٩٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا
كثيراً ))، فهم أولئك الذين ضلُّوا وأضلوا أتباعهم = ((وضلوا عن سواء السبيل))،
عن عَدْل السبيل .
(١) المطبوعة: ((كما يبهتونها))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة.
= وتفسير ((سواء السبيل)) فيما سلف ص: ٤٤٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٤٨٩
تفسير سورة المائدة : ٧٨
القول فى تأويل قوله (لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بِىّ إِسْرَ آءِيلَ
عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَ عِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَ عَصَواْ وَكَانُواْ يْتَدُونَ) (٨)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، قل لهؤلاء
النصارى الذين وصفَ تعالى ذكره صفتهم : لا تغلوا فتقولوا فى المسيح غير الحق ،
ولا تقولوا فيه ما قالت اليهود الذين قد لعنهم الله على لسان أنبيائه ورسله ، داود
وعيسى بن مريم. (١)
وكان لعن الله إياهم على ألسنتهم ، كالذى : -
١٢٢٩٨ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((لعن الذين كفروا من
بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم))، قال: لعنوا بكل لسان: لعنوا
على عهد موسى فى التوراة ، ولعنوا على عهد داود فى الزبور ، ولعنوا على عهد
عيسى فى الإنجيل ، ولعنوا على عهد محمد صلى الله عليه وسلم فى القرآن .
١٢٢٩٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((لعن الذين
كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم))، يقول : لعنوا فى
الإنجيل على لسان عيسى بن مريم ، ولعنوا فى الزبور على لسان داود .
١٢٣٠٠ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن فضيل،، عن أبيه ، عن
خصيف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: ((لعن الذين كفروا من بنى
إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم))، قال: خالطوهم بعد النهى فى تجاراتهم، ٢٠٥/٦
(١) انظر تفسير ((اللعنة)))) فيما سلف ص: ٤٥٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الاعتداء)) فيما سلف ص: ٤٤٧، تعليق:٠ ٢، والمراجع هناك.

٤٩٠
تفسير سورة المائدة : ٧٨
فضرب اللّه قلوبَ بعضهم ببعض ، فهم ملعونون على لسان داود وعيسى بن مريم .
١٢٣٠١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن حصين ، عن مجاهد:
((لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم))، قال :
لعنوا على لسان داود فصاروا قردة ، ولُعنوا على لسان عيسى فصاروا خنازير .
١٢٣٠٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جریج قال ، قال ابن عباس ، قوله : «لعن الذین کفروا من بنی إسرائیل » ،
بكل لسان لُعِنوا: على عهد موسى فى التوراة ، وعلى عهد داود فى الزبور ، وعلى
عهد عيسى فى الإنجيل ، ولعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فى القرآن =
قال ابن جريج: وقال آخرون: (( لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان
داود))، على عهده، فلعنوا بدعوته . قال: مرَّ داود على نفر منهم وهم فى بيت
فقال: من فى البيت؟ قالوا: خنازير. قال: ((اللهم اجعلهم خنازير !))، فكانوا
خنازير . قال: ثم أصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى فقال: ((اللهم العن من
افترى علىّ وعلى أمى ، واجعلهم قردة خاسئين) !
١٢٣٠٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((لعن الذين كفروامن بنى إسرائيل)) الآية، لعنهم الله على لسان داود
فى زمانه ، فجعلهم قردة خاسئين = وفى الإنجيل على لسان عيسى، فجعلهم خنازير.
١٢٣٠٤ - حدثنى محمد بن عبد الله بن بزیع قال، حدثنا أبو محصن حصين
ابن نمير، عن حصين = يعنى: ابن عبد الرحمن =، عن أبى مالك قال: ((لعن
الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود)) ، قال: مسخوا على لسان داود قردة،
وعلی لسان عیسی خنازير. (١)
(١) الأثر: ١٢٣٠٤ - ((أبو محصن الضرير)): ((حصين بن نمير الواسطى))، ثقة،
ولكن كان يحمل على على رضى الله عنه، فقال الحاكم: ((ليس بالقوى عندهم)). مترجم فى التهذيب.

٤٩١
تفسير سورة المائدة : ٧٨
١٢٣٠٥ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشم قال ، أخبرنا حصين ، عن
أبى مالك ، مثله .
١٢٣٠٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربی،
عن العلاء بن المسيب ، عن عبد الله بن عمرو بن مرة ، عن سالم الأفطس ،
عن أبى عبيدة ، عن ابن مسعود قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن
الرجل من بنى إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيراً ، (١) فإذا
كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشَرِيبَه. (٢) فلما رأى
ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى
ابن مريم = ((ذلك بماعصوا وكانوا يعتدون))، قال: والذي نفسي بيده، لتأمُرُنَّ
بالمعروف، ولتْهَوُنَّ عن المنكر، ولتأخُذُنَّ على يدى المسىء، ولتُؤَطْرُنَّه على الحقّ
أُطْرًا، (٣) أو ليضربنَّ اللّه قلوب بعضكم على بعض، وليلعنَّنكم كما لعنهم. (٤)
(١) فى المطبوعة: ((تعزيراً))، وهو خطأ محض، صوابه من المخطوطة، وتفسير ابن كثير.
و ((التعذير)): أن يفعل الشىء غير مبالغ فى فعله. وتعذير بنى إسرائيل: أنهم لم يبالغوا فى نهيهم
عن المعاصى ، وداهنوا العصاة ، ولم ينكروا أعمالهم بالمعاصى حق الإنكار ، فنهوهم نهياً قصروا فيه
ولم يبالغوا .
(٢) ((الأكيل)): الذى يصاحبك فى الأكل. و((الشريب)): الذى يصاحبك فى الشراب.
و ((الخليط)): الذى يخالطك. كل ذلك ((فعيل)) بمعنى ((مفاعل)).
(٣) فى المطبوعة: ((ولا تواطئونه على الخواطر))، وهو من عجيب الكلام، فضلا عن أنه
عبث وتحريف لما كان فى المخطوطة !! وكان فى المخطوطة: ((ولواطونه على الحواطرا))، غير منقوطة،
فلعب بها ناشر المطبوعة لعباً كما شاء . وصواب قراءة ما كان فى المخطوطة هو ما أثبت . وبمثل ذلك
سيأتى فى الأخبار التالية .
إلا أنى قرأت المخطوطة: ((ولتؤطرنه)) (بتشديد الطاء) من قولهم فى ماضيه: ((أطره)) (بتشديد
الطاء) أى: عطفه. ورواية الآثار الآتية، ثلاثية الفعل: ((حتى تأطروه)) من قولهم فى الثلاثى : .
((أطره يأطره أطراً)): وذلك إذا قبض على أحد طرفى العود مثلا ، فعطفه عطفاً.
(٤) الأثر: ١٢٣٠٦ - ((عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربى))، ثقة، مضى برقم:
٢٢١، ٨٧٥ .
و ((العلاء بن المسيب بن رافع الأسدى))، ثقة مأمون، مضى برقم : ٣٧٨٩.
و ((عبد الله بن عمرو بن مرة المرادى))، روى عنه أبيه، وعن محمد بن سوقة، وعاصم
ابن بهدلة .

٤٩٢٠
تفسير سورة المائدة : ٧٨
١٢٣٠٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان قال ،
حدثنا عمرو بن قيس الملائى ، عن على بن بذيمة ، عن أبى عبيدة ، عن عبد الله
قال : لما فشا المنكر فى بنى إسرائيل، جعل الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا،
اتق الله ! ثم لا يمنعه ذلك أن يؤاكله ويشاربه. فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب
بقلوب بعضهم على بعض، ثم أنزل فيهم كتاباً: ((لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل
على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون » كانوا لا يتناهَوْن
عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
مُنَّكئاً، فجلس وقال : كلاً، والذى نفسى بيده، حتى تأطِرُوا الظالم على الحق
أطْراً .(١)
و((سالم الأفطس))، هو: ((سالم بن عجلان الجزرى الحرانى)»، روى عنه عمرو بن مرة .
وهو من أقرانه. وذكر الحافظ فى التهذيب: ((ويقال: عبد الله بن عمرو بن مرة)).
ويمثل هذا الإسناد من رواية المحاربى = أى: ((عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس))،
رواه أبو داود فى سننه ٤: ١٧٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره، فيما نقله ابن كثير فى تفسيره ٣ :
٢٠٥، وعقب عليه بقوله: ((ورواه خالد الطحان = هو: خالد بن عبد اللّه الواسطى = عن العلاء،
عن عمرو بن مرة))، ورواه قبله برقم : ٤٣٣٧، من طريق خلف بن هشام ، عن أبى شهاب الحناط ،
عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس» . فالذى هنا هو رواية المحاربى ،
لاشك أنها: ((عبد الله بن عمرو بن مرة))، وكأنه خطأ من المحاربى، فسائر الرواة على أنه ((عن
عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس)).
و((عمرو بن مرة المرادى الجمل))،((أبو عبد الله الأعمى))، ثقة صدوق. وهو يروى عن
أبى عبيدة مباشرة، فرواه هنا عن أحد أقرانه ((سالم الأفطس))، عن أبى عبيدة))، ورواه خالد
الطحان، عن العلاء، عن عمرو بن مرة، عن أبى عبيدة مباشرة، دون واسطة ((سالم الأفطس)).
وهذا إسناد ضعيف على كل حال ، لانقطاعه .
(١) الأثر : ١٢٣٠٧ - خبر على بن بذيمة، عن أبى عبيدة، رواه أبو جعفر من خمس طرق.
سيأتى تخريجها مفصلا ، ثم انظر آخرها رقم : ١٢٣١١ .
((الحكم بن بشير بن سلمان النهدى))، ثقة مضى برقم: ١٤٩٧، ٢٨٧٢، ٣٠١٤،
٦١٧١، ٩٦٤٦. وكان فى المطبوعة هنا: ((ابن سليمان))، وهو خطأ مر مثله.
و((عمرو بن قيس الملائى))، مضى برقم: ٨٨٦، ١٤٩٧، ٣٩٥٦، ٦١٧١ ، ٩٦٤٦.
و(على بن بذيمة الجزرى))، ثقة، مضى برقم : ٦٢٩.
وهذا الخبر، لم أجده بهذا الإسناد إلى على بن بذيمة .

٤٩٣
تفسير سورة المائدة : ٧٨
١٢٣٠٨ - حدثنا على بن سهل الرملى قال، حدثنا المؤمل بن إسماعيل قال،
حدثنا سفيان قال ، حدثنا على بن بذيمة ، عن أبى عبيدة ، أظنه عن مسروق ،
عن عبد اللّه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بنى إسرائيل لما ظهر
منهم المنكر ، جعل الرجل يرى أخاه وجارَه وصاحبه على المنكر ، فينهاه ، ثم لا
يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وشريبه ونديمه، فضرب الله قلوب بعضهم على بعض،
ولعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم = ((ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون))، إلى
((فاسقون))، قال عبد الله: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً ، فاستوى
جالساً ، فغضب وقال : لا واللّه، حتى تأخذوا على يَدَى الظالم فتأطِرُوه على
الحق أطراً . (١).
١٢٣٠٩ -حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدی قال ، حدثنا سفيان،
عن على بن بذيمة ، عن أبى عبيدة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن بنى إسرائيل لما وقع فيهم النقصُ ، كان الرجل يرى أخاه على الرَّيْبِ فينهاه
عنه ، فإذا كان الغدُ، لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه ، فضرب
اللّه قلوبَ بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن فقال: (( لُعن الذين كفروا من بنى
إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم)) حتى بلغ ((ولكن كثيراً منهم فاسقون))،
٢٠٦/٦
(١) الأثر: ١٣٠٨ - ((مؤمل بن إسماعيل العدوى))، ثقة، مضى برقم: ٢٠٥٧،
٣٣٣٧، ٥٧٢٨، ٨٣٥٦، ٨٣٦٧ .
و ((سفيان)) هو الثورى .
وطريق سفيان، عن على بن بذيمة ، يأتى أيضاً برقم : ١٢٣٠٩، ١٢٣١١، مرسلا ،
((عن أبى عبيدة قال قال رسول الله))، ليس فيه ذكر ((عبد اللّه بن مسعود)). وهو المعروف من
رواية سفيان. روى الترمذى فى السنن ( فى كتاب التفسير): ((قال عبد الله بن عبد الرحمن، قال
يزيد بن هرون: وكان سفيان الثورى لا يقول فيه: ((عبد الله)) يعنى أنه مرسل من خبر أبى عبيدة .
فأفادنا الطبرى هنا أن سفيان الثورى، رواه مرة أخرى، ((عن أبى عبيدة ، أظنه عن مسروق ، عن
عبد الله))، فلم يذكر ((عبد الله)) فحسب، بل شك فى أن أبا عبيدة رواه عن مسروق عن عبد الله،
فإذا صح ظن سفيان هذا ، فإن حديث صحيح الإسناد ، غير منقطع ولا مرسل .
ولم أجد هذه الرواية بهذا الإسناد فى مكان آخر .

٤٩٤
تفسير سورة المائدة : ٧٨
قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس ، وقال : لا، حتى تأخذوا
على يَدَى الظالم فتأطروه على الحق أطراً . (١).
١٢٣١٠ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو داود - قال: أملاه علىَّ =
قال ، حدثنا محمد بن أبى الوضاح ، عن على بن بذيمة ، عن أبى عبيدة ، عن
عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. (٢)
١٢٣١١ - حدثنا هناد بن السرى قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع
قال ، حدثنا أبى= ، عن سفيان، على على بن بذيمة قال: سمعت أبا عبيدة يقول:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه = غير أنهما قالا فى حديثهما:
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فاستوى جالساً ، ثم قال : كلاًّ ،
والذى نفسى بيده، حتى تأخذوا على يدى الظالم فتأطروه على الحق أطراً . (٣)
(١) الأثر : ١٢٢٠٩ - وهذا الإسناد الثالث من أسانيد خبر على بن بذيمة ، عن أبى عبيدة،
والثانى من خبر سفيان ، عن على بن بذيمة ، عن أبى عبيدة ، من طريق عبد الرحمن بن مهدى ،
عن سفيان، رواه الترمذى فى السنن ( كتاب التفسير ) من طريق محمد بن بشار، بمثله . ورواه
ابن ماجة رقم : ٤٠٠٦ أيضاً ، بمثله .
(٢) الأثر: ١٢٣١٠ - ((محمد بن أبى الوضاح)) منسوب إلى جده، وهو: ((محمد بن مسلم
ابن أبى الوضاح القضاعى)). روى عنه أبو داود الطيالسى. ثقة مستقيم الحديث . مترجم فى التهذيب.
وهذا الخبر بهذا الإسناد، رواه الترمذى فى السنن فى ( كتاب التفسير )، وابن ماجة فى السنن ،
تابع رقم : ٤٠٠٦، بمثله .
(٣) الأثر: ١٢٣١١ - هذا هو الإسناد الثالث من أسانيد ((سفيان، عن على بن بذيمة)).
وهو خبر مرسل .
وخبر على بن بذيمة ، عن أبى عبيدة ، عن عبد اللّه ، روى من طرق أخرى .
رواه أحمد فى المسند رقم : ٣٧١٣، من طريق يزيد بن هرون ، عن شريك بن عبد الله،
عن على بن بذيمة، بلفظ آخر مثله . ورواه الترمذى فى ( كتاب التفسير ) من طريق عبد الله
ابن عبد الرحمن، عن يزيد بن هرون ، بمثل رواية أحمد .
ورواه أبو داود فى سنته ٤: ١٧٢، رقم : ٤٣٣٦، من طريق عبد الله بن محمد النفيل ،
عن يونس بن راشد ، عن على بن بذيمة ، بمثله ، بلفظ آخر .
وهذه الآثار كلها، من منقطعة أو مرسلة ، ولم يوصل الخبر إلا فى الإسناد رقم : ١٢٣٠٨.
وقال الترمذى بعد روايته: ((هذا حديث حسن غريب)).
وانظر تفسير ابن كثير ٣: ٢٠٥، ٢٠٦، والدر المنثور ٢ : ٣٠٠ .
:

٤٩٥
تفسير سورة المائدة : ٧٨
١٢٣١٢ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم))،
قال فقال: لعنوا فى الإنجيل وفى الزبور = وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إنّ رَحتى الإيمان قد دارت، فدُوروا مع القرآن حيث دار [فايد .... قد فرغ الله
مما افترض فيه]. (١)[ وإن ابن مرح] كان أمة من بنى إسرائيل، (٢) كانوا أهل
عدل ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فأخذهم قومهم فنشروهم بالمناشير ،
وصلبوهم على الخشب، وبقيت منهم بقية ، فلم يرضوا حتى داخلوا الملوك وجالسوهم،
ثم لم يرضوا حتى واكلوهم، (٣) فضرب الله تلك القلوب بعضها ببعض فجعلها
واحدة. فذلك قول الله تعالى: ((لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان
داود)) إلى: ((ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون))، ماذا كانت معصيتهم ؟ قال :
((كانوالا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)).
فتأويل الكلام إذًا: لَعَن الله الذين كفروا = من اليهود = باللّه على لسان داود
وعيسى بن مريم ، ولُعن واللّه آباؤهم على لسان داود وعيسى بن مريم ، بما عصوا
الله فخالفوا أمره = ((وكانوا يعتدون)»، يقول: وكانوا يتجاوزون حدوده . (٤)
٥
(١) كان فى المطبوعة: (( ... حيث دار، فإنه قد فرغ اللّه مما افترض فيه))، ساق الكلام
سياقاً واحداً بعد تغييره ، والذى فى المخطوطة هو ما أثبته ، وبين الكلامين بياض بقدر كلمة أو كلمتين ،
وضعت مكانهما فقطاً ، تركته حتى يعثر على الخبر فيتمه وجدانه .
(٢) وهذا الذى بين القوسين، هو الثابت فى المخطوطة، ولا أدرى ما هو، ولكن ناشر
المطبوعة الأولى جعل الكلام هكذا: ((وإنه كانت أمة من بنى إسرائيل))، فرأيت أن أثبت ما فى
المخطوطة على حاله، حتى إذا وجد الخبر فى مكان آخر صحيح. وكان هذا والذى قبله فى المخطوطة فى سطر
واحد ، وأمام السطر حرف (ط) بالأحمر دلالة على الخطأ .
(٣) هكذا فى المطبوعة والمخطوطة ((فلم يرضوا)) و((ثم لم يرضوا)) فى الموضعين، وأنا فى
شك منها، وأرجح أنها: ((فلم يريموا))، و((ثم لم يريموا))، أى: لم يلبثوا.
(٤) انظر تفسير ((الاعتداء)) فيما سلف قريباً ص: ٤٨٩، تعليق: ١، والمراجع
هناك .

٤٩٦
تفسير سورة المائدة : ٨٠،٧٩
القول فى تأويل قوله ﴿كَانُوا لَا يَتَنَهَوْنَ عَن مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ
٧٩
لَبْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : كان هؤلاء اليهود الذين لعنهم الله =
((لا يتناهون))، يقول: لا ينتهون عن منكر فعلوه، ولا ينهى بعضهم بعضًا. (١)
ويعنى؛ ((المنكر))، المعاصى التى كانوا يعصون الله بها. (٢)
٠ ٠
فتأويل الكلام : كانوا لا ينتهون عن منكر أتوه = ((لبئس ما كانوا يفعلون)).
وهذا قسم من الله تعالى ذكره يقول: أقسم: لبئس الفعل كانوا يفعلون، فى تركهم
الانتهاء عن معاصى الله تعالى ذكره، وركوب محارمه، وقتل أنبياء الله ورسله، (٣)
كما :-
١٢٣١٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن ابن
جريج: ((كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه))، لا تتناهى أنفسهم بعد أن وقعوا فى الكفر.
القول فى تأويل قوله (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَبْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِ اُلْعَذَابِ
هُمْ خَلِدُونَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (( تری ))، یا محمد ، کثیراً من بنى
إسرائيل = ((يتولون الذين كفروا))، يقول: يتولون المشركين من عبدة الأوثان ،
(١) انظر تفسير ((انتهى)) فيما سلف قريباً ص: ٤٨٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((المنكر)) فيما سلف ٧: ٩١، ١٠٥، ١٣٠.
(٣) انظر تفسير ((بئس)) فيما سلف ٢: ٣٣٨، ٣/٣٣٩: ٧/٥٦ : ٤٥٩.

٤٩٧
تفسير سورة المائدة : ٨٠ ، ٨١
وبعادون أولياء الله ورسله(١) = ((لبئس ما قدمت لهم أنفسهم))، يقول تعالى ذكره:
أقسم: لبئس الشىء الذى قدّمت لهم أنفسهم أمامهم إلى معادهم فى الآخرة (٢) =
((أنْ سخط الله عليهم))، يقول: قدّمت لهم أنفسهم سخط الله عليهم بما فعلوا.
٠٠٠
و((أن)) فى قوله: ((أنْ سخط الله عليهم))، فى موضع رفع، ترجمةً عن
((ما))، الذى فى قوله: ((لبئس ما)). (٣)
٠٠٠
= ((وفى العذاب هم خالدون))، يقول: وفى عذاب الله يوم القيامة = (( هم
خالدون ))، دائم مُقامهم ومُكثهم فيه . (٤)
...
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَِّّ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِ مَا أَّخَذُوهُمْ أَوْلِيًا، وَلَكِنَّ كَثِيرًا ◌ِنْهُمْ فَسِقُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا
من بنی إسرائیل =(( يؤمنونباللهوالنی))، یقول: يصدّقون الله و یقرُّون به ویوحدونه،
ويصدقون نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه لله نی مبعوث،ورسول مرسل = ((وما
أنزل إليه))، يقول: ويقرُّون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله من
آى الفرقان = ((ما اتخذوهم أولياء))، يقول: ما اتخذوهم أصحاباً وأنصاراً من دون
المؤمنين (٥) = (( ولكن كثيراً منهم فاسقون)) ، يقول: ولكن كثيراً منهم أهل خروج
٢٥٧/٦
(١) انظر تفسير ((التولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(٢) انظر تفسير ((قدم)) فيما سلف ٢: ٧/٣٦٨: ٨/٤٤٧: ٥١٤ .
(٣) ((الترجمة)): البدل، انظر ما سلف من فهارس المصطلحات.
(٤) انظر تفسير ((الخلود)) فيما سلف من فهارس اللغة (خلد).
(٥) انظر تفسير ((الأولياء)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
ج ١٠ (٣٢)

٤٩٨
تفسير سورة المائدة : ٨١/ ٨٢
. عن طاعة الله إلى معصيته، وأهلُ استحلال لما حرَّم الله عليهم من القول والفعل.(١)
و کان مجاهد يقول فى ذلك بما : -
١٢٣١٤ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: ((ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى
وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ))، قال : المنافقون .
٢/٧
٥
القول فى تأويل قوله ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَّوَةٌ لِلّذِينَ
ءامَنُواْ الْبَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَفْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ، امَنُواْ
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصْرَىْ ذَلِكَ بَأَنَّ مِنْهُمْ قِيِينَ وَرُهْبَنَا وَأَنَّهُمْ
٨٢
لَا يسْتَكْبُرُونَ)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لتجدن،
يا محمد، أشدَّ الناس عداوةٌ للذين صدّقوك واتبعوك وصدّقوا بما جئتهم به من أهل
الإسلام = ((اليهودَ والذين أشركوا))، يعنى: عبدة الأوثان الذين اتخذوا الأوثان
آلهة يعبدونها من دون الله = ((ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا))، يقول: ولتجدن
أقرب الناس مودةً ومحبة.
و((المودة)) (المفعلة))، من قول الرجل: ((وددْت كذا أودُّهُ وُدًّا، ووِدًّا،
ووَدًّا، ومودة))، إذا أحببته. (٢)
٠ ٠
= ((للذين آمنوا)) يقول: للذين صدّقوا الله ورسوله محمداً صلى الله عليه
وسلم = ((الذین قالوا إنا نصاریذلك بأن منهم قسیسین ورهباناً وأنهم لا يستكبرون))،
(١) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف من فهارس اللغة (فسق).
(٢) انظر تفسير ((ود)) فيما سلف ٢: ٥/٤٧٠: ٦/٥٤٢ ٨/٥٠٠ ٩/٣٧١ : ١٧

٤٩٩
تفسير سورة المائدة : ٨٢
عن قبول الحق واتباعه والإذعان به.
٥
وقيل: إن هذه الآية والتى بعدها نزلت فى نفرٍ قد موا على رسول الله صلى الله
عليه وسلم من نصارى الحبشة ، فلما سمعوا القرآن أسلموا واتبعوا رسول الله صلى
الله عليه وسلم .
...
وقيل : إنها نزلت فى النجاشىّ ملك الحبشة وأصحاب له أسلموا معه .
• ذكر من قال ذلك :
١٢٣١٥ - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب قال ، حدثنا
عبد الواحد بن زياد قال ، حدثنا خصيف ، عن سعيد بن جبير قال : بعث
النجاشىّ وفداً إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم النبى صلى الله عليه وسلم،
فأسلموا. قال: فأنزل الله تعالى فيهم: ((لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا
اليهود والذين أشركوا))، إلى آخر الآية. قال: فرجعوا إلى النجاشى" فأخبروه ،
فأسلم النجاشى ، فلم يزل مسلماً حتى مات. قال : فقال رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم: إنّ أخاكم النجاشىَّ قد مات فصلُّوا عليه! فصلّى عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالمدينة، والنجاشى ثمَّ .
١٢٣١٦ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((ولتجدن أقربهم مودة"
للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى))، قال : هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر
وأصحابه من أرض الحبشة .
١٢٣١٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( ولتجدن أقربهم
مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى))، قال: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو بمكة خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبى طالب، وابن
٣/٧

١٠٠٠٠
تفسير سورة المائدة : ٨٢
مسعود ، وعثمان بن مظعون ، فى رهط من أصحابه إلى النجاشى ملك الحبشة . فلما
بلغ ذلك المشركين، بعثوا عمرو بن العاص فى رهط منهم، ذُكر أنهم سبقوا أصحاب
النبى صلى اللّه عليه وسلم إلى النجاشىّ، فقالوا، إنه خرج فينا رجل سفَّه عقول
قريش وأحلامها ، زعم أنه نبيٌّ! وإنه بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك ،
فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم . قال : إن جاؤونى نظرت فيما يقولون ! فقدم
أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمُّوا بابَ النجاشى، (١) فقالوا: استأذن
لأولياء الله! (٢)فقال ائذن لهم، فمرحباً بأولياء الله! فلما دخلوا عليه سلَّموا، فقال
له الرهط من المشركين: ألا ترى أيها الملك أنا صدقناك ؟ لم يحيوك بتحيّتك التى
تحيّ بها ! فقال لهم : ما منعكم أن تحيونى بتحيّى ؟ فقالوا : إنا حيَّيناك بتحية
أهل الجنة وتحية الملائكة ! قال لهم : ما يقول صاحبكم فى عيسى وأمه ؟ قال
يقول: ((هو عبدالله، وكلمةٌ من اللّه ألقاها إلى مريم، وروح منه))، ويقول فى
مريم: ((إنها العذراء البتول)). قال: فأخذ عوداً من الأرض فقال : ما زاد
عيسى وأمه على ما قال صاحبكم قدر هذا العود ! فكره المشركون قوله، وتغيّرت
وجوههم. قال لهم : هل تعرفون شيئاً مما أنزل عليكم ؟ قالوا : نعم ! قال : اقرأوا !
فقرأوا ، وهنالك منهم قسيسون ورهبانٌ وسائرُ النصارى، فعرفت كلَّ ما قرأوا
وانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق. قال الله تعالى ذكره: «ذلك بأن منهم
قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول)) الآية .
١٢٣١٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنى أحمد بن مفضل قال،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا
نصارى))، الآية. قال: بعث النجاشىّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنى
(١) فى المطبوعة: ((فأقاموا بباب النجاشى))، والصواب المحض من المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((فقالوا: أتأذن))، والصواب من المخطوطة. يعنى: قالوا لحاجب
باب النجاشى، ولذلك جاء الجواب: ((فقال: ائذن لهم)) .