النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ تفسير سورة المائدة : ٦٤، ٦٥ وقال مجاهد بما : - ١٢٢٥٥ - حدثنى القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله))، قال : حربُ محمد صلى الله عليه وسلم. ٠ ٠٠ القول فى تأويل قوله ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لَأَيُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (١) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله ، فيكفرون بآياته ، ويكذبون رسله ، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيُهم فيها بالفساد = ((والله لا يحب المفسدين))، يقول: والله لا يحب من كان عاملاً بمعاصيه فى أرضه .(١) ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ،امَنُواْ وَأْ وَأَتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخَلَمْهُمْ جَنَّتِ ائِيمٍ﴾ ﴾) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((ولو أن أهل الكتاب ))، وهم اليهود والنصارى = ((آمنوا)) بالله وبرسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فصدَّقوه واتبعوه وما أنزل عليه = ((واتقوا)) ما نهاهم اللّه عنه فاجتنبوه = ((لكفرنا عنهم سيئاتهم)) ، يقول : محموْنا عنهم ذنوبهم فغطينا عليها، ولم نفضحهم بها(٢) = ((ولأدخلناهم ١٩٧/٦ (١) انظر تفسير ((الفساد فى الأرض)) فيما سلف ١: ٢٨٧، ٤١٦/ ثم ١٠: ٢٥٧ تعليق: ١، والمراجع هناك . = وتفسير ((السعى)) فيما سلف ٤: ٢٣٨، وفى سائر فهارس اللغة. (٢) انظر تفسير ((التكفير)) فيما سلف ٧: ٤٨٢، ٨/٤٩٠ : ٢٥٤ = وتفسير ((السيئات)) فما سلف من فهارس اللغة (سوا). ٤٦٢ تفسير سورة المائدة : ٦٦،٦٥ جنات النعيم))، يقول: ولأدخلناهم بساتين ينعمون فيها فى الآخرة . (١) ٠ ٠ ٥ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٢٢٥٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا))، يقول: آمنوا بما أنزل الله، واتقوا ما حرم الله،،= ((لكفرنا عنهم سيئاتهم)). ٠ ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِمْ لَأَكْلُواْ مِن فَوْقِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ولو أنهم أقامُوا التوراة والإنجيل))، ولو أنهم عملوا بما فى التوراة والإنجيل (٢) = (وما أنزل إليهم من ربهم))، يقول : وعملوا بما أنزل إليهم من ربهم من الفرقانِ الذى جاءهم به محمد صلى اللّه عليه وسلم. ٥ ٠ فإن قال قائل : وكيف يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، مع اختلاف هذه الكتب ، ونسخِ بعضها بعضاً ؟ قيل : إنها وإن كانت كذلك فى بعض أحكامها وشرائعها ، فهى متَّفِقة فى الأمر بالإيمان برُسُل الله، والتصديق بما جاءت به من عند الله. فمعنى إقامتهم التوراةَ والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم: تصديقُهُم بمافيها، والعملُ (١) انظر تفسير ((الجنة)) فيما سلف ٨: ٤٤٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الإقامة)) فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) مثل ((إقامة الصلاة)). ٤٦٣ تفسير سورة المائدة : ٦٦ بما هى متفقة فيه، وبكل واحد منها فى الحين الذى فرض العمل به. (١) ٠٠٠ وأما معنى قوله: ((لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم )) ، فإنه يعنى : لأنزل الله عليهم من السماء قَطْرَها، فأنبتت لهم به الأرض حبها ونباتها، فأخرج ثمارها . ٥ ٥ وأما قوله: ((ومن تحت أرجلهم))، فإنه يعنى تعالى ذكره : لأكلوا من بركة ما تحت أقدامهم من الأرض، وذلك ما تخرجه الأرض من حَبِّها ونباتها وتمارِها وسائرٍ ما يؤكل مما تخرجه الأرض . ٠ ٠ # وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٢٢٥٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم))، يعنى: لأرسل السماء عليهم مدراراً = ((ومن تحت أرجلهم)) ، تخرج الأرض بركتها . ١٢٢٥٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم))، يقول: إذًا لأعطتهم السماء بركتها ، والأرْضُ نَباتها . ١٢٢٥٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: (( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم )) ، يقول : لو عماوا بما أنزل إليهم (١) فى المطبوعة: ((وكل واحد منهما فى الخبر الذى فرض العمل به))، وهى جملة لا معنى لها ، صوابها من المخطوطة. ٤٦٤ تفسير سورة المائدة : ٦٦ مما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، لأنزلنا عليهم المطرَ، فلأنبت الثَّمر.(١) ١٢٢٦٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نحيح ، عن مجاهد: ((ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم))، أمّا ((إقامتهم التوراة))، فالعمل بها = وأما ((ما أنزل إليهم من ربهم))، فمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه. يقول: ((لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم))، أما ((من فوقهم))، فأرسلت عليهم مطراً، وأما ((من تحت أرجلهم)) ،. يقول : لأنبتُّ لهم من الأرض من رزقى ما يُغْنيهم . ١٢٢٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، قال : بركات السماء والأرض = قال ابن جريج: ((لأكلوا من فوقهم))، المطر = ((ومن تحت أرجلهم)) ، من نبات الأرض . ١٢٢٦٢ -حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی أبی قال، حدثی عمى قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( من فوقهم ومن تحت أرجلهم))، يقول: لأكلوا من الرزق الذى ينزل من السماء = ((ومن تحت أرجلهم))، يقول : من الأرض ٥ وكان بعضهم يقول (٢): إنما أريد بقوله: ((لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم))، التَّوْسعة، كما يقول القائل: ((هو فى خير من قَرْنه إلى قدمه)). (٣). وتأويل أهل التأويل بخلاف ما ذكرنا من هذا القول ، وكفى بذلك شهيداً علی فساده . ٥ (١) فى المطبوعة: ((فأنبتت الثمر))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب محض. (٢) هذه مقالة الفراء فى معانى القرآن ١ : ٣١٥. (٣) فى المطبوعة: ((من فرقه إلى قدمه))، وأثبت ما فى المخطوطة، ومعانى القرآن الفراء و ((القرن)): حد الرأس وجانبها، ورأس كل عال قرفه . ٤٦٥ تفسير سورة المائدة : ٦٦ القول فى تأويل قوله ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَآء مَا يْمَلُونَ) ( قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((منهم أمة))، منهم جماعة (١) = (( مقتصدة))، يقول: مقتصدة فى القول فى عيسى بن مريم، قائلة" فيه الحقَّ ١٩٨/٦ أنه رسول اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، لا غاليةٌ قائلةٌ: إنه ابن اللّه، تعالى اللهعما قالوا من ذلك، ولا مقصرة قائلة": هو لغیر رشدة= (( و کثیر منهم ))، يعنى : من بنى إسرائيل من أهل الكتابِ اليهود والنصارى = ((ساء ما يعملون))، يقول: كثير منهم سيء عملهم ، (٢) وذلك أنهم يكفرون بالله، فتكذب النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتزعم أن المسيح ابن الله = وتکذِّب اليهود بعيسى وبمحمد صلى الله عليهما. فقال الله تعالى فيهم ذامًا لهم: ((ساء ما يعملون))، فى ذلك من فعلهم . .. وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٢٢٦٤ -حدثی المثی قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((منهم أمة مقتصدة))، وهم مسلمة أهل الكتاب = ((وكثير منهم ساءَ ما يعماون)). (٣) ١٢٢٦٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل قال ، حدثنا عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهداً يقول: تفرَّقت بنو إسرائيل فِرَقاً، فقالت (١) انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف ٧: ١٠٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((ساء)) فيما سلف ٩: ٢٠٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك. (٣) سقط من الترقيم، رقم: ١٢٢٦٣ سهواً . ج ١٠ (٣٠) ٤٦٦ تفسير سورة المائدة : ٦٦ فرقة: ((عيسى هو ابن اللّه))، وقالت فرقة: ((هو اللّه))، وقالت فرقة: ((هو عبد الله وروحه))، وهى المقتصدة ، وهى مسلمةُ أهل الكتاب . ١٢٢٦٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قال الله: ((منهم أمة مقتصدة))، يقول: على كتابه وأمره. ثم ذمّ أكثر القوم فقال: ((وكثير منهم ساء ما يعملون )) . ١٢٢٦٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((منهم أمة مقتصدة )) ، يقول : مؤمنة . ١٢٢٦٨ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون))، قال: المقتصدة ، أهلُ طاعة الله . قال: وهؤلاء أهل الكتاب . ١٢٢٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس فى قوله: (( منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون))، قال : فهذه الأمة المقتصدة ، الذين لا هم جّقّوا فى الدين ولاهم غاوا. (١) قال: و((الغلو))، الرغبة [عنه]، و((الفسق))، التقصير عنه.(١) # (١) فى المطبوعة: ((الذين لاهم فسقوا فى الدين))، وهى كذلك فى الدر المنثور ٢: ٢٩٧، والذى فى المخطوطة هو ما أثبته، وهو الصواب إن شاء اللّه، وفى الحديث: ((وحامل القرآن غير الغالى فيه ولا الجانى))، وفيه أيضاً: ((اقرأوا القرآن ولا تجفوا عنه))، أى تعاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته . (٢) هذه الزيادة بين القوسين لابد منها، استظهرتها من الأثر السالف رقم: ١٠٨٥٣، من تفسير الربيع بن أنس أيضاً لآية سورة النساء : ١٧١ . ٤٦٧ تفسير سورة المائدة : ٦٧ القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيُّاَ الرَّسُولُ يَلَغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَعْمَلْ فَمَا بَّنْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكُفِرِينَ) ) قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم، (١) بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قصَّ تعالى ذكره قَصَصهم فى هذه السورة ، وذكر فيها معايبهم وحُبْتَ أديانهم، واجتراءَ هم على ربهم ، وتوثبهم على أنبيائهم، وتبديلَهم كتابه، وتحريفَهم إياه، ورداءةَ مطاعمهم ومآ كلهم = وسائرِ المشركين غيرِهم، (٢) ما أنزل عليه فيهم من معايبهم، والإزراء عليهم ، والتقصير بهم ، والتهجين لهم ، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يُشْعُر نفسه حذراً منهم أن يُصيبوه فى نفسه بمكروه ما قام فيهم بأمر الله، (٣) ولا جزءاً من كثرة عددهم وقلة عدد من معه، وأن لا يتقى أحداً فى ذات الله، فإن الله تعالى ذكره كافيه كلَّ أحد من خلقه ، ودافعٌ عنه مكروه كل من يبغى مكروهه . (٤) وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصّر عن إبلاغ شىء مما أنزل إليه إليهم ، فهو فى تركه تبليغ ذلك = وإن قلّ ما لم يبلّغ منه = فهو فى عظيم ما ركب بذلك من الذَّنب بمنزلته لو لم يبلِّغْ من تنزيله شيئاً . ٥ وبما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : (١) فى المطبوعة: ((لنبيه محمد))، غير ما فى المخطوطة على غير طائل. (٢) قوله: ((وسائر المشركين)) مجرور معطوف على قوله: ((بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى ... )) ومفعول قوله: ((بإبلاغ هؤلاء ... )) هو: ((ما أنزل عليه فيهم)). (٣) فى المطبوعة: ((أن يصيبه فى نفسه مكروه))، غير ما فى المخطوطة على غير طائل. (٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((كل من يتقى مكروهه))، وهو فاسد جداً، صوابه ما أثبت. ٤٦٨ تفسير سورة المائدة : ٦٧ ١٢٢٧٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ))، يعنى : إن كتمت آية مما أنزل عليك من ربك، لم تبلِّغْ رسالاتى. (١) ١٢٢٧١ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك))، الآية، أخبر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس، ويعصمه منهم ، وأمره بالبلاغ. ذكر لنا أن نبيَّ اللّه صلى الله عليه وسلم قيل له: لو احتجبت! فقال: والله لأبديَنَّ عَقِى للناس ما صاحبتهم . (٢). ١٢٢٧٢ - حدثنى الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا ١٩٩/٦ سفيان الثورى، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت: ((بلغ ما أنزل إليك من ربك))، قال: إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ تجَمَّع علىّ الناس! (٣) فنزلت: ((وإن لم تفعل فما بلغت رسالته))، الآية . ١٢٢٧٣ - حدثنا هناد وابن وكيع قالا ، حدثنا جرير ، عن ثعلبة ، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس )) ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحرسونى، إن ربى قد عَصَمنى. (٤) (١) فى المطبوعة: ((رسالتى))، غير ما فى المخطوطة. (٢) قوله: ((احتجبت))، أى: احتجبت عن الناس حتى لا يدرك منه من يبغيه الغوائل. و((العقب)) هنا ((عقب القدم))، وهى مؤخرها، وهى مؤنثة. يعنى بذلك: لأُظهرن لهم سائراً بينهم لا أحتجب . وكل من خرج إلى الناس ، فقد بدا لهم عقبه ، وهو يسير بينهم . وهذه كناية حسنة. وقوله: (ما صاحبتهم))، التأييد، كأنه قال: ((ما عشت)). (٣) فى المطبوعة: ((تجتمع على الناس))، وأثبت ما فى المخطوطة. ومعنى قوله: ((تجمع على الناس))، أى: تألبوا عليه وعادوه من جراء دعوته إلى دين الله. وهذا تعجب. (٤) الأثر: ١٢٢٧٣ - ((جرير))، هو ((جرير بن عبد الحميد الضبى))، مضى مراراً كثيرة. ٤٦٩ تفسير سورة المائدة : ٦٧ ١٢٢٧٤ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع قالا، حدثنا ابن علية ، عن الجُريرىّ، عن عبد الله بن شقيق: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يعتقِبه ناسٌ من أصحابه، فلما نزلت: ((والله يعصمك من الناس))، خرج فقال: يا أيها الناس، الحقوا بملاحقكم، فإنّ اللّه قد عصمنى من الناس.(١). ١٢٢٧٥ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع ، عن عاصم بن محمد ، عن محمد بن كعب القرظى قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحارسه أصحابه ، فأنزل الله تعالى ذكره: ((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته )) ، إلى آخرها . ١٢٢٧٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا الحارث ابن عبيد أبو قدامة الإيادى قال، حدثنا سعيد الجريرى، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحْرَس، حتى نزلت هذه الآية: ((والله يعصمك من الناس))، قالت: فأخرج النبى صلى الله عليه وسلم رأسه من القُبَّة فقال: أيها الناس، انصرفوا، فقد عصمنى اللّه. (٢) فى ((ثعلبة)) هو ((ثعلبة بن سهيل التميمى الطهوى))، كان متطيباً، ثقة، لا بأس به، مترجم فى التهذيب . و((جعفر)) هو ((جعفر بن أبى المغيرة الخزاعى))، مضى برقم : ٨٧، ٦١٧ ، ٤٣٤٧، ٧٢٦٩ . وهذا خبر مرسل . انظر تفسير ابن كثير ٣ : ١٩٦ . (١) الأثر: ١٢٢٧٤ - ((الجريرى))، هو ((سعيد بن إياس الجريرى))، مضى برقم: ١٩٦ . و (عبد الله بن شقيق العقيلى))، تابعى ثقة، مضى برقم: ١٩٦، وهذا الخبر مرسل أيضاً ، وسيأتى موصولا برقم : ١٢٢٧٦ وقوله: ((يعتقبه ناس من أصحابه)): أى يتناوبون حراسته ويتداولونها، من ((العقبة)) وهى النوبة، يقال: ((جاءت عقبة فلان))، أى نوبته . وقوله: ((الحقوا بملاحقكم))، يأمرهم أن يوافوا أماكنهم التى يرجعون إليها إذا آبوا. ولم أجد هذا التعبير فى غير هذا الخبر، ولا قيده أصحاب غريب الحديث. و((الملاحق)) جمع ((ملحق)) ( بفتح الميم وسكون اللام وفتح الحاء): أى الموضع الذى ينزلونه عند مرجعهم .. (٢) الأثر: ١٢٢٧٦ - ((الحارث بن عبيد الإيادى))، ((أبو قدامة))، قال أحمد: ٤٧٠ تفسير سورة المائدة : ٦٧ ١٢٢٧٧ - حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا سفيان، عن عاصم ، عن القرظىّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يُحْرَس، حتى أنزل اللّه: ((والله يعصمك من الناس)). ٥ واختلف أهل التأويل فى السبب الذى من أجله نزلت هذه الآية . فقال بعضهم : نزلت بسبب أعرابىّ كان همَّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكفاه الله إياه . • ذكر من قال ذلك : ١٢٢٧٨ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظى وغيره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها . فأتاه أعرابى فاخترط سيفه ثم قال (١): من يمنعك منى؟ قال: اللّه! فرُعِدت يدالأعرابيّ وسقط السيف منه، (٢) قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله: ((والله يعصمك من الناس)). (٣) ٥ (مضطرب الحديث))، وقال ابن معين: ((ضعيف))، وقال أبو حاتم: ((ليس بالقوى، يكتب حديثه ولا يحتج به)). وقال ابن حبان: ((كان ممن كثر وهمه، حتى خرج عن جملة من يحتج به إذا انفرد)). مترجم فى التهذيب. والكبير ٢٧٣/٢/١. وهذا الخبر رواه الترمذى فى كتاب التفسير وقال: ((هذا حديث غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريرى ، عن عبد الله بن شقيق، ولم يذكر فيه عائشة)) . ورواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٣١٣، من هذه الطريق نفسها ثم قال: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي. وكان فى المطبوعة: ((فإن الله قد عصمنى))، خالف نص المخطوطة لغير شىء. وما فى المخطوطة هو المطابق اروايته فى الترمذى والمستدرك . (١) ((اخترط السيف)): سله من غمده. (٢) هكذا جاءت الرواية ((فرعدت يد الأعرابى)) بالبناء للمجهول، ولم أجد من ((الرعدة)) ثلاثياً ((رعد)) بالبناء للمجهول، بل الذى رووه وأطبقوا عليه ((أرعد)) (بالبناء المجهول) . فإن صح هذا الخبر ، فالثلاثى المبنى للمجهول مما يزاد على مادة اللغة . (٣) الأثر: ١٢٢٧٨ - انظر خبر هذا الأعرابى فيما سلف رقم: ١١٥٦٥، والتعليق عليه هناك، وليس فيه أنه ضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه . ٤٧١ تفسير سورة المائدة : ٦٧ وقال آخرون : بل نزلت لأنه كان يخاف قريشاً ، فأومن من ذلك . • ذكر من قال ذلك : ١٢٢٧٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يهاب قريشاً، فلما نزلت: ((والله يعصمك من الناس ))، استلقى ثم قال : من شاء فليخذلى = مرتين أو ثلاثاً . ١٢٢٨٠ -حدثنا هناد قال،حدثنا و کیع ،عن ابن أبى خالد، عن عامر ، عن مسروق قال ، قالت عائشة : من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحى فقد كذب ! ثم قرأت: ((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك)»، الآية .(١) ١٢٢٨١ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن المغيرة، عن الشعبى قال، قالت عائشة: من قال إن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم، فقد كذب وأعظم الفرية على اللّه! قال الله تعالى ذكره: ((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)) الآية. ١٢٢٨٢ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال : أخبرنا داود بن أبى هند ، عن الشعبى ، عن مسروق قال ، قالت عائشة : من زعم أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من كتاب الله، فقد أعظم على اللّه الفرية! والله يقول: ((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك))، الآية. (٢) ١٢٢٨٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى الليث قال ، حدثنى خالد ، عن سعيد بن أبى هلال ، عن محمد بن الجهم ، (١) الأثر: ١٢٢٨٠ - ((ابن أبى خالد))، هو: ((إسماعيل بن أبى خالد الأحسى)). وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((عن أبى خالد))، وهو خطأ لاشك فيه، فإن البخارى رواه من طريق وكيع ، عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن عامر ، عن مسروق ، مطولا ( الفتح ٨ : ٤٦٦) ، وليس فيمن روى عنه وكيع هذا الخبر من يسمى ((أبا خالد)). وهذا الخبر رواه أبو جعفر من أربع طرق ، سيأتى تخريجها بعد . (٢) الأثر : ١٢٢٨٢ - رواه مسلم مطولا فى صحيحه، من طريق إسماعيل بن علية ، عن داود . ٤٧٢ تفسير سورة المائدة : ٦٧ عن مسروق بن الأجدع قال : دخلت على عائشة يوماً فسمعتها تقول : لقد أعظمّ الفرية من قال إنّ محمداً كتم شيئاً من الوحى! والله يقول: (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك )» .(١) ويعنى بقوله: ((والله يعصمك من الناس))، يمنعك من أن ينالوك بسوء. وأصله من ((عصام القربة))، وهو ما تُوكى به من سير وخيط، (٢) ومنه قول الشاعر: (٣) ٢٠٠/٦ وَقَلْتُ: عَلَيْكُمْ مَالِكاً، إنَّ مَالِكاً سَيَعْصِمُكُمْ، إِنْ كَانَ فِ النَّاسِ حَاصِمٍ (٤) يعنى: يمنعكم ٠ ٠ ٠ وأما قوله: ((إن الله لا يهدى القوم الكافرين))، فإنه يعنى: إن الله لا يوفِّق للرُّشْد من حاد عن سبيل الحق ، وجار عن قصد السبيل ، وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه . (٥) ٥٠٠ وهذه الأخبار الثلاثة السالفة، خبر واحد بأسانيد ثلاثة . رواه البخارى ( الفتح ٨ : ٢٠٦) من طريق سفيان، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، عن مسروق. ثم رواه من هذه الطريق ، ومن طريق أبي عامر العقدى، عن شعبة، عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن الشعبى ( الفتح ١٣ : ٤٢٢)، مختصراً . (١) الأثر ١٢٢٨٣ - ((الليث)) هو ((الليث بن سعد)) الإمام. و ((خالد))، هو: ((خالد بن يزيد الجمحى المصرى))، الفقيه المفتى، ثقة، مضى برقم: ٣٩٦٥، ٥٤٦٥، ٩١٨٥، ٩٥٠٧ ٠ و((سعيد بن أبى هلال الليى المصرى))، ثقة. مضى برقم: ١٤٩٥، ٣٩٦٥، ٥٤٦٥. (٢) انظر تفسير ((عصم)) و((عصام)) فيما سلف ٧: ٦٢، ٦٣، ٩/٧٠: ٢٤١. (٣) لم أعرف قائله . (٤) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٧١. و((عليك)) اسم فعل للإغراء، يقال: ((عليك زيداً)) و((عليك بزيد)). (٥) انظر تفسير ((هدى)) فيما سلف من فهارس اللغة. ١٧٣ تفسير سورة المائدة : ٦٨ القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَّبِ لَسُمْ عَلَى شَىْءٍ حَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَمَةَ وَالْإِلَ وَّا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ قال أبو جعفر : وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيه محمداً صلى اللّه عليه وسلم بإبلاغ اليهود والنصارى الذين كانوا بين ظهرانَیْ مُهاجَره . يقول تعالى ذكره له: ((قل))، يا محمد، لهؤلاء اليهود والنصارى = ((يا أهل الكتاب))، التوراة والإنجيل = (((لستم على شىء))، مما تدَّعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى صلى الله عليه وسلم، معشرّ اليهود، ولا مما جاءكم به عيسى، معشرَ النصارى = ((حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم))، مما جاءكم به محمد صلى اللّه عليه وسلم من الفرقان ، فتعملوا بذلك كله ، وتؤمنوا بما فيه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه ، وتقرُّوا بأن كل ذلك من عند الله، فلا تكذِّ بوا بشىء منه، ولا تفرّقُوا بینرسل الله فتؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض، فإن الکفر بواحد من ذلك کفر یجمیعه، لأنّ كتب الله يصدّق بعضها بعضاً، فمن كذّب ببعضها فقد كذَّب بجميعها . .. وبنحو الذى قلنا فى ذلك جاء الأثر . ١٢٢٨٤ -حدثنا هناد بن السری وأبو کریب قالا ،حدثنا يونس بن بکیر قال ، حدثنا محمد بن إسحق قال ، حدثنى محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جاء رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم رافعُ بن حارثة وسَلاَم بن مِشْكم، (١) ومالك بن الصيف، ورافع بن حريملة ، (٢) فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((سلام بن مسكين))، ولم أجد هذا الاسم فيمن كان من يهود على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، والمعروف هو ما أثبته وهو الموجود فى هذا الخبر فى سيرة ابن هشام . (٢) فى المطبوعة: (( ... بن حرملة))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى سيرة ابن هشام. ٤٧٤ تفسير سورة المائدة : ٦٨ وتؤمن بما عندنا من التوراة ، وتشهد أنها من الله حق ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بلى ، ولکنکم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذَ علیکم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيِّنوه للناس ، وأنا برىء من أحداثكم! قالوا : فإنا نأخذ بما فى أيدينا ، فإنا على الحق والهدى ، ولا نؤمن بك، ولا نتبعك! فأنزل الله تعالى ذكره: ((قل يا أهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم)) إلى: ((فلاتأس على القوم الكافرين)). (١) ١٢٢٨٥ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فی قوله: ((قل يا أهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم))، قال: فقد صرنا من أهل الكتاب = ((التوراة))، لليهود ، و ((الإنجيل))، للنصارى، ((وما أنزل إليكم من ربكم))، ما أنزل إلينا من ربنا = أى: ((لستم على شىء حتى تقيموا)) ، حتى تعملوا بما فيه . القول فى تأويل قوله ﴿وَلَيَزِ يدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَّنَا وَكُفْرَا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَّفِرِينَ) (١) قال أبو جعفر : یعنی تعالی ذکره بقوله: (( ولیزیدن کثیراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً و كفراً)) ، وأقسم : لیزیدن كثيراً من هؤلاء اليهود والنصارى الذین قص قصصهم فى هذه الآيات، الكتابُ الذى أنزلته إليك، یا محمد (٢) = ((طغياناً))، يقول : تجاوزاً وغلوًّا فى التكذيب لك ، على ما كانوا عليه لك من ذلك قبل نزول (١) الأثر: ١٢٢٨٤ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٧، وهو تابع الآثار التى مضت رقم : ٢١٠١، ٢١٠٢، ٠١٢٢١٩ (٢) ((الكتاب)) فاعل قوله: ((ليزيدن كثيراً من هؤلاء اليهود ... )). ٤٧٥ تفسير سورة المائدة : ٦٨ الفرقان = ((وكفراً))، يقول: وجحوداً لنبوتك.(١) . . . وقد أتينا على البيان عن معنى ((الطغيان))، فيما مضى قبل. (٢) ... وأما قوله: ((فلا تأس على القوم الكافرين))، يعنى بقوله: (٣) (( فلا تأس))، فلا تحزن . يقال: ((أسِىَ فلان على كذا))، إذا حزن ((يأسَى أسىّ))، ومنه قوال الراجز: (٤) • وَأَنْحَلَبَتْ عَيْنَهُ مِنْ فَرْطِ اْلْأَسَى.(٥) يقول تعالى ذكره لنبيه : لا تحزن ، يا محمد ، على تكذيب هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى من بنى إسرائيل لك ، فإن مثلَ ذلك منهم عادة وخلق فى أنبيائهم ، فكيف فيك ؟ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . (١) انظر تفسير ((الكفر)) فيما سلف من فهارس اللغة. (٢) انظر تفسير ((الطغيان)) فيما سلف ص: ٤٥٧، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٣) فى المطبوعة: ((يعبى يقول))، والصواب من المخطوطة. (٤) هو العجاج . (٥) ديوانه: ٣١، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٧١، والكامل ١: ٣٥٢، واللسان ( حلب) (كرس)، وهو من رجزه المشهور، مضى أوله فى هذا التفسير ١ : ٥٠٩، يقول: يَا صَح، هَلْ تَعْرِفُرَسَمَا مُكْرَسَا؟ قَالَ: نَعَمْ! أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا وَأَنْحَلَبَتْ عَيْنَهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى ومضى شرح البيتين الأولين. و((انحلبت عيناه)) و((تحلبتا)): سال دمعهما وتتابع . وكان فى المطبوعة: ((وأنحلت))، خالف ما فى المخطوطة، لأنها غير منقوطة، فأتى بما لا يعرف . فجاء بعض من كتب على هذا البيت وصصحه فكتب ((وأبخلت)) وقال: ((معنى: أبخلت: وجدتا بخيلتين بالدمع لغلبة الحزن عليه، أى أنه من شدة حزفه لم يبك، وإنما جمدت عيناه))، فأساء من وجوه : ترك مراجعة الشعر ومعرفته، واجتهد فى غير طائل، وأتى بكلام سخيف جداً! والله المستعان. ٤٧٦ تفسير سورة المائدة : ٦٨، ٦٩ ● ذكر من قال ذلك : ١٢٢٨٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً)) ، قال : الفرقان = يقول : فلا تحزن . ١٢٢٨٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، ٢٠١/٦ حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((فلا تأس على القوم الكافرين))، قال : لا تحزن . ٠٠٠ القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّبُّونَ وَالنَّصْرَىُ مَنْ ءامَنَ بِاللهِ وَأَلْيَوْمِ الْأَخِرِ وَعَمِلَ صَّالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَ نُونَ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الذين صدّقوا الله ورسوله ، وهم أهل الإسلام=( والذين هادوا))، وهم اليهود (١)= ((والصابئون))، وقد بينا أمرهم(٢)= ((والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر))، فصدّق بالبعث بعد الممات = ((وعمل))، من العمل = ((صالحاً))، لمعاده = ((فلا خوف عليهم))، فيما قَدِ موا عليه من أهوال القيامة = ((ولا هم يحزنون))، على ما خلَّفوا وراءهم من الدنيا وعيشها ، بعد معاينتهم ما أكرمهم الله به من جزيل ثوابه . (٣) ٠٠ ٠ (١) انظر تفسير ((هاد)) فيما سلف ص: ٣٤١، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الصابئون)) فيما سلف ٢ : ١٤٥ - ١٤٧ . (٣) انظر تفسير ((عمل صالحاً)) فيما سلف ٢: ١٤٨ (وفهارس اللغة). - وتفسير ((اليوم الآخر))، فيما سلف من فهارس اللغة (أخر). - وتفسير ((لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) فيما سلف٢ : ١٥٠، وسائر فهارس اللغة. ٤٧٧ تفسير سورة المائدة : ٦٩، ٧٠ وقد بينا وجه الإعراب فيه فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته . (١) القول فى تأويل قوله ﴿لَقَدْ أَخَذْنَاَ مِيثَقَ بِىّ إِسْرَاءِيلَ وَأَرْسَلْنَآَ إِلَيْهِمْ رُلَا كُلَّمَا جَبْهُمْ رَسُولٌ بَِ لَا تَهْوَىَّ أَنْضُهُمْ فَرِقً كَذَّبُواْ وَفَريقاً يَقْتُلُونَ ﴾ ٧٠ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أقسم: لقد أخذنا ميثاق بنى إسرائيل على الإخلاص فى توحيدنا ، (٢) والعمل بما أمرناهم به ، والانتهاء عما نهيناهم عنه = وأرسلنا إليهم بذلك رسلاً ، ووعدناهم على ألسن رسلنا إليهم على العمل بطاعتنا الجزيلَ من الثواب ، وأوعدناهم على العمل بمعصيتنا الشديد من العقاب= كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق محبّهم ، كذّبوا منهم فريقاً ، ويقتلون منهم فريقاً ، نقضاً لميثاقنا الذى أخذناه عليهم ، وجرأة علينا وعلى خلاف أمرنا . (٣) # (١) انظر ما سلف ٣: ٣٥٢ - ٣٥٤/ ثم انظر الموضع الذى أشار إليه ٩: ٣٩٥ - ٣٩٩. ثم انظر أيضاً معانى القرآن الفراء ١: ١٠٥-١٠٨، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ١٧٢، ومشكل القرآن لامن قتيبة : ٣٦ - ٣٩. (٢) فى المطبوعة: ((وتوحيدنا))، وفى المخطوطة: ((الإخلاص توحيدنا))، وكأن الصواب ما أثبت . (٣) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة. ٠ ٠ وعند هذا الموضع ، انتهى، جزء من التقسيم القديم الذى نقلت عنه مخطوطتنا ، وفيها ما نصه : « يتلوهُ : القول فى تأويل قوله : ٤٧٨ تفسير سورة المائدة : ٧١ القول فى تأويل قوله ﴿وَحَسِبُوَاْ أَلَا تَكُونَ فِْتَهُ فَعَمُوا وَصَمُواْ ثُمَّ تَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ ◌َمُواْ وَصَمُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاقُهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ قال أبو جعفر : يقول تعالى : وظن هؤلاء الإسرائيليون (١) = الذين وصف تعالى ذكره صفتهم: أنه أخذ ميثاقهم: وأنه أرسل إليهم رسلاً، وأنهم كانوا كلما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم كذّبوا فريقاً وقتلوا فريقاً = أن لا يكون من الله لهم ابتلاء واختبارٌ بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون(٢) = ((فعموا وصموا))، يقول : فعموا عن الحق والوفاء بالميثاق الذى أخذته عليهم ، من إخلاص عبادتى ، والانتهاء إلى أمرى ونهى، والعمل بطاعتى، بحسبانهم ذلك وظنهم = ((وصموا)) عنه = ثم تبت عليهم . يقول : ثم هديتهم بلطف منى لهم حتى أنابوا ورجعوا عما كانوا عليه من معاصىَّ وخلاف أمرى والعمل بما أكرهه منهم، إلى العمل بما أحبه، والانتهاء إلى طاعتى وأمرى ونهى = ((ثم عموا وصموا كثير منهم))، (٣) يقول: ثم عموا أيضاً عن الحق والوفاء بميثاقى الذى أخذته عليهم : من العمل بطاعتى ، والانتهاء ﴿وَحَسِبُوا أَنْ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصتُوا﴾ وصلى الله على محمد النبىّ وآله وسلم كثيراً)). ثم ما يتلوه نصه : (بسم الله الرحمن الرحيم ربِّ يَسِّر)» (١) انظر تفسير ((حسب)) فيما سلف ٧: ٣٨٤، ٤٢١. (٢٠) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف ص: ٣٩٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((العمى)) و((الصمم))، فيما سلف ١: ٣٢٨ - ٣/٣٣١: ٣١٥. ٤٧٩ تفسير سورة المائدة : ٧١ إلى أمرى، واجتناب معاصىَّ = (( وصموا كثير منهم)) ، يقول : عمى كثير من هؤلاء الذين كنت أخذت ميثاقهم من بنى إسرائيل ، باتباع رسلى والعمل بما أنزلت إليهم من كتبى (١) - عن الحق وصموا ، بعد توبتى عليهم ، واستنقاذى إياهم من الهلكة = ((والله بصير بما يعملون))، يقول ((بصير))، فيرى أعمالهم خيرَها وشرَّها، فيجازيهم يوم القيامة بجميعها ، إن خيراً فخيراً، وإن شرًّا فشرًّا. (٢) ... وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٢٢٨٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((وحسبوا أن لا تكون فتنة))، الآية، يقول: حسب القوم أن لا يكون بلاءً" = (( فعموا وصموا ))، كلما عرض بلاء ابتلوا به، هلكوا فيه . ١٢٢٨٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا)) ، يقول : حسبوا أن لا يبتلوا ، فعموا عن الحق وصمُّوا . ١٢٢٩٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن مبارك ، عن الحسن : ((وحسبوا أن لا تكون فتنة))، قال : بلاء. ١٢٢٩١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنى معاوية ، عن على، عن ابن عباس: ((وحسبوا أن لا تكون فتنة))، قال : الشرك . ١٢٢٩٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا)) ، قال : اليهود . (١) انظر القول فى رفع ((كثير)) فى معانى القرآن للفراء ١: ٣١٦، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ١٧٤ . (٢) انظر تفسير ((بصير)) فيما سلف من فهارس اللغة. ٤٨٠ تفسير سورة المائدة : ٧١ ، ٧٢ ١٢٢٩٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: ((فعموا وصموا))، قال : يهود = قال ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير قال: هذه الآية لبنى إسرائيل. قال: و((الفتنة))، البلاء والتَّمحيص . ٠ ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ ٢٠٢/٦. اٌلْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يُبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَعْبُدُواْ اللهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُو مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ آلْجَنَّةَ وَمَأْوَّلَهُ ٧٢ النَّارُ وَمَا لِلِظْلِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ﴾ قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن بعض مافَتَن به الإسرائيليين الذين أخبر عنهم أنهم حسبوا أن لا تكون فتنة . يقول تعالى ذكره : فكان مما ابتليتهم واختبرتهم به ، فنقضوا فيه ميثاقى، وغيّروا عهدى الذى كنت أخذته عليهم بأن لا يعبدوا سواى، ولا يتخذوا ربًا غيرى، وأن يوحِّدونى، وينتهوا إلى طاعتى = عبدى عيسى بن مريم ، فإنى خلقته ، وأجريت على يده نحوّ الذى أجريت على يد كثير من رسلى، فقالوا كفراً منهم: ((هو الله)). (١) وهذا قول اليعقوبيّة من النصارى عليهم غضب الله . يقول الله تعالى ذكره : فلما اختبرتهم وابتليتهم بما ابتليتهم به، أشركوا بى، وقالوا لخلق من خلقى ، وعبدٍ مثلهم من عبيدى ، وبشر نحوهم معروفٍ نسبه وأصله ، مولود من البشر ، يدعوهم إلى توحيدى ، ويأمرهم بعبادتى وطاعتى ، (١) انظر تفسير ((المسيح)) فيما سلف ١٠: ١٤٦، تعليق: ٤، والمراجع هناك.