النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١
تفسير سورة المائدة : ٥٤
أحياناً فى الواحد التضعيفَ لسكون لام الفعل. وكلتا اللغتين فصيحةٌ مشهورة
فى العرب . (١)
قال أبو جعفر : والقراءة فى ذلك عندنا على ما هو به فى مصاحفنا ومصاحف
أهل المشرق، بدال واحدة مشدّدة، بترك إظهار التضعيف، وبفتح ((الدال))،
للعلة التى وصفت .
القول فى تأويل قوله ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ)
قال أبو جعفر: یعنی تعالى ذكره بقوله: (( أذلة على المؤمنین )) ، أرقّاء عليهم،
رحماء بهم .
. .
= من قول القائل: ((ذلَّ فلان لفلان))، إذا خضع له واستكان. (٢)
. .
ويعنى بقوله: ((أعزة على الكافرين))، أشداء عليهم ، غُلَظاء بهم .
...
= من قول القائل: ((قد عزّنى فلان))، إذا أظهر العزة من نفسه له ، وأبدى
له الجفوة والغلْظة. (٣)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك:
١٢٢٠٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فى العرف))، وآثرت قراءتها كما أثبتها، وهو الصواب.
(٢) وانظر تفسير ((الذل)) فيما سلف ٢ : ٧/٢١٢ : ١٧١ .
(٣) انظر تفسير ((العزة)) فيما سلف ٩: ٣١٩، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
٤٢٢
تفسير سورة المائدة : ٥٤
قال ، أخبرنا سيف بن عمر ، عن أبى روق، عن أبى أيوب، عن على فى قوله :
((أذلة على المؤمنين))، أهل رقة على أهل دينهم = ((أعزة على الكافرين))، أهل
غلظة على من خالفهم فی دینهم . (١)
١٢٢٠٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((أذلة على المؤمنين
أعزة على الكافرين))، يعنى بالأذلة: الرحماء. (٢)
١٢٢٠٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج فى قوله: ((أذلة على المؤمنين))، قال: رحماء بينهم = ((أعزة على
الكافرين )) ، قال: أشداء عليهم .
١٢٢٠٦ - حدثنا الحارث بن محمد قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، قال
قال سفيان: سمعت الأعمش يقول فى قوله: ((أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين))،
ضعفاء عن المؤمنين. (٣)
#
القول فى تأويل قوله ﴿ يُجَلُمِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَفُونَ
لَوْمَةَ لَا بِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءِ وَاللهُ وَسِعٌ عَلِيمْ ﴾ (@)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((يجاهدون فى سبيل الله))، هؤلاء
المؤمنين الذين وعد الله المؤمنين أن يأتيهم بهم إن ارتدّ منهم مرتدّ ، بدلاً منهم ،
(١) الأثر: ١٢٢٠٣ - انظر أسانيد الآثار السالفة رقم: ١٢١٨٦ ، ١٢٢٠١،
والتعليق عليها. وفى المخطوطة والمطبوعة: ((سفيان بن عمر)) مكان ((سيف بن عمر))، وهو خطأ
فاحش .
(٢) فى المخطوطة: ((يعنى بالأذلة: الرحمة))، وفى المطبوعة: ((يعنى بالذلة الرحمة))،
وآثرت ما كتبت ، وهو تصحيف قريب .
(٣) فى المطبوعة: ((ضعفاء على المؤمنين))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب جيد.
٤٢٣
تفسير سورة المائدة ٥٤
يجاهدون فى قتال أعداء اللّه على النحو الذى أمر الله بقتالهم، والوجه الذى أذن لهم
به ، ويجاهدون عدوّهم. فذلك مجاهدتهم فى سبيل الله (١) = ((ولا يخافون لومة
لاثم))، يقول : ولا يخافون فى ذات الله أحداً، ولا يصدُّهم عن العمل بما أمرهم
اللّه به من قتال عدوهم ، لومةُ لاثم لهم فى ذلك.
١٨٦/٦
٠ ٥
وأما قوله: ((ذلك فضل اللّه))، فإنه يعنى هذا النعتَ الذى نعتهم به تعالى
ذكره = من أنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون فى سبيل اللّه ولا
يخافون فى الله لومة لائم = فضلُ الله الذى تفضل به عليهم، (٢) والله يؤنى فضله
من يشاء من خلقه مِنّةً عليه وتطوّلاً (٣) = ((والله واسع))، يقول: والله جواد
بفضله على من جادَ به عليه، (٤) لا يخاف نفاد خزائنه فتَتْلف فى عطائه(٥) =
((عليم))، بموضع جوده وعطائه، فلا يبذله إلا لمن استحقه ، ولا يبذل لمن
استحقه إلاّ على قدر المصلحة ، لعلمه بموضع صلاحه له من موضع ضرّه. (٦)
٥
(١) انظر تفسير ((يجاهد)) فيما سلف ٤: ١٠/٣١٨ : ٢٩٢
= وتفسير ((سبيل اللّه)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
(٢) سياق الجملة: ((هذا النعت الذى نعتهم به ... فضل الله ... )).
(٣) انظر تفسير ((الفضل)) فيما سلف من فهارس اللغة ( فضل ).
(٤) انظر تفسير ((واسع)) فيما سلف ٩: ٢٩٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) فى المطبوعة: ((فيكف من عطائه))، غير ما فى المخطوطة، لأنه لم يحسن قراءته إذ كان
غير منقوط . وهذا صواب قراءته .
(٦) انظر تفسير ((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (على).
٤٢٤
تفسير سورة المائدة : ٥٥
القول فى تأويل قوله ﴿إِنََّاَ وَلِيْكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ
ءامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَّوَةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَاكُمُونَ) )
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا))،
ليس لكم، أيها المؤمنون، ناصر إلا الله ورسوله، والمؤمنون الذين صفتهم ما ذكر
تعالى ذكره . (١) فأما اليهود والنصارى الذين أمركم الله أن تبرأوا من ولايتهم ،
ونهاكم أن تتخذوا منهم أولياء ، فليسوا لكم أولياء لا نُصَراء ، بل بعضهم أولياء
بعض ، ولا تتخذوا منهم وليًّاً ولا نصيراً .
. .
وقيل إن هذه الآية نزلت فى عبادة بن الصامت ، فی تبر ◌ّته من ولاية يهود بنى
قينقاع وحلفهم ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
ذكر من قال ذلك :
#
١٢٢٠٧ -حدثنا هناد بن السری قال، حدثنا يونس بن بکیر قال،حدثنا
ابن إسحق قال ، حدثنى والدى إسحق بن يسار ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة
ابن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشى عبادة
ابن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان أحد بنى عوف بن الخزرج =
فخلعهم إلى رسول اللّه، (٢) وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: أتولى الله
ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم! ففيه نزلت: ((إنما وليكم الله
ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )) = لقول
عبادةَ: ((أتولى الله ورسوله والذين آمنوا))، وتبرئه من بنى قينقاع وولايتهم = إلى
(١) انظر تفسير ((ولى)) فيما سلف ص: ٣٩٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المخطوطة: ((فجعلهم إلى رسول الله))، والصواب ما فى المطبوعة، مطابقاً لما سلف،
ولما فى سيرة ابن هشام .
٤٢٥
تفسير سورة المائدة : ٥٥
قوله: ((فإن حزب الله هم الغالبون)).(١)
١٢٢٠٨ -حدثنا أبو کریب قال، حدثنا ابن إدريس قال ، سمعت أبى،
عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ثم ذكره نحوه .
١٢٢٠٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( إنما وليكم
الله ورسوله والذين آمنوا)»، يعنى : أنه من أسلم تولى الله ورسوله .
وأما قوله: (( والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون))،
فإن أهل التأويل اختلفوا فى المعنىِّ به .
فقال بعضهم: عنى به على بن أبى طالب .
#
#
وقال بعضهم : عنى به جميع المؤمنين
• ذكر من قال ذلك :
١٢٢١٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قال: ثم أخبرهم بمن يتولاً هم فقال: ((إنما وليكم الله ورسوله
والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وهم راكعون))، هؤلاء جميع
المؤمنين ، ولكن على بن أبى طالب مرَّ بمسائل وهو راكع فى المسجد، فأعطاه خاتمه.
١٢٢١١ - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا عبدة ، عن عبد الملك ،
عن أبى جعفر قال: سألته عن هذه الآية: ((إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
٠
(١) الأثر: ١٢٢٠٧ - سيرة ابن هشام ٣: ٥٢، ٥٣، وهو مطول الأثر السالف
رقم: ١٢١٥٨، وتابع الأثر رقم : ١٢١٦٧.
وكان فى المطبوعة والمخطوطة هنا: ((حدثنى والدى إسحق بن يسار، عن عبادة بن الصامت))،
أسقط ما أثبت من السيرة ، ومن إسناد الأثرين المذكورين آنفاً .
:
٤٢٦
تفسير سورة المائدة : ٥٥
الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون))، قلت: (١) من الذين آمنوا ؟
قال : الذين آمنوا! (٢) قلنا: بلغنا أنها نزلت فى على بن أبى طالب! قال: علىّ
من الذين آمنوا .
١٢٢١٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربى ، عن عبد الملك قال :
سألت أبا جعفر عن قول الله: ((إنما وليكم الله ورسوله))، وذ کر نحو حديث
هنّاد ، عن عبدة .
١٢٢١٣ - حدثنا إسمعيل بن إسرائيل الرملى قال، حدثنا أيوب بن سويد
قال ، حدثنا عتبة بن أبى حكيم فى هذه الآية: ((إنما وليكم الله ورسوله والذين
آمنوا))، قال : على بن أبى طالب . (٣)
١٢٢١٤ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا غالب
ابن عبيد الله قال: سمعت مجاهداً يقول فى قوله: ((إنما وليكم الله ورسوله))، الآية،
قال : نزلت فى على بن أبى طالب، تصدّق وهو راكع . (٤)
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((قلنا))، والصواب الجيد ما أثبت.
(٢) هذا ليس تكراراً ، بل هو تعجب من سؤاله عن شىء لا يسأل عن مثله .
(٣) الأثر: ١٢٢١٣- ((إسماعيل بن إسرائيل الرملى))، مضى برقم: ١٠٢٣٦.
و (( أيوب بن سويد الرملى))، مضى برقم : ٥٤٩٥ .
و ((عتبة بن أبى حكيم الهمدانى، ثم الشعبانى))، أبو العباس الأردنى . ضعفه ابن
معين ، وكان أحمد يوهنه قليلا ، وذكره ابن حبان فى الثقات . مترجم فى التهذيب .
(٤) الأثر: ١٢٢١٤ - ((غالب بن عبيد الله العقيلى الجزرى))، منكر الحديث متروك.
مترجم فى لسان الميزان، والكبير البخارى ٤/ ١/ ١٠١، وابن أبى حاتم ٤٨/٢/٣.
٠ ٠ ٠
هذا، وأرجح أن أبا جعفر الطبرى قد أغفل الكلام فى قوله تعالى: ((وهم راكعون))، وفى
بيان معناها فى هذا الموضع ، مع الشبهة الواردة فيه ، لأنه كان يحب أن يعود إليه فیزید فيه بياناً ،
ولكنه غفل عنه بعد .
وقد قال ابن كثير فى تفسيره ٣ : ١٨٢: ((وأما قوله: ((وهم راكعون))، فقد توهم بعض
الناس أن هذه الجملة فى موضع الحال من قوله: ((ويؤتون الزكاة)»، أى: فى حال ركوعهم . ولو كان
هذا كذلك ، لكان دفع الزكاة فى حال الركوع أفضل من غيره ، لأنه ممدوح ، وليس الأمر كذلك
٤٢٧
تفسير سورة المائدة : ٥٦
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ, وَالَّذِينَءَامَنُواْ
فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ مُمُ الْغَلِبُونَ) @)
قال أبو جعفر: وهذا إعلامٌ من الله تعالى ذكره عبادَه جميعاً = الذين تبرأوا ١٨٧/٦
من حلف اليهود وخلعوهم رضَّ بولاية الله ورسوله والمؤمنين، (١) والذين تمسكوا بحلفهم
وخافوا دوائر السوء تدور عليهم، فسارعوا إلى موالاتهم = أنّ مَن وثق بالله وتولى الله
ورسوله والمؤمنين، (٢) ومن كان على مثل حاله من أولياء الله من المؤمنين، لهم
الغلبة والدوائر والدولة على من عاداهم وحادّهم، لأنهم حزب الله، وحزبُ الله هم
الغالبون ، دون حزب الشيطان ، كما : -
١٢٢١٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : أخبرهم = يعنى الرب تعالى ذكره = مَنِ
الغالب، فقال: لا تخافوا الدولة ولا الدائرة، فقال: (( ومن يتول الله ورسوله
والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون))، و((الحزب))، هم الأنصار .
٠ ٠
عند أحد من العلماء ، ممن نعلمه من أئمة الفتوى . وحتى إن بعضهم ذكر فى هذا أثراً عن على بن
أبى طالب أن هذه الآية نزلت فيه ... )) ثم، ساق الآثار السالفة وما فى معناها من طرق مختلفة .
وهذه الآثار جميعاً لا تقوم بها حجة فى الدين . وقد تكلم الأمة فى موقع هذه الجملة ، وفى معناها .
والصواب من القول فى ذلك أن قوله: ((وهم راكعون))، يعنى به : وهم خاضعون لربهم ، متذللون له
بالطاعة ، خاضعون له بالانقياد لأمره فى إقامة الصلاة بحدودها وفروضها من تمام الركوع والسجود ،
والصلاة والخشوع ، ومطيعين لما أمرهم به من إيتاء الزكاة وصرفها فى وجوهها التى أمرهم بصرفها فيها .
فهى بمعنى ((الركوع)) الذى هو فى أصل اللغة، بمعنى الخضوع = انظر تفسير ((ركع)) فيما سلف
١ : ٥٧٤ .
وإذن فليس قوله: ((وهم راكعون)) حالا من ((ويؤتون الزكاة)). وهذا هو الصواب المحض
إن شاء الله.
(١) فى المطبوعة: ((الذين تبرأوا من اليهود وحلفهم رضى بولاية الله ... ))، غير ما فى
المخطوطة إذ لم يحسن قراءته ، والذى أثبت هو صواب القراءة .
(٢) فى المطبوعة: ((بأن من وثق بالله ... ))، وفى المخطوطة مكان ذلك كله: ((ووثقوا
بالله)). والذى أثبت هو صواب المعنى .
٤٢٨
تفسير سورة المائدة : ٥٦ ، ٥٧
ويعنى بقوله: ((فإن حزب اللّه))، فإن أنصار الله، (١) ومنه قول الراجز: (٢)
. وَكَيْفَ أَضْوَى وَبِلاَلٌ حِزْبٍ ! . (٣)
يعنى بقوله: ((أضوى))، أستضْعَفُ وأضام = من الشىء ((الضاوى)). (٤)
ويغنى بقوله : (( وبلال حزبى))، يعنى : ناصرى .
القول فى تأويل قوله ﴿يَأيُّها الّذِينَ ، امَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ
اَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَمِاَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَّبَ مِنْ قَيْلِكُمْ
وَالْكُفَّارَ أَوْلِياً، وَأَتَُّواْ اللّهَ إِنَ كُنتُم مُوْمِنِينَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله محمد صلى الله عليه
وسلم: ((يا أيها الذين آمنوا))، أى: صدقوا الله ورسوله = (( لا تتخذوا الذين اتخذوا
دینکم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم )) ، يعنى اليهود والنصارى الذین
(١) انظر تفسير ((الحزب)) فيما سلف ١: ٢٤٤. وهذا التفسير الذى هنا لا تجده فى
كتب اللغة .
(٢) هو رؤبة بن العجاج .
(٣) ديوانه: ١٦، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٦٩، من أرجوزة يمدح بها بلال
ابن أبي بردة ، ذكر فى أولها نفسه ، ثم قال يذكر من يعترضه ويعبى له الهجاء والذم:
وَطَحْطَحَ الجِدُّ لِحَاءَ القَشْبِ
ذَاكِ ، وإن عَّ لِىَ الُمُِّ
فَكَيْفَ أَضْوَى وَبِلَاَلٌ حِزْبِىِ!
أَلْقَيتُ أَقْوَالَ الرِّجَالِ الكُذْبِ
ورواية الديوان: ((ولست أضوئ)). وفى المخطوطة: ((وكيف أضرى))، وهو تصحيف
(طعطح الشىء)): فرقه وبدده وعصف به فأهلكه. و((اللحاء»: المخاصمة. و((القشب))،
( يفتح فسكون): الكلام المفترى: ولو قرئت ((القشب)) (بكسر فسكون)، فهو الرجل الذى
لا خير فيه .
.(٤) ((الضاوى)): الضعيف من الهزال وغيره. ((ضوى يضوى ضوى)): ضعف ورق.
وكان فى المخطوطة: ((أضرى)) و((الضارى))، وهو خطأ وتصحيف.
٤٢٩
تفسير سورة المائدة : ٥٧
جاءتهم الرسل والأنبياء، وأنزلت عليهم الكتب من قبل بَعْث نبينا صلى الله عليه
وسلم، ومن قبل نزول كتابنا = ((أولياء)) ، يقول : لا تتخذوهم ، أيها المؤمنون ،
أنصاراً أو إخواناً أو حُلفاء، (١) فإنهم لا يألونكم خَبَالاً، وإن أظهروا لكم
مودّة وصداقة .
٠
وكان اتخاذ هؤلاء اليهود الذين أخبر الله عنهم المؤمنين أنهم اتخذوا دينهم
هُزُ واً ولعباً بالدين على ما وصفهم به ربنا تعالى ذكره، (٢) أن أحدهم كان يظهر
للمؤمنين الإيمان وهو على كفره مقيم ، ثم يراجع الكفر بعد يسير من المدة بإظهار
ذلك بلسانه قولاً ، بعد أن كان يُبدى بلسانه الإيمان قولاً وهو للكفر مستبطن
تلعباً بالدين واستهزاءً به ، كما أخبر تعالى ذكره عن فعل بعضهم ذلك بقوله :
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَلُواْ آمَّنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
إِنَّا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون . اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيُّهُمْ فِ طُغْيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[ سورة البقرة : ١٤، ١٥]
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك جاء الخبر عن ابن عباس .
١٢٢١٦ - حدثنا هناد بن السرى وأبو كريب قالا، حدثنا يونس بن بكير
قال ، حدثنى ابن إسحق قال ، حدثنى محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت
قال ، حدثنى سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن
زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين
يوادُّونهما، فأنزل الله فيهما: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم
(١) فى المطبوعة: ((أنصار وإخوانا وحلفاء))، وفى المخطوطة: ((أنصاراً أو إخواناً وحلفاء))،
وأجريتها جميعاً بأو ، كما ترى .
(٢) فى المطبوعة: ((ولعباً الدين على ما وصفهم))، وهو غير مستقيم، وفى المخطوطة:
((ولعبا الذين على ما وصفهم))، وهو أشد التواء، والصواب ما أثبت، كما سيأتى بعد (( تلعباً بالدين
واستهزاء به )) .
٤٣٠
تفسير سورة المائدة : ٥٧
هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء)) إلى قوله: ((والله أعلم
بما كانوا يكتمون)).(١)
٠ ٥
= فقد أبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا ، من أنّ اتخاذ من اتخذ دين الله
هزواً ولعباً من أهل الكتاب الذين ذكرهم الله فى هذه الآية، إنما كان بالنفاق
منهم ، وإظهارهم للمؤمنين الإيمان ، واستنبطانهم الكفر ، وقيلهم لشياطينهم من
اليهود إذا خلوا بهم: ((إنا معكم))، فهى اللّه عن موادَّتهم وُمُخَالّتهم، (٢) والتمسك
بحلفهم، والاعتداد بهم أولياء = وأعلمهم أنهم لا يألونهم خبالاً ، وفى دينهم طعناً ،
وعليه إزراء .
٠ ٥
وأمّا ((الكفار)) الذين ذ کرهم الله تعالی ذ کره فى قوله: (( منالذين أوتوا الكتاب
من قبلكم والكفار أولياء))، فإنهم المشركون من عبدة الأوثان. نهى اللّه المؤمنين
أن يتخذوا من أهل الكتاب ومن عبدة الأوثان وسائر أهل الكفر ، أولياء دون
المؤمنين .
وكان ابن مسعود فيما : -
١٢٢١٧ - حدثنى به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال ،
حدثنا حجاج، عن هرون ، عن ابن مسعود = يقرأ: ﴿ مِنَ اُلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.
#
= ففى هذا بيان صحة التأويل الذى تأوَّلناه فى ذلك .
٠
(١) الأثر: ١٢٢١٦ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٧، ٢١٨.
(٢) فى المطبوعة: ((ومخالفتهم))، لم يحسن قراءة المخطوطة إذ كانت غير منقوطة، وصواب
قراءتها ما أثبت .
٤٣١
تفسير سورة المائدة : ٥٧
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته جماعة من أهل الحجاز والبصرة والكوفة: ﴿وَالْكُفَّارِ أَوْ لِيَاءٍ﴾، بخفض ١٨٨/٦
((الكفار))، بمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً
من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، ومن الكفار ، أولياءً .
٠ ٥
وكذلك ذلك فى قراءة أبيّ بن كعب فيما بلغنا: ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الْكُفَّارِ أَوْلِيَاءٍ﴾.
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿والْكُفَّارَ أَوْلياء) ، بالنصب،
بمعنى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً والكفارَ =
عطفاً بـ ((الكفار)) على ((الذين اتخذوا)).
٠ ٠ ٠
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال : إنهما قراءتان متفقتا
المعنى ، صحيحتا المخرج ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرأة ، فبأى ذلك
قرأ القارئ فقد أصاب . لأن النهى عن اتخاذ ولى من الكفار ، نهىٌّ عن اتخاذ
جميعهم أولياء . والنهى عن اتخاذ جميعهم أولياء ، نهىٌّ عن اتخاذ بعضهم وليًّا.
وذلك أنه غير مشكل على أحدٍ من أهل الإسلام أنّ اللّه تعالى ذكره إذا حرّم
اتخاذ ولىّ من المشركين على المؤمنين ، أنه لم يبح لهم اتخاذ جميعهم أولياء = ولا
إذا حرَّم اتخاذ جميعهم أولياء، أنه لم يخصص إباحة اتخاذ بعضهم وليًّا ، فيجب من
أجل إشكال ذلك عليهم، طلبُ الدليل على أولى القراءتين فى ذلك بالصواب . وإذ
كان ذلك كذلك ، فسواء قرأ القارئ بالخفض أو بالنصب ، لما ذكرنا من العلة .
٥
وأما قوله: ((واتقوا الله إن كنتم مؤمنين))، فإنه يعنى: وخافوا اللّه، أيها المؤمنون،
٤٣٢
تفسير سورة المائدة : ٥٧ ، ٥٨
فى هؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب ومن الكفار ، أن
تتخذوهم أولياء ونصراء ، وارهبوا عقوبته فى فعل ذلك إن فعلتموه بعد تقدُّمه إليكم
بالنهى عنه، إن كنتم تؤمنون بالله وتصدّقونه على وعيده على معصيته .(١)
٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذَا نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَنَّخَذُوهَاَ
هُزُوَا وَلَعَِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يُعْقِلُونَ) ®)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا أذن مؤذنكم، أيها المؤمنون، بالصلاة،
سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين ، ولعبوا من
ذلك = ((ذلك بأنهم قوم لا يعقلون))، يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ذلك))، فعلهم
الذى يفعلونه، وهو هز ؤهم ولعبهم من الدعاء إلىالصلاة،وإنما يفعلونه بجهلهم بربهم،
وأنهم لا يعقلون ما لهم فى إجابتهم إن أجابوا إلى الصلاة ، وما عليهم فى استهزائهم
ولعبهم بالدعوة إليها، ولو عَقَلوا مالمن فعل ذلك منهم عند الله من العقاب ، ما فعلوه .
٠
وقد ذ کر عن السدی فی تأويله ما : -
١٢٢١٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ))، كان
رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادى ينادى: ((أشهد أن محمداً رسول اللّه))،
قال: ((حُرِّق الكاذب))!فدخلت خادمه ذات ليلة من الليالى بنار وهو نائم وأهله
نيام ، فسقطت شرارة فأحرقت البيت ، فاحترق هو وأهله .
٠٠
(١) انظر تفسير ((كفار)) و((أولياء)) و((اتى)) فيما سلف من فهارس اللغة، (كفر)
و (ولى) و (وق).
٤٣٣
تفسير سورة المائدة : ٥٩
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَّبِ هَلْ تَنِقِمُونَ مِنَّآ
إَ أَنْ ءامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَ كْثَرَكُمْ
فَسْقُونَ ﴾
٥٩
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عیله وسلم: قل، یا محمد،
لأهل الكتاب من اليهود والنصارى : يا أهل الكتاب ، هل تكرهون منا أو تجدون
علينا فى شىء إذ تستهزئون بديننا ، وإذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة اتخذتم نداءنا
ذلك هزواً ولعباً (١) = ((إلا أن آمنا بالله))، يقول: إلاّ أن صدقنا وأقررنا بالله
فوحدناه، وبما أنزل إلينا من عند الله من الكتاب ، وما أنزل إلى أنبياء الله من الكتب
من قبل كتابنا = ((وأن أكثركم فاسقون))، يقول: وإلا أن أكثركم مخالفون أمر الله،
خارجون عن طاعته ، تكذبون علیه . (٢)
والعرب تقول: ((نقّمتُ عليك كذا أنقمٍ )) = وبه قرأه القرأة من أهل الحجاز
والعراق وغيرهم - و((نقِمت أنقيم))، لغتان (٣) = ولا نعلم قارئاً قرأ بهما (٤) - بمعنى:
وجدت وكرهت ، (٥) ومنه قول عبد الله بن قيس الرقيات : (٦)
أَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا(٧)
مَا نَقَمُوا مِنْ بَنِى أَمَّيَّةَ إلَّا
٥
(١) فى المطبوعة: ((أو تجدون علينا حتى تستهزئوا بديننا إذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة))،
لم يحسن قراءة المخطوطة ، فحذف وغير وبدل، وأساء غاية الإساءة .
(٢) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف ص: ٣٩٣ تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) اللغة الأولى (("ثُقم)) (بفتحتين) ((ينقم)) (بكسر القاف) = واللغة الثانية ((نقم)) (بفتح
فكسر) ((ينقم)) ( بكسر القاف أيضاً).
(٤) فى المطبوعة: ((قرأ بها)) بالإفراد، والصواب ما فى المخطوطة، ويعنى ((فقمت))، أنقم.
من اللغة الثانية .
(٥) ((وجدت)) من قولهم: ((وجد عليه يجد وجداً وموجدة)): غضب.
(٦) مختلف فى اسمه يقال: ((عبد الله)) ويقال: ((عبيد اللّه)) بالتصغير، وهو الأكثر.
(٧) ديوانه: ٧٠، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٧٠، واللسان (نقم)، من قصيدته التى
ج ١٠ (٢٨)
٤٣٤
تفسير سورة المائدة : ٥٩
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من اليهود .
* ذكر من قال ذلك :
١٨٩/٦
١٢٢١٩ -حدثنا هناد بن السری قال، حدثنا يونس بن بکیر قال ، حدثنا
محمد بن إسحق قال، حدثی محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت قال، حدثی
سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : أتى رسولَ اللّه صلى الله عليه
وسلم نفرٌ من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبى رافع، وعازر، (١)
وزيد ، وخالد ، وأزار بن أبى أزار ، وأشيع ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ؟
قال: أومن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب
والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم
ونحن له مسلمون . (٢) فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بمن آمن
به! (٣) فأنزل الله فيهم: ((قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلاّ أن آمنا بالله
وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون)). (٤)
قالها لعبد الملك بن مروان ، فى خبر طويل ذكره أبو الفرج فى الأغانى ٥ : ٧٦ - ٨٠، وبعد
البيت :
وأَنَّهُمْ مَعْدِنَ الْمُلُوكِ ، فَلاَ تَصْلُحُ إلَّا عَلَيْهِمُ العَرَبُ
إن الفَنِيقِ الَّذِى أَبُوهُ أبو المَاصِ، عَلَيْهِ الوَقَرُ واُلَحُجُبُ
جَفْتْ بِذَاكَ الأَقْلاَمُ والكُتُبُ
خَلِيفَةُ اللهِ فَوْقَ مِنْبَرِهِ
عَلَى جَبِينِ كَأَنَّهُ الذَّهَبُ
يَعْتَدِلُ التَّاجُ فَوْقَ مَفْرِقِهِ
(١) فى المخطوطة: ((عازى))، وصوابه من المراجع الآتى ذكرها.
(٢) هذا تضمين آية سورة البقرة : ١٣٦.
(٣) فى المخطوطة: ((لا نؤمن آمن به))، أسقط ((بمن)).
(٤) الأثر: ١٢٢١٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٦، ومضى بالإسنادين رقم ٢١٠١، ٢١٠٢
٤٣٥
تفسير سورة المائدة : ٥٩، ٦٠
= عطفاً بها على ((أن)) التى فى قوله: ((إلا أن آمنا بالله))، (١) لأن معنى
الكلام : هل تنقمون منا إلا إيمانَنا باللّه وفسقكم.
القول فى تأويل قوله (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٌّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً
عِندَ اللهِ مَنْ أََّنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِينَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))،
يا محمد ، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم
والكفار = ((هل أنبئكم))، يا معشر أهل الكتاب ، بشر من ثواب ما تنقمون منا
من إيماننا بالله وما أنزل إلينا من كتاب الله، وما أنزل من قبلنا من كتبه ؟ (٢)
٠ ٠
[ و ((مثوبة))، تقديرها ((مفعولة))]، غير أن عين الفعل لما سقطت نقلت
حركتها إلى ((الفاء))، (٣) وهى ((الثاء) من ((مثوبة))، فخرجت مخرج ((مَقُولة))،
و((مُحُورة))، و((مَضُوفة))، (٤) كما قال الشاعر: (٥)
(١) يعنى قوله: ((وأن أكثركم فاسقون))، فتح الألف من ((وأن))، عطفاً بها على ((أن)) التى
فى قوله: ((إلا أن آمنا بالله)).
(٢) انظر تفسير ((مثوبة)) فيما سلف ٢ : ٤٥٨، ٤٥٩.
(٣) كان فى المطبوعة: ((غير أن العين لما سكنت نقلت حركتها إلى الفاء ... ))، سقط
صدر الكلام ، فغير ما كان فى المخطوطة ، فأثبت ما أثبته بين القوسين ، استظهاراً من اشتقاق الكلمة.
والذى كان فى المخطوطة: ((غير أن الفعل لما سقط نقلت حركتها إلى الفاء))، سقط أيضاً صدر الكلام
الذى أثبته بين القوسين، وسقط أيضاً ((عين)) من قوله: ((عين الفعل)). وأخشى أن يكون سقط من
الكلام غير هذا. انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٧٠، وذلك قراءة من قرأ ((مثوبة)) (بفتح فسكون ففتح) .
(٤) فى المطبوعة: ((محوزة)) بالحاء والزاى وفى المخطوطة: ((محوره ومصرفه)) غير منقوطة، والصواب
ما أثبت. ويأتى فى بعض الكتب كالقرطبى ٦: ٢٤٣ ((مجوزة)) بالجيم والزاى، وكل ذلك خطأ،
صوابه ما أثبت. و((المحورة)) من (المحاورة))، مثل ((المشورة)) و((المشاورة)) يقال: ((ما جاءتنى
عنه محورة))، أى: ما رجع إلى عنه خبر. وحكى ثعلب: ((اقض محورتك))، أى الأمر الذى أنت فيه .
ويقال فيها أيضاً: ((محورة)) ( بفتح الميم وسكون الحاء ) ومنه قول الشاعر:
لِحَاجَةٍ ذى بَثٍّ وَخْوَرةٍ لَهُ، كَفَى رَجْعُهَا مِنْ قِصَّةِ الْمُتَكَلِم
(٥) هو أبو جندب الهذلى .
٤٣٦
تفسير سورة المائدة : ٦٠
أُثَّرِ حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقُ مِنْزَرِى(١)
وَكَنْتُ إذَا جَارِى دَعَا لِمَضُوفٍ
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
٥
٠
• ذكر من قال ذلك :
١٢٢٢٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله))،
يقول : ثواباً عند الله .
١٢٢٢١ -حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهبقال، قال ابن زيد فى قوله :
((هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله))، قال: ((المثوبة))، الثواب، ((مثوبة
الخير))، و((مثوبة الشر))، وقرأ: ﴿خَيْرٌ ثَوَابَا﴾ [ سورة الكهف: ٤٤].(٢)
(١) أشعار الهذليين ٣: ٩٢، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٧٠، واللسان (ضيف)
(نصف ) وغيرها كثير ، وبعده :
يُخَفِّرُنِ سَنْفِى إِذَا لَمَّ أُخَفَّرٍ
وَلَكِنَّبِى ◌َجْرُ النَّضَا مِن وَرَائِهِ
وَإِيّىَ مَا جَاوُّوا إلَىَّ بِمُنْكَرِ
أُبَى النَّاسُ إلاَّ الشَّرَّ مِّ، فَدَعْهُمُ
بِمُسْقِطَةِ الْأحْبَلِ فَقْمَاءَ فِيْطِرٍ
بَغَيْتَهُمُ
ء
إِذَا مَعْشَرٌ يَوْمًا بَغَوْنِ
و((المضوفة)) و((المضيفة)) و((المضافة)): الأمر يشفق منه الرجل. وبها جميعا روى البيت.
((ضاف الرجل وأضاف)): خاف. و((نصف الإزار ساقه)): إذا بلغ نصفها. يريد بذلك اجتهاده فى الدفاع
عمن استجاربه. وقوله: ((ولكنى حمر الغضا ... ))، يقول: أتحرق فى نصرته تحرقاً كأنه لهب باق
من جمر الغضا. وقوله: ((يخفرنى سيفى ... )). يقول: سيفى خفيرى إذا لم أجد لى خفيراً ينصرنى.
وقوله: ((مسقطة الأحبال)): يريد: أعمد إليهم بداهية تسقط الحبالى من الرعب. و((فقماء)).
وصف الداهية المنكرة، يذكر بشاعة منظرها يقال: ((امرأة فقماء)): وهى التى تدخل أسنانها العليا
إلى الفم، فلا تقع على الثنايا السفلى، وهى مع ذلك مائلة الحنك. و((قنطر)) هى الداهية ، وجاء بها
هنا وصفاً، وكأن معناها عندئذ أنها داهية تطبق عليه إطباقاً ، كالقنطرة التى يعبر عليها تطبق على الماء . ولم
يذكر أصحاب اللغة هذا الاشتقاق، وإنما هو اجتهاد منى فى طلب المعنى .
وكان صدر البيت الشاهد فى المخطوطة: ((وكنت إذا جاى دعالم))، ولم يتم البيت، وأتمته المطبوعة.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((شر ثواباً))، وليس فى كتاب الله آية فيها ((شر ثواباً))، فأثبت
آية الكهف التى استظهرت أن يكون قرأها ابن زيد فى هذا الموضع . ونقل السيوطى فى الدر المنثور
٤٣٧
تفسير سورة المائدة : ٦٠
وأما ((مَنْ)) فى قوله: ((من لعنة اللّه))، فإنه فى موضع خفض، ردًّا على
قوله: (( بشرّ من ذلك)). فكأن تأويل الكلام ، إذ كان ذلك كذلك : قل هل
أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند اللّه، بمن لعنه الله .
ولو قيل : هو فى موضع رفع ، لكان صواباً ، على الاستئناف ، بمعنى :
ذلك من لعنه الله = أو : وهو من لعنه الله .
ولو قيل : هو فى موضع نصب، لم يكن فاسداً ، بمعنى : قل هل أنبئكم من
لعنه الله (١) = فيجعل ((أنبئكم)) عاملاً فى ((من))، واقعاً عليه. (٢)
٠ ٠ ٠
وأما معنى قوله: ((من لعنه الله))، فإنه يعنى: من أبعده الله وأسْحقه
من رحمته (٣) = ((وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير))، يقول: وغضب
عليه، وجعل منهم المُسوخَ القردة والخنازير، غضباً منه عليهم وسخطاً، فعجَّل لهم
الخزى والنكال فى الدنيا . (٤)
٠
وأما سبب مَسْخ الله من مَسخ منهم قردة ، فقد ذكرنا بعضه فيما مضى
من كتابنا هذا، وسنذكر بقيته إن شاء الله فى مكان غير هذا . (٥)
#
٢: ٢٩٥، وكتب: ((وقرئ: بشر ثواباً))، ولم أجد هذه القراءة الشاذة، فلذلك استظهرت
ما أثبت . هذا ، وقد سقط من الترقيم رقم : : ١٢٢٢٢ سهوا.
(١) انظر هذا كله فى معانى القرآن للفراء ١: ٣١٤.
(٢) فى المطبوعة: ((فيجعل (( أنبئكم)) على ما فى ((من)) واقعاً عليه))، وفى المخطوطة:
((فيجعل ((أنبئكم)) علاماً فيمن واقعاً عليه))، وكلاهما فاسد، وصواب قراءة ما أثبت ، ولكن أخطأ
الناسخ كعادته فى كتابته أحياناً. و ((الوقوع)) التعدى، كما سلف مراراً، انظر فهارس المصطلحات
فى الأجزاء السالفة .
(٣) انظر تفسير ((اللعنة)) فيما سلف ٩: ٢١٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((غضب الله)) فيما سلف ١: ١٨٨، ٢/١٨٩: ١٣٨، ٧/٣٤٥: ١١٦/
٩ : ٠٥٧
(٥) انظر ما سلف ٢ : ١٦٧ - ٨/١٧٢ : ٤٤٧، ٤٤٨ / وما سياتى فى التفسير
٩ : ٦٣ - ٧٠ ( بولاق ).
٤٣٨
تفسير سورة المائدة : ٦٠
وأما سبب مسخ الله من مسخ مهم خنازير ، فإنه کان فيما : -
١٢٢٢٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن
إسحق ، عن مُمر بن كثير بن أفلح مولى أبى أيوب الأنصارى ، قال : حدّثت
أن المسخ فى بنى إسرائيل من الخنازير، كان أن امرأة من بنى إسرائيل كانت فى
قرية من قرى بنى إسرائيل ، وكان فيها مَلِك بنى إسرائيل ، وكانوا قد استجمعوا
على الهلكة، إلا أنّ تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة به، فجعلت
تدعو إلى اللّه، (١) حتى إذا اجتمع إليها ناس فتابعوها على أمرها قالت لهم : إنه لابد
لكم من أن تجاهدوا عن دين الله، وأن تنادوا قومكم بذلك ، فاخرجوا فإنى خارجة .
فخرجت ، وخرج إليها ذلك الملك فى الناس ، فقتل أصحابها جميعاً، وانفلتت من
بينهم . قال : ودعت إلى اللّه حتى تجمّع الناس إليها ، حتى إذا رضيت منهم ،
أمرتهم بالخروج ، فخرجوا وخرجت معهم ، وأصيبوا جميعاً وانفلتت من بينهم . ثم
دعت إلى اللّه حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها ، أمرتهم بالخروج، فخرجوا
١٩٠/٦ وخرجت، فأصيبوا جميعاً، وانفلتت من بينهم ، فرجعت وقد أيست وهى تقول:
سبحان الله، لو كان لهذا الدين ولىّ وناصرٌ، لقد أظهره بَعْدُ! قال: فباتت مخزونة،
وأصبح أهل القرية يسعون فى نواحيها خنازيرَ ، قد مسخهم الله فى ليلتهم تلك ،
فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت : اليوم أعلم أن الله قد أعزَّ دينه وأمر دينه !
قال : فما كان مسخ الخنازير فى بنى إسرائيل إلاّ على يدى تلك المرأة. (٢)
(١) فى المخطوطة: ((تدعو الله)) بحذف ((إلى))، والصواب ما فى المطبوعة، بدليل
ما سيأتى بعد. وأما قوله: ((واستجمعوا على الهلكة))، فإنه يعنى: قد أشرفت جمعاتهم على الهلاك بكفرهم.
(٢) الأثر : ١٢٢٢٣ - « عمر بن كثير بن أفلح ، مولى أبي أيوب الأنصارى »، روی عن
كعب بن مالك ، وابن عمر ، وسفينة ، وغيرهم . وذكره ابن حبان فى الثقات ، فى أتباع التابعين . وقال
ابن سعد: ((كان ثقة، له أحاديث)). وقال ابن أبى حاتم: ((روى عنه محمد بن بشر العبدى، وحماد
بن خالد الخياط، وأبو عون الزيادى))، غير أن أبا عون قال: ((عمروبن كثير بن أفلح)) ، وهو وهم
منه)). وكان فى المخطوطة والمطبوعة هنا ((عمرو بن كثير))، فتابعت ابن أبى حاتم . وهو مترجم فى
التهذيب (( عمر))، وابن أبي حاتم ١٣٠/١/٣.
٤٣٩
تفسير سورة المائدة : ٦٠
١٢٢٢٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((وجعل منهم القردة والخنازير))،
قال : مسخت من يهود .
١٢٢٢٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
٠
وللمسخ سبب فيما ذكر غير الذى ذكرنا ، سنذكره فى موضعه إن شاء الله.(١).
القول فى تأويل قوله ﴿وَعَبَدَ اُلْطَُّوتَ أَوْ لَلَكَ شَرٌّمَّكَانَا
ءِ
وَأَضَلُّ عَن سَوَّآءِ السَّبِيلِ ﴾
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته قرأة الحجاز والشأم والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾،
بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، بمعنى: ((عابد))، فجعل
((عبد))، فعلاً ماضياً من صلة المضمر، ونصب ((الطاغوتَ))، بوقوع ((عبَدَ)) عليه.
...
وقرأ ذلك جماعة من الكوفيين: ﴿وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ﴾ بفتح ((العين)) من ((عبد))
وضم بائها، وخفض ((الطاغوت)) بإضافة ((عَبُد)) إليه. وعنوا بذلك: وخدَمَ
الطاغوت .
١٢٢٢٦ - حدثنى بذلك المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبدالرحمن
ابن أبى حماد قال ، حدثنى حمزة ، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب أنه قرأ:
﴿وَعَبْدَ الطَّاغُوتِ﴾، يقول: خدم = قال عبد الرحمن: وكان حمزة كذلك يقرأها.
(١) لم أعرف مكانه فيما سيأتى من التفسير، فإذا عثرت عليه أثبته إن شاء الله. ولعل منه
ما سيأتى فى الآثار رقم: ١٢٣٠١ - ١٢٣٠٤. وانظر رقم : ٧١١٠.
٤٤٠
تفسير سورة المائدة : ٦٠
١٢٢٢٧ - حدثنى ابن وكيع وابن حميد قالا، حدثنا جرير، عن الأعمش:
أنه كان يقرأها كذلك .
وكان الفَرَّاء يقول: إن تكن فيه لغة مثل ((حذرٍ) و((وحَذُرُ))، ((وعجِلٍ))،
٥
و((وعَجُلٍ))، فهو وجه، والله أعلم = وإلاّ فإن أراد قول الشاعر: (١)
أَبَنِي لُبْنَى إِنَّ أُمَّكُمُ أَمَةٌ وَإِنَّ أَبَكُمُ عَبْدُ(٣)
فإن هذا من ضرورة الشعر ، وهذا يجوز فى الشعر لضرورة القوافى ، وأما فى
القراءة فلا . (٣)
وقرأ ذلك آخرون: ﴿ وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ﴾، ذكر ذلك عن الأعمش.
٠٠٠
وكأنَّ من قرأ ذلك كذلك، أراد جمع الجمع من ((العبد)»، كأنه جمع
((العبد)) ((عبيداً))، ثم جمع ((العبيد)) ((عُبُداً))، مثل: ((ثُمَار وُثْمُر)). (٤)
...
وذكر عن أبى جعفر القارئ أنه كان يقرأه: (٥) ﴿ وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ﴾.
١٢٢٢٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الرحمن
قال: كان أبو جعفر النحوىّ يقرأها: ﴿وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ)، كما تقول: (( ضُرِب
عبدُ اللّه)).
(١) هو أوس بن حجر.
(٢) ديوانه، القصيدة: ٥، البيت: ٤، ومعانى القرآن الفراء ١: ٣١٤، ٣١٥،
واللسان (عبد)، وقد مضى منها بيت فيما سلف ص : ٢٧٥، وقبل البيت :
أَبَنِ لُبْفَِ لَنْتُ مُعْرِفَا ◌ِيَكُونَ أَلْأُمَ مِنْكُ أَحَدُ
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣١٤، ٣١٥.
(٤) كان الأجود أن يقول: ((كأنه جمع العبد عباداً، ثم جمع العباد عبداً، مثل ثمار
وثمر))، وهو ظاهر مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٣١٤.
(٥) فى المطبوعة: ((أنه يقرؤه)) بحذف ((كان))، وأثبت ما فى المخطوطة.