النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
تفسير سورة المائدة : ٤٨
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ومهيمناً عليه))، محمد صلى الله عليه وسلم ،
مؤتمنٌ على القرآن .
١٢١٢٣ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( ومهيمناً عليه ))، قال : محمد صلى
اللّه عليه وسلم، مؤتمنٌ على القرآن .
٠ ٠ ٠
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام على ما تأوّله مجاهد : وأنزلنا الكتاب مصدقاً
الكتبَ قبله إليك، مهيمناً عليه = فيكون قوله: ((مصدقاً)) حالاً من ((الكتاب))
وبعضاً منه، ويكون ((التصديق)) من صفة ((الكتاب))، و((المهيمن)) حالاً من
((الكاف)) التى فى ((إليك))، وهى كناية عن ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم،
و(«الهاء)) فى قوله: ((عليه))، عائدة على الكتاب.
وهذه التأويل بعيد من المفهوم فى كلام العرب ، بل هو خطأ. وذلك أنّ
((المهيمن) عطفٌ على ((المصدق))، فلا يكون إلا من صفة ما كان ((المصدِّق))
صفةً له. ولو كان معنى الكلام ما روى عن مجاهد، لقيل: (( وأنزلنا إليك الكتاب
مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب مهيمناً عليه))(١) = لأنه لم يتقدم من صفة ((الكاف))
التى فى ((إليك)) بعدَها شىءٌ يكون ((مهيمناً عليه)) عطفاً عليه، (٢) وإنما عطف
به على ((المصدق))، لأنه من صفة ((الكتاب)) الذى من صفته ((المصدق)).
٥
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ومهيمناً)) بالواو، والصواب إسقاطها، لأنه أراد إسقاط
العطف، إذ كان ((مهيمناً)) حالا من ((الكاف)) فى ((إليك))، غير معطوف على شىء قبله،
كما ترى فى بقية كلامه .
(٢) فى المطبوعة: ((لأنه متقدم من صفة الكاف التى فى إليك وليس بعدها شىء ... ))،
فزاد ((وليس))، وليست فى المخطوطة، وجعل ((يتقدم)) ((متقدم))، إذ كان فى المخطوطة خطأ،
فأساء الفهم، وأساء التصرف !! كان فى المخطوطة كما أثبت إلا أنه كتب ((لأنه متقدم من صفة.
الكاف)) سقط من الناسخ ((لم))، فأثبتها، واستقام الكلام على وجهه.

٣٨٢
تفسير سورة المائدة : ٤٨
فإن ظن ظان أن ((المصدق)) = على قول مجاهد وتأويله هذا = من صفة
((الكاف)) التى فى ((إليك))، فإن قوله: (( لما بين يديه من الكتاب)) ، يبطل أن
يكون تأويل ذلك كذلك، وأن يكون ((المصدق) من صفة ((الكاف)) التى فى
((إليك)). لأن ((الهاء)) فى قوله: ((بين يديه))، كناية اسم غير المخاطب، وهو النبى
صلى الله عليه وسلم فى قوله ((إليك)). (١) ولو كان ((المصدق)) من صفة ((الكاف))،
لكان الكلام : وأنزلنا إليك الكتاب مصدَّقاً لما بين يديك من الكتاب ، (٢)
ومهيمناً عليه = فيكون معنى الكلام حينئذ كذلك . (٣)
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿فَأَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ
اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَّابِهُمْ عَمّا جَاءَكَ مِنَ الْقّ)
قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم،
أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهل الملل بكتابه الذى أنزله
إليه ، وهو القرآن الذى خصّه بشريعته . يقول تعالى ذكره : احكم ، یا محمد ،
بين أهل الكتاب والمشركين بما أنزل إليك من كتابى وأحكامى فى كل ما احتكوا
فيه إليك ، من الحدود والجُرُوحِ والقَوّد والنفوس ، فارجم الزانى المحصّن ، واقتل
٤ ,١٧٤ النفسَ القاتلةَ بالنفس المقتولة ظلماً، وافقأ العين بالعين، واجدع الأنف بالأنف،
فإنى أنزلت إليك القرآن مصدّقاً فى ذلك ما بين يديه من الكتب ، ومهيمناً عليه
رقيباً ، يقضى على ما قبله من سائر الكتب قبله، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود = الذين
(١) فى المخطوطة: ((والنبى صلى الله عليه ... )) بإسقاط ((هو))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٢) فى المخطوطة: ((لما بين يديه))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٣) فى المخطوطة: ((فيكون معنى الكلام حينئذ يكون كذلك))، بزيادة ((يكون))، والصواب
ما فى المخطوطة ، إلا أن يكون الناسخ أسقط من الكلام شيئاً . ومع ذلك ، فالذى فى المطبوعة مستقيم .

٣٨٣
تفسير سورة المائدة : ٤٨
يقولون: إن أوتيتم الجلدَ فى الزانى المحصن دون الرجم، وقتلَ الوضيع بالشريف إذا
قتله ، وترك قتل الشريف بالوضيع إذا قتله ، فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا (١)
= عن الذى جاءك من عند الله من الحق، وهو كتاب الله الذى أنزله إليك.
يقول له: اعمل بكتابى الذى أنزلته إليك إذا احتكموا إليك فاخترتَ الحكم عليهم، (٢)
ولا تتركنَّ العمل بذلك اتباعاً منك أهواء هم، وإيثاراً لها على الحق الذى أنزلته
إليك فی کتابی ، کما : -
١٢١٢٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( فاحكم بينهم
بما أنزل الله))، يقول: بحدود اللّه = ((ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق)).
١٢١٢٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هرون، عن عنبسة ، عن جابر،
عن عامر ، عن مسروق : أنه كان يحلف اليهودىَّ والنصرانى باللّه، ثم قرأ:
﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بْنَهُمْ بِمَ أَنْزَلَ اللهُ﴾ [سورة المائدة: ٤٩]، (٣) و((أنزل الله)):
﴿ أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [سورة الأنعام: ١٥١].
القول فى تأويل قوله عزذكره ﴿الُكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَبِجَا﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : لكل قوم منكم جعلنا شرعةً . (٤)
. ..
(١) السياق: ((ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود ... عن الذى جامك من عند الله ... )).
(٢) فى المطبوعة: ((فاختر الحكم))، والصواب ما فى المخطوطة، لأن رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم مخير فى الحكم بينهم وفى ترك الحكم، كما سلف ص : ٣٣٣.
(٣) فى المخطوطة: ((ثم قرأ: فإن جاؤوك فاحكم بينهم بما أنزل الله))، وصواب الاستدلال
فى هذه الآية من المائدة، أما آية المائدة الأخرى (٤٢)، فتلاوتها: ((فإن جاؤوك فاحكم بينهم
أو أعرض عنهم))، وليس فيها الدليل الذى تطلبه فى استحلافهم بالله عز وجل .
(٤) انظر تفسير ((كل)) فيما سلف ٣: ٦/١٩٣: ٨/٢٠٩ : ٢٦٩.

٣٨٤
تفسير سورة المائدة : ٤٨
و((الشرعة)) هى ((الشريعة)) بعينها، تجمع ((الشرعة)) ((شِرَعاً))، (١)
((والشريعة)) ((شرائع)). ولو جمعت ((الشرعة)) ((شرائع))، كان صواباً، لأن معناها
ومعنى ((الشريعة)) واحد ، فيردّها عند الجمع إلى لفظ نظيرها . وكل ما شرعت
فيه من شىء فهو ((شريعة)). ومن ذلك قيل: الشريعة الماء ((شريعة))، لأنه
يُشْرع منها إلى الماء. ومنه سميت شرائع الإسلام ((شرائع))، لشروع أهله فيه .
ومنه قيل للقوم إذا تساووا فى الشىء: ((هم شَرَعٌ))، سواءٌ .
٠
(وأما( المنهاج))، فإنّ أصله: الطريقُ البيِّن الواضح، يقال منه: ((هو طريق
تَهْجٌ، وَمَنْهْجٌ))، بيِّنّ، كما قال الراجز: (٢)
مَنْ يِكُ فِى شَكٍ فَهَذَا فَلْجُ مَاءٍ رَوَاء وَطَرِيقٌ نَهْجُ(٣)
.. . (٣)
ثم يستعمل فى كل شىء كان بيناً واضحاً سهلاً .
فمعنى الكلام : لكل قوم منكم جعلنا طريقاً إلى الحق يؤمُّه، وسبيلاً واضحاً
يعمل به .
*
*
٠
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((تجمع الشرعة شراعاً))، وهذا خطأ من الناسخ لاشك فيه،
فإن جمع ((فعلة)) (بكبر فسكون) إنما يكسر على ((فعل)) (بكسر ففتح)، فى الصحيح وفى
غيره مثل ((كسر))، و((لحى)). وقد جاء فى ((فعلة)) ((فعال))، وهو قليل، كجمع ((لقحة))
و ((لقاح))، و((حقة))، و((حقاق)). فجائز أن يكون ((شراع)) جمعاً عزيزاً للشرعة، ولكن
الأقرب فى مثل ذلك أن يذكر الجمع الذى أطبق عليه القياس .
(٢) كأنه راجز من بنى العنبر بن عمرو بن تميم .
(٣) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٦٨، ومعجم ما استعجم: ١٠٢٧، واللسان (روى)،
وروايتهم جميعاً: ((من يك ذا شك)). ولكن هكذا جاء فى المخطوطة والمطبوعة.
و ((فلج)) (بفتح فسكون): ماءه لبنى العنبر بن عمرو بن تميم، يكثر ذكره فى شعر
بنى تميم ، ويمتدحون ماءه، قال بعض الأعراب :
أُلاَ شَرْبَةٌ مِنْ مَاءِ مُزْنٍ عَلَى الصَّفَاَ حَدِيثَةُ عَهْدِ بِالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ
إِلَى رَصَفٍ مِنْ بَطْنِ فَلْجٍ، كَأَنَّهَ إِذَا ذُفْتَهَا بَيُّونَةً مَاهِ سُكَّرٍ
و ((ماء رواء)) (بفتح الراء): الماء العذب الذى فيه الواردين رى .

٣٨٥
تفسير سورة المائدة : ٤٨
ثم اختلف أهل التأويل فى المعنىَّ بقوله: ((لكل جعلنا منكم)).
فقال بعضهم : عنى بذلك أهل الملل المختلفة، أى: أن الله جعل لكل مِلّة
شريعة ومنهاجاً .
* ذكر من قال ذلك :
١٢١٢٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً))، يقول: سبيلاً وسُنّة. والسنن مختلفة:
للتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ اللّه فيها ما يشاء، ويحرِّم
ما يشاء بلاءً ، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه . ولكن الدين الواحد الذى لا يقبل
غيره : التوحيدُ والإخلاصُ لله ، الذى جاءت به الرسل .
١٢١٢٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة قوله: (( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً))، قال : الدينُ واحد ،
والشريعةُ مختلفة .
١٢١٢٨ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم
قال أخبرنا سيف بن عمر ، عن أبى روق ، عن أبى أيوب ، عن على قال :
الإيمان منذُ بعث الله تعالى ذكره آدم صلى الله عليه وسلم: شهادةُ أن لا إله إلا
. الله، والإقرار بما جاء من عند الله، لكلّ قوم ما جاءهم من شرعة أو منهاج، فلا
یکون المقرُّ تاركاً ، ولکنه مُطيع .(١)
...
وقال آخرون : بل عنى بذلك أمَّةَ محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقالوا : إنما
معنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذى أنزلناه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ،
(١) الأثر: ١٢١٢٨ - ((عبد الله بن هاشم))، لم أعرف من يكون. وقد مضى فى الإسنادين
رقم : ٧٣٢٩، ٧٩٣٨ ، فى مثل هذا الإسناد نفسه .
و ((سيف بن عمر التميمى))، مضى برقم : ٧٣٢٩، ٧٩٣٨، وهو ساقط الرواية . وكان
فى المطبوعة هنا أيضاً، كما فى الإسنادين المذكورين: ((سيف بن عمرو))، وهو خطأ محض.
ج١٠(٢٥)

٣٨٦
تفسير سورة المائدة : ٤٨
أيها الناس، لكُلِّكم = أى لكل من دخل فى الإسلام وأقرّ بمحمد صلى الله عليه
وسلم أنه لى نبيِّ = شرعةً ومنهاجاً .
ذكر من قال ذلك :
#
١٢١٢٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً))، قال: سنة،
= ((ومنهاجاً ))، السبيل = ((لكلكم))، من دخل فى دين محمد صلى الله عليه وسلم،
فقد جعل الله له شرعة ومنهاجاً . يقول : القرآن ، هو له شرعة ومنهاج .
قال أبو جعفر : وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب ، قولُ من قال :
معناه : لكل أهل ملة منكم ، أيها الأمم ، جعلنا شرعةً ومنهاجاً .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}،
١٧٥/٦ ولو كان عنى بقوله: ((لكل جعلنا منكم))، أمّة محمد، وهم أمّة واحدةٌ ، لم
يكن لقوله: ((ولو شاء اللّه لجعلكم أمة واحدة))، وقد فعل ذلك فجعلهم أمة
واحدة = معنىَّ مفهوم. ولكن معنى ذلك ، على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه
محمد صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر ما كتب على بنى إسرائيل فى التوراة ، وتقدم
إليهم بالعمل بما فيها ، ثم ذكر أنه قفَى بعيسى بن مريم على آثار الأنبياء قبله ،
وأنزل عليه الإنجيل، وأمرمن بعثه إليه بالعمل بما فيه . ثم ذكر نبينا محمداً صلى
اللّه عليه وسلم ، وأخبره أنه أنزل إليه الكتاب مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ،
وأمره بالعمل بما فيه ، والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما فى سائر الكتب غيره =
وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصّ
عليه قصصهم ، وإن كان دينه ودينهم - فى توحيد الله، والإقرار بما جاءهم به
من عنده ، والانتهاء إلى أمره ونهيه - واحداً، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكم
واحد منهم ولأمته ، فيما أحلّ لهم وحرَّم عليهم.
٠ ٠

٣٨٧
تفسير سورة المائدة : ٤٨
وبنحو الذى قلنا فى ((الشرعة)) و((المنهاج)) من التأويل ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
١٢١٣٠ -حدثنا ابن بشار قال ،حدثنا عبد الرحمن بن مهدی قال ، حدثنا
مسعر، عن أبى إسحق ، عن التميمى، عن ابن عباس: ((لكل جعلنا منكم شرعة
ومنهاجاً ))، قال: سنةً وسبيلاً .
١٢١٣١ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع ، عن سفيان وإسرائيل ، عن
أبى إسحق، عن التميمى، عن ابن عباس: ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ))،
قال : سنة وسبيلاً .
١٢١٣٢ - حدثنا ابن وکیع قال، حدثنا أبى، عن سفيان وإسرائيل وأبيه ،
عن أبى إسحق ، عن التميمى ، عن ابن عباس ، مثله .
١٢١٣٣ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو يحيى الرازى ، عن أبى سنان ، عن
أبى إسحق ، عن يحيى بن وثَّاب قال: سألت ابن عباس عن قوله: (( لكل جعلنا
منكم شرعة ومنهاجاً))، قال: سنة وسبيلاً.(١)
١٢١٣٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا إسرائيل ،
عن أبى إسحق، عن التميمى، عن ابن عباس: ((شرعة ومنهاجاً))، قال : سنة
وسبيلاً".
١٢١٣٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عمرو، عن مطرف ،
عن أبى إسحق ، عن رجل من بني تميم ، عن ابن عباس ، بمثله .
(١) الأثر: ١٢١٣٣ - ((أبو يحيى الرازى)) أو ((أبو يحيى العبدى)) هو: ((إسحق
ابن سلمان الرازى»، ثقة . مضى برقم : ٦٤٥٦ .
و((أبو سنان)) هو: ((سعيد بن سنان البرجى)). روى عن أبى إسحق السبيعى، وروى
عنه إسحق بن سليمان أبو يحيى الرازى. مضى برقم : ١٧٥، ١١٢٤٠. وكان فى المطبوعة:
((أبو شيبان))، وهو خطأ صرف.
و ((يحيى بن وثاب الأسدى)) المقرىء. روى عن ابن عمر، وابن عباس. وروى عنه أبو إسحق
السبيعى. قال ابن سعد: ((كان ثقة قليل الحديث صاحب قرآن». ومضى برقم : ١١٤٨٨.

٣٨٨
تفسير سورة المائدة : ٤٨
١٢١٣٦ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبى
إسحق ، عن التيمى ، عن ابن عباس ، مثله .
١٢١٣٧ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عی
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((لكل جعلنا منكم شرعة
ومنهاجاً))، يعنى: سبيلاً وسنةً.
١٢١٣٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هرون ، عن سفيان
ابن حسين قال: سمعت الحسن يقول: ((الشرعة))، السنة .
١٢١٣٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بنموسى ، عن إسرائيل ،
عن أبى يحيى القتات ، عن مجاهد قال: سنةً وسبيلاً .(١)
١٢١٤٠ -حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ،عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: (( شرعة ومنهاجاً))،
قال: ((الشرعة))، السنة = ((ومنهاجاً))، قال: السبيل.
١٢١٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، بنحوه .
١٢١٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( لكل جعلنا
منكم شرعة ومنهاجاً)) ، يقول : سبيلاً وسنة .
١٢١٤٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحوضى قال، حدثنا شعبة قال ،
حدثنا أبو إسحق قال : سمعت رجلاً من بني تميم ، عن ابن عباس ، بنحوه. (٢)
١٢١٤٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
(١) الأثر: ١٢١٣٩ - ((أبو يحيى القتات الكنانى))، مختلف فى اسمه. وهو ضعيف
متكلم فيه . مترجم فى التهذيب .
(٢) الأثر: ١٢١٤٣ - ((الحوضى)) هو ((حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة النمرى))
أبو عمر الحوضى ، ثقة ثبت متقن. مضى برقم : ١١٤٤٩ .

٣٨٩
تفسير سورة المائدة : ٤٨
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((شرعة ومنهاجاً ))، يقول : سبيلاً وسنة .
١٢١٤٥ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ان جريج ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : السنَّة والسبيل .
١٢١٤٦ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً))، يقول: سبيلاً وسنة .
١٢١٤٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن
خالد قال ، أخبرنى عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: (( شرعة
ومنهاجاً ))، قال: سبيلاً وسنةً .
#
القول فى تأويل قوله عز ذكره (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ
أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِى مَآءَاشْكُمْ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولوشاء ربّكم لجعل شرائعكم واحدة ،
ولم يجعل لكل أمة شريعةً ومنهاجاً غيرَ شرائع الأمم الأخر ومنهاجهم ، فكنتم
تکونون أمة واحدةً لا تختلف شرائعکم ومهاجکم ، ولکنه تعالی ذ کره یعلم ذلك ،
فخالف بين شرائعكم ليختبركم ، فيعرف المطيع منكم من العاصى ، والعاملَ بما
أمره فى الكتاب الذى أنزله إلى نبيّه صلى اللّه عليه وسلم من المخالف .
*
١٧٦/٦
و((الابتلاء))، هو الاختبار، وقد أبنتُ ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ. (١)
#
٥
٥
(١) انظر تفسير ((الابتلاء)» فيما سلف ٢: ٣/٤٩: ٧/٧: ٥٧٤، تعليق: ١،
والمراجع هناك .
وكان فى المطبوعة والمخطوطة هنا: ((وقد ثبت ذلك))، وليس بشىء، أخطأ الناسخ، صوابها
ما أثبت .

٣٩٠
تفسير سورة المائدة : ٤٨
وقوله: ((فيما آتاكم))، يعنى: فيما أنزل عليكم من الكتب ، كما : -
١٢١٤٨ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: (( ولكن ليبلوكم فيما آتاكم))، قال : عبد الله بن كثير: لا أعلمه
إلاّ قال : ليبلوكم فيما آتاكم من الكتب .
#
فإن قال قائل: وكيف قال: ((ليبلوكم فيما آتاكم))، ومن المخاطب بذلك؟
وقد ذكرت أنّ المعنىَّ بقوله: ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً))، نبيُنا مع الأنبياء
الذين مضوا قبله وأعمهم، والذين قبل نبيّنا صلى الله عليه وسلم على حدةٍ ؟ (١)
قيل : إن الخطاب وإن كان لنبينا صلى الله عليه وسلم: فإنه قد أريد به
الخبر عن الأنبياء قبله وأممهم . ولكن العرب من شأنها إذا خاطبت إنساناً وضمّت
إليه غائباً ، فأرادت الخبر عنه ، أن تغلّب المخاطب ، فيخرج الخبرُ عنهما على
وجه الخطاب، فلذلك قال تعالى ذكره: ((لكلّ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً)).
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿فَاسْتَبِقُواْ أَتَخْرَاتِ إِلَى اللهِ
تَرْجِعُكُمْ ◌َجِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَ كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فبادروا ، أيها الناس ، إلى الصالحات
من الأعمال ، والقُرَب إلى ربكم ، بإدمان العمل بما فى كتابكم الذى أنزله إلى
(١) كانت هذه الجملة فى المطبوعة: ((وقد ذكرت أن المعنى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجأ.
لكل نبي من الأنبياء الذين مضوا قبله وأمهم الذين قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، والمخاطب النبى وحده)).
غير ما فى المخطوطة، وحذف منه وزاد فيه . وفى المخطوطة: « وقد ذكرت أن المعنى : لكل جعلنا
منكم شرعة ومنها جأنسا مع الأنبياء الذين مضوا قبله وأمهم، والذين قبل نبينا صلى الله عليه وسلم حده)).
((وهو سياق لا يستقيم، ورجحت أن الناسخ أسقط ((قوله)) قبل الآية، وأسقط ((على)) من قوله:
.((على حدة)). لأن مراد أبى جعفر أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يدخل فى خطابه خطاب
الأنبياء الذين قبله هم وأمهم . وأما الذى فى المطبوعة ، فهو تصرف جاوز حده .

٣٩١
تفسير سورة المائدة : ٤٨
نبيكم ، فإنه إنما أنزله امتحاناً لكم وابتلاءً ، ليتبين المحسن منكم من المسىء ،
فيجازى جميعكم على عمله جزاءَه عند مصيركم إليه ، فإن إليه مصيركم جميعاً ،
فيخبر كلّ فريق منكم بما كان يخالف فيه الفرقَ الأخرى، فيفْصَل بينهم بفصل
القضاء، وتُبِينُ المحقَّ مجازاته إياه بجناته، (١) من المسىء بعقابه إياه بالنار ،
فيتبين حينئذ كل حزب عياناً، المحقّ منهم من المبطل. (٢)
٠
٠
٠
فإن قال قائل: أولم ينبئنا ربَّنا فى الدنيا قبل مرجعنا إليه ما نحن فيه مختلفون ؟
قيل : إنه بيَّن ذلك فى الدنيا بالرسل والأدلة والحجج ، دون الثواب والعقاب
عياناً ، فمصدق بذلك ومكذّب . وأما عند المرجع إليه ، فإنه ينبئهم بذلك بالمجازاة
التى لا يشكُّون معها فى معرفة المحق والمبطل ، ولا يقدرون على إدخال اللبس معها
على أنفسهم. فكذلك خبرُه تعالى ذكره أنه ينبئنا عند المرجع إليه بما كنّا فيه نختلف
فى الدنيا. وإنما معنى ذلك: إلى اللّه مرجعكم جميعاً، فتعرفون المحقَّ حينئذ من المبطل
منکم ، کما :-
١٢١٤٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب ، عن أبى سنان
قال: سمعت الضحاك يقول: ((فاستبقوا الخيرات إلى اللّه مرجعكم جميعاً)، قال:
أمة محمد صلى الله عليه وسلم، البرّ والفاجر. (٣)
(١) فى المطبوعة: ((ويبين المحق بمجازاته إياه ... ))، أساء قراءة المخطوطة، فتصرف فيها.
(٢) انظر تفسير ((استبق)) فيما سلف ٣: ١٩٦ = وتفسير ((الخيرات)) فيما سلف
٣: ١٩٦ = وتفسير ((المرجع)) فيما سلف ٦: ٤٦٤ = وتفسير ((أنبأ)) و((النبأ)) فيما
سلف ١ : ٤٨٨، ٦/٤٨٩ : ٢٥٩، ١٠/٤٠٤ : ٢٠١
(٣) الأثر: ١٢١٤٩ - ((أبو سنان)) هو: ((سعيد بن سنان))، مضى قريباً برقم:
٠١٢١٣٣

٣٩٢
تفسير سورة المائدة : ٤٩
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ يَيْنَهُم بِمَآَ
أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآَهُمْ وَأَخْذَرْهُمْ أَن يَفْتُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ
اللهُ إِلَيْكَ فَإِنِ تَوَلَوْ فَأَعْلَمْ أَنَّا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ ﴾ (
٤٩
قال أبو جعفر: یعنی تعالى ذكره بقوله: (( وأن احكم بينهم بما أنزل الله )) ،
وأنزلنا إليك ، يا محمد ، الكتابَ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، وأن احكم
بينهم = فـ ((أن)) فى موضع نصب؛ ((التنزيل)).
...
ويعنى بقوله: ((بما أنزل اللّه))، بحكم الله الذى أنزله إليك فى كتابه.
٠
٠
وأما قوله: ((ولا تتبع أهواءهم))، فإنه نهىٌّ من اللّه نبيَّه محمداً صلى الله عليه
وسلم أن يتبع أهواء اليهود الذين احتكموا إليه فى قتيلهم وفاجِرَ يهم، (١) وأمرٌ منه
له بلزوم العمل بكتابه الذى أنزله إليه .
...
وقوله: ((واحذرهم أن يفتِنُوك عن بعض ما أنزل الله إليك))، يقول تعالى ذكره
لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: واحذر ، يا محمد، هؤلاء اليهود الذين جاؤواك
محتکمینإلیك=(أن يفتنوك)، فیصدُّوك عن بعض ما أنزل الله إليك منحکم کتابه،
فيحملوك على ترك العمل به واتّباع أهوائهم . (٢)
#
وقوله: « فإن تولوا فاعلم أنما یرید الله أن يُصِيبهمببعض ذنوبهم))، يقول تعالى
ذكره: فإن تولى هؤلاء اليهود الذين اختصموا إليك عنك، فتركوا العمل بما حكمت به
(١) قوله: ((وفاجريهم))، يعنى اليهودى واليهودية اللذان زنيا، فرجها صلى الله عليه وسلم.
(٢) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف ١٠: ٣١٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

: ٣٩٣
تفسير سورة المائدة : ٤٩
عليهم وقضيت فيهم (١) = ((فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم))،
يقول: فاعلم أنهم لم يتولوا عن الرضى بحكمك وقد قضيت بالحق" ، إلا من أجل
أن اللّه يريد أن يتعجّل عقوبتهم فى عاجل الدنيا ببعض ما قد سلف من ذنوبهم (٢) ١٧٧/٦
= ((وإن كثيراً من الناس لفاسقون))، يقول: وإن کثیراً من اليهود= (( لفاسقون ))،
يقول: لتاركُو العمل بكتاب الله، ولخارجون عن طاعته إلى معصيته . (٣)
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك جاءت الروايةُ عن أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
٠
١٢١٥٠ -حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونس بن بکیر ، عن محمد بن
إسحق قال ، حدثنى محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت قال ، حدثنی سعید
ابن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال کعب بن أسد ، وابن صوریا،
وشأس بن قيس، (٤) بعضُهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلّنا نفتنه عن دينه!
فأتوه فقالوا : يا محمد، إنك قد عرفت أنّا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم ، وأنَّا
إن اتبعناك اتّبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحا كمهم إليك،
فتقضى لنا عليهم ، ونؤمن لك ونصدقك ! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فأنزل الله فيهم: ((وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن
يفتِنُوك عن بعض ما أنزل الله إليك))، إلى قوله: ((لقوم يوقنون)). (٥)
١٢١٥١ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك))، قال: أن يقولوا: ((فى
(١) انظر تفسير ((تولى)) فيما سلف ١٠: ٣٣٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الإصابة)) فيما سلف ٨: ٥١٤، ٥٣٨، ٥٤٠، ٥٥٥
(٣) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف ١٠: ٣٩٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) فى ابن هشام: ((وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا)).
(٥) الأثر: ١٢١٥٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٦، وهو تابع الأثر السالف رقم :
٠١١٩٧٤

٣٩٤
تفسير سورة المائدة : ٤٩ ، ٥٠
التوراة كذا))، وقد بيناً لك ما فى التوراة. وقرأ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأُنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسَّنَّ ◌ِالسُّنِّ وَالْجُرُوحَ
قِصَاصٌ﴾ [سورة المائدة: ٤٥]، بعضها ببعضٍ.
١٢١٥٢ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة ، عن الشعبى
قال: دخل المجوسُ مع أهل الكتاب فى هذه الآية: ((وأن احكم بينهم بما
أنزل الله)).
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمَا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أيبغى هؤلاء اليهود الذين احتكموا إليك ،
فلم يرضوا بحكمك، (١) إذا حكمت فيهم بالقسط (٢)= ((حكم الجاهلية))، يعنى:
أحكام عبدة الأوثان من أهل الشرك، وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم
الذى حكمت به فيهم ، وأنه الحق الذى لا يجوزُ خلافه .
ثم قال تعالى ذكره= موبِّخاً لهؤلاء الذين أبوا قَبُول حكم رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم عليهم ولهم من اليهود، ومستجهلاً فعلهم ذلك منهم =: ومَنْ هذا الذى هو
أحسن حكماً ، أيها اليهود، من اللّه تعالى ذكره عند من كان يوقن بوحدانية الله ،
ويقرُّ بربوبيته؟ يقول تعالى ذكره : أىّ حكم أحسن من حكم الله، إن كنتم
موقنين أن لكم ربًّاً ، وکنتم أهل توحیدٍ وإقرار به ؟
٠ ٠
٠
(١) انظر تفسير ((بنى)) و((ابتغى))فيما سلف ١٠: ٢٩٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((وقد حكمت))، وفى المخطوطة: ((أو حكمت))، وصوابها ما أثبت.

٣٩٥
تفسير سورة المائدة : ٥٠ ، ٥١
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال مجاهد .
١٢١٥٣ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((أفحكم الجاهلية يبغون))،
قال : يهود .
١٢١٥٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن
ابن أبى نجیح، عن مجاهد : (( أفحكم الجاهلية يبغون ) ، يهود .
١٢١٥٥ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شيخ ،
عن مجاهد: ((أفحكم الجاهلية يبغون))، قال : يهود .
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَتَّخِذواْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصُرَىَّ أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءٍ بَعْضٍ ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى المعنىّ بهذه الآية ، وإن كان
مأموراً بذلك جميع المؤمنين . .
فقال بعضهم : عنى بذلك عبادة بن الصامت ، وعبد الله بن أبى ابن سلول ،
فى براءة عبادة من حلف اليهود، وفى تمسك عبد الله بن أبى ابنسلول بحلف اليهود ،
بعد ما ظهرت عدواتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم = وأخبره الله أنه إذا تولاهم
وتمسّك بحلفهم : أنه منهم فى براءتِه من الله ورسوله كبراءتهم منهما.
ذكر من قال ذلك :
٠
١٢١٥٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبى ،
عن عطية بن سعد قال : جاء عبادة بن الصامت ، من بنى الحارث بن الخزرج،
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن لی موالی من يهود کثیرٌ

٣٩٦
تفسير سورة المائدة : ٠١
عَدَدُهم، وإنى أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولَّى اللّه ورسوله. فقال
عبد الله بن أبى: إنىّ رجل أخاف الدَّوائر، لا أبرأ من ولاية موالىَّ! فقال رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبىّ: يا أبا الحباب، ما بخلتَ به من ولاية
١٧٨/٦ يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه؟(١) قال: قد قبلتُ! فأنزل الله:
((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضُهم أولياء بعض)) إلى قوله:
(فترى الذين فى قلوبهم مرض)).
١٢١٥٧ -حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بکیر قال ، حدثی عمان .
ابن عبد الرحمن ، عن الزهرى قال : لما انهزم أهلُ بدر، قال المسلمون لأوليائهم
من يهود : آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر! فقال مالك بن صيف :
غرَّكم أن أصبتم رهطاً من قريش لا علم لهم بالقتال !! أما لو أمْرَرْنَا العزيمة أن
نستجمع عليكم، (٢) لم يكن لكم يدٌ أن تقاتلونا! فقال عبادة: يا رسول اللّه ، إن
أوليائى من اليهود كانت شديدةً أنفسهم، كثيراً سلاحهم ، شديدةً شَوْكتُهم ،
وإنى أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم ، ولا مولى لى إلا الله ورسوله. فقال عبد الله
بن أبىّ: لكنى لا أبرأ من ولاء يهود، إنّ رجل لابدَّ لى منهم ! فقال رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم: يا أبا حُباب، أرأيت الذى نَفست به من ولاء يهود على عبادة ،
فهو لك دونه؟ قال: إذاً أقبلُ! فأنزل الله تعالى ذكره: (( يا أيها الذين آمنوا
لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض)) إلى أن بلغ إلى قوله: ((والله
يعصمك من الناس)) . (٣)
١٢١٥٨ - حدثنا هناد قال ، حدثنا يونس قال ، حدثنا ابن إسحق قال ،
(١) فى المخطوطة: (فهو إلى دونه))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٢) فى المطبوعة: ((أسرونا العزيمة))، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة. ((أمر الحبل
يمره إمراراً)): فتله فتلاً محكماً قوياً. يعنى: أجمعنا عزيمتنا .
(٣) الأثر: ١٢١٥٧ - ((عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبى وقاص الزهرى))،
ضعيف متروك الحديث . مضى برقم : ٥٧٥٤ .

٣٩٧
تفسير سورة المائدة : ٥١
حدثنى والدى إسحق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال : لما
حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم،، تشبّث بأمرهم عبد الله بن أبىّ وقام
دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم = وكان أحد بنی
عوف بن الخزرج، له من حلفهم مثلُ الذى لهم من عبد الله بن أبىّ - فخلعهم إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم ، وقال : يارسول الله،
أتبرَّأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف
الكُفَّار وولايتهم! ففيه وفى عبد الله بن أبىّ نزلت الآيات فى ((المائدة)): ((يا أيها
الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعضٍ))، الآية. (١)
#
وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ من المؤمنين كانوا همُّوا حين نالهم بأحدٍ
من أعدائهم من المشركين ما نالهم = أن يأخذوا من اليهود عِصَماً، (٢) فنهاهم الله
عن ذلك ، وأعلمهم أنّ من فعل ذلك منهم فهو منهم .
ذكر من قال ذلك :
#
١٢١٥٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء
بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم))، قال : لما كانت وقعة أحد ،
اشتدّ على طائفة من الناس، وتخوَّفوا أن يُدّال عليهم الكفّار، (٣) فقال رجل
لصاحبه: أمَّا أنا فألحق بدهلك اليهودىّ، فَآخذ منه أماناً وأتهوّد معه، (٤) فإنى أخاف
أن تُدال علينا اليهود! وقال الآخر: أمَّا أنا فألحق بفلان النصرانى ببعض أرض
(١) الأثر: ١٢١٥٨ - سيرة ابن هشام ٣: ٥٢، ٥٣.
(٢) ((العصم)) جمع ((عصمة)): وهى الحبال والعهود، تعصمهم وتمنعهم من الضياع.
(٣) ((أديل عليه)) (بالبناء للمجهول): أى كانت له الدولة والغلبة.
(٤) (( دهلك اليهودى)) لم أجد له ذكراً فيما بين يدى من الكتب. وأخشى أن يكون
اسمه تحريف .

٣٩٨
تفسير سورة المائدة : ٥١
الشأم ، فآخذ منه أماناً وأتنصّر معه! فأنزل الله تعالى ذكره ينهاهما: (( يا أيها الذين
آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياءَ بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه
منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين)).
...
وقال آخرون : بل عُنى بذلك أبو لبابة بن عبد المنذر ، فى إعلامه بنى
قريظة إذ رَضُوا بحكم سعدٍ : أنه الذَّبح .
• ذكر من قال ذلك :
١٢١٦٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عكرمة قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى
أولیاء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم» ، قال : بعثرسول الله صلى
اللّه عليه وسلم أبا لُبابة بن عبد المنذر، من الأوس = وهو من بنى عمرو بن عوف =
فبعثه إلى قريظة حين نَقَضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول، (١) أشار إلى حلقه:
الذَّبْحَ الذَّبْحَ !
٥ ٥
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى
ذكره نهىَ المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاء على أهل الإيمان
بالله ورسوله وغيرهم، (٢) وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً ووليًا من دون الله
ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم فى التحزِّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله
ورسوله منه بريئان . وقد يجوز أن تكون الآية نزلت فى شأن عبادة بن الصامت
وعبد الله بن أبى ابن سلول وحلفائهما من اليهود= ويجوز أن تكون نزلت فى أبی لبابة
بسبب فعله فى بنى قريظة = ويجوز أن تكون نزلت فى شأن الرَّجلين اللذين ذكر
السدى أن أحدَ هما همَّ باللحاق بدهلك اليهودى، والآخر بنصرانىّ بالشأم = ولم
١٧٩/٦
(١) فى المخطوطة: ((أطاعوا اللّه بالنزول))، والجيد ما فى المطبوعة.
(٢) فى المطبوعة، حذف قوله: ((وغيرهم)).

٣٫٩٩
تفسير سورة المائدة : ٥١
يصحّ بواحد من هذه الأقوال الثلاثة خبرٌ تثبت بمثله حجة ، فيسلّم لصحته القولُ
بأنه كما قيل .
فإذْ كان ذلك كذلك ، فالصواب أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على
ما عمَّ ، ويجوزما قاله أهل التأويل فيه من القول الذى لا علم عندنا بخلافه . غير
أنه لا شك أن الآية نزلت فى منافق كان يوالى يهوداً أو نصارى خوفاً على نفسه
من دوائر الدهر، لأن الآية التى بعد هذه تدلّ على ذلك ، وذلك قوله :
﴿فَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَض ◌ُسَارِ عُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَدَائِرَةُ)
الآية .
#
#
وأما قوله: (( بعضهم أولياء بعض )) ، فإنه عنى بذلك : أن بعض اليهود أنصار
بعضهم على المؤمنين ، ويد واحدة على جميعهم = وأن النصارى كذلك ، بعضهم
أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم = معرّفاً بذلك عباده المؤمنين : أنّ من
كان لهم أو لبعضهم وليًّاً، فإنما هو وليهُّم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين،
كما اليهود والنصارى لهم حَرْب. فقال تعالى ذكره للمؤمنين : فكونوا أنتم أيضاً
بعضكم أولياء بعض ، ولليهودىّ والنصرانی حرباً کما هم لكم حرب ، وبعضهم لبعض
أولياء ، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحرب ، ومنهم البراءة ، وأبان
قطع ولايتهم .(١)
#
-----. ...
-- ------- -------------
!! ...---
-------
(١) انظر تفسير ((ولى)) و((أولياء)) فيما سلف ٩: ٣١٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
..

٤٠٠
تفسير سورة المائدة : ٥١
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿وَمَن يَتَوَّلَّهُم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ومن يتولهم منكم فإنه منهم )) ،
ومن يتولّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرهم
على المؤمنين ، فهو من أهل دينهم وملتهم ، فإنه لا يتولى متول" أحداً إلا وهو به
وبدينه وما هو عليه راضٍ . وإذا رضيه ورضى دينه، فقد عادى ما خالفه وسخطه،
وصار حكمُه حُكمه، (١) ولذلك حتكم مَنْ حكيم من أهل العلم لنصار بنى تغلب فى
ذبائحھم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم ، بأحكام نصارىبنى إسرائيل ،
لمؤالاتهم إياهم، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها ، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم
مخالفة ، وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقاً .
...
وفى ذلك الدلالةُ الواضحة على صحّة ما نقول ، من أن كل من كان يدين
بدينٍ فله حكم أهل ذلك الدين ، كانت دينونته به قبل مجىء الإسلام أو بعده .
إلا أن يكون مسلماً من أهل ديننا انتقل إلى ملّة غيرِها، فإنه لا يُقَرُّ على ما دان به
فانتقل إليه ، ولكن يقتل لردّته عن الإسلام ومفارقته دين الحق ، إلا أن يرجع قبل
القَتْل إلى الدين الحق = (٢) وفساد ما خالفه من قول من زعم: أنه لا يحكم بحكم أهل
الكتابين لمن دان بدينهم، إلا أن يكون إسرائيليًا أو منتقلاً إلى دينهم من غيرهم قبل
نزول الفرقان . فأما من دان بدينهم بعد نزول الفُرْقان ، ممن لم يكن منهم ، ممن
خالف نسبُهُ نسبهم وجنسه جنسهم، فإن حكمه لحكمهم مخالفٌ. (٣).
٥
٠
(١) انظر تفسير ((التولى)) فيما سلف ٩: ٣١٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) قوله: ((وفساد ما خالفه))، مجرور معطوف على قوله آنفاً: ((وفى ذلك الدلالة
الواضحة على صحة ما نقول)» .
(٣) انظر ما سلف ٩ : ٥٧٣ - ٥٨٧