النص المفهرس

صفحات 361-380

٠٠
٣٦١
تفسير سورة المائدة : ٤٥
فى التوراة - ((والعين بالعين)) حتى: ((والجروح قصاص))، قال مجاهد ، عن
ابن عباس قال : كان على بنى إسرائيل القصاصُ فى القتلى ، ليس بينهم دية فى
نفسٍ ولا جُرْحٍ. قال: وذلك قول الله تعالى ذكره: ((وكتبنا عليهم فيها )) فى
التوراة ، فخفف الله عن أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فجعل عليهم الدية فى
النَّفس والجِراح، وذلك تخفيف من ربكم ورحمة = ((فمن تصدَّق به فهو كفارة له)). ١٦٨/٦
١٢٠٦٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( وكتبنا عليهم
فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسنّ بالسن
والجروح قصاص))، قال: إن بنى إسرائيل لم تُجعل لهم ديةٌ فيما كتب اللّه لموسى
فى التوراة من نفس قتلت، أو جرح ، أو سنّ ، أو عين ، أو أنف . إنما هو
القصاصُ ، أو العفو .
١٢٠٦٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((وكتبنا عليهم فيها))، أى فى التوراة = ((أن النفس بالنفس)).
١٢٠٧٠ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((وكتبنا عليهم فيها)) ، أى فى التوراة ، بأن النفس بالنفس .
١٢٠٧١ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فی
قوله: ((وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)) حتى بلغ (( والجروح قصاص))،
بعضها ببعض .
١٢٠٧٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية بن
صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((أن النفس بالنفس )) ،
قال يقول : تقتل النفس بالنفس ، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف،
وتنزع السنّ بالسن، وتقتصّ الجراح بالجراح.

٣٦٢
تفسير سورة المائدة : ٤٥
قال أبو جعفر : فهذا يستوى فيه أحرار المسلمين فيما بينهم، رجالهم ونساؤهم ،
إذا كان فى النفس وما دون النفس = ويستوى فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم،
إذا كان عمداً فى النفس وما دون النفس.(١)
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿فَمَنْ أَصَدَّقَ بِهِ مُ فَهُوَ
كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى المعنىّ به: ((فمن تصدق به فهو
كفارة له )) .
فقال بعضهم : عنى بذلك المجروحَ وولىَّ القتيل
ذكر من قال ذلك :
٥
١٢٠٧٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا
سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن الهيثم بن الأسود ، عن
عبد الله بن عمرو: ((فمن تصدق به فهو كفارة له))، قال: ◌ُهْدَم عنه = يعنى
المجروح = مثلُ ذلك من ذنوبه .
١٢٠٧٤ - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن قيس بن
مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن الهيثم بن الأسود ، عن عبد الله بن عمرو ،
بنحوه .
١٢٠٧٥ -حدثنا محمد بن المثی قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن الهيثم بن الأسود أبى العُرْيان
قال: رأيت معاويّة قاعداً على السرير، وإلى جنبه رجلٌ أحمر كأنه مَوْلىّ= وهو
(١) من أول قوله: ((فهذا يستوى ... )) إلى آخر الكلام، يشبه عندى أن يكون من كلام
أبى جعفر، فلذلك، فصلته عن خبر ابن عباس، وكتبت قبله: ((قال أبو جعفر)).

٣٦٣
تفسير سورة المائدة : ٤٥
عبد الله بن عمرو = فقال فى هذه الآية: ((فمن تصدق به فهو كفارة له))،
قال : يُهْدم عنه من ذنوبه مثلما تصدّق به .(١)
١٢٠٧٦ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة ،
عن إبراهيم فى قوله: ((فمن تصدق به فهو كفارة له))، قال : للمجروح.
١٢٠٧٧ - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث
قال ، حدثنا شعبة ، عن عمارة بن أبى حفصة ، عن أبى عقبة ، عن جابر بن
زيد: ((فمن تصدق به فهو كفارة له))، قال: للمجروح . (٢)
١٢٠٧٨ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنى حَرَمِيّ بن عمارة قال ، حدثنا
(١) الآثار: ١٢٠٧٣ - ١٢٠٧٥ - ثم يأتى أيضاً من طريق أخرى برقم: ١٢٠٨٥.
((سفيان))، هو الثورى .
و ((قيس بن مسلم الجدلى العدوانى))، ثقة ، مضى برقم : ٩٧٤٤.
و ((طارق بن شهاب الأحمسى))، ثقة، مضى برقم : ٩٧٤٤، ١١٦٨٢.
و ((الهيثم بن الأسود النخعى))، ((أبو العريان))، أدرك علياً، وروى عن معاوية وعبد الله
ابن عمرو . ثقة من خيار التابعين ، كان خطيباً شاعراً . مترجم فى التهذيب .
وهذا الخبر رواه فى السنن ٨: ٥٤، بمثله. وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣ : ١٦٧، من
تفسير ابن أبى حاتم ، من طريق أبي داود الطيالسى ، عن شعبة . وخرجه السيوطى فى الدر المنثور
٢ : ٢٨٨، وزاد نسبته للفريابى، وابن أبى شيبة، وعبد بن حميد، وأبى الشيخ ، وابن مردويه .
وقوله: ((وإلى جنبه رجل أحمر كأنه مولى))، ((الأحمر)) عندهم: الأبيض، لأن بياض
الناس تشوبه الحمرة، ولذلك سموا العجم ((الحمراء))، لبياضهم، ولغلبة الشقرة عليهم . وقد ذكر
ابن سعد (٢/٤ /١١) صفة عبد الله بن عمرو، عن ((العريان بن الهيثم بن الأسود النخعى))
قال: ((وفدت مع أبى إلى يزيد بن معاوية، فجاء رجل طوال أحمر، عظيم البطن ، فسلم وجلس . فقال
أبى: من هذا ؟ فقيل: عبد الله بن عمرو)). وروى أيضاً عن عبدالرحمن بن أبى بكرة ، أنه وصف
عبد الله بن عمرو فقال: ((رجل أحمر عظيم البطن طوال)). وعنى بقوله: ((كأنه مولى))، كأنه
من العجم أو الفرس .
وكان فى المطبوعة والمخطوطة: (( وإلى جنبه رجل آخر))، وهو خطأ صرف كما ترى.
(٢) الأثر: ١٢٠٧٧ - ((عمارة بن أبى حفصة العتكى))، ثقة، مضى برقم: ٨٥١٣.
و ((أبو عقبة))، لم أجد له ذكراً ، ولم أعرف من هو.
و ((جابر بن زيد الأزدى اليحمدى))، ((أبو الشعثاء))، ثقة، كان من أعلم الناس بكتاب الله .
مضى برقم : ٥١٣٦ ، ٥٤٧٢.

٣٦٤
تفسير سورة المائدة : ٤٥
شعبة قال ، أخبرنى عمارة ، عن رجل = قال حرمىّ : نسيت اسمه = عن جابر بن
زيد ، بمثله . (١)
١٢٠٧٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن حماد ،
عن إبراهيم: ((فمن تصدق به فهو كفارة له ))، قال: للمجروح .
١٢٠٨٠ - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبى زائدة قال، حدثنا ابن فضيل ،
عن يونس بن أبى إسحق ، عن أبى السفر قال: دفع رجلٌ من قريش رجلاً من
الأنصار فاندقَّتْ ثنيَّتُه، فرفعه الأنصارى إلى معاوية. فلما ألحَّ عليه الرجل قال
معاوية : شأنَكَ وصاحبك ! قال : وأبو الدرداء عند معاوية، فقال أبو الدرداء :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم يُصَاب بشىء من جسده
فيَهِبُهُ، إلا رفعه اللّه به درجةً، وحطّ عنه به خطيئة. فقال له الأنصارى: أنت
سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعته أذناى ووَعاه قلبى! فخلّى
سبيل القرشىّ، فقال معاوية: مروا له بمثال. (٢)
١٢٠٨١ - حدثنا محمود بن خداش قال، حدثنا هشيم بن بشير قال،أخبرنا
(١) الأثر: ١٢٠٧٨ - ((حرى بن عمارة بن أبى حفصة العتكى))، مضى هو وأبوه
((عمارة بن أبى حفصة)) فيما سلف رقم : ٥٨١٣.
والرجل الذى نسيه ((حرى))، هو ((أبو عقبة)) المذكور فى الأثر السالف.
(٢) الأثر: ١٢٠٨٠ - ((يونس بن أبى إسحق السبيعى))، ثقة. مضى برقم: ٣٠١٨.
و ((أبو السفر))، هو: ((سعيد بن يحمد الثورى)) تابعى ثقة، يروى عن متوسطى الصحابة
كابن عباس وابن عمر . مضى برقم : ٣٠١٠.
وهذا الإسناد منقطع ، لأن أبا السفر لم يسمع أبا الدرداء .
وروى الخبر أحمد فى مسنده ٦ : ٤٤٨، من طريق وكيع عن يونس بن أبى إسحق ، بمثله .
ورواه البيهقى فى السنن ٨ : ٥٥، من طريق شيبان بن عبد الرحمن ، عن يونس بن أبى إسحق ،
بمثله . ورواه ابن ماجة فى سننه ص : ٨٩٨، رقم : ٢٦٩٣ .
ورواه الترمذى فى ((أبواب الديات))، («باب ما جاء فى العفو))، من طريق عبد الله بن المبارك،
عن يونس بن أبي إسحق. ثم قال الترمذى: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا أعرف
لأبى السفر سماعاً من أبى الدرداء)».
وخرجه ابن كثير فى تفسيره ٣: ١٦٨، وزاد نسبته لابن ماجة .

٣٦٥
تفسير سورة المائدة : ٤٥
مغيرة ، عن الشعبى قال ، قال ابن الصامت : سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : من جُرِح فى جسده جراحةً فتصدَّق بها ، كُفّر عنه ذنوبه بمثل
ما تصدّق به .(١)
١٦٩/٦
١٢٠٨٢ - حدثنا سفيان بن و کیع قال،حدثنا يزيد بن هرون ، عن سفيان
ابن حسين، عن الحسن فى قوله: (( فمن تصدق به فهو كفارة له))، قال: كفارة
للمجروح .
١٢٠٨٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن زكريا قال : سمعت
عامراً يقول : كفارة لمن تصدَّق به .
١٢٠٨٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((فمن تصدق به فهو كفارة له))، يقول: لولىّ القتيل الذى عفا .
١٢٠٨٥ - حدثنى يونس قال، أخبرنا بن وهب قال ، أخبرنى شبيب بن
سعيد ، عن شعبة بن الحجاج ، عن قيس بن مسلم، عن الهيثم أبى العريان قال:
كنت بالشأم، وإذا برجل مع معاوية قاعدٍ على السرير كأنه مولى، قال: ((فمن
تصدق به فهو کفارة له ))، قال : فمن تصدق به هدم الله عنه مثله من ذنوبه =
فإذا هو عبد الله بن عمرو. (٢)
#
(١) الأثر: ١٢٠٨١ - ((ابن الصامت))، هو ((عبادة بن الصامت))، صاحب رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
وهذا الخبر، إسناد صحيح إلى الشعبى، رواه أحمد فى مسنده ٥ : ٣١٦، من طريق سريج
ابن النعمان، عن هشيم، بمثله، ثم رواه ابنه عبد الله فى ٥ : ٣٢٩، من طريق شجاع بن محمد ،
عن هشيم، بمثله ثم رواه عبد الله أيضا٥ً : ٣٣٠، من طريق إسماعيل بن أبى معمر الهذلى، عن
جرير، عن مغيرة، عن الشعبى، عن ابن الصامت بلفظ: ((من تصدق عن جسده بشىء ، كفر
اللّه تعالى عنه بقدر ذنوبه)).
ورواه البيهقى بغير هذا اللفظ من طريق أبى داود ، عن محمد بن أبان ، عن علقمة بن مرثه ،
عن الشعبى))، وقال: ((هو منقطع))، وذلك أن الشعبى، لم يسمع من عبادة بن الصامت.
وخرجه ابن كثير فى تفسيره ٣ : ١٦٨، وزاد نسبته للنسائى ، عن على بن حجر ، عن
جرير بن عبد الحميد .
(٢) الأثر: ١٢٠٨٥ - ((شبيب بن سعيد التميمى الحبطى))، ثقة، مضى برقم : ٦٦١٣.

٣٦٦
تفسير سورة المائدة : ٤٥
وقال آخرون : عنى بذلك الجارحَ . وقالوا : معنى الآية : فمن تصدق بما
وجب له من قود أو قصاصٍ على من وجب ذلك له عليه، فعفا عنه، فعفوه ذلك
عن الجانى كفّارة لذنب الجانى المجرم، كما القصاص منه كفّرة له . قالوا : فأما
أجْر العافى المتصدّق ، فعلى اللّه .
ذكر من قال ذلك :
#
١٢٠٨٦ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم ، عن سفيان،
عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: (( فمن تصدق به
فهو كفارة له))، قال: كفارة للجارح، وأجر الذى أُصِيب على الله.
١٢٠٨٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا
يونس ، عن أبى إسمق، قال سمعت مجاهداً يقول لأبى إسحق: ((فمن تصدّق به
فهو كفارة له))، يا أبا إسحق، [لمن]؟(١) قال أبو إسحق: للمتصدق- فقال مجاهد:
للمذنب الجارح .
١٢٠٨٨ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال ، قال مغيرة،
قال مجاهد : للجارح .
١٢٠٨٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن
مجاهد ، مثله .
١٢٠٩٠ - حدثنا هناد وسفیان بن و کیع قالا ، حدثنا جرير ، عن منصور،
عن إبراهيم ومجاهد: ((فمن تصدق به فهو كفارة له ))، قالا: للذى تُصُدِّق عليه،
وهذا الأثر مضى قبل ذلك بالأسانيد رقم ١٢٠٧٣ - ١٢٠٧٥، ولا أدرى أسقط من الناسخ
هنا ((عن طارق بن شهاب))، كما فى سائر الأسانيد، أم هكذا رواه ابن وهب عن شبيب بن سعيد .
ولذلك تركته على حاله ، ولكن لاشك أن الراوى عن الهيثم ، هو طارق بن شهاب .
وأما قوله ((الهيثم أبى العريان)) فقد كان فى المخطوطة والمطبوعة: ((الهيثم بن العريان))،
وهو خطأً لا شك فيه، صوابه ما أثبت. وقد مضى ذكره فى الأسانيد السالفة، انظر التعليق هناك.
(١) ما زدته بين القوسين، لا بد من زيادته أو ما بشبهه.

٣٦٧
تفسير سورة المائدة : ٤٥
وأجرُ الذى أصيب على اللّه = قال هناد فى حديثه، قالا : كفارة للذى تُصُدِّق
به عليه .
١٢٠٩١ - حدثنا هناد قال، حدثنا عبد بن حميد ، عن منصور ، عن
مجاهد ، بنحوه .
١٢٠٩٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر ، عن زكريا ،
عن عامر قال : كفارة لمن تُصُدِّق به عليه .
١٢٠٩٣ -حدثنا ابن و کیح قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن منصور ،
عن مجاهد وإبراهيم قالا : كفارة للجارح ، وأجر الذى أصيب على اللّه .
١٢٠٩٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان قال : سمعت
زيد بن أسلم يقول : إن عفا عنه ، أو اقتص منه ، أو قبل منه الدية ، فهو
كفارة له .
١٢٠٩٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قال: كفارة للجارح، وأجرٌ للعافى، لقوله: (١)
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [سورة الشورى: ٤٠].
١٢٠٩٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عنعلى بن أبى طلحة ، عن ابنعباس قوله: (( فمن تصدّق به.
فهو كفارة له))، قال : كفارة للمتصدَّقِ عليه .
١٢٠٩٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا معلى بن أسد قال ، حدثنا خالد
قال، حدثنا حصين، عن ابن عباس: ((فمن تصدق به فهو كفارة له))، قال:
هى كفارة الجارح .
١٢٠٩٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن
(١) فى المخطوطة: ((إلى قوله: فمن عفا ... )»، وفى الهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ،
والذى فى المطبوعة هو الصواب .

٣٦٨
تفسير سورة المائدة : ٤٥
عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ((فمن تصدق به
فهو كفارة له))، قال : فالكفارة للجارح، وأجر المتصدِّق على اللّه.
١٢٠٩٩ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
عبد الله بن کثیر ، عن مجاهد أنه كان يقول: ((فمن تصدق به فهو كفارة له))،
يقول: للقاتل ، وأجرٌ للعافى.
١٢١٠٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عمران بن ظبيان ،
عن عدىّ بن ثابت قال: هُتم رجل على عهد معاوية ، (١) فأعطى دية فلم يقبل،
ثم أعطى ديتين فلم يقبل ، ثم أعطى ثلاثاً فلم يقبل . فحدّث رجل من أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فمن تصدق بدم
فما دونه، كان كفّارة له من يوم تُصدَّق إلى يوم وُلد)). قال: فتصدَّق الرجل . (٢)
١٢١٠١ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((والجروح قصاص فمن
١٧٠/٦ تصدق به فهو كفارة له))، يقول: من جرح فتصدَّق بالذى جُرِح به على الجارح،
(١) ((هتم الرجل)) (بالبناء للمجهول): انكسر مقدم أسنانه. ((هتم فاه يهتمه حتماً))
متعدياً - و((هم منما)) (على وزن سكر) فهو ((أهتم))، و((تهتمت ثناياه)).
(٢) الأثر: ١٢١٠٠ - ((عمران بن ظبيان الحنفى)). قال البخارى: ((فيه نظر))،
وقال أبو حاتم: ((يكتب حديثه))، ثم اختلف فى أمره ابن حبان ، فذكره فى الثقات ، ثم عاد
فذكره فى الضعفاء، وقال ((فحش خطؤه، حتى بطل الاحتجاج))، وضعفه العقيلى وابن عدى .
وكان يميل إلى التشيع .
وأما ((عدى بن ثابت الأنصارى))، فهو ثقة صدوق، كان إمام مسجد الشيعة وقاصهم. وروى
له الأئمة ، مضى برقم : ١١٧٢٦.
وهذا الخبر ، خرجه السيوطى فى الدر المنثور ١: ٢٨٨، ونسبه أيضاً لسعيد بن منصور ،
وابن مردويه. ولفظ الخبر عن رسول اللّه: (( من تصدق بدم فا دونه ، فهو كفارة له من يوم ولد
إلى يوم يموت)). وساقه بلفظه هذا ابن كثير فى تفسيره ٣ : ١٦٨، عن ابن مردويه، قال ((حدثنا
دعلج بن أحمد ، حدثنا محمد بن على بن زيد ، عن سعيد بن منصور ، عن سفيان ، عن عمران
ابن ظبيان)). وكأن الصواب هو هذا اللفظ، وما فى التفسير أنا فى شك من صحة لفظه، ولكنى تركته
على حاله، ولو كان: ((من يوم ولد إلى يوم تصدق))، لكان أقوم لفظاً ومعنى.

٣٦٩
تفسير سورة المائدة : ٤٥
فليس على الجارح سبيلٌ ولا قَوَدٌ ولا عَقْلٌ، ولا حَرَج عليه، (١) من أجل أنه
تصدق عليه الذى جُرِح ، فكان كفارة له من ظلمه الذى ظَلَم .
٠٠٠
قال أبو جعفر : وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب ، قولُ من قال :
عنى بقوله: ((فمن تصدّق به فهو كفارة له))، المجروحَ(٢) - فلأن تكون ((الهاء))
فى قوله: ((له)) عائدةً على (مَنْ))، أولى من أن تكون مِنْ ذِكْر من لم يجر له
ذكر إلاّ بالمعنى دون التصريح، وأحرَى، إذ الصدقة هى المكفّرة ذنب صاحبها
دون المتصدَّق عليه فى سائر الصدقات غير هذه، فالواجب أن يكون سبيلُ هذه
سبيلَ غيرها من الصَّدقات .
٠ ٠
فإن ظنّ ظانّ أن القصاصَ = إذْ كان يكفّر ذنب صاحبه المقتص" منه الذى
أناه فى قتل من قتله ظلماً، لقول النبى صلى الله عليه وسلم إذ أخذ البيعة على
أصحابه (٣): ((أن لا تقتلوا ولا تزنُوا ولا تسرقوا))، ثم قال: ((فمن فَعَل من ذلك شيئاً
فأقيم عليه حدُّه فهو كفارته)) (٤) = فالواجب أن يكونَ عفوُ العافى المجنىِّ عليه، أو ولى
المقتول عنه نظيره، (٥) فى أن ذلك له كفارة . فإن ذلك لو وجب أن يكون كذلك،
لوجب أن يكون عفوُ المقذوفٍ عن قاذفه بالزنا، وتركه أخذه بالواجب له من الحدِّ
وقد قذفه قاذِفُه وهو عفيفٌ مسلم مُحْصَن ، كفَّارةً القاذف من ذنبه الذی ر کبه،
ومعصيته التى أتاها . وذلك ما لا نعلم قائلاً من أهل العلم يقوله .
فإذْ كان غير جائز أن يكون تركُ المقذوف = الذى وصفنا أمره = أخذَ قاذفه
(١) فى المطبوعة: ((ولا جرح عليه))، والصواب ما أثبت، والمخطوطة غير منقوطة.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((عنى به فن تصدق ... ))، والسياق يقتضى ما أثبت.
(٣) فى المطبوعة: ((كقول النبى صلى الله عليه وسلم))، والصواب ما أثبت.
(٤) هذا الخبر رواه أبو جعفر مختصراً غير مسند، وهو خبر صحيح. انظر صحيح مسم
١١ : ٢٢٢ - ٢٢٤ .
(٥) السياق: ((فإن ظن ظان أن القصاص، إذ كان يكفر ذنب صاحبه ... فالواجب
أن يكون عفو العافى ... نظيره .
ج ١٠ (٢٤)

٣٧٠
تفسير سورة المائدة : ٤٥
بالواجب له من الحدّ = کفارة للقاذف من ذنبه الذی ر کبه ، کان کذلك غیر
جائز أن يكون ترك المجروح أخذَ الجارح بحقِّه من القصاص ، كفَّارةً للجارح من
ذنبه الذى ركبه .
فإن قال قائل : أو ليس للمجروح عندك أخْذُ جارحه بدية جرحه مكان
القصاص ؟
قيل له : بلى !
فإن قال : أفرأيت لو اختار الدّية ثم عفا عنها، أكانت له قبله فى الآخرة
تَبِعةٌ؟
قيل له: هذا كلام عندنا محالٌ. وذلك أنه لا يكون عندنا مختاراً لدية إلا وهو
لها آخذٌ . فأما العفو فإنما هو عفو عن الدم = وقد دللنا على صحة ذلك فى موضع
غيرِ هذا ، بما أغنى عن تكريره فى هذا الموضع (١) = إلا أن يكون مراداً بذلك
هِبتُها لمن أخذت منه بعد الأخذ . مع أن عفوه عن الدية بعد اختياره إياها لوصَحّ ،
لم يكن فى صحة ذلك ما يوجب أن يكون المعفوُّ له عنها بريئاً من عقوبة ذنبه عند
الله، لأن الله تعالى ذكره أوعد قاتلَ المؤمن بما أوعده به إن لم يتُبْ من ذنبه، والدية
مأخوذة منه، أحبٍّ أم سخط . والتوبة من التّائب إنما تكون توبةً إذا اختارها
وأرادَ ها وآثرها على الإصرار .
فإن ظنّ ظانّ أن ذلك وإن كان كذلك، فقد يجب أن يكون له كفارة" ،
كما كان القصاص له كفارة، (٢) فإنَّا إنما جعلنا القصاص له كفارة = مع ندمه
وبَذْله نفسَه لأخذ الحق منها = تنصُّلاً من ذنبه، بخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
(١) انظر ما سلف ٣ : ٣٧١، وما قبلها .
(٢) فى المطبوعة: ((كما جاز القصاص))، وفى المخطوطة ((كان)) إلا أنه كتب جيما ثم
وضع عليها شرطة الكاف، وأما الحرف الأخير فهو ((نون))، فصحيح قراءته ما أثبت ، وهو حق
السياق أيضاً .

٣٧١
تفسير سورة المائدة : ٤٥
فأما الدية إذا اختارها المجروحُ ثم عفا عنها ، فلم يُقْض عليه بحدّ ذنبه ، فيكون
ممن دخل فى حكم النبى صلى الله عليه وسلم وقوله: ((فمن أقيم عليه الحد فهو كفارته)).
ثم مما يؤكد صحة ما قلنا فى ذلك، الأخبارُ التى ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم من قوله: ((فمن تصدّق بدم))، (١) وما أشبه ذلك من الأخبار التى قد
ذ کرناها قبل .
وقد يجوز أن يكون القائلون إنه عنى بذلك الجارحَ ، أرادوا المعنى الذى ذُكر
عن عروة بن الزبير الذى :-
١٢١٠٢ - حدثنى به الحارث بن محمد قال ، حدثنا القاسم بن سلام
قال، (٢) حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرنى عبد الله بن كثير ، عن
مجاهد قال : إذا أصاب رجل رجلاً، ولا يعلم المُصاب من أصابه، فاعترف له
المصيب، فهو كفارة للمُصيب . قال: وكان مجاهد يقول عند هذا: أصاب عروة
ابن الزبير عينَ إنسان عند الركن فيما يستلمون، (٣) فقال له: يا هذا، أنا عروة بن
الزبير ، فإن كان بعينك بأس فأنا بها !
٠
وإذا كان الأمر من الجارح على نحو ما كان من عروة من خطأ فعلٍ على
غير عمدٍ ، ثم اعترف الذى أصابه بما أصابه ، فعفا له المصاب بذلك عن حقّه
قبله، فلا تبعة له حينئذ قِبَل المُصيب فى الدنيا ولا فى الآخرة . لأن الذى كان
وجب له قبله مالٌ لا قصاص، وقد أبرأه منه: فإبراؤه منه، كفَّارة للمبرّأ من حقه
(١) فى المطبوعة والمخطوطة. ((فن تصدق به))، والصواب ما أثبته ، وهو نص الأثر
السالف رقم : ١٢١٠٠ .
(٢) فى المطبوعة: ((قال حدثنا ابن سلام))، وفى المخطوطة: ((قال حدثنا القاسم الحارث
ابن سلام)) ثم ضرب على ((القاسم)) و((الحارث)) ثم وضع بجوار ((القاسم)) علامة التصحيح
وهى (*) .
(٣) فى المخطوطة: ((فيما يسلمون))، وتركت ما فى المطبوعة على حاله، وهو قريب الاستقامة.
وفى تفسير أبي حيان ٣: ٤٩٧، ((وهم يستلمون)»، وهى أجود .

٣٧٢
تفسير سورة المائدة : ٤٥
الذى كان له أخذه به، (١) فلا طَلِبة له بسبب ذلك قبله فى الدنيا ولا فى الآخرة،
١٧١/٦ ولا عقوبة تلزمه بها بما كان منه إلى من أصابه ، لأنه لم يتعمد إصابته بما أصابه
به ، فيكون بفعله آثماً يستحق به العقوبة من ربه، (٢) لأن الله عز وجل قد وضع
الجُناح عن عباده فيما أخطأوا فيه ولم يتعمّدوه من أفعالهم ، فقال فى كتابه :
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَعٌ فِيَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُوبَكُمْ﴾.(٣)
[ سورة الأحزاب : ٥]
و ((التصدّق))، فى هذا الموضع، بالدم، العفو عنه. (٤)
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم مِّ
أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْظُلِمُونَ) (١٠)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن لم يحكم بما أنزل الله فى التوراة من
قَوَد النفس القاتلة قصاصاً بالنفس المقتولة ظلماً، ولم يفقأ عين الفاقئ بعين المفقوء
ظلماً، قصاصاً ممن أمره الله به بذلك فى كتابه، ولكن أقاد من بعضٍ ولم يُقِدْ من
(١) فى المطبوعة: ((كفارة له من حقه))، وفى المخطوطة ((كفارة لمرامر من حقه))، والذى
أثبته هو صواب قراءتها .
(٢) فى المطبوعة: ((فيكون بفعله إنما يستحق العقوبة))، وهو كلام فارغ المعنى، و(اما))
هكذا فى المخطوطة غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت .
(٣) فى المخطوطة والمطبوعة، كتب الآية هكذا: ((ولا جناح عليهكم فيما أخطأتم ... ))،
وليس فيما نتلو آية كهذه ، وإنما هى آية الأحزاب كما أثبتها .
(٤) فى المطبوعة: ((وقد يراد فى هذا الموضع بالدم العفو عنه))، وهو كلام لا معنى له
فى هذا الموضع بالدم ، العفو عنه))، بين الكلامين بياض
ولا ضابط . وفى المخطوطة: (( وا
وفى الهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ ، فاستظهرت صواب الكلام من سياق تفسير هذه الآية .

٣٧٣
تفسير سورة المائدة : ٤٥ ، ٤٦
بعض، أو قتل فى بعض اثنين بواحد، فإنّ من يفعل ذلك من ((الظالمين))(١) =
يعنى: ممن جارَ عن حكم الله، (٢) ووضع فعله ما فعل من ذلك فى غير موضعه
الذى جعله الله له موضعاً . (٣)
٥
القول فى تأويل قوله عزذكره ﴿وَقَقْنَاَ عَلَىّ ،أَثَرِهِم بِعِيسَى
ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقَاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَمَةِ وَمَا تَبْتَهُ أُلْإِنجِلَ فِيهِ هُدَى
وَنُورٌ وَمُصدَّقَاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَّةِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)
٤
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وقفينا على آثارهم))، (٤) أتبعنا.
يقول: أتبعنا عيسى بن مريم على آثار النبيين الذين أسلموا من قبلك ، يا محمد ،
فبعثناه نبيًا مصدقاً لكتابنا الذى أنزلناه إلى موسى من قبله أنّه حق، وأن العمل
بما لم ينسخه الإنجيل منه فرضٌ واجب -(وآتيناه الإنجيل))، يقول: وأنزلنا
إلیه کتابنا الذی اسمه «الإنجیل» -«فیه ھدی ونور» یقول: فی الإنجیل«هدی»،وهو
بيان ما جهله الناس من حكم الله فى زمانه = ((ونور))، يقول: وضياء من عمَى الجهالة =
((ومصدقاً لما بين يديه))، يقول: أوحينا إليه ذلك وأنزلناه إليه بتصديق ما كان
قبله من كتب اللّ التى كان أنزلها على كل أمة أنزل إلى نبيِّها كتاب للعمل بما أنزل
إلی نبیهم فىذلك الكتاب ،من تحليل ما حلّل، وتحريم ما حرّم = (( وهدی وموعظة))،
يقول : أنزلنا الإنجيل إلى عيسى مصدّقاً للكتب التى قبله[، وبياناً لحكم الله الذى
ارتضاه لعباده المتَّقين فى زمان عيسى، = ((وموعظة))، لهم = يقول: وزجراً لهم عما
يكرهه اللّه إلى ما يحبُّه من الأعمال ، وتنبيهاً لهم عليه .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإن من يفعل ذلك))، والسياق يقتضى ما أثبت.
(٢) فى المطبوعة: ((جار على حكم الله))، والصواب من المخطوطة.
(٣) انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٤) انظر تفسير ((قى)) فيما سلف ٢ : ٣١٨.

٣٧٤
تفسير سورة المائدة : ٤٧،٤٦
و(( المتقون))، هم الذين خافوا الله وحذروا عقابه، فاتقوه بطاعته فيما أمرهم،
وحذروه بترك ما نهاهم عن فعله . وقد مضى البيان عن ذلك بشواهده قبل ، فأغنى
ذلك عن إعادته .(١)
٠
القول فى تأويل قوله عز ذكره (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا
أَنزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَاللهُ فَأُوْ لَئِكَ هُمُ الْفُسِقُونَ) )
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((وليحكم أهل الإنجيل)).
فقرأته قرأة الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: (٢) ﴿وَلْيَحْكُمْ) بتسكين ((اللام))،
على وجه الأمر من اللّه لأهل الإنجيل : أن يحكموا بما أنزل الله فيه من أحكامه .
وكأنّ من قرأ ذلك كذلك، أراد: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونورٌ ومصدقاً لما بين
يديه من التوراة، وأمرنا أهْلَه أن يحكموا بما أنزل الله فيه = فيكون فى الكلام محذوف،
ترك استغناءً بما ذكر عما حُذف
*
#
وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: ﴿وَلِيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ) بكسر (( اللام))،
من ((ليحكم))، بمعنى: كى يحكم أهل الإنجيل. وكأنّ معنى من قرأ ذلك
كذلك: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونورٌ ومصدقاً لما بين يديه من التوراة، کی
يحكم أهله بما فيه من حكم الله .
٠
*
والذى نقول به فى ذلك ، (٣) أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأىِّ
ذلك قرأ قارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ .
(١) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
(٢) فى المطبوعة: ((فقرأ قراء الحجاز ... ))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((والذى يترامى فى ذلك))، وفى المخطوطة: ((والذى يبرك به فى ذلك))،
وأرجح أن صواب قراءتها ما أثبت .

٣٧٥
تفسير سورة المائدة : ٤٧
وذلك أن الله تعالى لم ينزل كتاباً على نبيّ من أنبيائه إلاّ ليعمل بما فيه أهله
الذين أمروا بالعمل بما فيه ، ولم ينزله عليهم إلاّ وقد أمرهم بالعمل بما فيه ، فالعمل
بما فيه أنزله، وأمراً بالعمل بما فيه أنزله. (١) فكذلك الإنجيل ، إذ كان من كتب
اللّه التى أنزلها على أنبيائه ، فللعمل بما فيه أنزله على عيسى ، وأمراً بالعمل به أهله
أنزله عليه . (٢) فسواءٌ قرئ ذلك على وجه الأمر بتسكين («اللام))، أو قرئُ
على وجه الخبر بكسرها ، لاتفاق معنييهما .
. ..
وأما ما ذكر عن أبىّ بن كعب من قراءته ذلك (وَأَنْ ◌ِيَحْكُمْ﴾ على وجه
الأمر ، فذلك مما لم يتصِحّ به النقل عنه. ولو صحّ أيضاً، لم يكن فى ذلك ما يوجب
أن تكون القراءة بخلافه محظورةً، إذ كان معناها صحيحاً ، وكان المتقدّمون من
أئمة القرأة قد قرأوا بها .
٠ ٥
وإذا كان الأمر فى ذلك على ما بيَّنًّا، فتأويل الكلام، إذا قرئ بكسر
((اللام)) من ((ليحكم)): وآتينا عيسى بن مريم الإنجيل فيه هدّى ونورٌ ومصدقاً
لما بين يديه من التوراة وهدّى وموعظة للمتقين، وكىْ يحكم أهلُ الإنجيل بما أنزلنا
فيه ، فبدّلوا حكمه وخالفوه، فضلُوا بخلافهم إياه إذ لم يحكموا بما أنزل الله فيه
وخالفوه = ((فأولئك هم الفاسقون))، يعنى: الخارجين عن أمر الله فيه، المخالفين
له فيما أمرهم ونهاهم فى كتابه .
٦/ ١٧٢
٠
فأما إذا قرئ بتسكين ((اللام))، فتأويله: وآتينا عيسى بن مريم الإنجيل
فيه هدى ونورٌ ومصدقاً لما بين يديه من التوراة، وأمرنا أهله أن يحكُّموا بما أنزلنا
(١) فى المطبوعة: ((وأمر بالعمل بما فيه أهله))، فغير ما فى المخطوطة تغييراً مغداً
المعنى ، مزيلا لقصد أبى جعفر من هذه الجملة التى احتج بها فى تقارب معنى القراءتين . وهذا عجب
من سوء التصرف . وكذلك سيفعل فى الجملة التالية ، كما سترى فى التعليق .
(٢) فى المطبوعة، أسقط قوله: ((أنزله عليه)) وكتب ((وأمر بالعمل به أهله))، فأخل
بمقصد أبى جعفر، كما فعل بالجملة السالفة . انظر التعليق السالف .

٣٧٦
تفسير سورة المائدة : ٤٧
فيه ، فلم يطيعونا فى أمرنا إياهم بما أمرناهم به فيه ، ولكنهم خالفوا أمرنا ، فالذين
خالفوا أمرنا الذى أمرناهم به فيه ، هم الفاسقون .
وكان ابن زيد يقول: ((الفاسقون))، فى هذا الموضع وفى غيره ، هم الكاذبون .
١٢١٠٣ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
ابن زيد فى قوله: ((وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك
هم الفاسقون))، قال: ومن لم يحكم من أهل الإنجيل أيضاً بذلك = ((فأولئك هم
الفاسقون))، قال: الكاذبون. بهذا قال. وقال ابن زيد: كل شىء فى القرآن
إلا قليلاً ((فاسق)) فهو كاذب. وقرأ قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ
جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بَذَبَأْ﴾ [سورة الحجرات: ٦]، قال: ((الفاسق))، ههنا، كاذب.
وقد بينا معنى ((الفسق)) بشواهده فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته فى هذا
الموضع . (١)
*
(١) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف ص: ١٨٩ تعليق: ٤، والمراجع هناك.
٠ ٠٠
وعند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذى نقلت عنه مخطوطتنا ، وفيها ما نصه :
« يتلوه القول فى تأويل قوله :
وَأَنْزَلْنَ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً
لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْنَاً عليهِ﴾.
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم كثيراً)).
ثم يتلوه ما نصه :
((بسم الله الرحمن الرحيم))

٣٧٧
تفسير سورة المائدة : ٤٨
القول فى تأويل قوله عزذ كره﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتْبَ بِأَطِقّ
مُصَدِّقَاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَّبِ وَمُهْمِنَا عَلَيْهِ﴾
قال أبو جعفر : وهذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه
وسلم. يقول تعالى ذكره: أنزلنا إليك، يا محمد، (( الكتاب))، وهو القرآن الذى
أنزله عليه = ويعنى بقوله: ((بالحق))، بالصدق ولا كذب فيه ، ولا شك أنه
من عند الله (١) = (مصدقاً لما بين يديه من الكتاب))، يقول: أنزلناه بتصديق
ما قبله من كتب الله التى أنزلها إلى أنبيائه = ((ومهيمناً عليه))، يقول: أنزلنا الكتاب
الذى أنزلناه إليك ، يا محمد ، مصدّقاً للكتب قبله، وشهيداً عليها أنها حق من
من عند الله ، أميناً عليها ، حافظاً لها .
. .
وأصل ((الهيمنة))، الحفظ والارتقاب. يقال، إذا رَقَب الرجل الشىء وحفظه
وشَهِده: ((قد هيمن فلان عليه ، فهو يُهَمين هيمنة، وهو عليه مهيمن)).
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل ، إلا أنهم اختلفت عباراتهم عنه .
فقال بعضهم : معناه : شهيداً .
• ذكر من قال ذلك :
١٢١٠٣م - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( ومهيمناً
عليه )) ، يقول : شهيداً .
١٢١٠٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((ومهيمناً عليه))، قال : شهيداً عليه .
(١) انظر تفسير ((الحق)» فيما سلف ٧: ٩/٩٧: ٢٢٧ .

٣٧٨
تفسير سورة المائدة : ٤٨
١٢١٠٥ -حدثی بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً بين يديه من الكتاب )) ،
يقول: الكتب التى خلت قبله = (( ومهيمناً عليه )) ، أميناً وشاهداً على الكتب التى
خلت قبله .
١٢١٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: (( ومهيمناً عليه))، مؤتمناً على القرآن، وشاهداً ومصدّقاً =
وقال ابن جريج: وقال: آخرون (١): القرآن أمين على الكتب فيما إذا أخبرنا أهل
الكتاب فی کتابهم بأمر ، إن کان فى القرآن فصدقوا ، وإلاّ فكذبوا.
#
#
وقال بعضهم : معناه : أمينٌ عليه .
ذكر من قال ذلك :
#
١٢١٠٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن = وحدثنا هناد
ابن السرى قال ، حدثنا وكيع = جميعاً ، عن سفيان ، عن أبى إسحق، عن التمیمی،
عن ابن عباس: (( ومهيمناً عليه))، قال : مؤتمناً عليه .
١٢١٠٨ - حدثنا محمد بن عبيد المحاربى قال، حدثنا أبو الأحوص ، عن
أبى إسحق، عن التميمى، عن ابن عباس فى قوله: ((ومهيمناً عليه))، قال:
مؤمناً عليه .
١٢١٠٩ -حدثنا ابن و کیع قال،حدثنا أبی قال ، حدثنا سفيان وإسرائيل،
عن أبى إسحق ، عن التميمى ، عن ابن عباس ، مثله .
١٢١١٠ - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان وإسرائيل ، عن
أبی إسحق ، بإسناده ، عن ابن عباس ، مثله .
١٢١١١ -حدثنا أبو کریب قال، حدثنا ابنعطية قال، حدثنا إسرائيل،
(١) فى المطبوعة: ((وقال ابن جريج وآخرون))، والصواب من المخطوطة.

٣٧٩
تفسير سورة المائدة : ٤٨
عن أبى إسحق ، عن التميمى ، عن ابن عباس ، مثله .
١٢١١٢ -حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبى إسحق،
عن التميمى ، عن ابن عباس ، مثله .
١٢١١٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو ، عن مطرف ،
عن أبى إسحق، عن رجل من تميم ، عن ابن عباس ، مثله .(١)
١٢١١٤ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( ومهيمناً
عليه))، قال : والمهيمن الأمين : قال : القرآن أمين على كلِّ كتاب قبله .
١٧٣/٦
١٢١١٥ -حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((وأنزلنا إليك الكتاب بالحق
مصدّقًا لما بين يديه من الكتاب))، وهو القرآن ، شاهد على التوراة والإنجيل ،
مصدقاً لهما = ((ومهيمناً عليه))، يعنى: أميناً عليه، يحكم على ما كان قبله من
الكتب .
١٢١١٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قيس ،
عن أبى إسحق، عن التميمى، عن ابن عباس: ((ومهيمناً عليه ))، قال :
مؤمناً عليه .
١٢١١٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن زهير ، عن
أبى إسحق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس: (( ومهيمناً عليه))، قال :
مؤتمناً عليه .
(١) الآثار ١٢١٠٧ - ١٢١١٣ - ((التميمى)) و((رجل من تميم))، هو ((أربدة
التميمى))، يروى التفسير عن ابن عباس، رواه عنه أبو إسحق السبيعى، مضى برقم : ١٩٢٨،
١٩٢٩، ولكن كتب أخى السيد أحمد على الأثر رقم: ٢٠٩٥، ثم كتبت أنا على الآثار من رقم :
٣٩٨٦ - ٣٩٨٩، أنه رجل مجهول من تميم، ولكن الصواب أنه معروف وهو ((أربدة التميمى))،
وهو تابعى ثقة. ثم انظر الآثار الآتية من رقم : ١٢١١٦ - ٠١٢١١٨

٣٨٠
تفسير سورة المائدة : ٤٨
١٢١١٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا يحيى الحمانى قال ، حدثنا شريك ،.
عن أبى إسحق ، عن التميمى ، عن ابن عباس ، مثله . (١)
١٢١١٩ -حدثنا هناد قال، حدثنا و کیع = وحدثنا ابن و کیع قال، حدثنا
أبى = عن سفيان وإسرائيل، عن على بن بذيمة، عن سعيد بن جبير: (( ومهيمناً
عليه ))، قال : مؤتمناً على ما قبله من الكتب .
١٢١٢٠ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن أبى رجاء قال :
سألت الحسين عن قوله: (( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه من
الكتاب ومهيمناً عليه )) ، قال : مصدقاً لهذه الكتب ، وأميناً عليها . وسئل عنها
عكرمة وأنا أسمع فقال : مؤمناً عليه .
٠
٠ ٠
وقال آخرون: معنى ((المهيمن))، المصدق .
ذكر من قال ذلك :
٥
١٢١٢١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( ومهيمناً عليه))، قال: مصدّقاً عليه . كل شىء أنزله الله من توراة أو
إنجيل أو زَبُورٍ ، فالقرآن، مصدِّق على ذلك. وكل شىء ذكر الله فى القرآن ،
فهو مصدِّقٌ عليها وعلى ما حُدِّث عنها أنه حق .
وقال آخرون : عنى بقوله: (( مصدقاً لما بین یدیه منالكتاب ومهيمناً علیه»،
نبيَّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
ذكر من قال ذلك:
٠
١٢١٢٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
(١) الآثار: ١٢١١٦ - ١٢١١٨ - ((التميمى))، و((رجل من بنى تميم))، هو
((أربدة التميمى))، انظر التعليق السالف.