النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
تفسير سورة المائدة : ٤٢
١١٩٥٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن جويبر ،
عن الضحاك قال: ((السحت))، الرشوة فى الحكم.
١١٩٥٨ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو غسان قال ، حدثنا إسرائيل ، عن
حكيم بن جبير ، عن سالم بن أبى الجعد ، عن مسروق قال : سألت ابن مسعود
عن ((السحت))، قال: الرشى. فقلت: فى الحكم؟ قال : ذاك الكفر.
١١٩٥٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((أكالون للسحت))، يقول: للرشى.
١١٩٦٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ،
أخبرنا عبد الملك بن أبى سليمان ، عن سلمة بن كهيل ، عن مسروق ، وعلقمة:
أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: هى السحت. قالا: فى الحكم ؟ قال : ذاك
الكفر !ثم تلاهذه الآية: ﴿وَمَنْ لَ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَسْفِرُونَ)(١)
[سورة المائدة: ٤٤]
١١٩٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
المسعودى ، عن بكير بن أبى بكير ، عن مسلم بن صبيح قال : شفع مسروق
لرجل فى حاجة ، فأهدى له جارية ، فغضب غضباً شديداً وقال : لو علمت
أنك تفعل هذا ما كلَّمت فى حاجتك ، ولا أكلم فيما بقى من حاجتك ، سمعت
ابن مسعود يقول: ((من شفع شفاعة ليردّ بها حقًّا، أو يرفع بها ظلماً، فأهدىّ له
و ((فحل شديد العسب)). و((العسب)) بعد ذلك هو: الكراء الذى يؤخذ على ضراب الفحل .
وقد جاء فى الحديث النهى عن عسب الفحل ، وهو كراء عسب الفحل . أما إعارة الفحل للضراب ،
فأمر مندوب إليه .
(١) الأثر: ١١٩٦٠ - ((علقمة بن قيس بن عبد الله النخعى))، صاحب ابن مسعود،
وكان أعلم الناس بحديث ابن مسعود . مترجم فى التهذيب .
و ((مسروق)) هو: ((مسروق بن الأجدع))، مضى برقم: ٤٢٤٢، ٧٢١٦، وغيرهما .
وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((عن مسروق، عن علقمة))، والصواب ما أثبت ، فإن مسروقاً وعلقمة،
من كبار أصحاب عبد الله بن مسعود . والسياق يدل على صواب ما أثبت .
ج ١٠ ( ٢١)

٣٢٢
تفسير سورة المائدة : ٤٢
فقبل، فهو سحت))، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، ما كنا نرى ذلك إلاّ الأخذ
على الحكم! قال : الأخذُ على الحكم كفر. (١)
١١٩٦٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثی أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((سماعون للكذب أكالون للسحت))،
وذلك أنهم أخذوا الرشوة فى الحكم ، وقضوا بالكذب .
١١٩٦٣ - حدثنا هناد قال ، حدثنا عبيدة ، عن عمار ، عن مسلم بن
١٥٦/٦ صبيح، عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن (( السحت))، أهو الرشى فى
الحكم ؟ فقال : لا ، من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ، ومن لم يحكم بما أنزل
الله فهو ظالم، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو فاسق. ولكن ((السحت))، يستعينك
الرجل على المظلمة فتعينه عليها ، فيهدى لك الهدية فتقبلُها .
١١٩٦٤ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد ، عن
عبد الله بن هبيرة السَّبائى قال : من السحت ثلاثة : مهرُ البغى ، والرشوة فى
الحكم، وما كان يُعطى الكُهان فى الجاهلية . (٢)
١١٩٦٥ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن مطيع ، عن حماد بن سلمة ، عن
عطاء الخراسانى ، عن ضمرة، عن على بن أبى طالب: أنه قال فى كسب الحجام،
(١٠) الأثر: ١١٩٦١ - ((بكير بن أبى بكير))، لم أجد له ذكراً فى كتب التراجم
التى بين يدى. وأخشى أن يكون تحريفاً كالذى يليه .
وأما ((مسلم بن صبيح الهمدانى))، فهو: ((أبو الضحى))، وقد سلفت ترجمته مراراً، منها :
٥٤٢٤، ٧٢١٦، ٨٢٠٦. ثقة كثير الحديث، يروى عن مسروق بن الأجدع. وانظر الأثر
التالى : ١١٩٦٣ ٠
وكان فى المخطوطة: ((هشام بن صبيح))، وفى المطبوعة: ((هاشم بن صبيح))، وكلاهما خطأ
محض، والذى فى المخطوطة تحريف ((مسلم)).
(٢) الأثر: ١١٩٦٤ - ((يحيى بن سعيد))، أظنه ((يحيى بن سعيد بن حيان التيمى))،
((أبو حيان))، روى عنه ابن فضيل. مضى برقم: ٥٣٨٢، ٥٣٨٣.
و((عبد الله بن هبيرة السبالى))، ثقة. مضى برقم ١٩١٤، ٥٤٩٣، وكان فى المطبوعة
والمخطوطة. هنا ((عبيد الله بن هبيرة))، وهو خطأ محض.

٢٢٣
تفسير سورة المائدة : ٤٢
ومهر البغىّ ، وثمن الكلب، والاستجْعَال فى القضية، (١) وحلوان الكاهن، (٢)
وعسب الفحل ، (٣) والرشوة فى الحكم، وثمن الخمر، وثمن الميتة: من السحت . (٤)
١١٩٦٦ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا بن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((أكالون للسحت))، قال : الرشوة فى الحكم .
١١٩٦٧ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال،أخبرنى عبد الرحمن
ابن أبى الموال، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر: أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم قال: كُلُّ لحم أنبَتَه السُّحت فالنار أولى به . قيل: يا رسول اللّه، وما
السحت ؟ قال : الرشوة فى الحكم . (٥)
١١٩٦٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنى عبد الجبار
ابن عمر، عن الحكم بن عبد الله قال: قال لى أنس بن مالك: إذا انقلبت إلى أبيك
فقل له: إياك والرشوة، فإنها سحت = وكان أبُوه على شُرَط المدينة. (٦)
١١٩٦٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور ، عن سالم ،
(١) ((الاستجعال))، يعنى: أخذ الجعل (بضم فسكون)، وهو الأجر، واشتراطه
لقضاء الحاجة. ولم يذكر هذا الحرف من الاشتقاق فى معاجم اللغة. وإنما قالوا: ((اجتعل)) فهو
((مجتعل)) أى: أخذ جعلا. و((فلان يجاعل فلاناً))، أى: يصانعه برشوة.
(٢) ((الحلوان)): ما يعطاه الكاهن عن كهانته أجرة.
(٣) ((عسب الفحل))، مضى تفسيره ص: ٣٢٠، تعليق: ٣، وفى المطبوعة:
((عسيب الفحل))، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة.
(٤) الأثر: ١١٩٦٥ - ((ضمرة)) الذى يروى هنا عن على بن أبى طالب، لم أعرف
من يكون . وأخشى أن يكون فيه تحريف .
(٥) الأثر: ١١٩٦٧ - ((عبد الرحمن بن أبى الموال))، ويقال: ((عبد الرحمن بن زيد
ابن أبى الموال))، ويقال ((بن أبى الموالى))، ثقة. مترجم فى التهذيب.
و((عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب))، ثقة. مضى توثيقه برقم: ٧٨١٩.
وهذا خبر مرسل ، خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٨٤، ونسبه لعبد بن حميد ، وابن
مردويه مرفوعاً من حديث ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٦) الأثر: ١١٩٦٨ - ((عبد الحبار بن عمر الأيلى))، ضعيف الحديث، ليس محله
الكذب . ووثقه ابن سعد . مضى برقم : ٤٦٠٨ ، ٩٠٥٧.
أما ((الحكم بن عبد الله))، وأبوه ((عبد الله)) الذى كان على شرط المدينة، فلم أعلم من يكونان ؟

٣٢٤
تفسير سورة المائدة : ٤٢
عن مسروق ، عن عبد اللّه قال: الرشوة ◌ُحت. قال مسروق: فقلنا لعبد الله:
أفى الحكم؟ قال: لا، ثم قرأ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَ أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْ لَئِكَ هُمُ
الْكَفِرُونَ﴾ [سورة المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَن لَّ يَحْكُمْ بِمَ أَنْزَلَ اللهُ فَأَوْلَئِكَ
هُمُ الظَّلِمُونَ﴾ [سورة المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَن مَّ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ
هُمُ الْقَسِقُونَ﴾ [ سورة المائدة: ٤٧].
٠٠
وأصل ((السحت)): كَلَبُ الجوع، يقال منه: ((فلان مسحُوت المعدة))،
إذا كان أكولاً لا يُلْفَى أبداً إلا جائعاً، وإنما قيل للرشوة: ((السحت))، تشبيهاً
بذلك، كأن بالمسترشى من الشّره إلى أخذ ما يُعطاه من ذلك، مثل الذى بالمسحوت
المعدة من الشَّرَه إلى الطعام. يقالُ منه: ((سمته وأسحته))، لغتان محكيتان عن
العرب ، ومنه قول الفرزدق بن غالب :
مِنَ الْمَلِ إِلاَّ مُسْحَتَا أَوْ مُجَلَّفُ (١)
وَعَضُّ زَمَانٍ يَا أَبْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَع
يعنى بـ ((المسحت))، الذى قد استأصله هلاكاً بأكله إياه وإفساده، ومنه
قوله تعالى ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [سورة طه: ٦١]. وتقول العرب للحالق:
((اسْحَتِ الشعر))، أى: استأصله.
٠
٥
(١) ديوانه: ٥٥٦، والنقائض: ٥٥٦، وطبقات فحول الشعراء: ١٩، والخزانة
٢: ٣٤٧، واللسان (سحت) (جلف)، وسيأتى فى التفسير ١٦ : ١٣٥، وفى غيرها كثير .
والبيت من قصيدته المشهورة ، وقبل البيت :
هُمُومُ الْمُنَى وَالْهَوْ جَلُ الْمُتَعَدِّفُ.
إِلَيْكَ أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَّمَتْ بِنَاَ
((الهوجل)): البطن الواسع من الأرض، و((المتعسف)): المسلوك بلا علم ولا دليل ، فهو
يسير فيها بالتعسف. ويروى: (( أو مجرف))، وهو الذى جرفه الدهر، أى: أجتاح ماله وأفقره.
ويروى فى ((إلا مسحت أو مجلف)» بالرفع فيهما ( كما سيأتى فى ١٦: ١٣٥، من التفسير). وقد
تجرف النحاة هذا البيت إعراباً وتأويلا .

٢٢٥
تفسير سورة المائدة : ٤٢
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ فَإِن جَاءُوكَ فَأُخْكُمْ بَنَهُمْ
أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُتْرِضْ عَنْهُمْ فَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ
فَأَحْسَكُمْ بَيْهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (١)
قال أبو جعفر : یعنی تعالى ذكره بقوله: ( فإن جائوك فاحكم بينهم أو أعرض
عنهم ))، إن جاء هؤلاء القوم الآخرون الذين لم يأتوك بعد = وهم قومُ المرأة البغيّة=
محتكمين إليك ، فاحكم بينهم إن شئت بالحقّ الذى جعله اللّه حُكماً له فيمن فعل
فِعْل المرأة البغيَّة منهم = أو أعرض عنهم فدع الحكم بينهم إن شئت ، والخيار
إليك فى ذلك .
وبمثل الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١١٩٧٠ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ، عن ابن أبى نجیح، عن مجاهد : (( أو أعرض عنهم ) ، يهودُ ، زنی رجل
منهم له نسبٌ حقير فرجموه ، ثم زنى منهم شريف فحَّمُموه ثم طافوا به ، ثم استفتوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوافقهم. قال: فأفتاهم فيه بالرجم ، فأنكروه،
فأمرهم أن يدعوا أحبارهم ورهبانهم، فناشدهم بالله: أتجدونه فى التوراة ؟ فكتموه ،
إلا رجلاً من أصغرهم أعْوَرَ ، فقال : كذبوك يا رسول الله ، إنه لفى التوراة !
١١٩٧١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثى
الليث، عن ابن شهاب: أنّ الآية التى فى ((سورة المائدة))، ((فإن جاؤوك فاحكم
بينهم )) ، كانت فى شأن الرجم .
١١٩٧٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : إنهم أتوه = يعنى اليهود =

٣٢٦
تفسير سورة المائدة : ٤٢
فى امرأة منهم ونت ، يسألونه عن عقوبتها، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
١٥٧/٦ كيف تجدونه مكتوباً عندكم فى التوراة ؟ فقالوا : نؤمر برجم الزانية ! فأمر بها
رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت، وقد قال الله تبارك وتعالى: ((وإن تعرض
عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين)).
١١٩٧٣ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير قوله: ((فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض
عنهم ))، قال: كانوا يحدُّون فى الزنا، إلى أن زنى شاب منهم ذو شرف، (١)
فقال بعضهم لبعض : لا يدعكم قومه ترجونه، ولکن اجلدوه ومثلوا به ! فجلدوه،
وحملوه على حمارٍ إكافٍ، (٢) وجعلوا وجهه مستقبلَ ذنب الحمار = إلى أن زنى آخر
وضيع ليس له شرف، فقالوا : ارجموه ! ثم قالوا : فكيف لم ترجموا الذى قبله ؟
ولكن مثل ما صنعتم به فاصنعوا بهذا ! فلما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم، قالوا :
سلوه، لعلكم تجدون عنده رخصة! فنزلت: ((فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض
عنهم)) إلى قوله: ((إنّ اللّه يحب المقسطين)).
٠
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية فى قتيل. قُتل فى يهودَ منهم ، قتله بعضهم .
• ذكر من قال ذلك :
١١٩٧٤ - حدثنا هناد بن السرى وأبو كريب قالا ، حدثنا يونس بن بكير ،
عن محمد بن إسحق قال ، حدثنى داود بن الحصین، عن عكرمة ، عن ابن عباس
أن الآيات فى ((المائدة))، قوله: ((فاحكم بينهم أو أعرض عنهم))، إلى قوله:
((المقسطين))، إنما نزلت فى الدية فى بنى النضير وبنى قريظة، وذلك أن قتلى بنى
.النضير ، وكان لهم شرف ، (٣) تؤدِّى الدية كاملة، وإن قريظة كانوا يؤدون
(١) فى المخطوطة: ((إلى أن زنى الشاب منهم))، والذى فى المطبوعة أرجح.
(٢) ((الإكاف)) مركب من المراكب، مثل الرحال والأقتاب.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((كان لهم شرف))، بغير واو، فأثبتها من سيرة ابن هشام.

:.
٣٢٧
تفسير سورة المائدة : ٤٢
نصف الدية ، فتحاكموا فى ذلك إلى سول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك
فيهم ، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحقّ فى ذلك، فجعل الدية
فى ذاك سواءً - والله أعلم أيُّ ذلك كان.(١)
١١٩٧٥ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن على
ابن صالح ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كانت قريظة
والنضير ، وكان النضيرُ أشرفَ من قريظة ، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً
من النضير، قُتِل به . وإذا قتل رجلٌ من النضير رجلاً من قريظة، أدَّى مئة وَسْقِ
تمرٍ. (٢) فلما بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَتّل رجل من النضير رجلاً من قريظة
فقالوا : ادفعوه إلينا ! فقالوا : بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فنزلت
((وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط)). (٣)
١١٩٧٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
كان فى حكم حيى بن أخطب: للنّضيرىِّ ديتان ، (٤) والقرظی دیة = لأنه كان من
النضير . قال: وأخبر اللّه نبيه صلى الله عليه وسلم بما فى التوراة، (٥) قال:
﴿وَكَتْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة: ٤٥]، إلى آخر
الآية . قال: فلما رأت ذلك قريظة، لم يرضوا بحكم ابن أخطب، فقالوا : نتحاكم
(١) الأثر: ١١٩٧٤ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٥، ٢١٦، وفى سيرة ابن هشام
بين أن قوله ((والله أعلم أى ذلك كان))، من كلام ابن إسحق.
ورواه أحمد فى المسند رقم : ٣٤٣٤، مختصراً .
(٢) ((الوسق)) (بفتح الواو وكسرها، وسكون السين): هو حمل بعير ، وهو ستون صاعاً
بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(٣) الأثر: ١١٩٧٥ - ((عبيد الله بن موسى بن أبى المختار العبسى))، مضى مراراً.
انظر رقم: ٢٠٩٢، ٢٢١٩، وغيرها إلى : ٩٤٥٦. وكان فى المطبوعة والمخطوطة ((عبد الله
ابن موسى» ، وهو خطأ محض .
و ((على بن صالح بن صالح بن حى الهمدانى))، ثقة. مضى برقم: ١٧٨. وانظر خبراً
بمعنى بعضه فيما سلف رقم: ٩٨٩٦، ومسند أحمد رقم: ٣٢١٢، ٣٤٣٤.
(٤) فى المطبوعة: ((النضرى))، والصواب من المخطوطة.
(٥) فى المخطوطة: ((وأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فى التوراة))، وما فى المطبوعة أصح.

٣٢٨
تفسير سورة المائدة : ٤٢
إلى محمد ! فقال الله تبارك وتعالى: ((فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ))،
فخيرّه = ((وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله))، الآية كلها . وكان
الشريف إذا زنى بالدنيئة رجموها هى ، وحَّموا وجهَ الشريف ، وحملوه على البعير ،
وجعلوا وجهه من قِبَل ذنب البعير. وإذا زنى الدنىء بالشريفة رجموه ، وفعلوا بها
هى ذلك . فتحاكموا إلى النبى صلى الله عليه وسلم فرجمها . قال : وكان النبى
صلى الله عليه وسلم قال لهم : من أعلمكم بالتوراة ؟ قالوا: فلان الأعور ! فأرسل
إليه فأتاه ، فقال : أنت أعلمهم بالتوراة ؟ قال : كذاك تزعم يهودُ! فقال له
النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالله وبالتوراة التى أنزلها على موسى يوم طُورسَيْنَاء،
ما تجد فى التوراة فى الزانيين ؟ فقال : يا أبا القاسم ، يرجمون الدنيئة ، ويحملون
الشريف على بعير ، ويحمِّمون وجهه ، ويجعلون وجهه من قبل ذنَبِ البعير ،
ويرجمون الدفىء إذا زنى بالشريفة، ويفعلون بها هى ذلك. فقال له النبي صلى الله عليه
وسلم: أنشدك بالله وبالتوراة التى أنزلها على موسى يوم طُورسَيَنْناء ، ما تجد فى
التوراة ؟ فجعل يروغ، والنبي صلى الله عليه وسلم يَنْشُده باللّه وبالتوراة التى أنزلها
على موسى يوم طورسيناء، حتى قال: يا أبا القاسم، (( الشيخ والشيخة إذا زنيا
فارجموهما البتة)) . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فهو ذاك، اذهبوا بهما
فارجموهما. قال عبد الله: (١) فكنت فيمن رجمهما فما زال يُحْسِئُ عليها ، (٢) ويقيها
الحجارة بنفسه حتّى مات . (٣)
٥
٥
(١) كأنه يعنى ((عبد الله بن عمر))، وإن لم يذكر فى الخبر، كما سيأتى فى التخريج.
(٢) ((جنا عليه)) و((أجنأ عليه)) و((جاناً عليه)) و((تجاناً عليه)): أكب عليها
زمال ليقيها. وهى فى المطبوعة ((يجنى عليها))، وهى صواب أيضاً، والمخطوطة غير منقوطة. « جنا
عليه يجنى)) انثنى، وحتى ظهره. وجاء الحديث باللفظين.
(٣) الأثر : ١١٩٧٦ - خبر عبد الله بن عمر فى رجم اليهودى اليهودية، رواه مسلم
فى صحيحه ١١: ٢٠٨، ٢٠٩ والبخارى، فى صحيحه (الفتح ١٢ : ١٤٨ - ١٥٢) وشرحه
الحافظ شرحاً وافياً، وفى سنن أبي داود ٤ : ٢١٤، رقم : ٤٤٤٦.

٣٢٩
تفسير سورة المائدة : ٤٢
ثم اختلف أهل التأويل فى حكم هذه الآية ، هل هو ثابت اليوم ؟ وهل
للحكام من الخيار فى الحكم والنظر بين أهل الذمة والعهد إذا احتكموا إليهم ، مثلُ
الذى جعل لنبيه صلى الله عليه وسلم فى هذه الآية ، أم ذلك منسوخ ؟
١٥٨/٦
فقال بعضهم : ذلك ثابتٌ اليوم ، لم ينسخه شىء ، وللحكام من الخيار فى
كلّ دهر بهذه الآية، مثلُ ما جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.
ذكر من قال ذلك :
*
١١٩٧٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن عمرو بن
أى قيس ، عن مغيرة ، عن إبراهيم والشعبى: إنْ رفع إليك أحد من المشركين
فى قَضَاءِ ، فإن شئت فاحكم بينهم بما أنزل الله، وإن شئت أعرضت عنهم. (١)
١١٩٧٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبى
وإبراهيم قالا: إذا أتاك المشركون فحكَّوك ، فاحكم بينهم أو أعرض عنهم . وإن
حكمت فاحكم بحكم المسلمين ، ولا تعدُّهُ إلى غيره .
١١٩٧٩ -حدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا أبی = وحدثنا هناد قال ، حدثنا
وكيع = عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبى: (( فإن جاؤوك فاحكم بينهم
أو أعرض عنهم))، قال: إن شاء حكم ، وإن شاء لم يحكم.
١١٩٨٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى قال ، حدثنا سفيان ، عن
ابن جريج، عن عطاء قال : إن شاء حكم ، وإن شاء لم يحكم .
١١٩٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن محمد بن سالم ، عن
الشعبى قال : إذا أتاك أهل الكتاب بينهم أمر ، فاحكم بينهم بحكم المسلمين ، أو
خِلّ عنهم وأهلَ دينهم يحكمون فيهم ، إلا فى سرقة أو قتل .
١١٩٨٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق عن
(١) فى المطبوعة: ((أعرض عنهم))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٣٣٠
تفسير سورة المائدة : ٤٢
ابن جريج قال ، قال لى عطاء، نحن مخيرّون، إن شئنا حكمنا بين أهل الكتاب،
وإن شئنا أعرضنا فلم نحكم بينهم . وإن حكمنا بينهم حكمنا بحكمنا بيننا، أو نتركهم
وحكمهم بينهم = قال ابن جريج: وقال مثل ذلك عمرو بن شعيب . وذلك قوله :
((فاحكم بينهم أو أعرض عنهم )).
١١٩٨٣ - حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة = وحدثنى
المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن مغيرة = عن إبراهيم
والشعبى فى قوله: ((فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم))، قالا : إذا جاؤوا
إلى حاكم المسلمين ، فإن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم . وإن حكم
بينهم، حكم بينهم بما فی کتاب الله.
١١٩٨٤ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: (( فإن جاؤوك ، فاحكم بينهم)) ، يقول : إن جاؤوك فاحكم
بينهم بما أنزل الله، أو أعرض عنهم. فجعل الله له فى ذلك رُخْصة، إن شاء حكم
بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم .
١١٩٨٥ - حدثنا هناد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن إبراهيم والشعبى
قالا : إذا أتاك المشركون فحكَّوك فيما بينهم ، فاحكم بينهم بحكم المسلمين ولاتعدُه
إلى غيره ، أو أعرض عنهم وخلُّهم وأهلَ دينهم .
٠
وقال آخرون : بل التخيير منسوخٌ ، وعلى الحاكم إذا احتكم إليه أهل الذمة
أن يحكُم بينهم بالحق ، وليس له ترك النظر بينهم .
* ذکر من قال ذلك :
١١٩٨٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين
ابن واقد، عن يزيد النحوى، عن عكرمة والحسن البصرى ((فإن جاؤوك فاحكم
بينهم أو أعرض عنهم))، نسخت بقوله: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أُنْزَلَ اللهُ﴾.
[ سورة المائدة: ٤٩]

٣٣١
تفسير سورة المائدة : ٤٢
١١٩٨٧ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن السدى
قال: سمعت عكرمة يقول: نسختها: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أُنْزَلَ اللهُ﴾.
١١٩٨٨ - حدثنا ابن وكيع ومحمد بن بشار قالا، حدثنا ابن مهدى ، عن
سفيان، عن السدى قال : سمعت عكرمة يقول: نسختها: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ
بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾.
١١٩٨٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هرون ، عن سفيان بن
حسين، عن الحكم، عن مجاهد: لم ينسخ من (المائدة)) إلاّ هاتان الآيتان: ((فإن
جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم))، نسختها: ﴿وَأَنِ أُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ
وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [سورة المائدة: ٤٩]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَ الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا
شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْىَ وَلاَ القَلَائِدَ﴾ [سورة المائدة: ٢]، نسختها
﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [ سورة التوبة: ٥].(١)
١١٩٩٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم،
عن منصور ، عن الحكم، عن مجاهد قال : نسختها: ﴿ وَأَن أُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا
أَنْزَلَ اللهُ﴾.
١١٩٩١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حجاج بن منهال قال، حدثنا همام ،
عن قتادة قوله: (( فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) ، يعنى اليهود ، فأمر
الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم، ورخَّص له أن يُعْرض عنهم إن شاء، ١٥٩/٦
ثم أنزل اللّه تعالى ذكره الآية التى بعدها: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَبَ) إلى قوله :
﴿فَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَ أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [ سورة المائدة: ٤٨.
فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما أنزل الله، بعد ما رَخّص له،
إن شاء ، أن يُعرض عنهم .
(١) الأثر: ١١٩٨٩ - انظر الأثر التالى رقم : ١١٩٩٦، والتعليق عليه.

٣٣٢
تفسير سورة المائدة : ٤٢
١١٩٩٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن عبد الكريم الجزرىّ : أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدىّ بن
عدىّ: ((إذا جاءك أهل الكتاب فاحكم بينهم)).
١١٩٩٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى ، عن السدى، عن عكرمة قال : نسخت بقوله: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ
بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [سورة المائدة: ٤٨].
١١٩٩٤ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن
معمر، عن الزهرى قوله: ((فإن جاؤوك، فاحكم بينهم أو أعرض عنهم))، قال:
مضت السنة أن يُرَدُّوا فى حقوقهم ومواريثهم إلى أهلِ دينهم، إلا أن يأتوا راغبين
فی حدّ ، يحكم بينهم فيه بكتاب الله .
١١٩٩٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قال: لما نزلت: ((فاحكم بينهم أو أعرض عنهم )) ،
كان النبي صلى اللّه عليه وسلم: إن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم ،
ثم نسخها فقال: ((فَخَكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَ أنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَنَّبِعْ أَهْوَاءُهُمْ))،
وكان مجبوراً على أن يحكم بينهم .
١١٩٩٦ -حدثنا محمد بن عمار قال، حدثنا سعيد بن سلمان قال، حدثنا
عباد بن العوّام ، عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مجاهد قال : آيتان
نسختا من هذه السورة = يعنى ((المائدة))، آية القلائد، وقوله: ((فاحكم بينهم
أو أعرض عنهم))، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم مخيّراً، إن شاء حكم، وإن
شاء أعرض عنهم، فردّهم إلى احتكامهم، (١) أن يحكم بينهم بما فى كتابنا . (٢)
٠٠
(١) فى المطبوعة: ((فردهم إلى أن يحكم بينهم))، حذف ما كان فى المخطوطة: ((فردهم إلى
أحكامهم أن يحكم بينهم))، وصواب قراءته ما أثبت .
(٢٠) الأثر: ١١٩٩٦ - ((سعيد بن سليمان الضبى))، هو (سعدويه))، ثقة مأمون من شيوخ

٣٣٣
تفسير سورة المائدة : ٤٢
قال أبو جعفر : وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب ، قول من قال :
إن حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ، وأن للحكّام من الخيار فى الحكم بين أهل
العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا، وترك الحكم بينهم والنظر، مثلُ الذى جعله الله
لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك فى هذه الآية .
وإنما قلنا ذلك أولاهما بالصواب، لأن القائلين إن حكم هذه الآية منسوخ ،
زّعموا أنه نسخ بقوله: ﴿وَأَن أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَ أَنْزَلَ اللهُ﴾ [ سورة المائدة: ٤٩]
وقددللنا فى كتابنا ( كتاب البيان عن أصول الأحكام﴾: أن النسخ لا يكون نسخاً ،
إلا ما كان نفياً لحكمٍ غَيْرِهِ بكل معانيه، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين
جميعاً على صحّته بوجه من الوجوه = بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (١)
وإذْ كان ذلك كذلك = وكان غير مستحيل فى الكلام أن يقال: ((وأن
احكم بينهم بما أنزل الله))، ومعناه: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله إذا حكمت بينهم،
باختيارك الحكم بينهم ، إذا اخترت ذلك ، ولم تختر الإعراض عنهم ، إذ كان
قد تقدَّم إعلام المقول له ذلك من قائله: إنّ له الخيار فى الحكم وترك الحكم = (٢).
كان معلوماً بذلك أن لا دلالة فى قوله: ((وأن احكم بينهم بما أنزل الله))، أنه ناسخٌ
قوله: (( فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً
وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط))، لما وصفنا من احتمال ذلك ما بَيَّنَّاً، بل هو
البخارى ، مضى برقم : ٦١١، ٢١٦٨ .
و«عباد بن العوام الواسطى))، ثقة، من شيوخ أحمد، مضى برقم : ٢٨٥٣، ٥٤٣٣.
و ((سفيان بن حسين الواسطى))، ثقة، تكلموا فى روايته عن الزهرى . مضى برقم :
٣٤٧١، ٦٤٦٢، ١٠٧٢٣.
و((الحكم))، هو ((الحكم بن عتيبة))، تابعى ثقة فقيه مشهور، مضى مراراً كثيرة.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر النحاس فى الناسخ والمنسوخ ، من طريق سعيد بن سليمان بمثله ،
مرفوعاً إلى ابن عباس، ثم قال: ((وهذا إسناد مستقيم، وأهل الحديث يدخلونه فى المسند)).
(١) انظر قوله فى ((النسخ)) فيما سلف ٨: ١٢، تعليق ١، والمراجع هناك.
(٢) السياق: و ((إذا كان ذلك كذلك، وكان غير مستحيل ... كان معلوماً)).

٣٣٤
تفسير سورة المائدة : ٤٢
دليل على مثل الذى دلَّ عليه قوله: ((وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط )).
وإذْ لم یکن فی ظاهر التنزيل دليلٌ على نسخ إحدى الآیتین الأخرى، ولا نفی
أحد الأمرين حكم الآخر = ولم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرٌ يصحُ
بأن أحدهما ناسخ صاحبه = ولا من المسلمين على ذلك إجماعٌ =(١) صحَّ ما قلنا
من أن كلا الأمرين يؤيِّد أحدهما صاحبه، ويوافق حكمُه حكمه ، ولا نسخ فى
أحدهما للآخر .
وأما قوله: ((وإن تُعْرِض عنهم فلن يضروك شيئاً))، فإن معناه: وإن تعرض
يا محمد، عن المحتكمين إليك من أهل الكتاب، فتدّع النظر بينهم فيما احتكموا
فيه إليك، فلا تحكم فيه بينهم (٢) = ((فلن يضروك شيئاً))، يقول: فلن يقدِرُوا لك
على ضُرُّ فى دين ولا دنيا ، فدع النظر بينهم إذا اخترت ترك النظر بينهم . (٣)
٠ ٠
وأما قوله: ((وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط))، فإن معناه : وإن اخترت
الحكم والنّظَر، يا محمد، بين أهل العهد إذا أتوك = ((فاحكم بينهم بالقسط))، وهو
١٦٠/٦ العدل، (٤) وذلك هو الحكم بما جعله الله حكماً فى مثله على جميع خلقه من أمة
نبينا صلى اللّه عليه وسلم .
#
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال جماعة أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١١٩٩٧ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة
(١) السياق: ((وإذ لم يكن فى ظاهر التنزيل دليل ... صح ما قلنا))، وما بينهما عطف
على صدر الكلام .
(٢) انظر تفسير ((الإعراض)). فيما سلف ٩: ٣١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الضر)) فيما سلف ٧ : ١٥٧.
(٤) انظر تفسير ((القسط)) فيما سلف ص: ٩٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

٣٣٥
تفسير سورة المائدة : ٤٢
عن إبراهيم والشعبى: ((وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط))، قالا: إن حكم
بينهم ، حكم بما فى كتاب اللّه .
١١٩٩٨ - حدثنا سفيان قال، حدثنا يزيد بن هرون ، عن العوَّام بن
حوشب، عن إبراهيم: ((وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ))، قال : أمر أن
يحكم فيهم بالرجم .
١١٩٩٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ،
عن العوّام، عن إبراهيم التيمى فى قوله: ((وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط))،
قال : بالرجم
١٢٠٠٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( بالقسط))، بالعدل .
١٢٠٠١ - حدثنا هناد قال، حدثنا هشيم ، عن العوام بن حوشب ، عن
إبراهيم التيمى فى قوله: ((فاحكم بينهم بالقسط ))، قال : أمر أن يحكم بينهم
بالرجم .
وأما قوله: ((إن الله يحب المقسطين))، فمعناه: إن الله يحب العادلين فى
حكمهم بين الناس ، (١) القاضين بينهم بحكم الله الذى أنزله فى كتابه وأمْرِه
أنبياءَه صلوات الله عليهم. (٢)
٠ ٠ ٥
يقال منه: ((أقسط الحاكم فى حكمه))، (٣) إذا عدل وقف بالحق، ((يُقْسط
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((العاملين فى حكمه بين الناس))، وهو كلام فارغ المعنى
وصواب قراءته ما أثبت ، إنما حرفه الناسخ بلا ريب .
(٢) فى المطبوعة: ((وأمر أنبياءه))، وهو اختلال فى السياق، صوابه من المخطوطة،
وصواب ضبطه ما رسمت، ((وأمره)) مصدر معطوف على قوله: ((فى كتابه)).
(٣) انظر تفسير ((أقسط)) و((قسط)) فيما سلف ٧٧:٦، ٧/٢٧٠: ١٠/٣٠١:٩/٥٤١:
٣٢٥،٩٥

٣٣٦
تفسير سورة المائدة : ٤٢، ٤٣
إقساطاً )) = وأما ((قسط))، فمعناه: الجور، (١) ومنه قول الله تعالى ذكره:
{وَأَمَّ اُلْقَسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهََّ حَطَبَا﴾ [سورة الجن: ١٥]، يعنى بذلك:
الجائرين عن الحق .
#
القول فى تأويل قوله ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ
التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَنَّكَ
بِالْمُؤْمِنِينَ)
قال أبو جعفر : یعنی تعالى ذكره : و کیف یحكمك هؤلاء اليهود ، یا محمد ،
بينهم، فيرضون بك حكماً بينهم = ((وعندهم التوراة ))، التى أنزلتها على موسى ،
التى يقرُّون بها أنها حق ، وأنها كتابى الذى أنزلته إلى نبي، (٢) وأن ما فيه من
حكم فمن حكمى ، يعلمون ذلك لا يتناكرونه ولا يتدافعونه ، ويعلمون أن حكمى
فيها على الزانى المحصن الرجم ، وهم مع علمهم بذلك = (( يتولون ))، يقول: يتركون
الحكم به ، بعد العلم بحكمى فيه ، جراءة علىّ وعصياناً لى. (٣)
وهذا ، وإن كان من اللّه تعالى ذكره خطاباً لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فإنه
تقريعٌ منه لليهود الذين نزلت فيهم هذه الآية . يقول لهم تعالى ذكره: كيف تقرّون ،
أيها اليهود، بحكم نبيتى محمد صلى الله عليه وسلم ، مع جحودكم نبوته وتكذيبكم
إياه، وأنتم تتركون حكمى الذى تقرون به أنه حق عليكم واجبٌ ، جاءكم به موسى
من عند الله؟ يقول: فإذْ كنتم تتركون حكمى الذى جاءكم به موسى الذى تقرّون
(١) قوله: ((وأما قسط))، فمعناه الجور))، هذه الجملة ليست فى المخطوطة، ولكن
لا غنى عنها، فلذلك رجحت إثباتها كما هى فى المطبوعة. وفى المطبوعة ((وإقساطاً به))، بزيادة ((به))،
ولا معنى لها ، وليست فى المخطوطة .
(٢) فى المطبوعة: على ((نبي))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) انظر تفسير ((تولى)) فيما سلف ٩: ١٨، تعليق ١، والمراجع هناك.

٣٣٧
تفسير سورة المائدة : ٤٣
بنبوته فى كتابى، فأنتم بترك حكمى الذى يخبركم به نبيِّى محمد أنه حكمى - أحْرَى،
مع جحود كم نبوّته .
٠
ثم قال تعالى ذكره مخبراً عن حال هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم فى هذه
الآية عنده، وحال نظرائهم من الجائرين عن حكمه ، الزائلين عن محجّة الحق
= ((وما أولئك بالمؤمنين))، يقول: ليس من فعل هذا الفعل - أى: من تولّى عن
حكم الله، الذى حكم به فى كتابه الذى أنزله على نبيه، فى خلقه (١) = بالذى صدَّق الله
ورسوله فأقرّ بتوحيده ونبوّة نبيه صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك ليس من فعل أهل الإيمان.
٠
وأصل ((التولى عن الشىء))، الانصرافُ عنه ، كما : -
١٢٠٠٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن
عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: ((ثم يتولون من بعد ذلك))، قال :
((توليهم))، ما تركوا من كتاب الله .
١٢٠٠٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((وكيف يحكمونك
وعندهم التوراة فيها حكم الله))، يعنى: حدود اللّه، فأخبر الله بحكمه فى التوراة.
١٢٠٠٤ - حدثنا بشربن معاذ قال ، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: (( وعندهم التوراة فيها حكم الله))، أى : بيان اللّه ما تشاجروا فيه من
شأن قتيلهم = ((ثم يتولون من بعد ذلك)) ، الآية .
١٢٠٠٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال ، قال = يعنى الرب تعالى ذكره = يعيّرهم :
((وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله))، يقول: الرجم .
(١) السياق: (( ... الذى حكم به فى كتابه ... فى خلقه)).
ج ١٠ (٢٢) .

٣٣٨
تفسير سورة المائدة : ٤٤
١٦١/٦
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿إِنَّا أَنزَ لْنَاَ التَّوْرَنَةَ فِيهَاَ
هُدَى وَنُورٌ يَحْكَمُ بِا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوْ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : إنا أنزلنا التوراة فيها بيانُ ما سألك هؤلاء
اليهود عنه من حكم الزانيين المحصنين (١) = ((ونور))، يقول: فيها جلاء ما أظلم
عليهم ، وضياءُ ما التبس من الحكم (٢) = ((يحكم بها النبيون الذين أسلموا))،
يقول: يحكم بحكم التوراة فى ذلك، أى: فيما احتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه
من أمر الزانيين= ((النبيون الذين أسلموا))، وهم الذين أذعنوا لحكم الله وأقرُّوا به. (٣)
*
وإنما عنى اللّه تعالى ذكره بذلك نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، فى حكمه
على الزانيين المحصنين من اليهود بالرجم ، وفى تسويته بين دم قتلى النّضير وقريظة
فى القصاص والدِّيّة، ومَنْ قبل محمد من الأنبياء يحكم بما فيها من حكم الله، كما :-
١٢٠٠٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون
الذين أسلموا)) ، يعنى النبى صلى الله عليه وسلم.
١٢٠٠٧ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول
لما أنزلت هذه الآية : نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان .
١٢٠٠٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الزهرى قال ، حدثنا رجل من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب ،
(١) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٢) انظر تفسير ((نور)) فيما سلف ٥: ٩/٤٢٤: ١٠/٤٢٨ : ١٤٥
(٣) انظر تفسير ((الإسلام)) فيما سلف من فهارس اللغة.

٣٣٩
تفسير سورة المائدة : ٤٤
عن أبى هريرة قال : زنى رجل من اليهود وامرأة، (١) فقال بعضهم لبعض : اذهبوا
بنا إلى هذا النبى ، فإنه نبى بُعِث بتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها
واحتججنا بها عند اللّه وقلنا: ((فُنْيَا فى من أنبيائك)) !! قال : فأتوا النبى
صلى الله عليه وسلم وهو جالس فى المسجد فى أصحابه ، فقالوا : يا أبا القاسم ،
ما تقول فى رجل وامرأة منهم زنيا ؟ فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مِدْراسهم، (٢)
فقام على الباب فقال: أنشدُ كم بالله الذى أنزل التوراة على موسى ، ما تجدون فى
التوراة على من زنى إذا أحصن؟ قالوا: يحمّم ويجبَّه ويجلد = ((والتجبيه))، أن
يحمل الزانيان على حمار، تُقابل أقفيتهما، ويطاف بهما = وسكت شابٌّ [منهم]، (٣)
فلما رآه سكت ، ألظَّ به النَّشْدَةَ ، (٤) فقال: اللهم إذ نشدتنا، فإنا نجد فى
التوراة الرجْمَ !! فقال النبى صلى اللّه عليه وسلم: فما أوّل ماارْ تَخَصْم أمرَ الله،؟(٥)
قال: زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا ، فأخَّر عنه الرجم . (٦) ثم زنى رجل
(١) فى المطبوعة: ((بامرأة))، وأثبت ما كان هنا فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى تفسير
عبد الرزاق . انظر التخريج .
(٢) فى المطبوعة ((بيت المدراس))، وفى المخطوطة: ((بيت مدراس))، وفوق ((مدراس))
حرف ((ط))، دلالة على الخطأ، وما أثبته هو الصواب ، من تفسير عبد الرزاق . وقد مضى تفسير
((بيت المدراس)) فيما سلف ص: ٣٠٣، تعليق: ١.
(٣) ما بين القوسين زيادة من تفسير عبد الرزاق .
(٤) ((ألظ به))، ألح عليه، وقد مضى تفسيرها فى ص: ٣٠٤: تعليق: ٢. و((النشدة)):
الاستخلاف باللّه. يقال: ((نشدتك اللّه نشدة ونشدة)) (بفتح النون وكسرها) و((نشداناً))
( بكسر النون) : استحلفتك باللّه.
وفيما نقله أخى السيد أحمد من تفسير عبد الرزاق (المخطوط): ((النشيد))؛ وقال أخى:
((فى أبى داود: النشدة))، وفى رواية أبى جعفر عن عبد الرزاق، اختلاف آخر عنه. و((النشيد)):
رفع الصوت، هكذا قالوا. وعندى أنه مصدر ((نشدتك اللّه))، يزاد على مصادره.
(٥) فى المطبوعة: ((ما ارتخص أمر الله))، وفى المخطوطة: ما محصص))، وهو خطأ
لاشك فيه ، وأثبت ما فى تفسير عبد الرزاق .
(٦) قوله: ((فأخر عنه الرجم))؛ أى: أسقط عنه الجد، كأنه أبعده عنه وصرفه أن يلحقه .
وفى الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: ((أخر عنى يا عمر))، قالوا فى معناه:
((معناه: أخر عنى رأيك أو نفسك، فاختصر إيجازاً وبلاغة)). فقصروا فى شرحه، وإنما أراد

٣٤٠
تفسير سورة المائدة : ٤٤
فی أسوة من الناس ، (١)فأراد رجمته، فحال قومہ دونہ وقالوا: لا ترجم صاحبنا
حتى تجىء بصاحبك فترجمه ! فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم . قال النبى
صلى الله عليه وسلم: فإنى أحكم بما فى التوراة ! فأمر بهما فرجما = قال الزهرى :
فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: (( إنا أنزلنا التوراة فيها هدّى ونورٌ يحكم بها النبيون
الذين أسلموا ))، فكان النبيُّ منهم . (٢)
١٢٠٠٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عكرمة قوله: (( يحكم بها النبيون الذين أسلموا))، النبى صلى
اللّه عليه وسلم ومَنْ قبله من الأنبياء ، يحكمون بما فيها من الحق.
معنى صرفه وإبعاده . وهو فى هذا الخبر بالمعنى الذى فسرته . وهو مما يزاد على كتب اللغة ، أو على
بيانها على الأصح .
(١) فى المطبوعة: ((فى أسرة من الناس))، وهى بمثل ذلك فى مخطوطة تفسير عبد الرزاق،
ثم هى كذلك فى سنن أبي داود وغيره. وفسروها فقالوا ((الأسرة : عشيرة الرجل وأهل بيته ، لأنه
یتقوی بهم )) .
بيد أنى أثبت ما هو واضح فى المخطوطة: (( فى أسوة)) بالواو، والواو هناك واضحة جداً، كبيرة
الرأس ، وما أظن الناسخ وضعها كذلك من عند نفسه، بل أرجح أنه وجد ((الواو)) ظاهرة فى نسخة
التفسير العتيقة التى نقل عنها ، فأثبتها واضحة لذلك. فلو صح ما فى المخطوطة ، فهو عندى أرجح
من رواية ((فى أسرة)). وبيانها أنهم يقولون: ((القوم أسوة فى هذا الأمر))، أى: حالهم فيه واحدة.
فأراد بقوله: ((فى أسوة من الناس))، أى: حاله حال سائر الناس ، ليس من أشرافهم ، أو من
أهل بيت المملكة منهم ، فهو يعامل كما يعامل سائر العامة . وقد جاء فى أخبار رجم اليهوديين :
((كنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد)) ( انظر ما سلف رقم :
١١٩٢٢). فهو يعنى بقوله: ((فى أسوة من الناس))، أنه من ضعفائهم وعامتهم. وهذا أرجح
عندى من ((فى أسرة من الناس))، فإنه يوشك أن يكون ((فى أسرة من الناس))، مما يوحى بأن له
عشيرة يحمونه ويدفعون عنه ويتقوى بهم ، وهو خلاف ما يدل عليه سياق هذا الخبر .
ولولا أنى لا أجد فى يدى البرهان القاطع ، لقلت إن الذى فى المخطوطة هو الصواب . وذلك أنى
أذكر أنى قرأت مثل هذا التعبير فى غير هذا الموضع ، وجهدت أن أجده ، فلم أظفر بطائل . فإذا
وجدته فى مكان آخر أثبته إن شاء اللّه، وكان حجة فى المعنى الذى فسرته ، وفوق كل ذي علم عليم .
(٢) الأثر: ١٢٠٠٨ - انظر تخريج هذا الخبر فيما سلف فى التعليق على الأثرين ،
رقم : ١١٩٢٣ ، ١١٩٢٤ .
وقد نقله أخى السيد أحمد فى مسند أحمد فى التعليق على الخبر رقم : ٧٧٤٧ ، من مخطوطة
تفسير عبد الرزاق، ولم يشر إلى موضعه هنا من تفسير الطبرى . وقد بينت الاختلاف بين الروايتين
فيما سلف من التعليقات .