النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٫٠١ تفسير سورة المائدة : ٢٧ القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأْ أَبْنَىْ ءادَمَ بِالْحَقّ إِذْ قَرَّبَ قُرْبَنَا فَتُقُبَلَ مِنْ أَحَدِهِمَاً وَلَمَّ ◌ُتَقَبْلْ مِنَ الْأَخَرِ قَلَ لَأَفْتُلَنَّكَ قَلَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ ١٢٠/٦ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: واتلُ على هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطُوا أيديهم إليكم، وعلى أصحابك معهم (١) = وعرَّ فهم مكروه عاقبة الظلم والمكر ، وسوء مغبّة الخَتْر ونقض العهد، (٢) وما جزاء الناكث وثوابُ الوافى - (٣) خبرَ ابنى آدم، هابيل وقابيل، وما آل إليه أمر المطيع منهما ربَّه الوافى بعهده، وما إليه صار أمر العاصى منهما ربَّه الخاترِ الناقضِ عهده. (٤) فلتعرف بذلك اليهود وخَامِةَ غِبْ غَدْ رهم ونقضهم ميثاقَهم بينك وبينهم، (٥) وهمِّهم الأولى: ((فلم يحزن))، لأنها كانت فى المخطوطة: ((فلا تحزن))، فظنها تكراراً فحذفها، وهى ثابتة كما كتبتها فى الأثر السالف : ٩٩١. (١) أخطأ ناشر المطبوعة الأولى فهم هذه العبارة، فجعلها (( واتل على هؤلاء الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليكم عليك وعلى أصحابك معك))، فزاد ((عليك))، وجعل (معهم))، ((معك)) فأخرج الكلام من عربية أبى جعفر، إلى كلام غسل من عربيته . وسياق الكلام: واتل على هؤلاء اليهود ... وعلى أصحابك معهم)). فسبحان من سلط الناشرين على الكاتبين ! ! (٢) ((الختر)): هو أسوأ الغدر. وأقبح الخديعة، وفى الحديث: ((ما ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو))، وفى التنزيل: ((وما يحجد بآياتنا إلا كل ختار كفور)). ولم يحسن ناشر المطبوعة قراءة ((الختر))، فجعل مكانها ((الجور)). (٣) قوله ((خبر ابنى آدم)) منصوب، مفعول قوله: ((واتل على هؤلاء اليهود)»، وما بين الخطين، جملة فاصلة للبيان . وانظر تفسير ((يتلو)» فيما سلف ٢ : ٤٠٩، ٤١١، ٣/٥٦٩: ٦/٨٦ : ٤٦٦ /٧ : ٩٧. وتفسير ((نبأ)) فيما سلف ١ : ٤٨٨، ٤٨٩ /٦: ٢٥٩، ٤٠٤. (٤) فى المطبوعة: ((الجائر))، وانظر تفسير ((الختر)) فيما سلف تعليق: ٢، وهى فى المخطوطة غير منقوطة . (٥) فى المطبوعة: ((وخامة غب عدوهم))، وهو فاسد مريض، وهى فى المخطوطة كما كتبتها غير منقوطة . ٢٠٢ تفسير سورة المائدة : ٢٧ بما هُّوا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك ، فإن لك ولهم (١) = فى حسن ثوابى ويعظم جزائى على الوفاء بالعهد الذى جازيت المقتول الوافى بعهده من ابنى آدم ، وعاقبتُ به القاتل الناكثَ عهده = عزاءً جميلاً. (٢) ٠٠٠ واختلف أهل العلم فى سبب تقريب ابنى آدم القربان ، وسبب قَبُول اللّه عز وجل ما تقبل منه ، ومَنِ اللذان قرَّبًا؟ فقال بعضهم : كان ذلك عن أمر الله جل وعز إياهما بتقريبه ، وكان سبب القبول أن المتقبَّل منه قرَّب خير ماله، وقرب الآخر شر ماله . وكان المقرَّبان ابنى آدم لصلبه ، أحدهما : هابيل ، والآخرُ : قابيل . • ذكر من قال ذلك : ١١٧٠٤ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله ابن أبى جعفر، عن هشام بن سَعْد، عن إسمعيل بن رافع قال: بلغنى أن ابنى آدم لمَا أُمِرَا بالقربان، كان أحدهما صاحب غَنّم، وكان أُنْتِجَ اهَ حَمَلٌ فى غنمه، (٣) فأحبه حتی کان یؤثره بالليل ، وكان يحمله على ظهره من حبه ،حتى لم يكن له مالٌ أحبَّ إليه منه. فلما أُمِر بالقربان قرّبه لله فقبله اللّه منه، فما زال بَرْتَع فى الجنة حتى قُدِى به ابن إبراهيم صلى اللّه عليهما . (٤) ١١٧٠٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا عوف، عن أبى المغيرة ، عن عبد الله بن عمرو قال : إنّ ابنى آدم اللذين قرّبا قرباناً فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ، كان أحدهما صاحب حَرْثٍ ، (١) يعنى النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه. (٢) السياق: ((فإن لك ولهم ... عزاء جميلا)). (٣) ((أنتج)) (بالبناء المجهول)، أى: ولد. و((الحمل)) (بفتحتين): الحروف. (٤) الأثر: ١١٧٠٤ - ((هشام بن سعد المدنى))، ثقة، تكلموا فيه من جهة حفظه. مضى برقم: ٥٤٩٠. وكان فى المطبوعة هنا: ((بن سعيد))، والصواب من المخطوطة. (إسماعيل بن رافع بن عويمر المدفى القاص))، ضعيف جدا، مضى برقم: ٤٠٣٩. ٢٠٣ تفسير سورة المائدة : ٢٧ والآخر صاحب غنيم. وأنهما أُمرا أن يقرّبا قرباناً = وأن صاحب الغَنَّم قرب أكرم غنمه وأسمَنّها وأحسَنَها ، طيّبةً بها نفسه = وأن صاحب الحرث قرّب شرّ حرثه، [الكوزن] والزّوان، (١) غير طيبة بها نفسه - وأن اللّه تقبّل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قُربان صاحب الحرث. وكان من قصتهما ما قص اللّه فى كتابه . وقال: أيمُ اللّه، إنْ كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّجُ أن يبسطَ إلى أخيه.(٢) ٠ وقال آخرون : لم يكن ذلك من أمرِ هما عن أمرِ اللّه إياهما به. • ذكر من قال ذلك : ١١٧٠٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يُتصدَّق عليه، (٣) وإنما كان القربان يقرِّبه الرجل. فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا: «لو قربنا قرباناً ))! وكان الرجل إذا قرب قرباناً فرضیه الله جل وعزّ ، أرسل إليه ناراً فأكلته. وإن لم يكن رضيتَه الله، خَبَتِ النار. فقربا قرباناً، وكان أحدهما راعياً ، وكان الآخر حرَّاثاً، وإنّ صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها ، وقرب الآخر بعض زرعه. (٤) فجاءت النار فنزلت بينهما، فأكلت الشاة وتركت (١) ((الكوزن))، هكذا فى المطبوعة والمخطوطة، وفى تاريخ الطبرى ((الكوذر))، ولم أجدها فى شىء مما بين يدى من الكتب. والذى وجدته أن ((الدوسر)): نبات كنبات الزرع، له سنبل وحب دقيق أسمر، يكون فى الحنطة، ويقال هو ((الزوان)). و((الزوان)) (بضم الزاى ): ما يخرج من الطعام فيرمى به، وهو الردىء منه. وقيل: هو حب يخالط الحنطة، تسميه أهل الشأم: ((الشيخ)). (٢) الأثر: ١١٧٠٥ - رواه أبو جعفر فى تاريخه ١: ٧١، وسيأتى برقم: ١١٧٢٧، مختصراً. وفى المطبوعة هنا: ((أن يبسط يده إلى أخيه))، زاد ((يده))))، وهى ليست فى المخطوطة، ولا فى التاريخ ، ولا فى هذا الأثر الذى سير ویه مرة أخرى بعد . (٣) فى المطبوعة: ((فيتصدق))، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ. (٤) فى المطبوعة: ((أبغض زرعه))، غير ما فى المخطوطة، وهى موافقه لما فى التاريخ. ويعنى بقوله: ((بعض زرعه))، أى: ما اتفق له ، غير متخير كما تخير أخوه . وهو كقوله فى الأثر رقم : ١١٧٠٩. ((زرعاً من زرعه)). ٢٠٤ تفسير سورة المائدة : ٢٧ الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه : أتَمْشى فى الناس وقد علموا أنك قرَّبت قرباناً فتُقْبُّل منك، ورُدَّ على ؟ فلا والله لا تنظر الناس إلىّ وإليك وأنت خير منى !! فقال: لأقتلنَّك! فقال له أخوه: ما ذنبى؟ إنما يتقبل الله من المتقين.(١) ١١٧٠٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى قال ، حدثنا ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((إذا قربا قرباناً))، قال : ابنا آدم ، هابيل وقابيل ، لصلب آدم . فقرّب أحدهما شاةً ، وقرب الآخر بَقْلاً ، فقبل من صاحب الشاة ، فقتله صاحبه . ١١٧٠٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح، عن مجاهد ، مثله . ١١٧٠٩ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور، عن مجاهد فى قوله: (( واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذْ قرّبا قرباناً ))، قال: هابيل وقابيل، فقرب هابيل عنّاقاً من أحسن غَنّمه، (٢) وقرب قابيل زرعاً من زرعه . قال: فأكلت النار العناقَ ولم تأكل الزرع، فقال: لأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين. ١٢١/٦ ١١٧١٠ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا رجل سمع مجاهدا فى قوله: ((واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قرباناً))، قال: هو هابيل وقابيل لصُلْب آدم ، قربا قرباناً ، قرب أحدهما شاة من غنمه ، وقرب الآخر بَقْلاً، فتُقُبُّل من صاحب الشاة ، فقال لصاحبه ، لأقتلنك ! فقتله . فعقل اللّه إحدى رجليه بساقها إلى فخذها إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى الشمس حيثما دارت ، عليه حظيرة من ثلج فى الشتاء، وعليه فى الصيف حظيرة من نار ، (١) الأثر: ١١٧٠٦ - رواه أبو جعفر فى تاريخه ١: ٧١، وسيأتى برقم: ١١٧٥٠، پزیادة فی آخره . (٢) ((العناق)) (بفتح العين): وهى الأنثى من المعز ما لم تتم سنة. ٢٠٥ تفسير سورة المائدة : ٢٧ ومعه سبعةُ أملاك ، كلما ذهب مَلَك جاء الآخر . ١١٧١١ - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبى، عن سفيان = ح ، وحدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع، عن سفيان - عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس: (( واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قرّبا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر))، قال: قرّب هذا كبشاً، وقرّب هذا صُبَراً من طعام، (١) فتقبل من أحدهما ، قال : تُقُبل من صاحب الشاة ، ولم يتقبل من الآخر . ١١٧١٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن على ، عن ابن عباس : (( واتل عليهم نبأ ابنی آدم بالحق إذ قرّبا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر))، كان رجلان من بنى آدم، فتُقُبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر . ١١٧١٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله ، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: ((واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق)) ، قال : كان أحدهما اسمه قابيل ، والآخر هابيل ، أحدهما صاحب غنم ، والآخر صاحب زرع ، فقرب هذا من أمثل غنمه حَمَلاً، وقرّب هذا من أرذَل زرعه، (٢) قال: فنزلت النار فأكلت الحمل ، فقال لأخيه : لأقتلنك ! ١١٧١٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل: أن آدم أمر ابنه قابيل أن يُنكِح أخته تُؤْمَهُ هابيل، وأمر هابيل أن ینکح أخته تُؤمه قابيل، (٣) فسلم لذلك هابیل ورضی ، وأبى قابيل (١) ((الصبر)) (بضم الصاد وفتح الباء) جمع ((صبرة)) (بضم فسكون): كومة من طعام بلا كيل ولا وزن. ويقال: ((اشتريت الشى ((صبرة»، أى بلا كيل ولا وزن. وفى المطبوعة: ((صبرة)» وأثبت ما فى المخطوطة . (٢) فى المطبوعة: ((من أردإ زرعه))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٣) فى المطبوعة فى الموضعين ((توأمة))، وأثبت ما فى المخطوطة، وفى تاريخ الطبرى: ((توامته)). و((التوأم)) و((الثم)) (بكسر فسكون) و((التثوم)) (بضم فسكون)، و((التثيم))، هو من جميع ٢٠٦ تفسير سورة المائدة : ٢٧ ذلك و کره ، (١) تکرماً عن أخت هابیل، ورغب بأخته عن هابيل ، وقال : نحن ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختى ! = ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول : كانت أخت قابيل من أحسن الناس ، فضن بها عن أخيه وأرادها لنفسه . فالله أعلم أىّ ذلك كان = فقال له أبوه: يا بنى إنها لا تحلُّ لك! فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه ، فقال له أبوه : يا بنى ، فقرّب قرباناً ، ویقرّبأخوك هابیل قرباناً، فأيُّکما قبل الله قربانه فهو أحق بها . وکان قابيل على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية ، فقرب قابيل قمحاً ، وقرّب هابيل أبكاراً من أبكار غنمه = وبعضهم يقول : قرب بقرة = فأرسل الله جل وعز ناراً بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يُقْبَل القُربان إذا قبله . (٢) ١١٧١٥ -حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدی فیما ذکر، عن أبى مالك وعن أبى صالح، عن ابن عباس = وعن مرة ، عن ابن مسعود = وعن ناس من أصحاب النبى صلى اللّه عليه وسلم : وكان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، (٣) فكان يزوّج غلام هذا البطن ، جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن ، غلامَ هذا البطن الآخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما : قابيل وهابيل . وكان قابيل صاحب زرع ، وكان الحيوان ، المولود مع غيره فى بطن، من الاثنين إلى ما زاد ، ذكراً كان أو أنثى، أو ذكراً مع أنثى . ويقال أيضاً ((توأم الذكر)) و((توأمة)) للأنثى. وفى المخطوطة والمطبوعة فى جميع المواضع ((قابيل)). وأما فى التاريخ، فهو فى جميع المواضع ((قين)) مكان ((قابيل))، وهما واحد، فتركت ما فى المطبوعة والمخطوطة على حاله، وإن كان يخالف ما زواه أبو جعفر فى التاريخ . (١) فى المطبوعة: ((وكرهه))، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ. (٢) الأثر: ١١٧١٤ - رواه أبو جعفر فى تاريخه ١: ٧٠. (٣) فى المطبوعة: ((كان ... )) بغير واو، وأثبت ما فى المخطوطة. ٢٠٧ تفسير سورة المائدة : ٢٧ هابيل صاحب ضَرْعٍ، وكان قابيل أكبرهما ، وكان له أخت أحسن من أخت . هابيل . وإنّ هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل ، فأبى عليه وقال : هى أختى، ولدت معى، وهى أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوَّجها ! فأمره أبوه أن يزوِّجها هابيل ، فأبى. وإنهما قربا قرباناً إلى اللّه أيُّهما أحق بالجارية، كان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها ، قال الله عز ذكره لآدم : يا آدمُ ، هل تعلم أن لى بيتاً فى الأرض؟ قال : اللهم لا ! قال: فإن لى بيتاً بمكة فأته . فقال آدم للسماء: ((احفظى ولدى بالأمانة))، فأبت. وقال للأرض ، فأبت . وقال الجبال فأبت. وقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجدُ أهلك كما يسرُّكَ . فلما انطلق آدم ، قربا قرباناً ، وكان قابيل يفخر عليه فقال : أنا أحق بها منك ، هى أختى، وأنا أكبر منك، وأنا وصىُّ والدى! فلما قرَّبًا، قرب هابيل جَذّعة سمينة، (١) وقرّب قابيل حُزمة سنبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففركتها فأكلها. ١٢٢/٦ فنزلت النار فأكلت قربانَ هابيل، وتركت قربان قابيل ، فغضب وقال : لأقتلنك حتى لا تنكح أختى ! فقال هابيل: إنما يتقبَّل الله من المتقين. (٢) ١١٧١٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق))، ذكر لنا أنهما هابيل وقابيل . فأما هابيل ، فكان صاحب ماشية ، فعمّد إلى خير ماشيته فتقرّب بها ، فنزلت عليه نار فا کلته = وکان التقربان إذا تُقُبل منهم، نزلت عليه نار فأكلته . وإذا رُدّ عليهم أكلته الطيرُ والسباع = وأما قابيل، فكان صاحب زرع ، فعمد إلى أردا زرعه فتقرب به ، فلم تنزل عليه النار، فحسد أخاه عند ذلك فقال: لأقتلنك ! قال : إنما يتقبل الله من المتقين. ١١٧١٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا (١) ((الجذمة) من الضأن والمحز، الصغير، لم يتم سنته. (٢) الأثر: ١١٧١٥ - رواه أبو جغرق تاريخه ١: ٦٨، ٦٩. ٢٠٨ تفسير سورة المائدة : ٢٧ معمر، عن قتادة فى قوله: (( واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق ))، قال: هما هابيل وقابيل ، قال : كان أحدهما صاحب زرع ، والآخر صاحب ماشية ، فجاء أحدهما بخيرِ ماله ، وجاء الآخر بشرماله . فجاءت النار فأكلت قربان أحدهما، وهو هابيل ، وتركت قربان الآخر ، فحسده فقال : لأقتلنك ! ١١٧١٨ - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن منصور، عن مجاهد: ((إذا قرّبا قرباناً))، قال: قرّب هذا زرعاً، وذا عناقاً، فتركت النارُ الزرعَ وأكلَتِ العَناق.(١) وقال آخرون : اللذان قرّبًا قرباناً، وقصَّ اللّه عز ذكره قصصهما فى هذه الآية : رجلان من بنى إسرائيل ، لا من ولد آدم لصلبه . * ذكر من قال ذلك : ١١٧١٩ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا سهل بن يوسف ، عن عمرو ، عن الحسن قال: كان الرجلان اللذان فى القرآن، اللذان قال الله: ((واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق))، من بنى إسرائيل ، ولم يكونا ابنى آدم لصلبه ، وإنما كان القُربان فى بنى إسرائيل ، وكان آدم أول من مات. (٢) ... قال أبو جعفر : وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب ، أن اللذين قرّبا القربان كانا ابنى آدم لصلبه، لا من ذريته من بنى إسرائيل. وذلك أن الله عز وجل يتعالى عن أن يخاطب عبادَه بما لا يفيدهم به فائدة ، والمخاطبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريب القربان لله لم يكن إلاّ فى ولد آدم، دون الملائكة والشياطين (١) ((العناق)): أنثى المعز، ما لم تتم سنة. (٢) الأثر: ١١٧١٩ - ((سهل بن يوسف الأنماطى))، روى عن ابن عون، وعوف الأعرابى، وجيد الطويل، وغيرهم. روى عنه أحمد، ويحيى بن معين، ومحمد بن بشار ، وغيرهم . مترجم الهذيب . وهذا الخبر رواه أبو جعفر فى تاريخه ١ : ٧١ . وسيأتى رد هذا الذى قاله الحسن فيا سيأتى ص : ٢١٩، ٢٢٠. ٢٠٩ تفسير سورة المائدة : ٢٧ وسائرِ الخلق غيرهم . فإذْ كان معلوماً ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لم يكن معنيًا : ((ابنى آدم)) اللذين ذكرهما الله فی کتابه ، ابناهُ لصلبه ، لم يفدْ هم بذ کره جل جلاله إياهما فائدة لم تكن عندهم . وإذْ كان غير جائز أن يخاطبهم خطاباً لا يفيدهم به معنَى، فمعلوم أنه عنى بـ ((ابن آدم))، [ابنى آدم لصلبه]، لابَنِى بنيه الذين بعد منه نسبهم ، (١) مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل ، على أنهما كانا ابنى آدم لصلبه ، وفى عهد آدم وزمانه ، وكفى بذلك شاهداً . ٥ وقد ذكرنا كثيراً ممن نُصَّ عنه القول بذلك، وسنذكر كثيراً ممن لم يذكر إن شاء الله . ١١٧٢٠ -حدثنا مجاهد بن موسى قال ،حدثنا یزید بن هرون قال ، حدثنا حسام بن المِصَكّ، عن عمار الدهنى ، عن سالم بن أبى الجعد قال : لما قتل ابن آدم أخاه ، مكث آدم مئة سنة حزيناً لا يضحك ، ثم أتى فقيل له : حيّاك الله وبيّاك ! = فقال: ((بياك))، أضحكك.(٢). ١١٧٢١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم ، عن أبى إسحق الهمدانى قال ، قال على بن أبى طالب رضوان الله عليه: لما قتل ابن آدم أخاه ، بكى آدم فقال : فَلَوْنُ الْأرْضِ مُغْبَرٌّ فَبِيحُ تَغَيِّرَتِ الْبِلاَدُ وَمَنْ عَلَيْهَا وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيحِ تَغَيِّرَ كُلُّ ذِى لَوْنٍ وَطَعْمٍ (١) فى المطبوعة، بغير الزيادة التى بين القوسين. أما المخطوطة، فكانت العبارة غير مستقيمة ، كتب هكذا: ((أنه عنى بابنى آدم لصلبه بنى بنيه الذين بعد منه نسبهم)» فالصواب زيادة ما زدته بين القوسين، وزيادة ((لا)) كما فعل فى المطبوعة السابقة. (٢) الأثر: ١١٧٢٠ - ((حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدى)). روى عن الحسن. وابن سيرين ، وقتادة ، ونافع مولى ابن عمر . روى عنه أبو داود الطيالسى ، وهشيم ، ويزيد بن هرون ، وغيرهم. ضعفوه، حتى قال ابن معين: ((كان كثير الخطأ، فاحش الوهم ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به)) . مترجم فى التهذيب . ج ١٠ ( ١٤) ٢١٠ تفسير سورة المائدة : ٢٧ فأجيب آدم عليه السلام : وَصَارَ الْحَىُّ كَالْمَيْتِ الذَّبِيحِ أَبَ هَابِيلَ قَدْ قُتِلاَ جميعاً (١) وَجَاءَ بِشِرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَاَ عَلَى خَوْفٍ، فَجَاءَ بِهِاَ يَصِيحَ ١٢٣/٦ قال أبو جعفر : وأما القول فى تقريبهما ما قرَّبا ، فإن الصواب فيه من القول أن يقال: إن الله عز ذكره أخبرَ عبادَه عنهما أنهما قد قربا ، ولم يخبر أن تقريبهما ما قرّبًا كان عن أمر الله إياهما به، ولا عن غير أمره . وجائز أن يكون كان عن أمر اللّه إياهما بذلك = وجائز أن يكون عن غير أمره . غير أنه أىّ ذلك كان ، فلم يقرّبًا ذلك إلا طلب قرْبة إلى الله إن شاء الله. ... وأما تأويل قوله: ((قال لأقتلنك))، فإن معناه: قال الذى لم يُتْقَبَّل منه قربانه، للذى تُقُبّل منه قربانه: ((لأقتلنك))، فترك ذكر: ((المتقبل قربانه)) و ((المردود عليه قربانه))، استغناء بما قد جرى من ذكرهما عن إعادته . وكذلك ترك ذكر ((المتقبل قربانه)) مع قوله، ((قال إنما يتقبل الله من المتقين)). ٠ وبنحو ما قلنا فى ذلك روى الخبر عن ابن عباس . ١١٧٢٢ -حدثنا محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((قال لأقتلنك))، فقال له أخوه : ما ذنبي ؟ إنما يتقبل الله من المتقين. (٢) (١) الأثر: ١١٧٢١ - ((غياث بن إبراهيم النخعى، الكوفى))، قال يح بن معين: ((كذاب خبيث)). وقال خالد بن الهياج: ((سمعت أبى يقول: رأيت غياث بن إبراهيم، ولو طار على رأسه غراب لجاء فيه بحديث! وقال: إنه كان كذاباً يضع الحديث من ذات نفسه)). مترجم فى الكبير ١٠٩/١/٤، وابن أبي حاتم ٥٧/٢/٣، وفى لسان الميزان، وميزان الاعتدال. وفى المخطوطة والمطبوعة، سقط من الإسناد ((عن غياث بن إبراهيم)»، وزدته من إسناد أبى جعفر فى تاريخه ١ : ٧٢، وروى الخبر هناك. (٢) الأثر : ١١٧٢٢ - هذا ختام الأثر السالف رقم : ١١٧٠٦. ٢١١ تفسير سورة المائدة : ٢٧ ١١٧٢٣ - حدثی يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((إنما يتقبل الله من المتقين))، قال يقول: إنك لو اتقيت اللّه فى قربانك تُقُبل منك، جئت بقربان مغشوش بأشرٌّ ما عندك، (١) وجئت أنا بقربان طيِّب بخير ما عندى . قال : وكان قال : يتقبل الله منك ولا يتقبل منى! ٠ ٠ ويعنى بقوله: ((من المتقين))، من الذين اتقوا اللّه وخافوه ، بأداء ما كلفهم من فرائضه ، واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته . (٢) .. . وقد قال جماعة من أهل التأويل: ((المتقون )) فى هذا الموضع ، الذين اتقوا الشرك . ذكر من قال ذلك : ٠ ١١٧٢٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد ابن سليمان، عن الضحاك قوله: ((إنما يتقبل الله من المتقين))، الذين يتقون الشرك. ٠ ٥ وقد بينا معنى ((القربان)) فيما مضى = وأنه ((الفعلان)) من قول القائل: ((قرَّب))، كما ((الفُرْقان)) ((الفعلان)) من ((فرق))، و((العُدْوان)) من((عدا)). (٣) وكانت قرابين الأمم الماضية قبل أمَّتنا ، كالصدقات والزكوات فينا ، غير أن قرابينهم كان يُعْلم المتقبل منها وغير المتقبَّل = فيما ذكر = بأكل النار ما تُقُبل منها، وترك النارما لم يُتقبّل منها. (٤) و((القربان)) فى أمتنا، الأعمال الصالحة، من الصَّلاة والصيام، والصدقة على أهل المسكنة، وأداء الزكاة المفروضة . ولا سبيل (١) قوله: ((بأشر ما عندك))، أى: ((بشر ما عندك)»، وهى لغة قليلة. وقد مضت فى الخبر رقم: ٥٠٨٠، وانظر التعليق هناك: ٥: ٨٥، تعليق : ١ . (٢) انظر تفسير ((اتقى)) فما سلف من فهارس اللغة (وقى). (٣) انظر ما سلف ٧ : ٤٤٨. (٤) انظر الأثربن السالفين: ٨٣١٠، ١٨٣١١. ٢١٢ تفسير سورة المائدة : ٢٧ لها إلى العلم فى عاجلٍ بالمتقبّل منها والمردود.(١) ٠٠ ٥ وقد ذكر عن عامر بن عبد الله العنبرى: أنه حين حضرته الوفاة بكی، فقيل له : ما يبكيك ؟ فقد كنتَ وكنتَ! فقال: يبكينى أنّى أسمع الله يقول: ((إنما يتقبل الله من المتقين)). ١١٧٢٥ - حدثنى بذلك محمد بن عمر المقدمیقال، حدثی سعید بن عامر، عن حمّام ، عمن ذكره ، عن عامر . (٢) وقد قال بعضهم : قربان المتقين ، الصلاة . ١١٧٢٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث ، عن عمران ابن سليمان ، عن عدى بن ثابت قال: كان قربان المتّقين، الصلاة. (٣) (١) قوله: ((لها))، الضمير عائد إلى قوله: ((أمتنا)). (٢) الأثر: ١١٧٢٥- ((محمد بن عمر بن على بن عطاء المقدمى))، مضى برقم : ٦٨٠٩،٦٢٢٥. و((سعيد بن عامر الضبعى))، ثقة مأمون . مترجم فى التهذيب. و((همام)) هو ((همام بن يحيى بن دينار الأزدى))، ثقة صدوق. مترجم فى التهذيب. و((عامر بن عبد اللّه العنبرى))، هو ((عامر بن عبد الله بن عبد قيس العنبرى))، ويقال: ((عامر ابن عبد قيس))، أحد الزهاد الثمانية، وهم: ((عامر بن عبد الله بن عبد قيس، وأويس القرنى ، وهرم ابن حبان، والربيع بن خثيم، ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وأبو مسلم الخولانى ، والحسن ابن أبى الحسن البصرى)). انظر ترجمته فى حلية الأولياء ٢: ٨٧ - ٩٥، وكتاب الزهد لأحمد بن حنبل: ٢١٨ - ٢٢٨. ولم أجد هذا الخبر فى أخباره فى الكتابين. (٣) الأثر: ١١٧٢٦ - ((عمران بن سليمان القيسى))، ذكره ابن حبان فى الثقات. مترجم فى لسان الميزان . و ((عدى بن ثابت الأنصارى))، ثقة، إلا أنه كان يتشيع. مات سنة ١١٦. مترجم فى التهذيب . ٢١٣ تفسير سورة المائدة : ٢٨ القول فى تأويل قوله عزذكره (لَئِنْ بَسَطَتَ إِلىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِىِ مَ أَنَا بِبَسِطِ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَفْتُلَكَ إِلَى أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ) (٨) قال أبو جعفر: وهذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن المقتول من ابنى آدم أنه قال لأخيه = لما قال له أخوه القاتل: لأقتلنك =: والله، (( لئن بسطت إلىَّ يدك))، يقول: مددت إلىَّ يدك = ((لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك))، يقول : ما أنا بمادٌ يدى إليك(١) = ((لأقتلك)). وقد اختلف فى السبب الذى من أجله قال المقتول ذلك لأخيه ، ولم يمانعه ما فَعَل به . فقال بعضهم: قال ذلك، إعلاماً منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتله ولا بسط يده إليه بما لم يأذن الله جل وعز له به . (٢) • ذكر من قال ذلك : ١١٧٢٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا عوف ، عن أبى المغيرة ، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ايم اللّه، إن كان المقتول لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن يبسُط إلى أخيه. (٣) ١١٧٢٨ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((لئن بسطت إلىّ يدك لتقتلى ما أنا بباسط يدى إليك))، ما أنا بمنتصرٍ ، (٤) ولأمسكنَّ يدى عنك. (١) انظر تفسير: ((بسط)) فما سلف ص: ١٠٠ . . (٢) فى المطبوعة: ((بما لم يأذن الله به))، أسقط ما هو ثابت فى المخطوطة، ولا أدرى لم يرتكب ذك !! (٣) الأثر: ١١٧٢٧ - سلف هذا الأثر مطولا برقم: ١١٧٠٥، وانظر التعليق عليه هناك. (٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لا أنا))، والسياق يقتضى ما أثبت. ٢١٤ تفسير سورة المائدة : ٢٨ وقال آخرون: لم يمنعه مما أراد من قتله، وقال ما قال له مما قصَّ اللّه فى كتابه: [إِلاّ] أن الله عزّ ذكره فرض عليهم أن لا يمتنع من أريد قتله ممن أراد ذلك منه.(١) • ذكر من قال ذلك : ١١٧٢٩ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبدالعزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهداً يقول فى قوله: ((لئن بسطت إلى" يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك))، قال ١٢٤/٦ مجاهد: كان كُتب عليهم، (٢) إذا أراد الرجل أن يقتل رجلاً تركه ولا يمتنع منه. # قال أبو جعفر : وأولى القولين فى ذلك بالصواب أن يقال : إن الله عز ذكره قد كان حرَّم عليهم قتل نفسٍ بغير نفس ظلماً، وأن المقتول قال لأخيه : (( ما أنا بباسط يدى إليك إن بسطت إلىّ يدك))، لأنه كان حراماً عليه من قتل أخيه مثلُ الذى كان حراماً على أخيه القاتل من قتله . فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة على أن القاتلَ حين أراد قتله وعزم عليه، كان المقتول إعالماً بما هو عليه عازمٌ منه ومحاولٌ من قتله، فترك دفعته عن نفسه . بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غيلةً، اغتاله وهو نائم، فشدَخ رأسه بصخرة. (٣) فإذْ كان ذلك ممكناً ، ولم يكن فى الآيةِ دلالة على أنه كان مأموراً بترك منع أخيه من قتله ، يكن جائزاً ادعاءُ ما ليس فى الآية ، إلاّ ببرهان يجب تسليمُه . # وأما تأويل قوله: ((إنىّ أخافُ اللّه رب العالمين)) فإنه: إنىّ أخاف اللّه فى بسط يدى إليك إن بسطتها لقتلك (٤) = ((رب العالمين))، يعنى: مالك الخلائق كلها (٥) = أن يعاقبنى على بسط يدى إليك . ٠ ٥ ٥ (١) الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق هذه الجملة . (٢) فى المطبوعة: ((كان كتب اللّه عليهم))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٣) انظر الآثار التالية من رقم : ١١٧٤٦ - ١١٧٤٩. (٤) فى المطبوعة: ((فإنى أخاف))، وهو لا يستقيم، والصواب ما أثبته من المخطوطة. (٥) انظر تفسير ((رب)) و((العالمون)) فيما سلف من فهارس اللغة. ٢١٥ تفسير سورة المائدة : ٢٩ القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿إِنِى أُرِيدُ أَن تَبُوَأَ بِتْمِ وَإِنْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاوُاْ أَلْطَلِنَ) ) قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم : معناه : إنى أريد أن تبوء بإنمى من قتلك إياى ، وإنمك فى معصیتك الله، وغير ذلك من معاصيك . (١) • ذكر من قال ذلك : ١١٧٣٠ - حدثنى موسى بن هرون، (٢) قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى فى حديثه ، عن أبى مالك وعن أبى صالح ، عن ابن عباس = وعن مرة ، عن ابن مسعود = وعن ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ((إنى أريد أن تبوء بإنمى وإنمك))، يقول: إثم قتلى، إلى إثمك الذى فى عنقك = ((فتكون من أصحاب النار )). ١١٧٣١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((إنى أريد أن تبوء بإنمى وإثمك))، يقول: بقتلك إياى، وإثمك قبل ذلك. ١١٧٣٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة: ((إنى أريد أن تبوء بإنمى وإثمك))، قال: بإثم قتلى وإثمك . ١١٧٣٣ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((إنى أريد أن تبوء بإثمى وإنمك))، يقول : إنى أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمى، تبوء بهما جميعاً. ١١٧٣٤ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز ، عن سفيان ، عن (١) فى المطبوعة: ((وإثمك فى معصيتك اللّه بغير ذلك من معاصيك))، وهو كلام لا يستقيم ، لا شك أن صوابه ما أثبت . (٢) فى المطبوعة: ((محمد بن هرون))، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه فى المخطوطة. ٢١٦ تفسير سورة المائدة : ٢٩ منصور، عن مجاهد: ((إنى أريد أن تبوء بإثمى وإنمك))، يقول: إنى أريد أن تبوء بقتلك إياى= ((وإنمك))، قال : بما كان منك قبل ذلك . ١١٧٣٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنى عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: ((إنى أريد أن تبوء بإنمى وإنمك))، قال: أما ((إثمك))، فهو الإثم الذى عمل قبل قتل النفس = يعنى أخاه = وأما ((إثمه))، فقتلُه أخاه . -وكأن قائلى هذه المقالة، وجَّهوا تأويل قوله: ((إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك))، إلى: إنى أريد أن تبوء بإثم قتلى(١) = فحذف ((القتل)) واكتفى بذكر ((الإثم))، إذا كان مفهوماً معناه عند المخاطبين به . ٥ ٥ وقال آخرون : معنى ذلك : إنى أريد أن تبوء بخطينتى ، فتتحمل وزرها ، وإنمك فى قتلك إيّاى. وهذا قول وجدتُه عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطاً ، لأن الصحيح من الرواية عنه ما قد ذكرنا قبلُ . • ذكر من قال ذلك : ١١٧٣٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إنى أريد أن تبوء بإنمى وإثمك))، يقول: إنى أريد أن تكون عليك خطيشتى ودمى ، فتبوء بهما جميعاً . ٥ ٥ # قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال : إن تأويله : إنى أريد أن تنصرف بخطيئتك فى قتلك إباى (٢) = وذلك هو معنى قوله: « إنى أريد (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أى: إنى أريد ... ))، وصواب قراءتها ما أثبت. (٢) انظر تفسير ((باء)) فيما سلف ٢: ١٣٨، ٧/٣٤٥ : ١١٦، ٣٦٦ = وتفسير (((الإثم))، فيما سلف من فهارس اللغة . ٢١٧ تفسير سورة المائدة : ٢٩ أن تبوء بإثمى)) = وأما معنى: ((وإنمك))، فهو إنمه بغير قتله، وذلك معصيته الله جل ثناؤه فى أعمال سوّاه . وإنما قلنا ذلك هو الصواب ، لإجماع أهل التأويل عليه . لأن الله عز ذكره قد أخبرنا أن كل عامل فجزاءُ عمله له أو عليه . وإذا كان ذلك حكمه فى خلقه ، فغير جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذاً بها القاتل ، وإنما يؤخذ القاتل بإنمه بالقتل المحرم وسائر آثامِ معاصيه التى ارتكبها بنفسه، دون ما ركبَه قتيلُه. ٠ ٠ فإن قال قائل : أوليس قتلُ المقتول من بنى آدم كان معصيةً لله من القاتل ؟ قيل : بلى ، وأعظِمْ بها معصية ! فإن قال: فإذا كان اللّه جل وعز معصيةً، فكيف جاز أن يُريد ذلك منه ١٢٥/٦ المقتول، ويقول: ((إنى أريد أن تبوء بإنمى))، وقد ذكرت أن تأويل ذلك، إنى أريد أن تبوء بإثم قتلى ؟ [قيل]: معناه: (١) إنى أريد أن تبوء بإثم قتلى إن قتلتنى، لأنى لا أقتلك، فإن أنت قتلتنى، فإنى مريد أن تبوء بإثم معصيتك اللّه فى قتلك إياى . وهو إذا قتله ، فهو لا محالة باءَ به فى حكم الله، فإرادته ذلك غير موجبة له الدخولَ فى الخطأ. . .. ويعنى بقوله: ((فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين )) ، يقول : فتكون بقتلك إياى من سكان الجحيم ، ووقود النار المخلدين فيها(٢) = ((وذلك جزاء الظالمين ))، يقول : والنار ثوابُ التاركين طريق الحق ، الزائلين عن قصد (١) فى المطبوعة، وصلى الكلام، فلم يكن للاستفهام جواب، فكتب هكذا: ((إنى أريد أن تبوء بإثم قتلى، فمعناه: إنى أريد .... )). وفى المخطوطة مثل ذلك، إلا أنه كتب ((ومعناه)) بالواو. واستظهرت أن الصواب ما زدت بين القوسين ((قيل))، فإنه هذا أول جواب السائل . (٢) انظر تفسير ((أصحاب النار)) فيما سلف ٢: ٤/٢٨٦: ٥/٣١٧: ٤٢٩ / ١٤٧:٦/ ٧: ١٣٣، ٠١٣٤ ٢١٨ تفسير سورة المائدة : ٢٩ السبيل، المتعدّين ما جُعِل لهم إلى ما لم يجعل لهم.(١) وهذا يدل على أن الله عز ذكره قد كان أمر ونهى آدم بعد أن أهبطه إلى الأرض، ووعد وأوعد. ولولا ذلك ما قال المقتول للقاتل: ((فتكون من أصحاب النار)) بقتلك إياى، ولا أخبره أن ذلك جزاء الظالمين. فكان مجاهد يقول: عُلّقت إحدى رجلى القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة ، ووجهه فى الشمس حيثما دارت دار، عليه فى الصيف حظيرة من نار، وعليه فى الشتاء حظيرة من ثلج . ١١٧٣٧ - حدثنا بذلك القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج قال مجاهد ذلك = قال : وقال عبد اللّه بن عمرو : وإنا لنجد ابنَ آدم القاتلَ يقا سم أهل النار قسمةً صحيحةً العذابَ، عليه شطرُ عذابهم.(٢) * وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحو ما روى عن عبد الله بن عمرو، خبرٌ . ١١٧٣٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير = وحدثنا سفيان قال ، حدثنا جرير وأبو معاوية = ح، وحدثنا هناد قال ، حدثنا أبو معاوية ووكيع = جميعاً، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد اللّه قال: قال النبى صلى اللّه عليه وسلم: ما من نفسٍ تقتل ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوَّلَ كفلٌ منها، ذلك بأنه أول من سَنَّ القتل. (٣) ١١٧٣٩ - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبى= ح ، وحدثنا ابن بشار قال"، حدثنا عبد الرحمن = جميعاً، عن سفيان ، عن الأعمش، عنعبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد اللّه، عن النبى صلى اللّه عليه وسلم، نحوه. (٣) (١) انظر تفسير ((جزاء)) و((الظالمون)) فما سلف من فهارس اللغة. (٢) الأثر: ١١٧٣٧ - رواه أبو جعفر فيما سلف برقم: ١١٧١٠، طريق أخرى . وليس فيه هذه الزيادة عن عبد الله بن عمرو . (٣) الأثران: ١١٧٣٨، ١١٧٣٩ - هذا حديث صحيح، رواه أحمد فى مسنده من هذه الطرق، ٢١٩ تفسير سورة المائدة : ٢٩ ١١٧٤٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن حسن بن صالح ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم النخعى قال: ما من مقتول يقتل ظلماً، إلاّ كان على ابن آدم الأول والشيطان كفلٌ منه . ١١٧٤١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن حكيم ابن حكيم : أنه حُدِّث عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول : إن أشقى الناس رجلاً، لاَ بْنُ آدم الذى قتل أخاه، ما سُفِك دم فى الأرض منذ قَتَل أخاه إلى يوم القيامة، إلاّ لحق به منه شىء ، وذلك أنه أوَّل من سنَّ القتل.(١) ٠ ٠ قال أبو جعفر: وهذا الخبر الذى ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، (٢) مبينٌ عن أنّ القول الذى قاله الحسن فى ابنى آدم اللذين ذكرهما الله فى هذا الموضع (٣) = إنهما ليسا بابنى آدم لصلبه، ولكنهما رجلان من بنى إسرائيل = وأن القول الذى حكى عنه (٤): أنّ أول من مات آدم، وأن القربان الذى كانت من حديث عبد الله بن مسعود برقم : ٣٦٣٠، ٤٠٩٢، ٤١٢٣. ورواه البخارى فى صحيحه من طرق عن الأعمش ( الفتح ٦ : ١٢/٢٦٢ : ١٣/١٦٩: ٢٥٦)، ورواه مسلم فى صحيحه من طرق عن الأعمش ١١: ١٦٥، ١٦٦. وقال ابن كثير فى تفسيره ٣: ١٣٠: ((وقد أخرجه الجماعة سوى أبى داود، من طرق عن الأعمش، به)). ورواها أبو جعفر فى تاريخه ١: ٧٢، بمثل الذى رواه هنا . و ((الكفل)) ( بكسر فسكون ): الحظ والنصيب من الوزر والإثم. وانظر تفسير أبى جعفر فيما سلف ٨ : ٥٨١ . (١) الأثر: ١١٧٤١ - ((حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصارى))، روى عن ابن عمه أبى أمامة بن سهل ، ونافع بن جبير بن مطعم، والزهرى ، وغيرهم . ذكره ابن حبان فى الثقات ، وصحح له الترمذى وابن خزيمة وغيرها، وقال ابن سعد: ((كان قليل الحديث، ولا يحتجون بحديثه)). مترجم فى التهذيب . (٢) فى المطبوعة: ((وبهذا الخبر .... ))، غير ما فى المخطوطة، لم يحسن قراءة الآتى. (٣) فى المطبوعة: ((تبين أن القول))، جعلها كذلك، وغير التى قبلها من أجل تغييره. وفى المخطوطة (( مس عن القول)) غير منقوطة، والصواب ما أثبته، أسقط الناسخ ((أن))، والسياق دال على ذلك . (٤) قول الحسن هذا، هو ما رواه فى الأثر رقم: ١١٧١٩. وانظر أيضاً ما سيأتى ص: ٢٢٤. ٩/ ٠٠ . ٢٢٠ تفسير سورة المائدة : ٣٠،٢٩ النار تأكله لم يكن إلا فى بنى إسرائيل =(١) خطأ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن هذا القاتل الذى قَتَّل أخاه : أنه أول من سَنَّ القتل . وقد كان ، لاشك ، القتلُ قبل إسرائيل، فكيف قبل ذريته! فخطأ من القول أن يقال : أول من سن القتل رجلٌ من بنى إسرائيل . (٢) وإذا كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول من قال : ((هو ابن آدم لصلبه))، لأنه أولُ من سن القتل، فأوجب الله له من العقوبة ما رَوَينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . القول فى تأويل قوله ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُو نَفْسُهُ، فَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُو فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ) ) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((فطوّعت))، فَآتتهُ وساعدته عليه. (٣) وهو ((فعَّت)) من ((الطوع))، من قول القائل: ((طاعنى هذا الأمر))، إذا انقاد له . ٠ وقد اختلف أهل التأويل فى تأويله . فقال بعضهم ، معناه : فشجعت له نفسه قتل أخيه . • ذكر من قال ذلك : (١) السياق: ((وهذا الخبر ... مبين عن أن القول الذى قاله الحسن .... خطأ)). (٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وخطأ من القول)) بالواو، والسياق يقتضى الفاء، كما أثبتها. (٣) فى المطبوعة: ((فأقامته وساعدته ... ))، وفى المخطوطة كما كتبتها، ولكنها غير منقوطة. يقال: ((آتيته على هذا الأمر مؤاتاة))، إذا وافقته وطاوعته. قالوا: ((والعامة تقول: واتيته . قالوا: ولا تقل: واتيته، إلا فى لغة لأهل اليمن. ومثله آسيت، وآ كلت، وآمرت = وإنما جعلوها واواً على تخفيف الهمزة فى: يواكل، ويوامر، ونحو ذلك)).