النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
تفسير سورة المائدة : ١٥
١١٦٠٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا))، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم.
٠٠٠
وقوله: (( يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب )) ، يقول: يبين لكم
محمّد رسولنا، کثیراً مما کنتم تكتمونه الناس ولا تُبینونه لهم ممّا فی کتابکم . و کان مما
يخفونه من كتابهم فبيَّه رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم للناس: رَجْمُ الزَّانيين المحصنين.
٠٠ ٠ ٠
وقيل: إن هذه الآية نزلت فی تبیین رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك للناس،
من إخفائهم ذلك من كتابهم .
* ذكر من قال ذلك :
١١٦٠٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين
ابن واقد، عن يزيد النحوى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: من كفر بالرجم ،
فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب. قوله: (( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا
يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب))، فكان الرجمُ مما أخفوا. (١)
١١٦١٠ - حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبَّويه، أخبرنا على بن الحسن قال،
حدثنا الحسين قال ، حدثنا يزيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس، مثله . (٢)
(١) الأثر: ١١٦٠٩ - ((يحيى بن واضح))، أبو تميلة، مضى مراراً، منها: ٣٩٢.
((الحسين بن واقد المروزى))، ثقة. مضى برقم: ٤٨١، ٦٣١١.
و ((يزيد النحوى))، هو ((يزيد بن أبى سعيد النحوى المروزى))، ثقة، مضى برقم : ٦٣١١.
وهذا إسناد صحيح ، وسيأتى تخريجه فى الأثر التالى .
(٢) الأثر: ١١٦١٠ - ((عبد الله بن أحمد بن شبويه الخزاعى))، ثقة مضى برقم :
١٩٠٩، ٤٦١٢، ٤٩٢٣ ٠
و ((على بن الحسن بن شقيق بن دينار))، ثقة، من شيوخ أحمد ، مضى برقم : ١٥٩١،
١٩٠٩، ٩٩٥١، وكان فى المخطوطة والمطبوعة هنا: ((على بن الحسين))، وهو خطأ محض.
وهذا إسناد صحيح أيضاً، مكرر الذى قبله. وهذا الخبر أخرجه الحاكم فى المستدرك ٤: ٣٥٩
من طريق على بن الحسن بن شقيق، بمثله، وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه))،
ووافقه الذهبي.

١٤٢
تفسير سورة المائدة : ١٥
١١٦١١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الوهاب الثقفى ،
عن خالد الحذاء، عن عكرمة فى قوله: (( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين
لكم))، إلى قوله: ((صراط مستقيم))، قال: إنّ نبىّ اللّه أتاه اليهود يسألونه عن
الرجم، واجتمعوا فى بيتٍ ، قال: أيُّكم أعلم ؟ فأشاروا إلى ابن صُوريا ؛ فقال :
أنت أعلمهم ؟ قال : سل عما شئت ! قال : أنت أعلمهم ؟ قال: إنهم ليزعمون
١٠٤/٦ ذلك! قال : فناشده بالذى أنزل التوراة على موسى، والذى رفع الطُّور ، وناشده
بالمواثيق التى أُخذت عليهم، حتى أخذه أفْكَل، (١) فقال: إن نساءنا نساء حسان،
فكثر فينا القتل فاختصرنا أُخْصورةً، (٢) فجلدنا مئة، وحلقنا الرؤوس ، وخالفنا
بين الرؤوس إلى الدواب (٣) = أحسبه قال: الإبل = قال : فحكم عليهم بالرجم،
فأنزل الله فيهم: (( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم)) ، الآية = وهذه
الآية: ﴿ وَ إِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدَّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٦٩، وزاد نسبته إلى ابن الضريس، والنسائى ،
وابن أبي حاتم .
٠ ٠٠
فائدة: راجع أحاديث الرجم فيما سيأتى برقم ١١٩٢١ - ١١٩٢٤ .
(١) ((أفكل)) (على وزن أفعل): رعدة تعلو الإنسان من برد أو خوف أو غيرهما ،
وليس له فعل ، وأنشد ابن برى :
بَعَيْشِكِ هَاتِى فَفَّى لَنَا فَإِنَّ نَدَامَاكِ لَّمَ يَنْهَلُوا
فَبَاتَتْ تُغَِّى بِرْبَالِهَاَ غِنَاءَ رُوَيْدًا لَهُ أَفْكَلُ
(٢) قوله: ((فاختصرنا أخصورة))، هكذا جاءت فى المخطوطة أيضاً. وفى تفسير أبي حيان
٣: ٤٤٧ ((فاختصرنا فجلدنا مئة مئة))، وحذف ((أخصورة)). ولم أجد لها فى اللغة ذكراً،
بمعنى: شيئاً من الاختصار. والذى فى الكتب ((الخصيرى)) ( بضم الخاء وفتح الصاد وسكون الياء
بعدها راء مفتوحة)، وهى: حذف الفضول من كل شىء، مثل ((الاختصار)). فلعل صواب العبارة:
((فاختصرنا خصيرى))، أى اختصاراً من حكم الرجم . وتركت ما فى المطبوعة والمخطوطة ، مخافة
أن يكون فى الكلمة تحريف لم أهتد إليه
(٣) فى تفسير أبي حيان ((وخالفنا بين الرؤوس على الدبرات))، وكأنه خطأ

١٤٣
تفسير سورة المائدة : ١٥
(١)
لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [سورة البقرة:
٥
وقوله: ((ويعفو عن كثير))، يعنى بقوله: ((ويعفو))، ويترك أخذكم
بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم الذى أنزله الله إليكم ، وهو التوراة ، فلا تعملون
به حتى يأمره الله بأخذ كم به . (٢)
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ قَدْ جَاءَ كُمُ مِّنَ اللهِ نُورٌ
وَكِتَبٌ مُبِينٌ) (٨)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: (( قد
جاءكم))، يا أهل التوراة والإنجيل = ((من اللّه نور))، يعنى بالنور، محمداً
صلى اللّه عليه وسلم الذى أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك،
فهو نور لمن استنار به يبيّن الحق . ومن إنارته الحق ، تبيينُه لليهود كثيراً مما كانوا
يخفون من الكتاب . (٣)
#
وقوله: ((وكتاب مبين))، يقول: جل ثناؤه: قد جاءكم من اللّه تعالى النور
الذى أنار لكم به معالم الحقّ، = ((وکتاب مبین))،يعنى كتاباً فيه بيان ما اختلفوا
فيه بينهم : من توحيد الله ، وحلاله وحرامه ، وشرائع دينه ، وهو القرآن الذى أنزله
(١) الأثر: ١١٦١١ - فى هذا الأثر، ذكر سبب نزول آية ((سورة البقرة)) : ٧٦،
ولم يذكره أبو جعفر فى تفسير الآية هناك (٢ : ٢٥٠ - ٢٥٤) « مع أنه يصلح أن يكون
وجهاً آخر فى تفسير الآية، وأن يكون مراداً بها ((الرجم)). فهذا دليل آخر على اختصار أبى
جعفر تفسيره ، وهو أيضاً وجه من وجوه منهجه فى اختصاره .
(٢) انظر تفسير ((العفو)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٢) انظر تفسير ((نور)» فيما سلف ٩ : ٤٢٨

تفسير سورة المائدة : ١٥، ١٦
على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، يبين للناس جميع ما بهم الحاجةُ إليه من أمر
دینهم ، ويوضحه لهم ، حتى يعرفوا حقّه من باطله . (١)
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ أَتْحَ
رِضْوْنَهُ ، سُبُلَ السَّلْمِ)
قال أبو جعفر : يعنى عز ذكره : يهدى بهذا الكتاب المبين الذى جاء من
الله جل جلاله = ويعنى بقوله: ((يهدى به الله))، يرشد به اللّه ويسدّد به، (٢)
= و((الهاء)) فى قوله: ((به)) عائدة على ((الكتاب)) = ((من اتبع رضوانه))، يقول :
من اتبع رِضَى اللّه. (٣)
٠
واختلف فى معنى (( الرضى)) من الله جل وعز.
فقال بعضهم: ((الرضى منه بالشىء))، القبول له والمدح والثناء . قالوا: فهو
قابل الإيمان، ومُزّكَ له، ومئن على المؤمن بالإيمان، وواصفٌ الإيمانَ بأنه نور
وهُدَى وفصْل . (٤)
وقال آخرون: معنى (( الرضى)) من الله جل وعز ، معنى مفهوم، هوخلاف
السخط، وهو صفة من صفاته على ما يعقل من معانى: ((الرضى)» الذى هو
(١) انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة
(٢) انظر تفسير ((يهده) فيما سلف مر فهارس اللغة
٩/٢٦٢ ٤٨٠
(٣) انظر تفسير ((الرضوان ) هيما سلف ٦
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة ((وفضل)) بالضاد المعجمة، و((الفصل)) هنا هو حق المعنى،
لأنه يفصل بين الحق والباطل

١٤٥
تفسير سورة المائدة : ١٦
خلاف السخط، وليس ذلك بالمدح ، لأن المدح والثناء قولٌ ، وإنما يثنى ويمدح
ما قد رُضى. قالوا: فالرضى معنىً، و((الثناء)) و((المدح)) معنى ليس به .
٠٠
ويعنى بقوله: ((سُبُل السلام))، طرق السلام(١) = و((السلام))، هو الله
عزَّ ذكره .
١١٦١٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((من اتبع رضوانه سبل السلام))، سبيل اللّه الذى
شرعه لعباده ودعاهم إليه ، وابتعث به رسله ، وهو الإسلام الذى لا يقبل من أحد
عملاً إلا به ، لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية.
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿وَيُخْرِجُهُم ◌ِنَ الْظُلُمُتِ إِلَى
الثّورِ بِإذْنِهِ >)
قال أبو جعفر : يقول عز ذكره : يهدى اللّه بهذا الكتاب المبين ، من اتبع
رضوان اللّه إلى سبل السلام وشرائع دينه - ((ويخرجهم))، يقول: ويخرج من
اتبع رضوانه حو((الهاء والميم)) فى: ((ويخرجهم)) إلى من ذُكر = ((من الظلمات
إلى النور))، يعنى : من ظلمات الكفر والشرك ، إلى نور الإسلام وضيائه(٢) =
((بإذنه))، يعنى: بإذن الله جل وعز. و((إذنه)) فى هذا الموضع: تحبيبه إياه
الإيمان برفع طابع الكفر عن قلبه، وخاتم الشرك عنه، وتوفيقه لإبصار سُبُل السّلام. (٣)
(١) انظر تفسير ((سبيل)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٢) انظر تفسير ((من الظلمات إلى النور)» فيما سلف ٥ : ٤٢٤ - ٤٢٦.
(٣) انظر تفسير ((الإذن)) فيما سلف ٨: ٥١٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
ج ١٠ (١٠)

١٤٦
تفسير سورة المائدة : ١٦ ، ١٧
القول فى تأويل قوله عز ذكره (وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ®
قال أبو جعفر : یعنی عز ذكره بقوله : (( ويهديهم )) ، ویرشدهم ويسددهم(١).
=(إلى صراط مستقيم))، يقول: إلى طريق مستقيم، وهو دين الله القويم الذى
لااعوجاج فيه. (٢)
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ فَلُواْ إِنَّ اللهَ
هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَّرْيَمَ﴾
قال أبو جعفر: هذا ذم من اللّه عز ذكره للنصارى والنصرانية ، الذين ضلُّوا
عن سبل السلام = واحتجاجٌ منه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فى فِرْيتهم عليه
باد عائهم له ولدًا .
يقول جل ثناؤه : أقسم ، لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم=
و((كفرهم)) فى ذلك، تغطيتهم الحقّ فى تركهم نفى الولد عن الله جل وعز، وادّعائهم
١٠٥/٦ أن المسيح هو الله، فرية وكذباً عليه. (٣).
وقد بينا معنى: ((المسيح)) فيما مضى، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٤)
٥
(١) انظر تفسير ((يهدى)) فى فهارس اللغة.
(٢) انظر تفسير ((الصراط المستقيم)) فيما سلف ٨: ٥٢٩، تعليق: ٣، والمراجع
مناك .
(٣) انظر تفسير ((الكفر)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٤) انظر تفسير ((المسيح)) فيما سلف ٩: ٤١٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.

١٤٧
تفسير سورة المائدة : ١٧
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًاً
إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَ وَأُمَّهُ , وَمَن فِ اْأَرْضِ جِيماً﴾
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه، لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : قل ،
يا محمد، للنصارى الذين افتروا علىّ، وضلُوا عن سواء السبيل بقيلهم: إنّ اللّه هو
المسيح بن مريم: ((من يملك من الله شيئاً))، يقول : من الذى يطيق أن يدفع من
أمر الله جل وعز شيئاً، فيردّه إذا قضاه .
٠ ٠
= من قول القائل: ((ملكت على فلان أمره))، إذا صار لا يقدر أن ينفذ
أمراً إلا به .(١)
#
وقوله: ((إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعاً))،
يقول : من ذا الذى يقدر أن يرد من أمر الله شيئاً ، إن شاء أن يهلك المسيح بن
مريم ، بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريم ، وإعدام جميع من فى الأرض
من الخلق جميعاً . (٢)
يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء الجهلة من النصارى:
لو كان المسيح كما تزعمون = أنّه هو اللّه، وليس كذلك = لقدر أن يردّ أمرَ الله إذا
جاءه بإهلاكه وإهلاك أمه . وقد أهلك أمَّه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذْ نزل
ذلك. ففى ذلك لكم معتبرٌ إن، اعتبرتم، وحجة عليكم إن عقلتم : فى أن المسيح ،
بَشَر كسائر بنى آدم، وأن الله عز وجل هو الذى لا يغلب ولا يقهر ولا يردُ له
(١) هذا بيان قلما تصيبه فى كتب اللغة .
(٢) انظر تفسير ((الإهلاك)) فيما سلف ٤: ٢٣٩، ٩/٢٤٠: ٤٣٠.

١٤٨٠
تفسير سورة المائدة : ١٧
أمر ، بل هو الحىّ الدائم القيُّوم الذى يحيى ويميت ، وينشىء ويفنى ، وهو
حی لا يموت .
٥
٥
القول فى تأويل قوله عز ذكره (وَلِهِ مُلْكُ السَّمُوَتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءِ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تبارك وتعالى بذلك: والله له تصريف ما فى السموات
والأرض وما بينهما (١) = يعنى: وما بين السماء والأرض = يهلك من يشاء من ذلك
ويبقى ما يشاء منه ، ويوجد ما أراد ويعدم ما أحبّ ، لا يمنعه من شىء أراد من
ذلك مانع، ولا يدفعه عنه دافع، يُنْفِذ فيهم حكمه، ويمضى فيهم قضاءه= لا
المسيح الذى إن أراد إهلاكه ربُّه وإهلاكَ أمّه، لم يملك دفع ما أراد به ربُّه
من ذلك .
يقول جل وعز: ٠كيف يكون إلهاً يُعبد من كان عاجزاً عن دفع ما أراد به
غيره من السوء ، وغير قادر على صرف ما نزل به من الهلاك ؟ بل الإله المعبود،
الذى له ملك كل شىء، وبيده تصريف كل من فى السماء والأرض وما بينهما .
. .
فقال جل ثناؤه: ((وما بينهما))، وقد ذكر((السموات)) بلفظ الجمع، ولم
يقل: ((وما بينهن))، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما
قال الراعى :
(١) انظر تفسير (الملك)) فيما سلف ٨: ٤٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

١.٤٩
تفسير سورة المائدة : ١٧
طَرَقَ، فَتِلْكَ مَاهِى ، أَقْرِيهِمَاَ قُلُصَاً لَوَاقِحَ كَالِقِسِىِّ وَحُولاً(١)
فقال: ((طرقا))، مخبراً عن شيئين، ثم قال: ((فتلك هما هى))،
فرجع إلى معنى الكلام .
وقوله: ((يخلق ما يشاء))، يقول جل ثناؤه : وينشىء ما يشاء ويوجده ،
ويخرجُه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهار.
وإنما يعنى بذلك ، أنّ له تدبيرَ السموات والأرض وما بينهما وتصريفه، وإفناءه
وإعدامه، وإيجادَ ما يشاء مما هو غير موجود ولا مُنْشأ . يقول: فليس ذلك لأحد
سواى ، فكيف زعمتم ، أيها الكذبة ، أنّ المسيح إله ، وهو لا يطيق شيئاً من
ذلك ، بل لا يقدر على دفع الضرر عن نفسه ولا عن أمه ، ولا اجتلابٍ نفعٍ إليها
إلاّ بإذنى ؟
(١) من قصيدته فى جمهرة أشعار العرب: ١٧٣، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١١٨، ١٦٠،
يقول لابنته خليدة :
ذَاتَ الْمِشَاءِ وَلَيْلِىَ الْمَوْصُولاَ
لَمَّا رَأَتْ أَرَقِى وَطُولَ تَُّّدِى
أَبَدًا إِذَا عَرَتِ الشُّؤُونُ سَؤُولاً ؟
قَالَتْ خُلَيْدَةُ : مَاعَرَاكَ ، وَلَمْ تَكُنْ
هَمَّن بَاتَا جَنْبَةً وَدَخِيلاً
أَخُلَيْدَ ، إِنَّ أَبَاكِ ضَافَ وِسَادَهُ
طَرَّقَا، فَتِلْكَ هَمَا هِى ..
((الماهم)): الهموم. و((قلص)) جمع ((قلوص)): الفتية من الإبل. ((لواقح)): حوامل،
جمع ((لاقح)). و((الحول))، جمع ((حائل))، وهى الناقة التى لم تحمل سنة أو سنتين أو سنوات،
وكذلك كل حامل ينقطع عنها الحمل . يقول : أجعل قرى هذه الهموم ، نوقاً هذه صفاتها ، كأنها
قسى موترة من طول أسفارها ، فأضرب بها الفيافى .
والشاهد الذى أراده الطبرى أنه قال: ((فتلك هماهى))، وقد ذكر قبل ((عمان))، ثم عاد
بعد يقول: ((أقريبما))، وقد قال: ((فتلك هماهى)» جمعاً. وانظر مجاز القرآن لأبى عبيدة
١ : ١١٨، ١٦٠ ٠

١٥٠
تفسير سورة المائدة : ١٧، ١٨
القول فى تأويل قوله عز ذكره (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) )
قال أبو جعفر : يقول عز ذكره : اللّه المعبودُ، هو القادر على كل شىء ،
والمالك كلَّ شيء ، الذى لا يعجزُه شىء أراده ، ولا يغلبه شىء طلبه ، المقتدرُ
على هلاك المسيح وأمه ومن فى الأرض جميعاً = لا العاجز الذى لا يقدر على منع
نفسه من ضُرّ نزل به من اللّه، ولا منْحِ أمّه من الهلاك.(١)
٥
٥
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَىُ
نَحْنُ أَبْتَّأْ اللهِ وَأَحَِّرُهُو قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل وعز عن قوم من اليهود والنصارى
أنهم قالوا هذا القول .
٥
٠
٥
وقد ذكر عن ابن عباس تسمية الذين قالوا ذلك من اليهود .
١١٦١٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد
ابن إسحق قال ، حدثنى محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت قال ، حدثی سعید
ابن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم
نعمانُ بن أضاء(٢)، وبحری بن عمرو ،وشأس بن عدى ،فكلموه، فکلّمهم رسول
١٠٦/٦ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تُخَوّفنا،
(١) انظر تفسير ((قدير)" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٢) فى المطبوعة: ((نعمان بن أحى، ويحرى بن عمرو ... ))، وفى المخطوطة: ((عثمان
ابن أصار ويحوى بن عمرو ... ))، وكلاهما خطأ، وصوابه من سيرة ابن هشام .

١٥١
تفسير سورة المائدة : ١٨
يا محمد ! !نحن واللّه أبناء الله وأحبَّاؤه !! (١) = كقول النصارى، فأنزل الله جل وعز
فيهم: ((وقالت اليهودُ والنصارى نحنُ أبناء اللّه وأحباؤه))، إلى آخر الآية. (٢)
...
وكان السدى يقول فى ذلك بما : -
١١٦١٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه))،
أما ((أبناء اللّه))، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولداً من ولدك، (٣)
أدخلهم النار ، فيكونون فيها أربعين يوماً حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ، ثم ينادى
مناد : أنْ أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل، فأخرجهم. فذلك قوله: ﴿لَنْ تَمَسَّناً
النَّارُ إِلاَّ أَيَّمَا مَعْدُودَاتٍ﴾ [سورة آل عمران: ٢٤]. وأما النصارى، فإن فريقاً
منهم قال للمسيح : ابن اللّه . (٤)
#
٥
والعرب قد تخرج الخبر، إذا افتخرت، مخرجَ الخبر عن الجماعة، وإن كان
ما افتخرت به من فعل واحدٍ منهم، فتقول: ((نحن الأجواد الكرام))، وإنما الجواد
فيهم واحدٌ منهم ، وغير المتكلّم الفاعلُ ذلك ، كما قال جرير :
نَدَسْنَا أَبَ مَنْدُوسَةَ الْقَيْنَ بِالْقَنَا وَمَرَ دَمٌ مِنْ جَارٍ بْبَةَ نَقَعُ(٥)
(١) فى المخطوطة: ((نحن أبناء الله وأحباءه، بل أنتم بشر ممن خلق))، وهو من عجلة
الناسخ لاشك فى ذلك .
(٢) الأثر: ١١٦١٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٢، وهو تابع الأثر السالف رقم
١١٥٥٧
(٣) فى المخطوطة: ((إلى بنى إسرائيل إن ولدك من الولد فأدخلهم النار))، وهو خلط
بلا معنى ، صوابه ما فى المطبوعة على الأرجح .
(٤) الأثر: ١١٦١٤ - لم يمض هذا الأثر فى تفسير آية سورة البقرة: ٨٠ (٢:
٢٧٤ - ٢٧٨)، ولا آية سورة آل عمران: ٢٤ (٢٩٢:٦، ٢٩٣). وهذا أيضاً من الأدلة
على اختصار أبى جعفر تفسيره .
(٥) ديوانه: ٣٧٢، والنقائض: ٦٩٣، واللسان (بيب) (مور) (ندس).
و ((قدس)): طعن طعناً خفيفاً. و((أبو مندوسة))، هو مرة بن سفيان بن مجاشع، جد الفرزدق.
قتلته بنو يربوع - قوم جرير - فى يوم الكلاب الأول. و ((القين)) لقب لرحط الفرزدق، يهجون

١٥٢
تفسير سورة المائدة : ١٨
فقال: ((نَدَّسْنَا))، وإنما النادس رجل من قوم جريرٍ غيرُه، فأخرج الخبر
مخرج الخبر عن جماعة هو أحدهم . فكذا أخبر اللّه عزّ ذكره عن النصارى أنها
قالت ذلك ، على هذا الوجه إن شاء الله .
٠
٠
وقوله : ( وأحباؤه )) ، وهو جمع (( حبيب ).
٠
٥
٥
يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل)) لهؤلاء الكذبة المفترين على
ربهم = ( فلم يعذبكم )) ربكم ، يقول : فلأی شیء يعذبكم ربكم بذنوبكم ، إن
كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحبّاؤه، فإن الحبيب لا يعذِّب حبيبه ، وأنتم
مقرُّون أنه معذبكم؟ وذلك أن اليهود قالت: إن اللّه معذبنا أربعين يوماً عَدَد الأيام
التى عبدنا فيها العجل ، (١) ثم يخرجنا جميعاً منها ، فقال الله لمحمد صلى الله عليه
وسلم: قل لهم: إن كنتم، كما تقولون، أبناءُ اللّه وأحباؤه ، فلم يعذبكم بذنوبكم؟
يعلمهم عز ذكره أنَّهم أهل فرية وكذب على الله جل وعز .
ه
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿ بَلْ أَثُم بَشَرٌ مِمِنْ خَلَقَ
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءِ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءِ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمّد صلى الله عليه وسلم ، قل لهم :
ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه = ((بل أنتم بشر ممن خلق))، يقول:
خلق من بنى آدم، خلقكم اللّه مثل سائر بنى آدم، (٢) إن أحسنتم جُوزیتم بإحسانكم،
به. و((جاربيبة))، هو الصمة بن الحارث الجشمى، قتله ثعلبة بن حصبة، وهو فى جوار الحارث
ابن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع، من رهط الفرزدق. و((مار الدم على وجه الأرض)) :
جرى وتحرك فجاء وذهب. و((دم ناقع)»، أى: طرى لم ييبس.
(١) انظر ما سلف ٦: ٢٩٢ .
(٢) انظر تفسير ((بشر)) فيما سلف ٦ : ٥٣٨.

١٥٣
تفسير سورة المائدة : ١٨
كما سائر بنى آدم مجزيُّون بإحسانهم؛ وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم ، كما غيركم
مجزئٌّ بها، ليس لكم عند اللّه إلاّ ما لغيركم من خلقه ، فإنه يغفر لمن يشاء من
أهل الإيمان به ذنوبه، فيصفح عنه بفضله ، ويسترها عليه برحمته ، فلا يعاقبه بها .
٠ ٠
وقد بينا معنى ((المغفرة))، فى موضع غير هذا بشواهده ، فأغنى ذلك عن
إعادته فى هذا الموضع .(١)
٠ ٥
= ((ويعذب من يشاء))، يقول : ويعدل على من يشاء من خلقه فيعاقبه على
ذنوبه ، ويفضحه بها على رؤوس الأشهاد فلا يسترها عليه .
. . .
وإنما هذا من الله عز وجل وعيد لهؤلاء اليهود والنصارى المتكلين على مناول
سَلَفهم الخيارِ عند اللّه، الذين فضلهم الله جل وعزّ بطاعتهم إياه ، واجتباهم
لمسارعتهم إلى رضاه، (٢) واصطبارهم على ما نابهم فيه. (٣) يقول لهم: لا تغتروا بمكان
أولئك منى ومنازلهم عندى ، فإنهم إنما نالوا ما نالوا منىّ بالطاعة لى ، وإيثار رضاى
على محابُّهم = (٤) لا بالأمانى، فجدُّوا فى طاعتى، وانتهوا إلى أمرى، وانزّجروا عما
نهيتُهم عنه، فإنى إنما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتى ،
وأعذّب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتى-(٥)لا لمن قرَّبتْ زُلْفَةُ آبائه منى، وهو لى
عدوّ ، ولأمرى ونهى مخالفٌ .
(١) انظر ما سلف ٢: ١٠٩، ١١٠، ثم سائر فهارس اللغة.
(٢) فى المطبوعة: ((واجتنابهم معصيته لمسارعتهم))، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير
منقوطة، وزاد ((معصيته)) لتستقيم له قراءته. و((الاجتباء)): الاصطفاء والاختيار .
(٣) فى المخطوطة: ((إلى ما نابهم فيه))، والجيد ما فى المطبوعة.
(٤) يقول: ((نالوا ما نالوا منى بالطاعة لى ... لا بالأمانى)). هكذا السياق.
(٥) يقول: ((فإنى أغفر ذنوب من أشاء ... لا لمن قربت زلفة آبائه منى»، هكذا
السياق .

١٥٤
تفسير سورة المائدة : ١٨
وكان السدى يقول فى ذلك بما : -
١١٦١٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قوله: (( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء))، يقول :
يهدى منكم من يشاء فى الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه .
#
١
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿وَلِهِمُلْكُ السَّمُوَّتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا يَبْنَهُمَا وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٥)
قال أبو جعفر يقول: لله تدبيرُ ما فى السموات وما فى الأرض وما بينهما
وتصريفُه، وبيده أمره ، وله ملكه ، (١) يصرفه كيف يشاء ، ويدبره كيف
أحبّ ، (٢) لا شريك له فى شىء منه، ولا لأحد معهُ فيه ملك. فاعلموا أيها
١٠٧/٦ القائلون: ((نحن أبناء اللّه وأحباؤه))، أنه إن عذبكم بذنوبكم، لم يكن لكم
منه مانع ، ولا لكم عنه دافع ، لأنه لا نسب بين أحد وبينه فيحابيه لسبب ذلك ،
ولا لأحد فى شىء دونه ملك، فيحول بينه وبينه إن أراد تعذيبه بذنوبه، (٣) وإليه
مصير كل شىء ومرجعه . فاتَّقوا، أيها المفترون، عقابه إياكم على ذنوبكم بعد
مرجعكم إليه ، ولا تغتروا بالأمانىّ وفضائل الآباء والأسلاف.
٠ ٥
(١) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فما سلف قريباً ص: ١٤٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((كيف أحبه))، وأثبت الجيد من المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((بذنبه))، وفى المخطوطة: ((بدونه))، ورجحت ما أثبت.

١٥٥
تفسير سورة المائدة : ١٩
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ يَتَأَهْلَ الْكِتْبِ قَدْ جَاءَ كُمْ
رَسُولُنَاَ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى مَثْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُواْ مَا جَآءَ نَاَ مِنْ بَشِيرٍ
وَلَا نَذِيرٍ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( يا أهل الكتاب )) ، اليهود الذين
كانوا بين ظهرانَیْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم یوم نزلت هذه الآية. وذلك
أنهم = أو : بعضهم ، فيما ذكر = لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
الإيمان به وبما جاءهم به من عند اللّه، قالوا: ما بعثَ اللّ من نبيّ بعد موسى، ولا
أنزل بعد التوراة كتاباً !
١١٦١٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد
ابن إسحق قال ، حدثنى محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثنى سعيد
ابن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة
وعقبة بن وهب لليهود : يا معشر اليهود ، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول
اللّه! لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته! فقال رافع بن حُرّيملة
ووهب بن يهودا(١): ما قلنا هذا لكم، وما أنزل اللّه من كتاب بعد موسى ، ولا
أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده! (٢) فأنزل الله عز وجل فى [ذلك من] قولهما(٣): (( يا أهل
الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير
ولا نذير فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ واللّه على كل شىء قدير)). (٤)
(١) فى المطبوعة: ((رافع بن حرملة))، وفى المخطوطة: ((نافع بن حرملة))، وأثبت ما فى
سيرة ابن هشام .
(٢) فى المخطوطة: ((ولا أرسل بشيراً ونذيراً))، والصواب ما فى المطبوعة كما فى سيرة ابن هشام.
(٣) الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام.
(٤) سيرة ابن هشام ٢: ٢١٢، وهو تابع الأثر السالف رقم : ١١٦١٣.

١٥٦
تفسير سورة المائدة : ١٩
ويعنى بقوله جل ثناؤه: ((قد جاءكم رسولنا))، قد جاءكم محمد صلى الله عليه
وسلم رسولنا = ((يبيّن لكم))، يقول: يعرفكم الحقَّ، ويوضح لكم أعلام الهدى،
ويرشدكم إلى دين الله المرتضى، (١) كما :-
١١٦١٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل))، وهو محمد صلى اللّه عليه
وسلم، جاء بالفرقان الذى فرّق الله به بين الحق والباطل، فيه بيان الله ونوره وهداه ،
وعصمةٌ لمن أخذ به .
٠
٠
=(على فترة من الرسل)، يقول: على انقطاع من الرسل = و((الفترة)) فى هذا
الموضع الانقطاع = يقول: قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى، على أنقطاع
من الرسل .
و((الفترة)) ((الفعلة)) من قول القائل: ((فتر هذا الأمر يفتُر فُتوراً))، وذلك إذا
هدأ وسكن. وكذلك (( الفترة )) فى هذا الموضع، معناها : السكون ، يراد به سكون
مجىء الرسل ، وذلك انقطاعها ..
#
ثم اختلف أهل التأويل فى قدر مدة تلك الفترة ، فاختلف فى الرواية فى ذلك
عن قتادة .
فروی معمر عنه ما :-
١١٦١٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((على فترة من الرسل ))، قال: كان بين عيسى ومحمّد
صلى الله عليه وسلم خمسة وستون سنة .
٥
(١) انظر تفسير ((التبيين)) فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (بين).

١٥٧
تفسير سورة المائدة : ١٩
وروی سعید بن أبى عروبة عنه ما : ۔
١١٦١٩ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمّد صلى الله عليهما، ذكر لنا أنها كانت ستمئة
سنة ، أو ما شاء من ذلك، والله أعلم . (١)
١١٦٢٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ،
عن معمر، عن أصحابه قوله: ((قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل »،
قال : كان بين عيسى ومحمد صلى اللّه عليهما خمسمئة سنة وأربعون سنة = قال
معمر ، قال قتادة : خمسمئة سنة وستون سنة .
٠ ٠ ٠
وقال آخرون بما : -
١١٦٢١ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ الفضل بن
خالد قال ، أخبرنا عبيد بن سلمان قال : سمعت الضحاك يقول فى قوله :
((على فترة من الرسل ))، قال : كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى اللّه عليهما،
أربعمئة سنة وبضعاً وثلاثين سنة .
. .
٠
ويعنى بقوله: ((أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير))، أن لا تقولوا ، وكى
لا تقولوا، كما قال جل ثناؤه: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [ سورة النساء: ١٧٦]،
بمعنى : أن لا تضاوا ، وكى لا تضلوا .
٠ ٥
فمعنى الكلام : قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ، کی لا تقولوا
ما جاءنا من بشير ولا نذير . يعلمهم عز ذكره أنه قد قطع عذرهم برسوله صلى الله
عليه وسلم ، وأبلغ إليهم فى الحجة . (٢)
(١) كان فى المطبوعة: ((وما شاء اللّه)) بالواو، وفى المطبوعة والمخطوطة: ((اللّه أعلم)» بغير
واو . والصواب ما أثبت .
( ٢) انظر ما سلف ٩ : ٤٤٥، ٤٤٦.

١٥٨
تفسير سورة المائدة : ١٩
ويعنى: ((البشير))، المبشر من أطاع الله وآمن به وبرسوله، وعمل بما آتاه
من عند الله، بعظيم ثوابه فى آخرته (١) = وب ((النذير))، المنذر من عصاه وكذّب
١٠٨/٦ رسولَه صلى اللّه عليه، وعمل بغير ما أتاه من عند الله من أمره ونهيه، بما لا قبل له
به من أليم عقابه فى معاده ، وشديد عذابه فى قيامته .
#
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿فَقَدْ جَاءَكُمُ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ
وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لهؤلاء اليهود الذين وصفنا صفتهم : قد أعذرنا
إليكم ، واحتججنا عليكم برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إليكم ، وأرسلناه إليكم
ليبين لكم ما أشكل عليكم من أمر دينكم، كيلا تقولوا: ((لم يأتنا من عندك
رسولٌ يبيِّن لنا ما نحن عليه من الضلالة)»، فقد جاءكم من عندى رسول يبشر من
آمن بى وعمل بما أمرته وانتهى عما نهيته عنه ، وينذر من عصانى وخالف أمرى ،
وأنا القادر على كل شىء ، أقدر على عقاب من عصانى ، وثواب من أطاعى ،
فاتقوا عقابی على معصيتكم إياى وتكذيبكم رسولى ، واطلبوا ثوابى على طاعتكم إياى
وتصديقكم بشيرى ونذيرى، فإنى أنا الذى لا يعجزه شيء أرادَه ، ولا يفوته شىء
طلبه . (٢)
(١) وانظر تفسير (البشارة)) فيما سلف ٩: ٣١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((قدير)) فيما سلف من فهارس اللغة.

١٥٩
تفسير سورة المائدة : ٢٠
القول فى تأويل قوله عز ذكره (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ے
◌َقَوْمِ أَذْ كُرُواْ نِمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾
قال أبو جعفر : وهذا أيضاً من اللّه تعريفٌ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم،
قديم تمادى هؤلاء اليهود فى الغىّ ، وبعد هم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم،
وشدة خلافهم لأنبيائهم ، وبطء إنابتهم إلى الرشاد ، مع كثرة نعم الله عندهم ،
وتتابع أياديه وآلائه عليهم - مسلّياً بذلك نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عما يحلّ به من
علاجهم ، وينزل به من مقاساتهم فى ذات اللّه. يقول الله له صلى الله عليه
وسلم : لا تأسَ على ما أصابك منهم، فإن الذهابَ عن اللّه، والبعد من الحق،
وما فيه لهم الحظ فى الدنيا والآخرة ، من عاداتهم وعادات أسْلافهم وأوائلهم =
وتعزَّ بما لاقى منهم أخوك موسى صلى الله عليه وسلم - واذْكُر إذ قال موسى لهم:
(( يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم))، يقول: اذكروا أيادى اللّه عندكم، وآلاءه
قبلکم ،(١) کما : -
١١٦٢٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبدالله بن الزبير،
عن ابن عيينة: ((اذكروا نعمة الله عليكم))، قال: أيادى اللّه عندكم وأيَّامه. (٢)
١١٦٢٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد اللّه قال ، حدثنى معاوية ، عن
على ، عن ابن عباس قوله: ((اذكروا نعمة الله عليكم))، يقول: عافية اللهعز وجل.
٠
قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما قلنا، لأن الله لم يخصص من النعم شيئاً، بل عمّ
ذلك بذكر النعم، فذلك على العافية وغيرها، إذ كانت ((العافية)) أحدمعانى ((النعم)).
٠
٥
(١) انظر تفسير ((النعمة)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٢) الأثر: ١١٦٢٢ - ((عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة الأسدى
الحميدى)). روى عن ابن عيينة، والشافعى وهذه الطبقة. روى عن البخارى . ومضى برقم : ٩٩١٤.

١٦٠
تفسير سورة المائدة : ٢٠
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿إِذْ جَمَلَ فِيَكُمْ أَلِيَّاء
وَجَمَلَكُم مُلُوكًا﴾
قال أبو جعفر : یعنی بذلك جل ثناؤه: أنّ موسی ذکر قومه من بنى إسرائيل
بأيَّام اللّه عندهم، وبآلائه قبلهم، مُحَرِّضهم بذلك على اتباع أمر الله فى قتال
الجبارين ، (١) فقال لهم: اذكروا نعمة الله عليكم أنْ فضّلكم ، بأن جعل فيكم
أنبياء يأتونكم بوحيه ، ويخبرونكم بأنباء الغيب، (٢) ولم يعط ذلك غيركم فى
زمانكم هذا. (٣)
= فقيل: إن الأنبياء الذين ذكَّرهم موسى أنهم جُعلوا فيهم: هم الذين اختارهم
موسى إذ صار إلى الجبل ، وهم السبعون الذين ذكرهم اللّه فقال: ﴿وَأُخْتَرَ مُوسَى
قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا﴾ [سورة الأعراف: ١٥٣].
٠٠٠
= ((وجعلكم ملوكاً)) ، سخر لكم من غيركم خدماً يخدمونكم.
. . .
وقيل : إنما قال ذلك لهم موسى ، لأنه لم يكن فى ذلك الزمان أحدٌ سواهم
يخدُمه أحد من بنى آدم .
* ذكر من قال ذلك :
١١٦٢٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء"
(١) فى المطبوعة: ((فحرضهم بذلك))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((ويخبرونكم بآياته الغيب))، وهو كلام فارغ من المعنى، وفى المخطوطة
هكذا (« باياتنا الغيب)»، وصواب قراءتها ما أثبت .
(٣) انظر تفسير ((فى)) فيما سلف ٢: ١٤٠ - ٦/١٤٢: ٣٨٠، وغيرها فى فهارس
اللغة .