النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
تفسير سورة المائدة : ٣
قُبض، بل كان الوحى قبل وفاته أكثر ما كان تتابعاً . فإذا كان ذلك كذلك =
وكان قوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِ الكَلَالَةِ) آخرَها نزولاً ، وكان
ذلك من الأحكام والفرائض= کان معلوماً أن معنى قوله: (( اليوم أكملتلكم دينكم)»،
على خلاف الوجه الذى تأوَّله من تأوَّله- أعنى: كمال العبادات والأحكام والفرائض.
٠
فإن قال قائل: فما جعل قول من قال: ((قد نزل بعد ذلك فرض»، أولى
من قول من قال: ((لم ينزل)»؟
قيل: لأن الذى قال: ((لم ينزل))، مخبر أنه لا يعلم نزول فرض ، والنفى
لا يكون شهادة، والشهادة قول من قال: ((نزل)). وغير جائز دفع خبر الصادق
فيما أمكن أن يكون فيه صادقاً .
القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَنْمَنْتُ عَلَيْكُمْ نِسْمَتِى)
قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بذلك: وأتممت نعمتى ، أيها المؤمنون ،
بإظهاركم على عدوى وعدوكم من المشركين، ونفییی إياهم عن بلاد كم، وقطعی
طمعهم من رجوعكم وعودكم إلى ما كنتم عليه من الشرك .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١١٠٨٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثى معاوية ، عن
على ، عن ابن عباس قال : كان المشركون والمسلمون يحجُّون جميعاً، فلما نزلت
(((براءة))، فتفى المشركين عن البيت، وحجّ المسلمون لا يشاركهم فى البيت الحرام

تفسير سورة المائدة : ٣
أحد من المشركين، فكان ذلك من تمام النعمة: ((وأتممت عليكم نعمتى)).
١١٠٨٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى)) الآية، ذكر لنا أن هذه
الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، يوم جمعة، حين نفى الله
المشركين عن المسجد الحرام، وأخلص للمسلمين حجَّهم .
رہہ ٩١٠٩٠،حدثنا أبو کریب قال ، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا داود ،
عن الشعبى قال: نزلت هذه الآية بعرفات، حيث هدم منار الجاهلية،(١).
واضمحلّ الشرك، ولم يحج معهم فى ذلك العام مشرك.
١١٠٩١ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ،
عن عامر فى هذه الآية: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى )) ؛
قال ، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات، وقد أطاف
به الناس، وتهدَّمت منار الجاهلية ومناسكهم، واضمحلّ الشرك، ولم يَطُف
حول البيت عُرْيان، فأنزل الله: ((اليوم أكملت لكم دينكم)) ..
١١٠٩٢ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبى، بنحوه.
٥٣/٦
الا
القول فى تأويل قوله ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِيْنَا﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : ورضيت لكم الاستسلام لأمرلى ،
والانقياد لطاعی ، على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ومعالمه(٢)= (( ديناً ))،
يعنى بذلك: طاعة منكم لى. (٣)
(:"(١) ٠وأثار)). علم الطريق، وحدود الأرض. وأراد به شرائع أهل الجاهلية.
انظر تفسير ((الإسلام)) فيما سلف من فهارس اللغة)، مادة (سم).
(٣) انظر تفسير ((الدين)) فيما سلف ١: ١٥٥، ٣/٢٢١: ٥٧١، ٦/٥٧٢: ٢٧٣ -
٠٠١٧٠

٥٢٣
تفسير سورة المائدة : ٣
فإن قال قائل: أوّ ما كان اللّه راضياً الإسلامَ لعباده إلا يوم أنزل هذه الآية؟
قيل: لم يزل اللّه راضياً لخلقه الإسلام ديناً، ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرِّف
نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه فى درجات الإسلام ومراتبهدرجة بعد درجة،
ومرتبة بعد مرتبة ، وحالاً بعد حال ، حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه ، وبلغ بهم
أقصى درجاته ومراتبه ، ثم قال حين أنزل عليهم هذه الآية: ((ورضيت لكم
الإسلام )) بالصفة التى هو بها اليوم، (١) والحال التى أنتم عليها اليوم منه = (( ديناً ))
فالزموه ولا تفارقوه .
وكان قتادة يقول فى ذلك ، ما : -
١١٠٩٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال: ذكر لنا أنه يَمْثُل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة، فأما الإيمان فيبشر
أصحابه وأهله ويعدهم فى الخير، حتى يجىء الإسلام فيقول: ((رب ، أنت السلام
وأنا الإسلام))، فيقول: ((إياك اليوم أقبل، وبك اليوم أجزى)). (٢)
...
= وأحسب أن قتادة وجه معنى ((الإيمان)) بهذا الخبر إلى معنى التصديق
والإقرار باللسان، لأن ذلك معنى ((الإيمان)) عند العرب (٣) = ووجَّه معنى
((الإسلام)) إلى استسلام القلب وخضوعه لله بالتوحيد، وانقياد الجسد له بالطاعة
.))، والصواب
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ورضيت لكم الإسلام ديناً، بالصفة.
حذف (( ديناً)) من هذا الموضع ، لأنها ستأتى بعد، وهو سهو من عجلة الناسخ.
(٢) الأثر: ١١٠٩٣ - روى أبو داود الطيالسى فى مسنده: ٣٢٤ من حديث أبى هريرة:
((حدثنا عباد بن راشد قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا أبو هريرة ونحن إذ ذاك
فى المدينة قال: يجىء الإسلام يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: ((أنت الإسلام
وأنا السَّلام ، اليومَ بك أُعْطِى وبك آخُذ ».
(٣) انظر تفسير ((الإيمان)) فيما سلف من فهارس اللغة، مادة ( أمن).

٥٢٤
تفسير سورة المائدة : ٣
فيما أمر ونهى، فلذلك قيل للإسلام: ((إياك اليوم أقبل، وبك اليوم أجزى)).
٠٠٠
ذكر من قال : نزلت هذه الآية بعرفة فى حجة الوداع على رسول
الله صلى الله عليه وسلم .
١١٠٩٤ - حدثنا محمد بن بشاروابن وكيع قالا، حدثنا عبد الرحمن قال ،
حدثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال، قالت اليهود لعمر:
إنكم تقرأون آية لو أنزلت فينا لاتخذناها عيداً! فقال عمر: إنى لأعلم حين أنزلت،
وأين أنزلت ، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت : أنزلت يوم عرفة ،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة = قال سفيان: وأشك، كان يوم الجمعة
أم لا = ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام
ديناً )). (١)
١١٠٩٥ -حدثنا أبو کریب وابن و کیع قالا ، حدثنا ابن إدريس قال،
سمعت أبى، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال ، قال يهودى لعمر :
لو علمنا معشر اليهود حين نزلت هذه الآية: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت
عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )) ، لو نعلم ذلك اليوم ، اتخذنا ذلك
اليوم عيداً ! فقال عمر : قد علمت اليوم الذى نزلت فيه ، والساعة ، وأين رسول
(١) الأثر: ١١٠٩٤ - رواه أحمد فى المسند رقم: ٢٧٢ عن عبد الرحمن، عن سفيان بمثله.
ورواه البخارى (الفتح ٨: ٢٠٣) عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن، كطريق أبى جعفر، ورواه
مسلم ١٨: ١٥٢، عن محمد بن المفى وزهير بن حرب ، عن عبد الرحمن .
وفيها جميعاً ((لأعلى حيث أنزلت))، و((وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت))، وقد
أشار إلى ذلك الحافظ فى الفتح .
وذكره الحافظ ابن كثير فى تفسيره ٢: ٦٧، وزاد نسبته الترمذى والنسائى. ثم قال: ((وشك
سفيان رحمه الله . إن كان فى الرواية فهو تورع ، حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا . وإن كان
شكا فى كون الوقوف فى حجة الوداع كان يوم جمعة ، فهذا مالا إخاله يصدر عن الثورى رحمه الله ، فإن
هذا أمر معلوم مقطوع به ، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازى والسير ولا الفقهاء. وقد وردت فى
ذلك أحاديث متواترة لا يشك فى صحتها، والله أعلم)».

٥٢٥
تفسير سورة المائدة : ٣
الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت: نزلت ليلة الجمعة، ونحن مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعرفات = لفظ الحديث لأبى كريب ، وحديث ابن وكيع نحوه . (١)
١١٠٩٦ - حدثنا ابن وکیع قال، حدثنا جعفر بن عون، عن أبى العميس ،
عن قيس بن مسلم ، عن طارق ، عن عمر، نحوه . (٢)
١١٠٩٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن حماد بن سلمة ، عن
عمار مولى بنى هاشم قال: قرأ ابن عباس: ((اليوم أكملت لكم دينكم))، وعنده
رجل من أهل الكتاب فقال : لو علمنا أيَّ يوم نزلت هذه الآية، لاتخذناه عيداً !
فقال ابن عباس: فإنها نزلت يوم عرفة ، يوم جمعة . (٣)
١١٠٩٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قبيصة قال ، حدثنا حماد بن
(١) الأثر: ١١٠٩٥ - رواه من هذه الطريق مسلم فى صحيحه ١٨: ١٥٣، عن أبى بن أبى
شیبة وآبی کریب ، عن عبد الله بن إدريس .
وفيه: ((نزلت ليلة جمع)). قال النووى فى شرحه: ((هكذا هوفى النسخ، الرواية: ليلة جمع = وفى
نسخة ابن ماهان :: ليلة جمعة. وكلاهما صحيح. فمن روى ((ليلة جمع))، فهى ليلة المزدلفة، وهو المراد
بقوله: ((ونحن بعرفات)» فى يوم جمعة، لأن ليلة جمع ، هى عشية يوم عرفات ، ويكون المراد بقوله:
((ليلة جمعة))، يوم جمعة. ومراد عمر رضى الله عنه: إنا قد اتخذنا ذلك اليوم عيداً من وجهين ، فإنه
يوم عرفة، ويوم جمعة، وكل واحد منهما عيد لأهل الإسلام)).
(٢) الأثر: ١١٠٩٦ - هذا الحديث، رواه البخارى (الفتح ١: ٩٧) من طريق
الحسن بن الصباح ، عن جعفر بن عون ، عن أبى العميس .
ورواه أحمد فى المسند رقم: ١٨٨، من طريق جعفر بن عون ، عن أبى عميس .
ورواه مسلم فى صحيحه ١٨: ١٥٤، من طريق عبد بن حميد، عن جعفر بن عون، والنسائى فى
السنن ٨ : ٠١١٤
هذا، وقد بين الحافظ ابن حجر فى الفتح (١: ٩٧) أن هذا الرجل من اليهود: ((هو كعب
الأحبار ، بين ذلك مسدد فى مسنده، والطبرى فى تفسيره ، والطبرانى فى الأوسط ، كلهم من طريق رجاء
ابن أبى سلمة، عن عبادة بن نسى ( بضم النون، وفتح المهملة)، عن إسحق بن خرشة ، عن قبيصة بن
ذقريب، عن كعب)). وهذا هو الأثر الآتى رقم: ١١١٠٠ (انظر التعليق عليه، وما فيه من الخطأ)
وأشار فى الموضع الآخر (الفتح ٨: ٢٠٣) إلى احتمال أن سؤال كعب وقع قبل إسلامه، لأن إسلامه كان
فى خلافة عمر على المشهور ، وأطلق عليه ذلك باعتبار ما مضى .
(٣) الأثر: ١١٠٩٧ - خرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده: ٣٥٣، رواه عن حماد، عن
عمار بن أبى عمار، وسيأتى بطريق أخرى فى الذى يليه .

٥٢٦
تفسير سورة المائدة : ٣
سلمة، عن عمار: أن ابن عباس قرأ: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم
نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )) ، فقال يهودى: لو نزلت هذه الآية علينا ،
لاتخذنا يومها عيداً ! فقال ابن عباس : فإنها نزلت فى يوم عيدين اثنين : يوم
عيد ، ويوم جمعة . (١)
١١٠٩٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد ،
عن عماربن أبى عمار ، عن ابن عباس ، نحوه .
١١١٠٠ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا
رجاء بن أبى سلمة قال ، أخبرنا عبادة بن نسىّ قال ، حدثنا أميرنا إسحق = قال
أبو جعفر : إسحق ، هو ابن خَرَشة = عن قبيصة قال ، قال كعب: لو أن غير
هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية ، لنظروا اليوم الذى أنزلت فيه عليهم ، فاتخذوه
عيداً يجتمعون فيه! فقال عمر: أىُّ آية يا كعب؟ فقال: ((اليوم أكملت لكم
دينكم)). فقال عمر : قد علمت اليوم الذى أنزلت فيه ، والمكان الذى أنزلت
فيه: يوم جمعة، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ. (٢)
٠٤/٦
(١) الأثر: ١١٠٩٨ - خرجه الترمذى فى كتاب التفسير، من طريق عبد بن حميد، عن
يزيد بن هرون، عن حماد، وفيه: ((نزلت فى يوم عيدين، فى يوم الجمعة، ويوم عرفة)). وقال
الترمذى: (( هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس».
وأشار إليه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٥٨، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والطبرانى،
والبيسى فى الدلائل .
(٢) الأثر: ١١١٠٠ - ((رجاء بن أبى سلمة مهران))، ((أبو المقدام)) الفلسطينى. روى عن
عمر بن عبد العزيز، وعمرو بن شعيب والزهرى وغيرهم . ورى عنه ابن عون ، وهو من شيوخه ، والحمادان ،
وابن علية . ثقة ، كان من أفاضل أهل زمانه . مترجم فى التهذيب.
و ((عبادة بن فسى الكندى))، الشامى الأردنى، قاضى طبرية. روى عن أوس بن أوس الثقفى،.
وشداد بن أوس ، وعبادة بن الصامت ، وكعب بن عجرة ، وغيرهم . روى عنه رجاء بن أبى سلمة ،
وغيره. قال ابن سعد فى تابعى أهل الشام: ((ثقة)). وقال البخارى: ((عبادة بن نسى الكندى)) سيدهم.
قال مسلمة بن عبد الملك: ((إن فى كندة لثلاثة نفر، إن الله لينزل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء:
عبادة بن نسى، ورجاء بن حيوة، وعدى بن عدى)). مات سنة ١١٨ . مترجم فى التهذيب ، وابن أبى
حاتم ٠٩٦/١/٣

٥٢٧
تفسير سورة المائدة : ٣
١١١٠١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة ، عن عيسى
ابن جارية الأنصارى قال : كنا جلوساً فى الديوان ، فقال لنا نصرانى : يا أهل
الإسلام ، لقد نزلت عليكم آية لو نزلت علينا ، لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعة
عيداً ما بقى منا اثنان: ((اليوم أكملت لكم دينكم))! فلم يجبه أحد منا ، فلقيت
محمد بن كعب القرظى، فسألته عن ذلك فقال : ألاّ رددتم عليه ؟ فقال: قال
عمر بن الخطاب : أنزلت على النبى صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الجبل يوم
و ((نسى)) بضم النون، وفتح السين، والياء المشددة)). وأما (إسحق))، فإن أبا جعفر زعم أنه
ابن خرشة، ولم أجد فى الرواة ولا فى الأمراء (إسحق بن خرشة)). وأما ((ابن خرشة))، فهو: ((عثمان بن
إسحق بن خرشة ( بفتح الخاء والراء) القرشى)) روى عنه الزهرى، ولم يذكر لعبادة بن نسى رواية عنه ، ولا
هو كان أميراً. ونسبه كما رواه ابن سعد ٥: ١٨٠ هو: ((عمان ابن إسحق بن عبد الله بن أبى خرشة
بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى)) ، ونسبه أيضاً
المصعب فى نسب قريش: ٤٣٢، وقال: ((روى عنه ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب حديث
الجدة))، وهو الحديث الذى رواه أصحاب السنن الأربعة ( سنن أبي داود ٣: ١٦٧ رقم: ٢٨٩٤)، من طريق
مالك فى الموطأ: ٥١٣ بروايته عن ((ابن شهاب، عن عثمان بن إسحق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب)).
فلست أشك أن أبا جعفر قد وهم، فأراد تعريف (( إسحاق)) فى إسناده هذا، فسبق إلى وهمه ((ابن
خرشة))، وهو ((عثمان بن إسحق بن خرشة)) لا («إسحاق بن خرشة)).
أما ((إسحق)) فى هذا الخبر، فلست أشك أنه ((إسحق بن قبيصة بن ذؤيب))، يرويه عن أبيه
((قبيصة بن ذؤيب)).
وذلك، أولا : لأن ((إسحق بن قبيصة بن ذؤيب الخزاعى))، يروى عن أبيه، وعن كعب الأحبار .
ثانياً: أن ((عبادة بن نسى)) الأردنى، قاضى طبرية، مذكور فى ترجمته ، وأنه يروى عن
إسحق بن قبيصة بن ذؤيب .
ثالثاً: أن ((إسحق بن قبيصة بن ذؤيب)) هو الذى كان أميراً، كان عامل هشام على الأردن ،
كما قال أبو زرعة الدمشقى. وقال ابن سميع: ((كان على ديوان الزمنى فى أيام الوليد)). وعبادة بن نسى قاض
من قضاة الأردن كما ذكرت .
فالذى لا شك فيه عندى، أن (( إسحق)) فى هذا الإسناد: هو إسحق بن قبيصة بن ذؤيب ، يروى
عن أبيه ، وأن أبا جعفر قد وهم فى بيانه ، وخلط .
وقد أشرت فى التعليق على الأثر رقم : ١١٠٩٦، ما نقله الحافظ ابن حجر فى فتح البارى (١ :
٩٧)، نقلا عن هذا الموضع من الطبرى، ولكنه نسبه أيضاً إلى مسدد فى مسنده، وإلى الطبرانى فى
الأوسط ، وليسا عندى ، ولكن إذا كان ذلك فى واحد منهما ، فإن الخطأ فيه ، أقدم من أبى جعفر .
وكتبه محمود محمد شاكر .
وفى المطبوعة هنا: ((وكلاهما بحمد الله))، وفى المخطوطة: ((وكليهما))، ولها وجه فى العربية.

٥٢٨
تفسير سورة المائدة : ٣
عرفة ، فلا يزال ذلك اليوم عيداً للمسلمين ما بقى منهم أحد. (١)
١١١٠٢ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال ،
حدثنا داود ، عن عامر قال: أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اليوم
أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)»، عشيّة
عرفة ، وهو فى الموقف .
١١١٠٣ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود
قال : قلت لعامر: إن اليهود تقول : كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذى أكمل
اللّه لها دينها فيه ؟ فقال عامر: أو ما حفظته؟ قلت له: فأىّ يوم؟ قال : يوم
عرفة ، أنزل الله فى يوم عرفة .
١١١٠٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة قال : بلغنا أنها نزلت يوم عرفة ، ووافق يوم الجمعة .
١١١٠٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن حبيب ، عن ابن أبى نجيح ، عن عكرمة : أن عمر بن الخطاب
قال: نزلت ((سورة المائدة)) يوم عرفة، ووافق يوم الجمعة .
١١١٠٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
ابن عيينة، عن ليث، عن شهر بن حوشب قال: نزلت ((سورة المائدة)) على النبى
صلى اللّه عليه وسلم وهو واقف بعرفة على راحلته، فتنوَّخَتْ لأن يُدَقَّ ذراعها. (٢)
(١) الأثر: ١١١٠١ - (( حكام)) هو ((حكام بن سلم الكتانى))، ثقة، روى عنه الطبرى
فأكثر فيا سلف، و((عنبسة)) هو: عنبسة بن سعيد بن الضريس الأسدى، مضى مراراً أيضاً، ترجم فى
رقم : ٢٢٤، ٣٣٥٦، ٠٥٣٨٥
و((عيسى بن جارية الأنصارى))، روى عن جرير الجلى، وجابر بن عبد الله، وابن المسيب،
وغيرهم، وروى عنه يعقوب القمى، وعنبسة بن سعيد. تكلم فيه ابن معين قال: ((عنده مناكير )) . وقال
أبو داود: ((منكر الحديث)). مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ١/٣/ ٢٧٣.
وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((عيسى بن حارثة))، وهو خطأ.
(٢) (( أنمخت البعير فاستناخ))، و((نوخته، فتنوخ)): أى برك. قال ابن الأعرابي: ((يقال

٥٢٩
تفسير سورة المائدة : ٣
١١١٠٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن ليث، عن شهر بن
حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: نزلت ((سورة المائدة)) جميعاً وأنا آخذة
بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء . قالت : فكادت من ثقلها أن
يُدَقَّ عضد الناقة. (١)
١١١٠٨ - حدثنى أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكونى قال، حدثنا هشام
ابن عمار قال ، حدثنا ابن عياش قال ، حدثنا عمرو بن قيس السكونى : أنه سمع
معاوية بن أبى سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية: ((اليوم أكملت لكم دينكم))،
حتى ختمها ، فقال: نزلت فى يوم عرفة ، فى يوم جمعة . (٢).
تنوخ البعير، ولا يقال: فاخ، ولا أناخ )).
وقوله: ((لأن يدق ذراعها)»، أى : مخافة أن يدق ذراعها.
(١) الأثر: ١١١٠٧ - ((أسماء بنت يزيد بن السكن)) الأنصارية الأشهلية، ((أم سلمة))،
كانت فيمن جهز عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزنها، وكانت تخدم النبى ، وبايعته ، وشهدت
اليرموك .
وهذا الحديث رواه أحمد فى مسنده ٦ : ٤٥٥ من طريق أبي النضر ، عن شيبان ، عن ليث . وفيه :
((وكادت من ثقلها تدق ... )) ليس فيه ((أن)) .
ثم رواه أيضاً ص: ٤٥٨ من طريق إسحق بن يوسف، عن سفيان، عن ليث، وفيه: ((إن كادت
من ثقلها لتكسر الناقة » .
وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ٧: ١٣، وقال: ((رواه أحمد والطبرانى ، وفيه شهر بن حوشب،
وهو ضعيف، وقد وثق )) ، وقد مضى مراراً توثيق أخى السيد أحمد لشهر .
(٢) الأثر: ١١١٠٨ - ((إسماعيل بن عمرو السكونى))، أبو عامر، الحمصى المقرئ،
إمام مسجد حمص. روى عن على بن عياش، والربيع بن روح ، ويحى بن صالح الوحاظى ، قال ابن
أبى حاتم: ((سمعت منه، وهو صدوق)). مترجم فى ابن أبى حاتم ١٩٠/١/١.
و ((هشام بن عمار بن نصير السلمى))، أبو الوليد الدمشقى. روى عند البخارى وأبو داود
والنسائى وابن ماجة . ثقة . مترجم فى التهذيب .
و ((ابن عياش))، هو: إسماعيل بن عياش، مضى مراراً.
و ((عمرو بن قيس بن ثور بن مازن بن خيثمة الكندى السكونى)»، أبو ثور الشامى الحمصى.
روى عن جده ((مازن بن خيثمة))، وله صحبة، وعن عبد الله بن عمرو، ومعاوية ووفد عليه مع أبيه . قال
إسماعيل بن عياش: و((أدرك سبعين من الصحابة أو أكثر)). ثقة، صالح الحديث. مترجم فى التهذيب.
ج ٩ (٣٤)

٥٣٠
تفسير سورة المائدة : ٣
وقال آخرون : بل نزلتهذه الآية = أعنی قوله: (( اليوم أكملت لكم دينكم)) =
يوم الاثنين. وقالوا: أنزلت ((سورة المائدة)) بالمدينة .
• ذكر من قال ذلك :
١١١٠٩ -حدثنی المثی قال، حدثنا إسحق قال ، أخبرنا محمد بن حرب
قال ، حدثنا ابن لهيعة ، عن خالد بن أبى عمران ، عن حنش، عن ابن عباس :
ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين ، ودخل
المدينة يوم الاثنين، وأنزلت: ((سورة المائدة)) يوم الاثنين: ((اليوم أكملت لكم
دينكم ))، ورفع الذكر يوم الاثنين. (١)
وهذا الخبر، خرجه الهيشمى فى مجمع الزوائد مطولا، ثم قال: ((رواه الطبرانى، ورجاله ثقات)).
وقوله: ((انتزع بهذه الآية))، أى تمثل بها وقرأها .
(١) الأثر: ١١١٠٩ - ((محمد بن حرب الخولانى)) الأبرش. قال أحمد: ((ليس به بأس))،
وقال ابن معين: (( ثقة)). مترجم فى التهذيب.
و((ابن لهيعة)) هو ((عبد الله بن لهيعة))، مضى برقم: ١٦٠، ٢٩٤١، ٥٣٥٥، ٥٥١٨،
ومضی توثيق أخى السيد أحمد له .
و ((خالد بن أبى عمران التجرى)»، قاضى إفريقية. ثقة، وثقه ابن سعد والعجلى، وغيرهما.
و ((حنش)» هو: (( حتش بن عبد الله السبائى الصنعانى)» مضى برقم: ١٩١٤، وهو تابعى ثقة .
وهذا الخبر استوهاه الطبرى كما سيأتى فى آخر كلامه ، وذلك لما قالوا من ضعف ابن لهيعة، وترك
بعضهم الاحتجاج به .
وروى هذا الخبر أحمد فى مسنده برقم : ٢٥٠٦ من طريق موسى بن داود ، عن ابن لهيعة ، ونصه :
((ولد النبى صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، واستنى" يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين، وخرج
مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين)).
وقال أخى السيد أحمد فى التعليق عليه: ((إسناده صحيح. والحديث ذكره ابن كثير فى التاريخ ٢ :
٢٥٩، ٢٦٠، عن هذا الموضع، وقال: ((تفرد به أحمد))، وهو فى مجمع الزوائد ١: ١٩٦، ونسبه
لأحمد والطبرانى فى الكبير وقال الهيشمى: ((وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف! وبقية رجاله ثقات من أهل
الصحيح)).
وليس فى خبر أحمد ((وأنزلت سورة المائدة .... ))، ولذلك لما ذكره ابن كثير فى تفسير، ٢ :
٦٨، عن هذا الموضع من تفسير الطبرى ونسبه الطبرانى وابن مردويه، ثم قال: ((أثر غريب، وإسناده
ضعيف، وقد رواه الإمام أحمد ... )) ثم ساق حديث أحمد، ثم قال: ((هذا لفظ أحمد، ولم يذكر
نزول المائدة يوم الاثنين، فالله أعلم. ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت (« يوم عيدين اثنين، كما تقدم
( يعنى فى الأثر رقم: ١١٠٩٨)، فاشتبه على الراوى )) .

٥٣١
تفسير سورة المائدة : ٣
١١١١٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا همام ،
عن قتادة قال: ((المائدة )) مدنيّة .
٠ ٠ ٥
وقال آخرون : نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسيره فى حجة
الوداع .
• ذكر من قال ذلك :
١١١١٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: نزلت (( سورة المائدة )) على رسول
الله صلى الله عليه وسلم فى المسير فى حجة الوداع، وهو راكب راحلته ، فبركت
به راحلته من ثقلها . (١)
٠ ٥
وقال آخرون : ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس ، وإنما معناه : اليوم
الذى أعلمه أنا دون خلقى ، أكملت لكم دينكم .
* ذكر من قال ذلك :
١١١١٣ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((اليوم أكملت لكم دينكم)) ،
يقول : ليس بيوم معلوم يعلمه الناس
٠
#
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى وقت نزول الآية ، القولُ الذیروی عن عمر
ابن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده، وَوَهْىٍ أسانيد غيره.(١)
٠٠٠
وهذا توجيه غير مرتضى ، وربما كان الأرجح أنه غلط من أحد الرواة عن ابن لهيعة ، فإن رواية
أحمد ، لاشك فى قوتها وضبطها .
وقوله: ((رفع الذكر يوم الاثنين))، يعنى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي هو وأمي،
وانقطاع الوحى من بعد قبضه ولحاقه بالرفيق الأعلى .
(١) سقط من الترقم رقم: ١١١١١.
(٢) قوله: ((ووهى أسافيد غيره)). سلف فى ٨: ٨٠ تعليق ١، أن الذى فى المخطوطة هناك

٥٣٢
تفسير سورة المائدة : ٣
القول فى تأويل قوله ﴿ فَمَنِ أَضْطُرَّ فِى ◌َخْمَصَةٍ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فمن اضطر))، فمن أصابه
ضُرٍّ(١) - ((فى مخمصة))، يعنى: فى مجاعة.
٠٥/٦
...
= وهى ((مفعلة))، مثل ((المجبنة)) و((المبخلة)) و((المنجبة))، من ((خمّصٍ
البطن))، وهو اضطماره ، وأظنه هو فى هذا الموضع معنىّ به : اضطماره من
الجوع وشدة السَّغّب . وقد يكون فى غير هذا الموضع اضطمارا من غير الجوع
والسَّغب، ولكن من خلقة، كما قال نابغة بني ذبيان فى صفة امرأة بخمص البطن: (٢)
وَالْبَطْنُ ذُو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيِّنٌ وَالنَّخْرُ تَنْفُجُهُ بَشَدْىٍ مُفْعَدٍ (٣)
((وهاء))، ولذلك أثبتها، لأنى وجدتها أيضاً فى تهذيب الآثار للطبرى ((وهاء)»، ثم هذه مرة أخرى،
أجد فى المخطوطة ((وهى))، فاختلفت المخطوطة كما ترى فى كتابتها فى موضع آخر. راجع ما كتبته فى
التعليق هناك .
(١) انظر تفسير ((اضطر)» فيها سلف ٣: ٥٦، ٣٢١.
(٢) (خص)) (بفتح الخاء والميم). وهذا تفصيل جيد فى معنى ((الخمص)) و((المخمصة))،
لا تصيب مثله فى معاجم اللغة .
(٣) ديوانه: ٦٦ واللسان (قعد) وروايته: ((لطيف طيه))، ولا شاهد فيه عندئذ. وهو من
قصيدته التى استجاد فيها صفة المتجردة ، صاحبة النعمان بن المنذر، والتى أفضت إلى ما كان بينهما
من المهاجرة .
و((العكن)): أطواء البطن لا من السمن فحسب، كما يقول أصحاب اللغة، فإن هذا البيت شاهد على
خلافه. وإنما ((المكن)» هنا ماتثنى من أطواء البطن من رقة جلدها ونعومته، ورخاصة جسدها ولينه،
فلذلك يتثنى. ولو كان ذلك من ((السمن))، كما يقول أهل اللغة، لم يقل بعد ((خيص لين))، ويصفه
بالضمور والرقة (فى رواية أبى جعفر)، ولا ((لطيف طيه))، وهو كناية عن الضمور والرقة أيضاً، وذلك
من صفتها ضد السمن. فمن شرح (العكن)) فى هذا البيت وأشباهه بأنها من السمن، فقد أخطأ، وأحال
معانى الشعر عن وجوهها .
وقوله: ((والنحر تنفجه))، ((النحر)): أعلى الصدر، وهو موضع القلادة منها. وكل ما ارتفع
فقد ((نفج وانتفج وتنفج))، و((نفجه الرجل ينفجه نفجاً)). ويقال: ((نفج ثدى المرأة قميصها)):

٥٣٣
تفسير سورة المائدة : ٣
فمعلوم أنه لم يرد صفتها بقوله: ((خَميص)) بالهزال والضرّ من الجوع، ولكنه
أراد وصفها بلطافة طىٌّ ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها، لأن ذلك مما يحمد
من النساء . ولكن الذى فى معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر من ذلك ،
قول أعشى بنى ثعلبة :
وَجَارَاتُكُمْ غَرْنَى يَبْنَ خَمَائِصَا (١)
تَبِيتُونَ فِ المَشْتَ مِلَاءِ بُطُوْنَكُمْ
يعنى بذلك : يبتن مضطمرات البطون من الجوع والسغب والضرّ . فمن هذا
المعنى قوله: ((فى مخمصة)).
وكان بعض نحوبى البصرة يقول: ((المخمصة))، المصدر من ((خمَصَه الجوع)).
إذا رفعه . وأسند إليها أنها تنفج نحرها بثدييها ، وإن كان ذلك خلقة لا فعل لها فيه ، لأنه نظر إلى
ما يساور المرأة حين تختال لتفتن الناظرين ، فتتخذ سمتاً وهيأة تذهب بحلم الحليم . فأصاب النابغة غاية
الإصابة فى الإشارة إلى سر المرأة فى حركتها وشمائلها .
ولكن الذين تعرضوا لتفسير مثل هذا الشعر ، أساءوا إليه من حيث أرادوا الإحسان ، فقال الوزير
أبو بكر فى شرحه ديوان النابغة: ((ويروى: والإتب تنفجه، - والإتب ثوب تلبسه - وهو أليق
بالمعنى، لأن الثدى ينفخ الثوب، أى يرفعه ويعظمه)). ثم قال أيضاً: ((وروى: والنحر تنفجه)) أى ترفعه
عن الثوب))، وهذا مثل على الخلط فى فهم الشعر، وإفساد لمعانيه . والذى استحسنه الوزير ، معنى
مغسول سخيف فى مثل هذا الموضع من شعر النابغة ، أضاع به تعب الشاعر فى شعره .
و (( ثدى مقعد)): ناتىْ على النحر ، إذا كان ناهداً لم يثن بعد .
(١) ديوانه: ١٠٩، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٥٣، من إحدى قصائده التى قالها فى
خبر المنافرة بين علقمة بن علائة، وعامر بن الطفيل ( الأغانى ١٥ : ٥٠)، وبعد البيت:
نُجُومَ الشُّتَاءِ العَاتِمَتِ الغوامِصَا
يُراقِبْنَ مِنْ جُوعٍ خِلاَلَ مَخَافةٍ
(«غرقْ))، جياع، ويروى ((جوعى)). ووصف النجوم بقوله: ((العاتمات)) أراد أنها تظلم من
الغيرة التى فى السماء، وذلك فى الجدب (وهو الشتاء)، لأن نجوم الشتاء أشد إضاءة لنقاء السماء ، فهن
يلتمسن وقت خفائها. و((الغوامص)) يعنى: التى قل ضوءها من الغبرة. وقال شارح ديوانه: (( يبتن جياعاً
خائفات ينتظرن طلوع النجوم السحرية، ليخرجن يطلبن شيئاً، كيلا يعرفن)). وقوله: (( خلال مخافة)»
من أحسن الكلام فى هذا البيت .

٥٣٤
تفسير سورة المائدة : ٣
وكان غيره من أهل العربية يرى أنها اسم المصدر ، وليست بمصدر ، ولذلك
تقع ((المفعلة)) اسماً فى المصادر للتأنيث والتذكير .
.. .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١١١١٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس: ((فمن اضطر فى مخمصة))، يعنى: فى مجاعة.
١١١١٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((فمن اضطر فى مخمصة))، أى: فى مجاعة.
١١١١٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة، مثله . (١)
١١١١٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((فمن اضطر فى مخمصة))، قال: ذكر الميتة
وما فيها، فأحلها فى الاضطرار، (٢) = ((فى مخمصة))، يقول: فى مجاعة.
١١١١٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال : سمعت ابن زيد
يقول فى قوله: ((فمن اضطر فى مخمصة))، قال، المخمصة ، الجوع.
٥
(١) الأثر: ١١١١٦ - فى المطبوعة والمخطوطة: ((حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا معمر»
وهو إسناد ناقص، سقط منه ((قال أخبرنا عبد الرزاق)»، وهو إسناد دائر فى التفسير ، أقربه رقم:
٠١١١٠٤
(٢) فى المطبوعة: ((وأحلها)) بالواو، وفى المخطوطة: ((فأكلها))، وهو تحريف.

٥٣٥
تفسير سورة المائدة : ٣
القول فى تأويل قوله ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لَاِنْمِ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : فمن اضطر فى مخمصة إلى أكل
ما حَرَّمتُ عليه منكم، أيها المؤمنون، من الميتة، والدم ولحم الخنزير وسائر ما حرمت
عليه بهذه الآية = ((غير متجانف لإثم))، يقول: لا متجانفاً لإثم. (١)
٠ ٠٠
= فلذلك نصب ((غير)) لخروجها من الاسم الذى فى قوله: ((فمن اضطر))، (٢)
وهى بمعنى: ((لا))، فنصب بالمعنى الذى كان به منصوباً ((المتجانف))، لو جاء
الكلام : ((لا متجانفاً)). (٣)
٠ ٥
وأما ((المتجانف للإثم))، فإنه المتمايل له ، المنحرف إليه . وهو فى هذا الموضع
مراد به المتعمّد له، القاصد إليه، من ((جَنّف القوم علىّ))، إذا مالوا. وكل
أعوج فهو ((أجنف))، عند العرب .
٠
وقد بينا معنى ((الجنف)) بشواهده فى قوله: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾
[ سورة البقرة: ١٨٢]، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٤)
٠
٥
وأما تجانف آكل الميتة فى أكلها وفى غيرها مما حرم اللّه أكله على المؤمنين
(١) فى المطبوعة: ((إلا متجانفاً)) فأفسد المعنى إفساداً، والصواب من المخطوطة، وفيها:
((لامتجانف))، والصواب ما أثبت.
(٢) ((الخروج))، الحال، كما سلف فى فهارس المصطلحات.
(٣) فى هذين الموضعين أيضاً فى المطبوعة: ((وهى بمعنى: إلا» ثم: «لوجاء الكلام: إلا
متجانفاً))، وهو خطأ محض، والصواب ما أثبته من المخطوطة.
وانظر تفسير ((غير)) بمعنى ((لا)) فيما سلف ٣: ٣٢٢، فى تفسير قوله تعالى من سورة البقرة:
١٧٣: ((غير باغ ولا عاد)»، بمعنى: لا باغياً ولا عادياً = منصوباً على الحال .
(٤) انظر تفسير ((الجنف)» فيما سلف ٣ : ٤٠٥ - ٤٠٨.
= وتفسير ((الإثم)) فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (أثم).

٥٣٦
تفسير سورة المائدة : ٣
بهذه الآية، للإثم فى حال أكله ، (١) فهو : تعمده أكل ذلك لغير دفع الضرورة
النازلة به، (٢) ولكن لمعصية اللّه، وخلاف أمره فيما أمره به من ترك أكل ذلك .
٠٠٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك :
١١١١٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم))،
يعنى: إلى ما حُرِّم، مما سمَّى فى صدر هذه الآية = ((غير متجانف لإثم))،
يقول : غير متعمد لإثم .
١١١٢٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((غير متجانف لإثم))، غير متعمد لإثم . قال :
إلى حِرْم اللّه، ما حَرّم. (٣) رخّص للمضطر إذا كان غير متعمد لإثم، أن يأكله
من جهد. فمن بَغَى، أو عدا، أو خرج فى معصيةٍ لله، فإنه محرم عليه أن يأكله .
١١١٢١ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((غير متجانف لإثم ))، أى : غير متعرِّض المعصية.
١١١٢٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر، عن قتادة: ((غير متجانف لإثم))، غير متعمد لإثم ، غير متعرِّض.
١١١٢٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((غير متجانف لإثم)) ، يقول : غير متعرض لإثم،
أی : یبتغى فيه شهوة ، أو يعتدی فی أکله .
٠٦/٦
(١) السياق: ((وأما تجانف آ كل الميتة ... للإثم فى حال أكله ... ))
(٢) فى المطبوعة: ((فهو تعمده الأكل لغير دفع الضرورة))، غير ما فى المخطوطة بلا معنى.
(٣) ((حرم الله)) (بكسر الحاء، وسكون الراء)، هو الحرام نقيض الحلال . وقوله بعد ذلك:
(((ما حرم)»، تفسير لقوله: ((حرم الله)).

٥٣٧
تفسير سورة المائدة : ٣
١١١٢٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((غير متجانف لإثم))، لا يأكل ذلك ابتغاءَ الإثم، ولا جراءة عليه.
القول فى تأويل قوله ﴿فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
قال أبو جعفر : وفى هذا الكلام متروك ، اكتفى بدلالة ما ذكر عليه منه .
وذلك أن معنى الكلام : فمن اضطر فى مخمصة إلى ما حرمت عليه مما ذكرت فى
هذه الآية ، غير متجانف لإثم فأكله ، فإن اللّه له غفور رحيم = فترك ذكر
((فأكله))، وذكر ((له))، (١) لدلالة سائر ما ذكر من الكلام عليهما.
٠٠ ٠
وأما قوله: ((فإن الله غفور رحيم))، فإن معناه: فإن الله لمن أكل ما حرمت
عليه بهذه الآية أكله، فى مخمصة، غير متجانف لإثم = ((غفور رحيم))،
يقول: يستر له عن أكله ما أكل من ذلك ، بعفوه عن مؤاخذته إياه ، وصفحه
عنه وعن عقوبته عليه = ((رحيم )) ، يقول: وهو به رفیق . ومن رحمته ورفقه به، (٢)
أباح له أكل ما أباح له أكله من الميتة وسائر ما ذكر معها فى هذه الآية ، فى
حال خوفه على نفسه من كَلَب الجوع وضُرُّ الحاجة العارضة ببدنه .
. ..
فإن قال قائل : وما الأكل الذى وعد اللّه المضطر إلى الميتة وسائر المحرَّمات
معها بهذه الآية ، غفرانَهُ إذا أكل منها ؟
قيل : ما : -
(١) يعنى بقوله: ((وذكر: له))، معطوف على قوله: ((وترك ذكر: فأكله))، والمعنى:
وترك ذكر: ((إلى ما حرمت عليه فأكله)). وكان الأجود عندى أن يبين ذلك فيذكره كما ذكرته.
وأما قوله: ((وذكر: له))، يعنى فى قوله: ((فإن اللّه له غفور ... )).
(٢) فى المطبوعة: ((من رحمته)) بإسقاط الواو، وأثبتها من المخطوطة.

٥٣٨
تفسير سورة المائدة : ٣
١١١٢٥ - حدثنى عبد الأعلى بن واصل الأسدى قال، حدثنا محمد بن
القاسم الأسدى ، عن الأوزاعى ، عن حسان بن عطية، عن أبى واقد الليثى
قال : قلنا: يا رسول اللّه، إنا بأرض تصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من الميتة؟
قال: إذا لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، أو تحتفئوا بقلاً، فشأنكم بها. (١)
(١) الأثر: ١١١٢٥ - خبر الأوزاعى، عن حسان بن عطية، يرويه الطبرى بعد برقم :
١١١٣٢، عن الأوزاعى، عن حسان مرسلا. ثم يرويه برقم: ١١١٣٣، عن الأوزاعى، عن حسان ،
عن رجل قد سمی له . وهی خبر واحد .
((عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى بن هلال الأسدى)»، شيخ الطبرى، روى له الترمذى،
والنسائى، وأبو حاتم. قال أبو حاتم: ((صدوق))، وقال النسائى: ((ثقة)). مترجم فى التهذيب.
و((محمد بن القاسم الأسدى)) ربى بالكذب والوضع. قال أبو داود: ((غير ثقة ولا مأمون،
أحاديثه موضوعة))، وتكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه ، روى محمد بن القاسم، عن الأوزاعى . مترجم فى
التهذيب .
و ((الأوزاعى)) هو الإمام المشهور.
و((حسان بن عطية المحاربى))، كان من أفاضل أهل زمانه، وثقه أحمد، وابن معين، والعجل،
روى عن أبى أمامة ، وعنبسة بن أبى سفيان ، وسعيد بن المسيب. ونصوا على أنه أرسل عن أبي واقد الليثى ،
وكأنهم يعنون هذا الخبر بعينه .
و((أبو واقد الليثى)) قيل اسمه: ((الحارث بن مالك))، وقيل: ((الحارث بن عوف))، وقيل:
((عوف بن الحارث بن أسد))، من بنى ليث بن بكر بن عبد مناة، من كنانة . صحابى ، روى عن
النبى صلى الله عليه وسلم، وعن أبى بكر وعمر. وروى عنه أبناء عبد الملك وواقد، وعبيد الله بن عبد الله
ابن عتبة، وعطاء بن يسار ، وعروة بن الزبير ، وغيرهم .
وإسناد أبى جعفر هذا ، إسناد ضعيف، لضعف محمد بن القاسم ، ولكنه روى من وجه صحيح ،
كما سترى فى التخريج .
فرواه أحمد فى مسند ٥٥ : ٢١٨ (حلبى) عن محمد بن القاسم ، عن الأوزاعى ، وهو نفس إسناد
الطبرى ، فهو ضعيف .
ثم رواه مرة أخرى فى نفس الصفحة، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعى. (قلت : فى المسند :
حدثنا الوليد، حدثنا مسلم، حدثنا الأوزاعى = وهو خطأ لا شك فيه، صوابه: الوليد بن مسلم، كما نقله
عن هذا الموضع من المسند ، ابن كثير فى تفسيره ٢ : ٦٩).
. وقال ابن كثير بعد نقله هذا الخبر الثانى من خبرى أحمد: «تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وهو
إسناد صحيح على شرط الصحيحين)).
ولكن الهيشمى خرجه فى مجمع الزوائد ٤: ١٦٥، وقال: ((رواه أحمد بإسنادين، رجال أحدهما
رجال الصحيح [ يعنى الحديث الثانى من حديثٌ أحمد]، إلا أن المزى قال: لم يسمع حسان بن عطية من
أبي واقد، والله أعلم)).

٥٣٩
تفسير سورة المائدة : ٣
١١١٢٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم ، عن الخصيب بن زيد
التميمى قال ، حدثنا الحسن : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
إلى متى يحلُّ لى الحرام ؟ قال فقال : إلى أن يروى أهلك من اللبن، أو تجىء
مِيرَتُهم . (١)
ثم خرجه الهيشمى أيضاً فى مجمع الزوائد ٥: ١٦٥ وقال: ((رواه الطبرانى، ورجاله ثقات)). ولم
يذكر مقالة المزى ، ولا انقطاع الخبر .
ورواه الحاكم فى المستدرك ٤: ١٢٥، من طريق أبي قلابة الرقاشى، عن أبى عاصم ، عن الأوزاعى،
عن حسان بن عطية، عن أبي واقد، بمثله. وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».
وتعقبه الذهبى فقال: ((فيه انقطاع ))، إشارة ما قاله المزى ، فيما رواه صاحب مجمع الزوائد .
ورواه البيهقى فى السنن ٩: ٣٥٦ من ثلاث طرق: محمد بن القاسم الأسدى، عن الأوزاعى، كرواية
أحمد والطبرى .
ومن طريق أبى عبيد ، عن محمد بن كثير ، عن الأوزاعى ، عن حسان ، عن أبى واقد .
ثم رواه من طريق الوليد بن مسلم (وهو طريق أحمد الثانى )، ولكن فيه زيادة ، وذلك أنه رواه عن
إسحق بن إبراهيم الحنظل ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعى ، عن حسان بن عطية ، عن ابن مرثد = او
أبى مرثد = عن أبي واقد الليثى .
وإلى هذه الطريق أشار ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٦٩، بعد أن روى حديث أحمد فى المسند فقال:
((ولكن رواه بعضهم عن الأوزاعى ، عن حسان بن عطية ، عن مسلم بن يزيد ، عن أبي واقد ، به ،
ومنهم من رواه عن الأوزاعى ، عن حسان ، عن مرثد = أو أبى مرثد = عن أبي واقد ، به )) ، فخالف
ما فى سنن البيهقى، قال: ((مرتد»، والذى فيها ((ابن مرثد)).
ولم أجد ذكراً فى كتب الرجال لمسلم بن يزيد ، أو مرثد ، أو ابن مرثد . فإسناد هذا الخبر ، كما
كما ترى ، هو على صحته منقطع .
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢ : ٢٥٩، ولم ينسب لغير أحمد والحاكم .
٠٠٠
وقوله: ((إذا لم تصطبحوا))، أى: إذا لم تجدوا صبوحاً، و((الصبوح)) (بفتح الصاد): هو
ما يحلب من اللبن بالغداة ويشرب عندئذ، و((اصطبح القوم)): شربوا الصبوح. و((صبح الرجل
ضيفه)) : سقاه الصبوح بالغداة .
وقوله: ((أو تغتبقوا))، أى: إذا لم تجدوا غبوقاً، و((الغبوق)) (بفتح الغين): هو ما يحلب
من اللبن بالعشى، ويشرب عندئذ. ((غبق الرجل ضيفه))، سقاه غبوقاً. و((اغتبق القوم)): شربوا
الغبوق بالعشى .
أما ((تحتفئوا))، فسيأتى تفسيرها بعد الأثر رقم: ١١١٣٣، ص: ٥٤٢، تعليق: ٢.
(١) الأثر: ١١١٢٦ - ((الخصيب بن زيد التميمى))، سمع عن الحسن، مرسل، روى
عنه هشيم، هكذا قال البخارى فى الكبير ٢٠١/١/٢. وفى التهذيب: ((وثقه أحمد))؛ وذكره ابن

٥٤٠
تفسير سورة المائدة : ٣
١١١٢٧ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا
خصيب بن زيد التميمى قال ، حدثنا الحسن : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه
وسلم، فذكر مثله = إلا أنه قال: أو تُجْبىَ ميرتهم. (١)
١١١٢٨ -حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال، حدثنى
عمر بن عبد الله بن عروة ، عن جده عروة بن الزبير، عمن حدثه : أن رجلاً
من الأعراب أتى النبى صلى الله عليه وسلم يستفتيه فى الذى حرّم الله عليه، والذى
أحل له ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: تحل لك الطيبات ، وتحرُم عليك
الخبائث، إلاّ أن تفتقر إلى طعام [ لا يحل لك]، (٢) فتأكل منه حتى تستغنى عنه.
فقال الرجل : وما فقرى الذى يُحِلّ لى؟ وما غناى الذى يغنينى عن ذلك؟(٣)
فقال النبى صلى الله عليه وسلم: إذا كنت ترجو نتاجاً ، فتبلَّغ بلحوم ماشيتك
إلى نتاجك، أو كنت ترجو غنّى تطلبه، فتبلَّغ من ذلك شيئاً، (٤) فأطعم أهلك
ما بدا لك حتى تستغنى عنه . فقال الأعرابى: ما غناى الذى أدعه إذا وجدته ؟
حبان فى الثقات. وفى ابن أبى حاتم ٣٩٦/٢/١، كتب ((خصيب بن بدر التميمى))، والصواب (( خصيب
ابن زيد» كما قال البخارى .
و((الميرة)) (بكسر الميم ): هو جلب الطعام. وفى المخطوطة: ((وتجىء)» بالواو ، وأثبت ما فى
المطبوعة ، وابن كثير ٣ : ٦٩ .
(١) فى المطبوعة: ( أو تحيا ميرتهم))، من ((الحياة))، وفى المخطوطة: ((محى)) غير منقوطة،
فرأيت أن أقرأها كذلك، من ((جبى الماء فى الحوض يجيبه)): جمعه، و((جي الخراج)) جمعه. ولو
قرئت: ((يجنى)) من ((جنى يجنى))، كما تجنى الثمرة، لكان مجازا. والذى فى المطبوعة: ((يحيى)»، وجه.
ولكنى وجحت ما أثبت . ولم أجد الخبر فى مكان آخر بهذه الرواية ..
(٢) الزيادة بين القوسين، لا يتم الكلام إلا بها ، من مجمع الزوائد.
(٣) نص ما رواه فى مجمع الزوائد: ((ما فقرى، وما الذى آكل من ذلك إذا بلغته؟. وما غناى
الذى يغنين عنه » .
(٤) ((تبلغ بشىء من الطعام أو غيره)): اكتفى به. وقوله: ((شيئاً))، أى: قليلا، غير مفرط
فيه .
وانظر تفسير ((شىء)) بمعنى ((قليل)) فما سلف ٦: ٤٤٨، تعليق ٨/٢: ٤٠٣، تعليق: ١.
: