النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
تفسير سورة المائدة : ١
أهل التأويل فى قوله: ((أحلت لكم بهيمة الأنعام))، من أنها الأنعام وأجنّتها وتخالها،
وعلى دلالة ظاهر التنزيل = قولُ من قال : معنى ذلك : أوفوا بالعقود ، غير محلى
الصيد وأنتم حرم ، فقد أحلت لكم بهيمة الأنعام فى حال إحرامكم أو غيرها من
أحوالكم ، إلا ما يتلى عليكم تحريمه من الميتة منها والدم ، وما أهل لغير الله به .
وذلك أن قوله: ((إلا ما يتلى عليكم))، لو كان معناه: ((إلا الصيد)»، لقيل:
((إلا" ما يتلى عليكم من الصيد غير محليه)). وفى ترك اللّه وَصْل قوله: (( إلا ما يتلى
عليكم)) بما ذكرت، وإظهار ذكر الصيد فى قوله: ((غير محلى الصيد )) ، أوضحُ
الدليل على أن قوله: ((إلا ما يتلى عليكم))، خَبَرٌ متناهية قصته، وأن معنى
قوله: (( غير محلى الصيد))، منفصل منه .
وكذلك لو كان قوله: ((أحلت لكم بهيمة الأنعام))، مقصوداً به قصد
الوحش، لم يكن أيضاً لإعادة ذكر الصيد فى قوله: ((غير محلى الصيد))
وَجْهٌ، وقد مضى ذكره قبل، ولقيل: ((أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى
عليكم غير محملِّيه وأنتم حرم)). وفى إظهاره ذكر الصيد فى قوله: ((غير محلى
الصيد)) ، أبينُ الدلالة على صحة ما قلنا فى معنى ذلك .
...
فإن قال قائل: فإن العرب ربما أظهرت ذکر الشىء باسمه وقد جری ذ کرهباسمه؟
قيل : ذلك من فعلها ضرورة شعر ، وليس ذلك بالفصيح المستعمل من
كلامهم . وتوجيه كلام اللّه إلى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته ، أولى
= ما وُجد إلى ذلك سبيل = من صرفه إلى غير ذلك .
...
قال أبو جعفر : فمعنى الكلام إذاً : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود اللّه التى
عقد عليكم مما حرّم وأحلّ، لا محلين الصيد فى حرمكم، ففيما أحلَّ لكم من بهيمة
الأنعام المذكَّاة دون ميتها ، متّسع لكم ومستغنّى عن الصيد فى حال إحرامكم .
٣٦/٦
٠

٤٦٢
تفسير سورة المائدة : ٢،١
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: إن اللّه يقضى فى خلقه ما يشاء، (١)
من تحليل ما أراد تحليله ، وتحريم ما أراد تحريمه ، وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم ،
وغير ذلك من أحكامه وقضاياه - فأوفوا ، أيها المؤمنون ، له بما عقدَ عليكم من
تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرّم عليكم ، وغير ذلك من عقوده ، فلا تنكثوها
ولا تنقضوها ، کما :-
١٠٩٣٧ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((إن الله يحكم ما يريد))، إن الله يحكم ما أراد فى خلقه، وبيّن
لعباده ، وفرض فرائضه، وحدّ حدوده ، وأمر بطاعته ، ونهى عن معصيته .
#
القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيُّاَ الَّذِينَءامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَكْرِ اللهِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى معنى قول الله: ((لا تحلوا شعائر الله)).
فقال بعضهم معناه: لا تحلوا حُرُمات اللّه، ولا تتعدّوا حدوده - كأنهم وجهوا
(الشعائر)) إلى المعالم، وتأولوا ((لا تحلوا شعائر الله))، معالم حدود الله، وأمره ونهيه وفرائضه.
• [ ذكر من قال ذلك ] :(٢)
١٠٩٣٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفى قال ، حدثنا
حبيب المعلم، عن عطاء: أنه سئل عن ((شعائر الله)) فقال: حُرُمات اللّه،
اجتناب سَخْتَطِ اللّه، واتباع طاعته، فذلك ((شعائر الله)).
...
(١) انظر تفسير (حكم)) فيما سلف: ص ٣٢٤: تعليق: ٣ .
(٢) ما بين القوسين زيادة ليست فى المخطوطة ولا المطبوعة، وأثبتها على نهج أبى جعفر فى تفسيره.

٤٦٣
تفسير سورة المائدة : ٢
وقال آخرون : معنى ذلك: (١) لا تحلوا حَرَم الله = فكأنهم وجهوا معنى
قوله: ((شعائر الله))، أى : معالم حرم الله من البلاد.
ذكر من قال ذلك :
١٠٩٣٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله))، قال:
أما ((شعائر اللّه))، فحرّم الله.
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تحلّوا مناسك الحج فتضيعوها = وكأنهم
وجَّهوا تأويل ذلك إلى: لا تحلوا معالم حدود الله التى حدَّها لكم فى حجّكم .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٩٤٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج، قال ابن عباس قوله: ((لا تحلوا شعائر الله))، قال: مناسك
الحج .
١٠٩٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنا معاوية ، عن
على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر
اللّه))، قال: كان المشركون يحجّون البيت الحرام، ويهدُون الهدايا، ويعظِّمون
حرمة المشاعر، ويتَّجرون فى حجهم، فأراد المسلمون أن يُغَيِّروا عليهم، فقال الله
عز وجل: (( لا تحلوا شعائر الله)).
١٠٩٤٢ -حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((شعائر الله))، الصفا
والمروة، والهَدْى، والبُدْن، كل هذا من ((شعائر الله)).
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((معنى قوله))، وهو لا يستقيم، وما أثبت أشبه بالصواب.

٤٦٤
تفسير سورة المائدة : ٢
١٠٩٤٣ -حدثی المثی قال ، حدثی أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
٠
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تحلوا ما حرَّم الله عليكم فى حال إحرامكم .
· ذکر من قال ذلك :
١٠٩٤٤ -حدثنا محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال، حدثنی عی قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((لا تحلوا شعائر الله))، قال:
(((شعائر الله))، ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم
٠
٠ ٠
= وكأن الذين قالوا هذه المقالة ، وجَّهوا تأويل ذلك إلى: لا تحلوا معالم
حدود الله التى حرّمها عليكم فى إحرامكم.
٠٥
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بقوله: ((لا تحلوا شعائر الله))، قول عطاء
الذى ذكرناه، (١) من توجيهه معنى ذلك إلى: لا تحلوا حرمات الله ولا تضيعوا
فرائضه .
٠ ٥
لأن ((الشعائر)) جمع ((شعيرة))،((والشعيرة)) ((فعيلة)) من قول القائل:
((قد شعر فلان بهذا الأمر))، إذا علم به. فـ ((الشعائر))، المعالم، من ذلك. (٢)
٠ ٠
٥
وإذا كان ذلك كذلك ، كان معنى الكلام: لا تستحلوا، أيها الذين آمنوا ،
معالم اللّه = فيدخل فى ذلك معالم اللّه كلها فى مناسك الحج : من تحريم ما حرَّم
اللّه إصابته فيها على المحرم ، وتضييع ما نهى عن تضييعه فيها ، وفيما حرَّم من
استحلال حُرمات حَرَّمه ، وغير ذلك من حدوده وفرائضه، وحلاله وحرامه ، لأن
(١) هو الأثر السالف رقم: ١٠٩٣٨.
(٢) انظر تفسير ((شعائر الله)) فيما سلف ٣: ٢٢٦ - ٢٢٨.

٤٦٥
تفسير سورة المائدة : ٢
كل ذلك من معالمه وشعائره التى جعلها أمارات بين الحق والباطل ، يُعْلَم بها
حلاله وحرامه ، وأمره ونهيه .
وإنما قلنا ذلك القول أولى بتأويل قوله تعالى: ((لا تحلوا شعائر الله))، لأن
الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده وإحلالها نهياً عامًا، من غير اختصاص
شىء من ذلك دون شىء، فلم يَجُز لأحد أن يوجُّه معنى ذلك إلى الخصوص إلا
بحجة يجب التسليم لها ، ولا حجة بذلك كذلك .
٣٧/٦
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا الشَّهْرَ أَلْحَرَامَ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ولا الشهر الحرام))، ولا تستحلوا
الشهر الحرام بقتالكم فيه أعداء كم من المشركين، (١) وهو كقوله: ﴿يَسْتَلونَكَ
عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَارِ قِتَالٍ فِيهِ قَلْ قِتَلٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ [سورة البقرة: ٢١٧].
٠
وبنحو الذی قلنا فى ذلك قال ابن عباس وغيره .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٩٤٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((ولا الشهر الحرام))، يعنى: لا تستحلوا قتالا فيه.
١٠٩٤٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة قال : كان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت، فأمروا أن لا
،ے
يقاتلوا فى الشهر الحرام ولا عند البيت .
٠
٠
٠
(١) فى المطبوعة: ((بقتالكم به))، والصواب من المخطوطة.
ج ٩ (٣٠)

٤٦٦
تفسير سورة المائدة : ٢
وأما ((الشهر الحرام)) الذى عناه الله بقوله: ((ولا الشهر الحرام ))، فرجب مُضَر،
وهو شهر كانت مضر تحرُّم فيه القتال .
٠٠٠
وقد قيل: هو فى هذا الموضع ((ذو القعدة)).
. ذكر من قال ذلك :
١٠٩٤٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج ، عن عكرمة قال : هو ذو القعدة .
٠٠٠
وقد بينا الدلالة على صحة ما قلنا فى ذلك فيما مضى ، وذلك فى تأويل قوله :
((يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه)). (١)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَا اُلْهَدْىَ وَلَا اُلْقَلَلَيْدَ ﴾
ء
قال أبو جعفر: (( أما الهدى))، فهو ما أهداه المرء من بعيرٍ أو بقرة أو شاة
أو غير ذلك ، إلى بيت الله، تقرُّباً به إلى الله، وطلبَ ثوابه. (٢)
٠
#
يقول الله عز وجل: فلا تستحلوا ذلك، فتغصبوه أهله غَلَبَةً، (٣) ولا تحولوا
بينهم وبين ما أهدوا من ذلك أن يبلُغوا به المحِلَّ الذى جعله الله جل وعزّ مَحِلَّه
من کعبته .
٥ ٠
(١) انظر ما سلف فى ((الشهر الحرام)) ٤: ٢٩٩، ٣٠٠، وما بعدها، وهو الموضع
الذى ذكره ، ثم قبله ٣ : ٥٧٥ - ٥٧٩ .
وتفسير ((الشهر)) فيما سلف ٣ : ٤٤٠.
(٢) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف ٤: ٢٤، ٢٥.
(٣) فى المطبوعة: ((فتنصبوا أهله عليه))، وفى المخطوطة كما كتبتها، إلا أن كتب ((عليه))
بالياء، ووضع فتحة على العين، وفتحة على اللام، وظاهر أن ((الياء)) إنما هى ((باء))، وأن الناسخ
لما رآها مضبوطة فى النسخة الأم نقل الشكل، ووضع الإعجام من عند نفسه . هذا وصواب الكلام
يقتضى أيضاً ما أثبت .

٤٦٧
تفسير سورة المائدة : ٢
وقد روى عن ابن عباس أن ((الهدى)) إنما يكون هدياً ما لم يُقَلَّد.
١٠٩٤٨ -حدثی بذلك محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثی
عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ولا الهدى))، قال:
الهدى ما لم يقلّد، وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلِّده .
وأما قوله: ((ولا القلائد))، فإنه يعنى: ولا تحلوا أيضاً القلائد.
٠
٠٠ ٠
ثم اختلف أهل التأويل فى ((القلائد)) التى نهى الله عز وجل عن إحلالها .
فقال بعضهم: عنى : ((القلائد))، قلائدَ الهدى. وقالوا: إنما أراد الله
جل وعز بقوله: ((ولا الهدى ولا القلائد))، ولا تحلوا الهدايا المقدَّدات منها وغير
المقدَّدات. فقوله: ((ولا الهدى))، ما لم يقلّد من الهدايا = ((ولا القلائد))، المقدّد
منها. قالوا: ودلَ بقوله: ((ولا القلائد))، على معنى ما أراد من النهى عن استحلال
الهدايا المقدّدة .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٩٤٩ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((ولا القلائد))، القلائد ،
مقدَّدات الهدى. وإذا قلَّد الرجل هديه فقد أحرم . فإن فعل ذلك وعليه قميصه ،
فليخلَعْه .
وقال آخرون : يعنى بذلك : القلائد التى كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا
الحج مقبلين إلى مكة، من لحَاء السَّمُر (١) = وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين
منها، من الشَّعَرَ.
(١) ((لحاء الشجرة)) (بكسر اللام): قشرها. و((السمر)) (بفتح السين وضم الميم):
ضرب من الشجر ، صغار الورق ، قصار الشوك ، وله برمة صفراء يأكلها الناس ، وليس فى العضاه
شىء أجود خشباً منه . ينقل إلى القرى ، فتغمى به البيوت .

٤٦٨
تفسير سورة المائدة : ٢
* ذكر من قال ذلك :
١٠٩٥٠ - حدثنى الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر ، عن قتادة: (( لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام))، قال: كان الرجل
فى الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج ، تقلَّد من السِّمُر، فلم يعرض له
أحد . فإذا رجع تقلَّد قلادة شَعَر، فلم يعرض له أحد .
وقال آخرون : بل كان الرجل منهم يتقدّد = إذا أراد الخروج من الحرم ،
أو خرج= من لحاء شجر الحرم، فيأمن بذلك من سائر قبائل العرب أن يعرضوا له بسوء.
• ذكر من قال ذلك :
١٠٩٥١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن مالك بن مغول ، عن
عطاء: ((ولا القلائد))، قال : كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم ، يأمنون
بذلك إذا خرجوا من الحرم، فنزلت: ((لاتحلوا شعائر الله))، الآية، ((ولا الهدى
ولا القلائد)) .
١٠٩٥٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولا القلائد))، قال: ((القلائد))،
اللحاء فى رقاب الناس والبهائم ، أمْنٌ لهم .
١٠٩٥٣ -حدثی المثی قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
این أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله.
١٠٩٥٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((ولا الهدى ولا القلائد))، قال: إن العرب
كانوا يتقلدون من لحاء شجر مكة، فيقيم الرجل بمكانه ، حتى إذا انقضت الأشهر
الحرم ، فأراد أن يرجع إلى أهله ، قلَّد نفسه وناقته من لحاء الشجر ، فيأمن
حتى يأتى أهله .
٣٨/٦

٤٦٩
تفسير سورة المائدة : ٢
١٠٩٥٥ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((ولا القلائد))، قال: ((القلائد))، كان الرجل يأخذ لحاء شجرة من شجر
الحرم، فيتقلدها، ثم يذهب حيث شاء، فيأمن بذلك. فذلك ((القلائد)).
...
وقال آخرون: إنما نهى الله المؤمنين بقوله: ((ولا القلائد))، أن ينزعوا شيئاً
من شجر الحرم فيتقلّدوه ، كما كان المشركون يفعلونه فى جاهليتهم .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٩٥٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبد الملك ، عن عطاء
فى قوله: ((ولا الهدى ولا القلائد))، كان المشركون يأخذون من شجر مكة ،
من لحاء السَّمُر، فيتقلدونها، فيأمنون بها من الناس . فنهى اللّه أن ينزع شجرها
فَيُتْقَلَّد .
١٠٩٥٧ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد اللّه ، عن أبى جعفر الرازى ،
عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مُطرِّف بن الشخير ، وعنده رجل فحدّتهم
فى قوله: (( ولا القلائد))، قال : كان المشركون يأخذون من شجر مكة ، من
لحاء السمر ، فيتقلدون فيأمنون بها فى الناس. فنهى الله عز ذكره أن يُنزع شجرها
فيتقلّد .
٠
#
قال أبو جعفر: والذى هو أولى بتأويل قوله: ((ولا القلائد)) = إذ كانت
معطوفة على أول الكلام ، ولم يكن فى الكلام ما يدلّ على انقطاعها عن أوله ، ولا
أنه عنى بها النهى عن التقلد أو اتخاذ القلائد من شىء = أن يكون معناه : ولا
تُحِلّوا القلائد.
فإذا كان ذلك بتأويله أولى، فمعلوم أنه نهىٌ من الله جل ذ کره عن استحلال
حرمة المقدَّد، هدياً كان ذلك أو إنساناً، دون حرمة القلادة . وإن الله عز ذ کره،
إنما دلّ بتحريمه حرمة القلادة، على ما ذكرنا من حرمة المقدَّد، فاجتزا بذكره

٤٧٠
تفسير سورة المائدة : ٢
((القلائد) منذ کر(( المقلد»، إذ کان مفهوماً عند المخاطبین بذلك معنی ما أريد به.
٠
٠
فمعنى الآية = إذ كان الأمر على ما وصفنا = : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا
شعائر الله، ولا الشهر الحرام، ولا الهدى، ولا المقلِّد نفسَه بقلائد الحرم.(١)
٠
٠ ٠
وقد ذكر بعض الشعراء فى شعره ما ذكرنا عمن تأوَّل ((القلائد)) أنها قلائد
لحاء شجر الحرم الذى كان أهل الجاهلية يتقلَّدونه ، فقال وهو يعيب رجلين
قتلا رجلين كانا تقلّدًا ذلك : (٢)
أَلَمْ تَقْتُلاَ الْحِرْجَيْنِ إذْ أَعْوَرَاكُمَ ◌ُِرَّانِ بِالْأَيْدِىِ اللَّحَاءِ الْمُضَفَّرَا(٣)
و((الحرجان))، المقتولان كذلك. ومعنى قوله: ((أعوراكما))، أمكنا كما
من عورتهما . (٤)
٠٠٠
(١) فى المطبوعة: ((ولا المقلد بقسميه))، وهو لا معنى له، والصواب ما فى المخطوطة. يعنى:
الذى يقلد نفسه قلادة من شجر أو شعر، ليأمن ، كما ذكر آنفاً ، وانظر الفقرة التالية .
(٢) القائل هو حذيفة بن أنس الهذلى .
(٣) أشعار الهذليين ٣: ١٩، والمعانى الكبير: ١١٢٠، واللسان (حرج). و((الحرج))
( بكسر الحاء وسكون الراء) : الودعة ، قالوا : عى بالحرجين : رجلين أبيضين كالودعة، فإما أن
يكون البياض لونهما، وإما أن يكون كنى بذلك عن شرفهما. وقال شارح ديوانه: ((ويكون أيضاً
الحرجان، رجلين يقال لها: الحرجان)). و((أمر الحبل يمره)): فتله. و((اللحاء))، قشر
الشجر. و ((المضفر)) الذى جدل ضفائر.
هذا وقد ذكر أبو جعفر أن الشعر فى رجلين قتلا رجلين، وروى ((ألم تقتلا))، والذى فى
المراجع ((ألم تقتلوا))، وهو الذى يدل عليه سياق الشعر، فإن أوله قبل البيت:
وَأَبْلِغْ بَنِى ذِى الَّهْ عَّى وَبَعْمَرَا
ألاَ أبْلِغَاَ جُلَّ السَّوَارِى وَجابراً
أَلَمّ بِقَوْلٍ، كَمْ يُحَاوِلْ لِيَفْخَرَا
وَقُلاَ لَهُمْ عَّى مَقَلَةَ شَاعٍِ
لَعَلَّكُمْ لَمَا قَتَلْتُمْ ذَكَرْثُمُ وَلَنْ تَثْرُ كُوا أَنْ تَقْتُلُوا، مَنْ تَعَمَّرًا
فالشعر كله بضمير الجمع . وسببه أن جندباً ، أخو البريق بن عياض اللحيانى ، قتل قيماً
وسالماً ابنى عامر بن عريب الكنانيين ، وقتل سالم جندياً ، اختلفا ضربتين .
(٤) رواية أبى جعفر کما شرحها ((أمورا کما ))، ورواية الدیوان (أمورا لكم »، وهی فی سیاق

٤٧١
تفسير سورة المائدة : ٢
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَاءَآَمِّيْنَ أَلْبَيْتَ أَلْرَامَ يْتَغُونَ فَضْلاً مِّنْ
رَّبِهِمْ وَرِضْوَّنَاً)(١)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله عز ذكره: ((ولا آمين البيت الحرام))، ولا تحلُّوا
قاصدی البيت الحرام العامديه . (٢)
٠ ٠
*
تقول منه: ((أممت كذا))، إذا قصدته وعمدته، وبعضهم يقول: (("يَمَمْته))، (٣)
كما قال الشاعر : (٤).
إِّى كَذَاكَ إِذَا مَا سَاءِفِى بَدُ يَمْتُ صَدْرَ بَعِيرِى غَيْرَهُ بَدًا (٥)
((والبيت الحرام))، بيت اللّه الذى بمكة، وقد بينت فيما مضى لم قيل له
((الحرام)). (٦)
= ((يبتغون فضلاً من ربهم))، يعنى: يلتمسون أرباحاً فى تجاراتهم من الله
٠
لمشعر، ورواية اللسان: ((أعرضا لكم))، ويروى ((عورا لكم)) بتشديد الواو. هذا على أن
هذه الرواية: ((أعور)) متعدياً، والذى كتب فى اللغة ((أعور لك الشىء فهو معور)).
(١) كان فى المطبوعة والمخطوطة: ((ولا آمين البيت الحرام))، ولم يأت بقية ما شرح من
الآية فى هذا الموضع . فزدت ما شرحه هنا . هذا على أنه سيعود إلى شرحه مرة أخرى فى ص : ٤٧٩.
وهذا غريب جداً ، لا أدرى كيف وقع لأبى جعفر ، فلعله نسى ، أو أخذه ما يأخذه الناس من التعب
عند هذا الموضع ، ثم عاد إليه فلم يغير ، ثم ابتدأ الكلام فى تفسير بقية الآية ، وترك ما مضى .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ولا تحلوا قاصدين البيت))، وهو خطأ، كما يدل عليه السياق.
والصواب ما أثبته .
(٣) انظر تفسير ((أم يؤم)) فيما سلف ٥ : ٨/٥٥٨: ٤٠٧,
وقوله: ((يممته)) ثلاثى، بفتح الياء والميم الأولى وسكون الثانية: مثل ((ضربت)).
(٤) لم أعرف قائله .
(٥) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٤٦
(٦) انظر ما سلف ٣ : ٤٤ - ٥١

٤٧٢
تفسير سورة المائدة : ٢
= ((ورضواناً))، يقول: وأن يرضى الله عنهم بنسكهم.
...
وقد قيل: إن هذه الآية نزلت فى رجل من بنى ربيعة يقال له: ((اُخُطّمُ)).
• ذكر من قال ذلك :
١٠٩٥٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : أقبل الخطم بن هند البكرى، ثم أحد بنى قيس
ابن ثعلبة، (١) حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وخلّف خيله خارجة من
المدينة . فدعاه ، فقال : إلام تدعو ؟ فأخبره = وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
قال لأصحابه : يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة ، يتكلم بلسان شيطان ! = فلما
أخبره النبى صلى الله عليه وسلم قال: أنظر، ولعلّى أسلم ، (٢) ولى من أشاوره.
فخرج من عنده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لقد دخل بوجه كافر ،
وخرج بعقِب غادرٍ! فَرَّ بسَرْح من سَرْح المدينة فساقه، فانطلق به وهو يرتجز: (٣)
(١) ((الحطم)) لقب، واسمه: ((شريح بن ضبيعة بن شرحبيل بن عمرو بن مرتد بن
سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، من بكر بن وائل)) (جمهرة الأنساب: ٣٠١)،
وهذا ((الحطم))، خرج فى الردة، فى السنة الحادية عشرة، فيمن تبعه من بكر بن وائل ، ومن
تأشب إليه من غير المرتدين من لم يزل كافراً ، فخرج بهم حتى نزل القطيف وهجر ، واستغوى الخط ،
ومن فيها من الزط والسيابجة . وحاصر المسلمين حصاراً شديداً. فتجمع المسلمون جميعاً إلى العلاء
ابن الحضرى، وتجمع المشركون كلهم إلى الخطم . ثم بيتهم المسلمون وقتلوا الحطم ومن معه فى خبر
طويل ( انظر تاريخ الطبرى ٣ : ٢٥٤ - ٢٦٠) .
وقوله هنا: ((الحلم بن هند))، أتى بذكر أمه من الشعر الآتى ، واسم أبيه هو ما مر بك آنفاً،
وهى: ((هند بنت حسان بن عمرو بن مرثد)) (رغبة الآمل ٤ : ٧٥).
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((انظروا لعلى أسلم))، وليس بشىء، والصواب ما أثبت،
ويؤيده كلامه الآتى فى الخبر التالى .
(٣) اختلفوا فى نسبة هذا الشعر اختلافاً كثيراً، فنقل التبريزى فى شرح الحماسة (١: ١٨٥)
خبر رشيد بن رميض المنزى ( بفتح العين، وسكون النون ) من بنى عنز بن وائل ، بلا شك عندى
فى ذلك. قال التبريزى: ((قالها فى غارة الحلم، وهو شريح بن شرحبيل بن عمرو بن مرثد ، أغار
على اليمن ، فقتل وليعة بن معد يكرب ، أخاقيس ، وسبى بنت قيس بن معد يكرب ، أخت الأشعث
ابن قيس ، فبعث الأشعث يعرض عليه فى فدائها ، بكل قرن من قرونها (ضفائرها) مئة من الإبل .
فلم يفعل الخطم، وماتت عنده عطشاً. (وانظر غير ذلك فى الأغانى ١٤ : ٤٤).

٤٧٣
تفسير سورة المائدة : ٢
لَيْسَ بِرَاعِى إِيلٍ وَلاَ غَمْ
قَدْ لَفَّهَا الَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ
بَآتُوا فِيَاماً وَأَبْنُ مِنْدٍلَمْ ◌َ
وَلاَ يِزَّارٍ على ظَهْرِ الوَضَّمْ
خَدَلْجُ السَّاقَيْنِ تَمْسُوحُ القَدَمْ (١)
بَآتَ يُقَسِيهاَ غُلاَمٌ كَالزَّلَمَّ
٣٩/٦
ثم أقبل من عام قابلٍ حاجًّا قد قلَّد وأهدى، فأراد رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يبعث إليه، فنزلت هذه الآية، حتى بلغ: ((ولا آمين البيت الحرام)).
قال له ناس من أصحابه: يا رسول الله، خلِّ بيننا وبينه، فإنه صاحبنا ! قال : إنه
قد قلَّد!قالوا: إنما هو شىء كنا نصنعه فى الجاهلية! فأبى عليهم، فنزلت هذه الآية .
١٠٩٥٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عكرمة قال : قدم الخطم، أخو بنى ضُبيعة بن ثعلبة البکری،
المدينةَ فى عِير له يحمل طعاماً ، فباعه . ثم دخل على النبى صلى الله عليه وسلم
ونسبت أيضاً للأغلب العجلى ، وللأخنس بن شهاب ، ولجابر بن حتى التغلبى . وانظر ذلك فى
تحقيق أستاذنا الراجكوتى، سمط اللآلى: ٧٢٩. وثعل ((الحطم)) أنشده مدحاً لنفسه فيما فعل
من سوق السرح .
(١) البيان والتبين ٢: ٣٠٨، الأغانى ١٤: ٤٤، حماسة أبى تمام ١: ١٨٤، حماسة
ابن الشجرى: ٣٨، الكامل ١ : ٢٢٤ (ونسبه للحطم فى ص : ٢٢٧) ، الخيل لابن الأعرابى
٨٦، واللسان ( حطم) وغيرها ، وقبل هذا الرجز:
• هذا أوانُ الشَّدِّ، فَأَشْتَدِّى زِيَمْ"
و((زيم)) اسم فرس. وقوله: ((حطم)) شديد الحطم، فقالوا: السائق الذى لا يبقى شيئاً
من السير والإسراع ((حطم)). و((الوضم)) ما يوقى به اللحم عند تقطيعه من خشب أو غيره. و((الزلم))
( بفتح الزاى واللام، أو بضم الزاى)، واحد ((الأزلام))، وهى قداح الميسر . يعنى: هو كالقدح
فى صلابته وذحافته وملاسته. و((خدلج الساقين)): ممتلىء الساقين، وهذا غير حسن فى الرجال، وإنما
صواب روايته ما رواه ابن الأعرابي :
مُفَّهَفُ الْكَثْحَيْنِ خَفَاقُ القَدَمْ.
أى ضامر الخصر. و ((خفاق القدم))، لأقدامه خفق متتابع على الأرض من سرعته وهو يحدو
بالإبل. ورواية أبى جعفر ((مموح القدم)): أى ليس لباطن قدمه أخمص، فأسفل قدمه مستو أملس
لين، ليس فيهما تكسر ولا شقاق. وقد جاء فى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مسيح القدمين)).

٤٧٤
تفسير سورة المائدة : ٢
فبايعه وأسلم . فلما ولى خارجاً ، نظر إليه فقال لمن عنده: لقد دخل علىّ بوجه
فاجرٍ ، وولّى بقفا غادرٍ ! فلما قدم اليمامة ارتدَّ عن الإسلام، وخرج فى عير له
تحمل الطعام فى ذى القعدة يريد مكة . فلما سمع به أصحاب رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ، تهيأً للخروج إليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقتطعوه فى عيره، فأنزل
الله عز وجل: ((يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله))، الآية، فانتهى القوم.
= قال ابن جريج قوله: ((ولا آمين البيت الحرام)»، قال: ينهى عن الحجاج
أن تُقطع سبلهم . قال : وذلك أن الحطم قدم على النبى صلى الله عليه وسلم ليرتاد
وينظر ، فقال: إنى داعية قوم، (١) فاعرض علىّ ما تقول. قال له : أدعوك
إلى الله أن تعبده ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصوم شهر
رمضان، وتحج البيت . قال الحطم: فى أمرك هذا غلظة ، أرجع إلى قومى فأذكر
لهم ما ذكرت، فإن قبلوه أقبلتُ معهم، وإن أدبروا كنت معهم . قال له: ارجع .
فلما خرج قال : لقد دخل علىّ بوجه كافرٍ، وخرج من عندى بعقِبی غادر،
وما الرجل بمسلم! فمرَّ على سَرْح لأهل المدينة فانطلق به، فطلبه أصحابُ رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم ففاتهم، وقدم اليمامة ، وحضر الحج ، فجهّز خارجاً ، وكان
عظيم التجارة ، فاستأذنوا أن يتلقَّوه ويأخذوا ما معه، فأنزل الله عز وجل: ((لا
تحلّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام)).
١٠٩٦٠ -حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: (ولا آمين البيت الحرام)) الآية، قال: هذا يوم الفتح، جاء ناسٌ يؤمُّون البيت
من المشركين يُهِلُّون بعمرة، فقال المسلمون: يا رسول اللّه، إنما هؤلاء مشركون كمثل
هؤلاء، (٢) فلن ندعهم إلاّ أن نغير عليهم. فنزل القرآن: ((ولا آمين البيت الحرام)).
١٠٩٦١ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عمى
(١) فى المطبوعة: ((داعية قومى))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهما سواء.
(٢) فى المطبوعة: ((فمثل هؤلاء))، وصواب قراءتها من المخطوطة، كما أثبت.

٤٧٥
تفسير سورة المائدة : ٢
قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((ولا آمين البيت الحرام))،
يقول : من توجّه حاجًّاً .
١٠٩٦٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ،
عن جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((ولا آمين البيت الحرام)»، يعنى: الحاج. (١)
١٠٩٦٣ -حدثنا ابن و کیعقال، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن أبى جعفر
الرازى، عن الربيع بن أنس قال : جلسنا إلى مطرُّف بن الشخّير وعنده رجل ،
فحدثهم فقال: ((ولا آمين البيت الحرام))، قال : الذين يريدون البيت.
ثم اختلف أهل العلم فيما نسخ من هذه الآية ، بعد إجماعهم على أن منها
منسوخاً .
فقال بعضهم : نسخ جميعها .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٩٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن بيان ، عن عامر
قال: لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية: ((لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام
ولا الهدی ولا القلائد » .
١٠٩٦٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هرون ، عن سفيان
ابن حسين ، عن الحكم، عن مجاهد: (( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله))،
نسختها، ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِ كِينَ حَيْثُ وَجَدْ تَمُوهُمْ﴾، [سورة التوبة: ٥].
١٠٩٦٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
(١) الأثر: ١٠٩٦٢ - ((عمرو بن عون بن أوس الواسطى))، مضت ترجمته برقم:
٥٤٣٥، ومضى فى آثار أخرى كثيرة، رواية المفى عنه، عن هشيم فيما سلف، مثل : ٣١٥٩،
٣٨٧٩. وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((عمرو بن عوف))، وهو تحريف. وسيأتى على الصواب قريباً
برقم : ١٠٩٦٩ .

٤٧٦.
تفسير سورة المائدة : ٢
الثورى ، عن بيان ، عن الشعبى قال ، لم ينسخ من سورة المائدة غير هذه الآية :
(( يا أيها الذين آمنوا لا تخلوا شعائر الله)».
١٠٩٦٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: (( لا تحلوا شعائر اللّه ولا الشهر الحرام)) الآية، قال:
منسوخ. قال: كان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا فى الأشهر
الحرم، ولا عند البيت، فنسخها قوله: ﴿فَقْتُلُوا الْمُشْرِ كِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.(١)
١٠٩٦٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية ، عن جويبر ، عن
الضحاك: ((لا تحلوا شعائر الله)) إلى قوله: ((ولا آمين البيت الحرام))، قال:
نسختها (براءة)): ﴿فَقْتُلُوا الْمُشْرِ كِيْنَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾.
١٠٩٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم،
عن الضحاك ، مثله .
٤٠/٦
١٠٩٧٠ -حدثنا ابن حميد وابن و کیع قالا ، حدثنا جرير ، عن منصور،
عن حبيب بن أبى ثابت: ((لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا
القلائد))، قال : هذا شىء نهى عنه، فترك كما هو . (٢)
١٠٩٧١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد
ولا آمين البيت الحرام ))، قال: هذا كله منسوخ، نسخ هذا أمرُه بجهادهم
كافة (٣)
٥٠
٥
: (١) الأثر : ١٠٩٦٧ - هو تمام الأثر السالف رقم: ١٠٩٥٠ وسيأتى برقم : ١٠٩٧٦،
خبراً واحداً، ورواه أبو جعفر النحاس فى الناسخ والمنسوخ : ١١٥.
(٢) الأثر: ١٠٩٧٠ - ((جرير))، هو ((جرير بن عبد الحميد الضبى))، مضى
.
مراراً. وكان فى المطبوعة: ((جويبر))، وهو خطأ فاحش، والصواب من المخطوطة
(٣) يعنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةٌ كَمَاً يُقَاتِلُونَكُمْ كَاَفَّةً)
[ سورة التوبة: ٣٦ ]

٤٧٧
تفسير سورة المائدة : ٢
وقال آخرون: الذى نسخ من هذه الآية قوله: ((ولا الشهر الحرام ولا الهدى
ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ».
• ذكر من قال ذلك :
١٠٩٧٢ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا عبدة بن سلیمان قال ، قرأت على
ابن أبى عروبة فقال: هكذا سمعته من قتادة: نسخ من ((المائدة)): ((آمين البيت
الحرام ))، نسختها ((براءة)) قال الله: ﴿فَقْتُلُوا الْمُشْرِ كِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ،
وقال: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُخْرِكِينَ أَنْ يَعْدُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
بالْكُفْر﴾ [سورة التوبة: ١٧]، وقال: ﴿إِنمَا المُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَ بُوا
المَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [سورة التوبة: ٢٧]، وهو العام الذى حج فيه
أبو بكر ، فنادى فيه بالأذان . (١)
١٠٩٧٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا همام
ابن يحيى، عن قتادة قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله)) الآية،
قال: فنسخ منها: ((آمين البيت الحرام))، نسختها ((براءة))، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، فذكر نحو حديث عبدة.
١٠٩٧٤ -حدثنا محمد بن الحسین قال،حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى قال: نزل فى شأن الخطم: ((ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين
البيت الحرام))، ثم نسخه الله فقال: ﴿واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَقَفْتُمُوهُمْ﴾(٢)
[ سورة البقرة: ١٩١ ].
١٠٩٧٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن
(١) فى المخطوطة: ((فنادى عليه بالأذان)) وفوق ((عليه)) ((فيه)). ويعنى بالأذان، قوله
تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَّ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الناسِ يَوْمَ الحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ
بَرِى مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، [ سورة التوبة: ٢].
(١٢) انظر خبر («الخطم)» فيما سلف رقم: ١٠٩٥٨، ١٠٩٥٩.

٤٧٨
تفسير سورة المائدة : ٢
على، عن ابن عباس قوله: ((لا تحلوا شعائر الله)) إلى قوله: ((ولا آمين البيت))،
[ فكان المؤمنون والمشركون يحجون إلى البيت] جميعاً، فهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحداً
أن يحجّ البيت أو يعرضوا له ، من مؤمن أو كافر ، ثم أنزل الله بعد هذا:
﴿إِنََّا الْمُشْرِكُونَ نَجَنٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، وقال:
﴿مَا كَانَ لِمُشْرِ كِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ
اللّهِ مَّنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالَيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [ سورة التوبة: ١٨]، فنفى المشركين من
المسجد الحرام .(١)
١٠٩٧٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام))، الآية،
قال : منسوخ ، کان الرجل فى الجاهلية إذا خرج من بيته یرید الحج ، تقدَّد من
السَّمُرُ فلم يعرض له أحد . وإذا رجع ، تقلّد قلادة شَعَرٍ فلم يعرض له أحد .
وكان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت. وأمروا أن لا يقاتلوا فى الأشهر الحُرُم ،
ولا عند البيت، فنسخها قوله: ((فاقتلوا المشرکین حیث وجدتموهم)). (٢)
٠٠٠
وقال آخرون : لم ينسخ من ذلك شىء ، إلا القلائد التى كانت فى الجاهلية
يتقلَّدونها من لِحَاء الشجر .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٩٧٧ -حدثنی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر
الحرام ))، الآية ، قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: هذا كله من عمل
الجاهلية فعله وإقامته ، فحرَّم اللّه ذلك كله بالإسلام، إلا لحاء القلائد، فترك
(١) الأثر: ١٠٩٧٥-٠ ما بين القوسين، زيادة من رواية أبى جعفر النحاس فى الناسخ والمنسوخ:
١١٥، حيث روى هذا الأثر بهذا الإسناد نفسه، والكلام بغيرها لا يستقيم.
(٢) الأثر: ١٠٩٧٦ - هو ما جاء فى الأثرين السالفين : ١٠٩٥٠، ١٠٩٦٧.

٤٧٩
تفسير سورة المائدة : ٢
ذلك (١) = ((ولا آمين البيت الحرام))، فحرم الله على كل أحد إخافتهم.
١٠٩٧٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد، مثله .
٥
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصحة، قول من قال : نسخ الله من
هذه الآية قوله: (( ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام)»،
الإجماع الجميع على أن الله قد أحلّ قتال أهل الشرك فى الأشهر الحرم وغيرها من
شهور السنة كلها . وكذلك أجمعوا على أن المشرك لوقَلَّد عنقه أو ذراعيه لحاء جميع
أشجار الحرم ، لم يكن ذلك له أماناً من القتل، إذا لم يكن تقدَّم له عقد ذمة من
المسلمين أو أمان = وقد بينا فيما مضى معنى ((القلائد)) فى غير هذا الموضع (٢).
وأما قوله: ((ولا آمين البيت الحرام ))، فإنه محتمل ظاهره: ولا تحلوا حُرْمة
آمِّين البيت الحرام من أهل الشرك والإسلام، لعمومه جميع من أمَّ البيت . وإذا
احتمل ذلك، فكان أهل الشرك داخلين فى جملتهم ، فلا شك أن قوله :
﴿فَقْتُلُوا الْمُشْرِ كِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، ناسخٌ له. لأنه غير جائز اجتماع الأمر
يقتلهم وترك قتلهم فى حال واحدة ووقت واحد . وفى إجماع الجميع على أن حكم
اللّه فى أهل الحرب من المشركين قتلُهم، أمُّوا البيت الحرام أو البيت المقدس،
فى أشهر الحرم وغيرها = ما يُعلم أن المنع من قتلهم إذا أموا البيت الحرام منسوخٌ.
ومحتمل أيضاً : ولا آمين البيت الحرام من أهل الشرك .
٤١/٦
وأكثر أهل التأويل على ذلك.
وإن كان عنى بذلك المشركون من أهل الحرب، فهو أيضاً لاشك منسوخ .
(١) يعنى فجعلها الله إحلالها حراماً فى الإسلام إلا لحاء القلائد، فإنه قد نسخ.
(٢) انظر ما سلف ص : ٤٦٧ - ٤٧٠

٤٨٠
تغير سورة المائدة : ٢
وإذْ كان ذلك كذلك = وكان لا اختلاف فى ذلك بينهم ظاهر ، وكان
ما كان مستفيضاً فيهم ظاهراً حجةً = فالواجب ، وإن احتمل ذلك معنى غير
الذى قالوا ، التسليمُ لما استفاض بصحته نقلهم. (١)
القول فى تأويل قوله ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبُهِمْ وَرِضْوَّنَا﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((يبتغون))، يطلبون ويلتمسون = و((الفضل))
الأرباح فى التجارة = و((الرضوان))، رضى الله عنهم، فلا يحل بهم من العقوبة.
الدنيا ما أحلَّ بغيرهم من الأمم فى عاجل دنياهم ، بحجّهم بيته. (٢)
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
· ذکر من قال ذلك :
١٠٩٧٩ -حدثنا الحسن بن یحیی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً))، قال : هم
المشركون ، يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دُنياهم .
١٠٩٨٠ -حدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا عبدة بن سلمان قال، قرأت على
ابن أبى عروبة فقال : هكذا سمعته من قتادة فى قوله : « يبتغون فضلاً من ربهم
ورضواناً))، والفضل والرضوان اللذان يبتغون : أن يصلح معايشهم فى الدنيا ، وأن
لا يعجّل لهم العقوبة فيها .
(١) سياق هذه الفقرة: ((وإذ كان ذلك كذلك، وكان لا اختلاف ... فالواجب ...
التسليم لما استفاض بصحته نتلهم »
(٢) مضى تفسير هذه الآية ص ٤٧١، ٤٧٢، كما أسلفت فى التعليق: ١، ص ٤٧١
وانظر تفسير (( الابتغاء)) فيما سلف ٩: ٣١٩، تعليق ٣، والمراجع هناك.
وتفسير ((الفضل)) فيما سلف من فهارس اللغة
وتفسير ((الرضوان)) فيما سلف٦ ٢٦٢.