النص المفهرس

صفحات 421-440

"٤٢١
تفسير سورة النساء : ١٧١
بِرُوِكَ، وَأَقْتَتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْرَا
وَقُلْتُ لَهُ أَرْقَمْهَا إِلَيْكَ ، وَأَحْيِهَاَ
عَلَيْهَا الصَّبَا، وَأَجْعَلْ يَدَيْكَ لَهَاَسِتْرًا
وَظَاهِرْلَهَا مِنْ يَايِسِ الشَّخْتِ ،وَأَسْتَمِنْ
ذَوَابِلَ مِمَّا يَجْمَعُونَ ولا خُضْرَا]
[وَلَمَّا تَنَّمَتْ تَأْكُلُ الرِّمَّ لَمْ تَدَعْ
سَنَاَ البَرْقِ ، أُحْدَثْنَاَ لِخَالِقِهَا شُكْرًا
فَلَمَا جَرَتْ فِى الْجَزْلِ جَرْيًا كَانَهُ.
وقالوا: يعنى بقوله: ((أحيها بروحك))، أى: أحيها بنفخك.
٠٠٠
وقال بعضهم يعنى بقوله: ((وروح منه)) إنه كان إنساناً بإحياء الله له
بقوله: (کن)). قالوا: وإنما معنى قوله: ((وروح منه))، وحياة منه ، بمعنى
إحياء الله إياه بتكوينه .
...
وقال آخرون: (١) معنى قوله: ((وروح منه))، ورحمة منه، كما قال
جل ثناؤه فى موضع آخر: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [سورة المجادلة: ٢٢].
قالوا : ومعناه فى هذا الموضع: ورحمة منه. (٢) قالوا : فجعل الله عيسى رحمة
منه علی من اتبعه وآمن به وصدقه ، لأنه هداهم إلی سبیل الرشاد .
٠ ٠
وقال آخرون : معنى ذلك : وروح من الله خلقها فصورها ، ثم أرسلها إلى
مريم فدخلت فى فيها ، فصيّرها اللّه تعالى روحَ عيسى عليه السلام.
• ذكر من قال ذلك :
١٠٨٥٥ - حدثنى المثى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن
عبد الله بن سعد قال ، أخبرنى أبو جعفر ، عن الربيع، عن أبى العالية ، عن أبىّ
ابن كعب فى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِ آدَمَ مِنْ ظُهُورِ هِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾،
[سورة الأعراف: ١٧٢]، قال: أخذهم فجعلهم أرواحاً ، ثم صوَّرهم، ثم
(١) فى المطبوعة: ((وقال بعضهم))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((قال)) بالإفراد، وأثبت ما فى المخطوطة.

٤٢٢
تفسير سورة النساء : ١٧١
استنطقهم ، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التى أخذ عليها العهد والميثاق ،
فأرسل ذلك الروح إلى مريم ، فدخل فى فيها، فحملت الذى خاطبها ، وهو روح
عیسی علیه السلام .(١)
وقال آخرون: معنى ((الروح)) ههنا، جبريل عليه السلام . قالوا: ومعنى
الكلام : وكلمته ألقاها إلى مريم، وألقاها أيضاً إليها روح من اللّه . قالوا :
فـ ((الروح)) معطوف به على ما فى قوله: ((ألقاها)) من ذكر الله، بمعنى: أنّ إلقاء
الكلمة إلى مريم كان من اللّه ، ثم من جبريل عليه السلام.
...
قال أبو جعفر : ولكل هذه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب .
القول فى تأويل قوله ﴿ فَآَمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَثَةُ
أَتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ ﴾
قال أبو جعفر: یعنی بقوله جل ثناؤه: (( فآمنوا بالله ورسله))، فصد قوا، يا أهل
الكتاب، بوحدانية الله وربوبيته، وأنه لا ولد له، وصدّقوا رسله فيما جاؤوكم به من
عند اللّه، وفيما أخبرتكم به أن اللّه واحد لا شريك له، ولا صاحبة له ، لا ولد له
= ((ولا تقولوا ثلاثة))، يعنى: ولا تقولوا: الأربابُ ثلاثة .
٠
(١) فى المطبوعة: ((فحملت، والذى خاطبها هو روح عيسى ... )) حذف، الواو من آخر
الجملة، وأثبتها فى أولها ، فرددته إلى أصله فى المخطوطة، وهو الصواب . ويعنى قوله تعالى فى سورة
مرج ٢٤: ﴿فَنَدَاهَاَ مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَ نِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا).
وهذا الأثر لم يرد فى تفسير آية الأعراف فى موضعه هناك، وهو أحد الأدلة على اختصار
أبى جعفر تفسيره ، وأحد وجوه منهجه فى الاختصار .

٤٢٣
تفسير سورة النساء : ١٧١
ورفعت ((الثلاثة))، بمحذوف دلّ عليه الظاهر، وهو ((هم)). ومعنى
الكلام: ولا تقولوا هم ثلاثة. وإنما جاز ذلك، لأن (( القول)) حكاية ، والعرب
تفعل ذلك فى الحكاية، ومنه قول اللّه: (سَيَقُولُون ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾،
[سورة الكهف: ٢٢]. وكذلك كل ما ورد من مرفوع بعد ((القول)) لا رافع معه ،
ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم .
٠
٢٦/٦
ثم قال لهم جل ثناؤه: متوعداً لهم فى قولهم العظيم الذى قالوه فى الله: ((انتهوا))،
أيها القائلون: الله ثالث ثلاثة، عما تقولون من الزور والشرك بالله ، فإن الانتهاء عن
ذلك خير لكم من قِيله، لما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم على قيلكم ذلك ،
إن أقمتم عليه ، ولم تُنيبوا إلى الحق الذى أمرتكم بالإنابة إليه = والآجلِ فى
معادكم .(١)
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَّهُ وَحِدٌ سُبْحَتَهُ أَنْ يَكُونَ لهُ
وَلَّهُ لَّهُ مَا فِ السَُّوَّتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَكَفَى بِأَللهِ وَكِيلاً ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((إنما اللّه إله واحد))، ما اللّه، أيها القائلون:
الله ثالث ثلاثة ، کما تقولون ، لأن من کان له ولد ، فليس بإله . و کذلك من
كان له صاحبة، فغير جائز أن يكون إلهاً معبوداً. ولكن الله الذى له الألوهة والعبادة،
إله واحد معبود ، لا ولد له ، ولا والد ، ولا صاحبة ، ولا شريك.
ثم نزّه جل ثناؤه نفسه وعظَّمها ورفعها عما قال فيه أعداؤه الكفرة به فقال:
((سبحانه أن يكون له ولد))، يقول: علا اللّه وجل وعز وتعظّم وتنزَّه عن أن يكون
له ولد أو صاحبة . (٢)
(١) قوله: ((والآجل فى معادكم)) معطوف على قوله: ((من العقاب العاجل لكم ... ))
(٢) انظر تفسير ((سبحان)) فيما سلف ١ : ٤٧٤ - ٤٧٦، ٢/٤٩٥ : ٥٣٧ .

٤٢٤
تفسير سورة النساء : ١٧٢،١٧١
ثم أخبر جل ثناؤه عباده: أن عيسى وأمَّه ومن فى السموات ومن فى الأرض ،
عبيدُه وإماؤه وخلقه، (١) وأنه رازقهم وخالقهم، وأنهم أهل حاجة وفاقة إليه = احتجاجاً
منه بذلك على من ادّعى أن المسيح ابنه ، وأنه لو كان ابنه كما قالوا ، لم يكن
ذا حاجة إليه، ولا كان له عبداً مملوكاً، فقال: (( له ما فى السموات وما فی
الأرض))، يعنى: لله ما فى السموات وما فى الأرض من الأشياء كلها ملكاً
وخلقاً، وهو يرزقهم ويَقُونهم ويدبِّرهم، فكيف يكون المسيح ابناً لله، وهو فى الأرض
أو فى السموات ، غيرُ خارج من أن يكون فى بعض هذه الأماكن ؟
وقوله: ((وكفى بالله وكيلاً))، يقول: وحسب ما فى السموات وما فى الأرض
باللّه قَيِّماً ومدبِّراً ورازقاً ، من الحاجة معه إلى غيره . (٢)
٥
القول فى تأويل قوله ﴿لَّنْ يَسْتَنِكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا
لِلّهِ وَلَا الْمَلَلَكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾
ء
يعنى جل ثناؤه بقوله: ((لن يستنكف المسيح))، لن يأنف ولن يستكبر
المسيح = ((أن يكون عبداً لله))، يعنى: من أن يكون عبداً لله، كما :-
١٠٨٥٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون))، لن
محتشم المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة .
...
(١) فى المطبوعة: ((وملكه وخلقه))، وفى المخطوطة: ((وإماله وخلقه)) فرجحت قراءتها كما
أثبتها .
(٢) انظر تفسير ((الوكيل)) فيما سلف: ص: ٢٩٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٤٢٥
تفسير سورة النساء : ١٧٢
وأما قوله: (( ولا الملائكة المقربون))، فإنه يعنى : ولن يستنكف أيضاً من
الإقرار الله بالعبودة والإذعان له بذلك، رسلُه ((المقربون))، الذين قرَّبهم اللّه ورفع
منازلهم على غيرهم من خلقه .
٥
وروى عن الضحاك أنه كان يقول فى ذلك ، ما : -
١٠٨٥٧ - حدثنى به جعفر بن محمد البزورى قال ، حدثنا يعلى بن عبيد ،
عن الأجلح قال: قلت للضحاك: ما ((المقربون))؟ قال: أقربهم إلى السماء
الثانية . (١)
٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَن يَسْتَنِكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ
فَسَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ هِيماً﴾ (١٣)
قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بذلك : ومن يتعظّم عن عبادة ربه ،
ويأنفْ من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم ، ويستكبر عن ذلك =
(((فسيحشرهم إليه جميعاً))، يقول: فسيبعثهم يوم القيامة جميعاً، فيجمعهم لموعدهم
عنده . (٢)
(١) الأثر: ١٠٨٥٧ - ((جعفر بن محمد البزورى)) لم أجده بهذه النسبة، والذى وجدته
فى تهذيب التهذيب، ممن يروى عن يعلى بن عبيد ((جعفر بن محمد الواسطى الوراق))، نزيل بغداد
مات سنة ٢٦٥، وهو خليق أن يروى عنه أبو جعفر. ثم راجع تاريخ بغداد، فى ((جعفر بن محمد)»
كثرة، ولكن لم أجد بينهم ((البزورى)). وعسى أن تكشف الأسانيد الآتية عن الذى يعنيه أبو جعفر.
و((الأجلح))، هو ((الأجلح بن عبد الله بن حجية الكندى)، ((أبو حجية))، قيل اسمه
((يحي)) و((الأجلح)) لقب. سمع عبد الله بن الهذيل، وابن بريدة والشعبى، وعكرمة. روى
عنه الثورى، وابن المبارك. مترجم فى التهذيب، والكبير ٦٨/٢/١.
(٢) انظر تفسير (الحشر)) فيما سلف٤: ٦/٢٢٨: ٢٢٩.
٠٠٠

٤٢٦
تفسير سورة النساء : ١٧٣
القول فى تأويل قوله ﴿فَأَمَّا الّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصُّلِحُتِ فَيَوَفِيهِمْ
أَجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّنِ فَضْلِهِ وَأَمَّا الّذِينَ أُسْتَنَكُمُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ
فَيُعَذّيُهُمْ عَذَابًا أَلِمَا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّنِ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) )
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بذلك: فأما المؤمنون المقرّون بوحدانية الله،
الخاضعون له بالطاعة، المتذلّلون له بالعبودية، والعاملون الصالحات من الأعمال ،
وذلك :أن يَرِدُوا علىربهم قد آمنوا به وبرسله ،وعملوا بما أتاهم به رسلهمنعندربهم،
من فعل ما أمرهم به، واجتناب ما أمرهم باجتنابه = (فيوفيهم أجورهم))، يقول:
فيؤتيهم جزاءَ أعماله الصالحة وافياً تاماً(١)= ((ویزیدهممن فضله ))، يعنى جل ثناؤه:
ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها، من الفضل
والزيادة ما لم يعرّفهم مبلغه، (٢) ولم يحدّ لهم منتهاه. وذلك أن الله وعد من جاء من
عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشر أمثالها من الثواب والجزاء . فذلك هو أجر
كلِّ عامل على عمله الصالح من أهل الإيمان المحدود مبلغه ، والزيادة على ذلك
تفضّل من اللّه عليهم ، وإن كان كل ذلك من فضله على عباد .. غير أن الذى
وعد عباده المؤمنين أن يُوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة ،
هو ما حدّ مبلغه من العَشْر، والزيادة على ذلك غير محدود مبلغها ، فيزيد من
شاء من خلقه على ذلك قدر ما يشاء ، لا حدّ لقَدْره يوقف عليه.
٢٧/٦
٠٠٠
وقد قال بعضهم : الزيادة إلى سبعمئة ضعف .
وقال آخرون : إلى ألفين .
(١) انظر تفسير ((يوفيهم أجورهم)) فيما سلف ٦: ٧/٤٦٥: ٣٦٤.
(٢) انظر تفسير ((الفضل)) فيما سلف من فهارس اللغة.

٤٢٧
تفسير سورة النساء : ١٧٤،١٧٣
وقد ذكرت اختلاف المختلفين فى ذلك فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته
فى هذا الموضع .(١)
وقوله: ((وأما الذين استنكفوا واستكبروا))، فإنه يعنى: وأما الذين تعظَّموا
عن الإقرار الله بالعبودة، والإذعان له بالطاعة ، واستكبروا عن التذلّل لألوهته
وعبادته، وتسليم الربوبيّة والوحدانية له = ((فيعذبهم عذاباً أيماً ))، يعنى: عذاباً
موجعاً = ((ولا يجدون لهم من دون الله وليًّاً ولا نصيراً))، يقول: ولا يجد المستنكفون
من عبادته والمستكبرون عنها ، إذا عذبهم الله الأليم من عذابه، سوى الله لأنفسهم
وليًّا ينجيهم من عذابه وينقذهم منه = ((ولا نصيراً))، يعنى: ولا ناصراً ينصرهم
فیستنقذهم من ربهم، ويدفع عنهم بقوّته ما أحلّ بهم من نقمته، كالذى كانوا
يفعلون بهم إذا أرادهم غيرهم من أهل الدنيا فى الدنيا بسوء ، من نصرتهم والمدافعة
عنهم . (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيَّ النَّاسُ قَدْجَآ ءَ كُمْ يُرْنٌ مِّن رَّبِّكُمْ
وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ثُورًامُبِيناً﴾
IvE
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من
ربكم))، يا أيها الناس من جميع أصناف الملل ، يهود ها ونصاراها ومشركيها ،
الذين قص جل ثناؤه قَصَصهم فى هذه السورة = ((قد جاءكم برهان من ربكم))،
يقول: قد جاءتكم حجة من اللّه تبرهن لكم بُطُولَ ما أنتم عليه مقيمون من أديانكم
ومالكم، (٣) وهو محمد صلى الله عليه وسلم، الذى جعله الله عليكم حجة قطع بها
(١) انظر ما سلف ٥ : ٥١٢ - ٥١٦ .
(٢) انظر تفسير ((ولى)) و((نصير)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٣) انظر تفسير (البرهان)) فيما سلف ٢ : ٠٠٩ .

٤٢٨
تفسير سورة النساء : ١٧٤
عذركم ، وأبلغ إليكم فى المعذرة بإرساله إليكم ، مع تعريفه إياكم مصحة نبوته ،
وتحقیق رسالته = ((وأنزلنا إلیکمنوراً مبیناً))،يقول: وأنزلنا إليكے معه ((نوراً مبيناً))،
يعنى : يبين لكم المحجَّة الواضحة، والسبل الهادية إلى ما فيه لكم النجاة من عذاب
اللّه وأليم عقابه، إن سلكتموها واسترتم بضوته .(١)
وذلك ((النور المبين))، هو القرآن الذى أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم.
٠
٠٠
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
· ذکر من قال ذلك :
١٠٨٥٨ -حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((برهان من ربكم))،
قال : حجة .
١٠٨٥٩ -حدثی المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد، مثله .
١٠٨٦٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: (( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم))، أى : بينة من
ربكم = ((وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً))، وهو هذا القرآن .
١٠٨٦١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((قد جاءكم برهان من ربكم))، يقول : حجة.
١٠٨٦٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((برهان))، قال: بينة = ((وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً))، قال :
القرآن .
٥
(١) انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف من: ٣٦٠، تعليق: ٥، والمراجع هناك.

٤٢٩
تفسير سورة النساء : ١٧٥
القول فى تأويل قوله ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ
فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَسْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَّطَا مُّسْتَقِيمًا﴾ (١)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: فأما الذين صدَّقُوا اللّه وأقرّ وا
بوحدانيته، وما بعث به محمداً صلى الله عليه وسلم من أهل الملل = ((واعتصموا به))،
يقول: وتمسكوا بالنور المبين الذى أنزله إلى نبيه، (١) كما : -
١٠٨٦٣ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج: ((واعتصموا به))، قال: بالقرآن .
. ..
= ((فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل))، يقول: فسوف تنالهم رحمته التى تنجيهم من
عقابه ، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته ، (٢) ويلحقهم من فضله ما تحِق أهل
الإيمان به والتصديق برسله (٣) = ((ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً))، يقول: ويوفقهم
لإصابة فضله الذى تفضل به على أوليائه ، ويسدِّدهم لسلوك منهج من أنعم عليه
من أهل طاعته ، ولاقتفاء آثارهم واتباع دينهم.، وذلك هو ((الصراط المستقيم))،
وهو دين الله الذى ارتضاه لعباده، وهو الإسلام . (٤)
٠
ونصب ((الصراط المستقيم)) على القطع من ((الهاء)) التى فى قوله: ((إليه)). (٥) ٢٨/٦
#
٥
(١) انظر تفسير ((الاعتصام)) فيما سلف ٧: ٦٢، ٩/٧٠: ٣٤١
(٢) قوله: ((وجنته)) ليست فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((ما ألحق أهل الإيمان))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) انظر تفسير ((الصراط المستقيم)) فيما سلف ١: ١٧٠ - ٣/١٧٧: ١٤٠،
٦/١٤١ : ٨/٤٤١ : ٥٢٩
(٥) ((القطع)) الحال، أو ياب منه، انظر ما سلف من فهارس المصطلحات.

٤٣٠
تفسير سورة النساء : ١٧٦
القول فى تأويل قوله ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِكُمْ فِ الْكَالَةِ
إِنٍ أَمْرُؤْاْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَاتَرَكَ﴾
یعنی تعالى ذكره بقوله: (( يستفتونك ))، يسألونك،یا محمد، أن تفتیهم فى
الكلالة . (١)
٥٠٠
وقد بينا معنى: (( الكلالة)) فيما مضى بالشواهد الدالة على صحته ، وقد ذ کرنا
اختلاف المختلفين فيه، فأغنى ذلك عن إعادته، وبينا أن ((الكلالة)) عندنا: ما عدا
الولد والوالد .(٢)
#
= ((إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك))، يعنى بقوله :
((إن امرؤ هلك))، إن إنسان من الناس مات، (٣) كما :-
١٠٨٦٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((إن امرؤ هلك))، يقول : مات .
= ((ليس له ولد)) ذكر ولا أنثى= ((وله أخت))، يعنى: ولميت أخت لأبيه
وأمه، أو لأبيه = ((فلها نصف ما ترك))، يقول: فلأخته التى تركها بعده بالصفة
التى وَصَفنا ، نصف تركته ميراثاً عنه ، دون سائر عصبته . وما بقى فلعصبته .
٠ ٥٠
وذكر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّهم شأن الكلالة ، فأنزل
الله تبارك وتعالى فيها هذه الآية .
(١) انظر تفسير ((يستفتى)) فيما سلف ص: ٢٥٣
(٢) انظر ما سلف فى ((الكلالة)) ٨: ٥٣ - ٦١.
(٣) انظر تفسير ((المرء)) فيما سلف ٢ : ٤٤٦.

٤٣١
تفسير سورة النساء : ١٧٦
· ذکر من قال ذلك :
١٠٨٦٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: (( يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة))، فسألوا عنها نبيَّ اللّه، فأنزل
الله فى ذلك القرآن: ((إن امرؤ هلك ليس له ولد))، فقرأ حتى بلغ: ((والله بكل
شىء عليم)). قال: وذكر لنا أنّ أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال فى خطبته:
ألا إنّ الآية التى أنزل الله فى أول ((سورة النساء)) فى شأن الفرائض، أنزلها الله فى
الولد والوالد. والآية الثانية أنزلها فى الزوج والزوجة والإخوة من الأم . والآية التى
ختم بها(سورة النساء))، أنزلها فى الإخوة والأخوات من الأب والأم. والآية التى ختم
بها ((سورة الأنفال))، أنزلها فى أولى الأرحام ، بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله مما
جرَّت الرحيم من العَصّبة.(١)
١٠٨٦٦ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير، عن الشيبانى ، عن عمرو
ابن مرة ، عن سعيد بن المسيب قال: سأل عمر بن الخطاب النبيَّ صلى الله عليه
وسلم عن الكلالة، فقال: أليس قد بيَّن اللّه ذلك؟ قال: فنزلت: ((يستفتونك
قل اللّه يفتيكم فى الكلالة)).(٢)
١٠٨٦٧ - حدثنا مؤمل بن هشام أبو هشام قال، حدثنا إسمعيل بن إبراهيم،
عن هشام الدستوائى قال ، حدثنا أبو الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال : اشتكيت
وعندى تسع أخوات لى = أو: سبْع، أنا أشكَ (٣) = فدخل علىّالنبيّ صلى الله عليه وسلم
فنفخ فى وجهى ، فأفقت وقلت : يا رسول الله، ألا أوصى لأخواتى بالثلثين ؟ (٤) قال:
أحسن! قلت : الشطر؟ قال: أحسن ! ثم خرج وتركنى، ثم رجع إلىّ فقال :
(١) الأثر: ١٠٨٦٥ - هذا الأثر رواه البيهقى فى السنن ٦: ٣١، وذكره ابن كثير
فى التفسير ٢: ٤٢، والدر المنثور ٢: ٢٥١.
(٢) الأثر: ١٠٨٦٦ - ذكره ابن كثير فى تفسير ٢: ٤٢، ولم ينسبه لغير ابن جرير.
(٣) فى المطبوعة: ((أبو جعفر الذى يشك))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) فى المطبوعة: ((بالثلث))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الموافق لرواية البيهقى، أما
رواية أبى داود فى سننه ، فهى التى أثبتت فى المطبوعة .

٤٣٢
تفسير سورة النساء : ١٧٦
يا جابر، إنى لا أُرَاك ميتاً من وجعك هذا، (١) وإن الله قدأنزل فى الذى لأخواتك
فجعل لهن الثلثين. قال: فكان جابر يقول: أنزلت هذه الآية فىّ: ((يستفتونك
قل الله يفتيكم فى الكلالة)). (٢)
١٠٨٦٨ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبى عدى ، عن هشام
= يعنى الدستوائى = عن أبى الزبير ، عن جابر ، عن النبى صلى الله عليه
وسلم مثله. (٣)
١٠٨٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن المنكدر ،
عن جابر بن عبد الله قال: مرضت، فأتانى النبى صلى اللّه عليه وسلم يعودُفى
هو وأبو بكر وهما ماشيان، فوجدونى قد أغمى علىّ، (٤) فتوضأ رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم، ثم صبَّ علىّ من وضوئه، فأفقت فقلت: يا رسول الله، كيف أقضى فى
مالى = أو: كيف أصنع فى مالى؟ وكان له تسع أخوات، ولم یکن له والد ولا ولد.
(١) ((لا أراك)) بالبناء للمجهول (بضم الهمزة) : أى لا أظنك .
(٢) الأثر: ١٠٨٦٧ - ((مؤمل بن هشام اليشكرى))، هو ((أبو هشام)). روى عن
إسماعيل بن علية، وكان صهره . روى عنه البخارى وأبو داود والنسائى وغيرهم. مترجم فى التهذيب.
و ((إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدى)) هو ((ابن علية)) سلف مراراً كثيرة و((أبو الزبير))
المكى، هو: ((محمد بن مسلم بن تدرس الأسدى))، مضى برقم: ٢٠٢٩، ٣٥٨١، ٨٢٠٥.
وهذا الأثر رواه أبو داود فى السنن ٣ : ١٦٤ من طريق كثير بن هشام ، عن هشام
الدستوائى بلفظه .
ورواه البيهقى فى السنن ٦ : ٢٣١ من طرق، مطولا مختصراً .
ورواه أبو داود الطيالسى فى مسنده: ٢٤٠، مختصراً وفيه ((الثلثين)) كما فى مخطوطة الطبرى.
وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٥٠، وزاد نسبته لابن سعد والنسائى.
(٣) الأثر: ١٠٨٦٨ - هو مكرر الأثر السالف، من طريق ابن أبى عدى ،
عن هشام .
وهذا الخبر رواه الواحدى فى أسباب النزول : ١٣٩، وساق لفظه، مع اختلاف يسير
عن لفظ الأثر السالف .
(٤) قوله: ((فوجدونى)) هكذا ثبت فى المطبوعة والمخطوطة، وهى فى ألفاظ أخر ((فوجدنى)).
والذى فى المخطوطة والمطبوعة صواب ، لأنه يعنى أبا بكر ورسول الله، ومن كان معهما، أو من كان
فى البيت. ولو حمله على الجمع وهو مثنى ، لكان له وجه فى العربية .

٤٣٣
تفسير سورة النساء : ١٧٦
قال : فلم يجبنى شيئاً حتى نزلت آية الميراث: ((يستفتونك قل اللّه يفتيكم فى
الكلالة )) إلى آخر السورة = قال ابن المنكدر : قال جابر : إنما أنزلت هذه
الآية فىّ . (١)
٠
وكان بعض أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: إن هذه الآية هى
آخر آية نزلت من القرآن .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٨٧٠ -حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا
الحسين بن واقد ، عن أبى إسحق ، عن البراء بن عازب قال : سمعته يقول : إن
آخر آية نزلت من القرآن: ((يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة)».(٢)
(١) الأثر: ١٠٨٦٩ - خبر ((محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله))، روى
من طرق كثيرة ، مضى من طريق شعبة، عن محمد بن المنكدر ، مختصراً برقم: ٨٧٣٠ ، ثم من
طريق ابن جريح ، عن محمد بن المنكدر رقم : ٨٧٣١، بغير هذا اللفظ ، مختصراً ، وانظر
تخريجهما هناك. أما هذا ، فرواه البخارى (الفتح ١٢ : ٢) بمثله ، مع خلاف يسير فى لفظه،
وقد بين الحافظ ابن حجر فى شرحه ، ما فيه من الاختلاف .
ورواه مسلم من طرق كثيرة ، منها طريق سفيان، فى صحيحه ١١ : ٥٤ - ٥٦ .
ورواه أبو داود فى سننه ٣ : ١٦٤ من طريق أحمد بن حنبل ، عن سفيان .
ورواه الترمذى فى السنن (فى كتاب التفسير)، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح ، رواه
غير واحد، عن محمد بن المنكدر)». ثم ساقه من طريق ((الفضل بن صباح البغدادى ، عن سفيان
ابن عيينة، عن محمد بن المنكدر))، ثم قال: ((وفى حديث الفضل بن صباح كلام أكثر من هذا)) .
وحديث الفضل بن صباح، رواه الترمذى قبل ذلك فى (كتاب الفرائض) مطولا، وقال: (( هذا
حديث صحيح)) .
ورواه البيهقى فى السنن ٦: ٢٢٣، ٢٢٤، ثم قال البيهقى: ((وجابر بن عبد الله الذى
نزلت فيه آية الكلالة ، لم يكن له ولد ولا والد، لأن أباه قتل يوم أحد . وهذه الآية نزلت بعده )).
وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢: ٤١، والسيوطى فى الدر ٢: ٢٤٩، وزاد نسبته لابن سعد .
وابن ماجة ، وابن المنذر .
(٢) الأثر: ١٠٨٧٠ - يأتى برقم: ١٠٨٧١، ١٠٨٧٣، من طريق أبي إسحق،
من البراء .
ج ٩ (٢٨)

٤٣٤
تفسير سورة النساء : ١٧٦
١٠٨٧١ -حدثنا ابنوکیعقال،حدثنا أبى، عن ابنأبىخالد، عن أبى إسمق،
عن البراء قال: آخر آية نزلت من القرآن: ((يستفتونك قل اللّه يفتيكم فى الكلالة)).(١)
١٠٨٧٢ - حدثنا محمد بن خلف قال ، حدثنا عبد الصمد بن النعمان
قال، حدثنا مالك بن مغول ، عن أبى السفر ، عن البراء قال : آخر آية نزلت
من القرآن: ((يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة)).(٢)
٢٩/٦
١٠٨٧٣ - حدثنا هرون بن إسحق الهمدانى قال ، حدثنا مصعب بن المقدام
قال ، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحق ، عن البراء قال : آخر سورة نزلت كاملة
((براءة))، وآخر آية، نزلت خاتمة ((سورة النساء)): ((يستفتونك قل اللّه يفتيكم فى
الكلالة )) . (٣)
(١) الأثر: ١٠٨٧١ - رواه مسلم فى صحيحه ١١: ٥٨ عن على بن خشرم، عن وكيع،
بمثله . ثم ساقه من طرق أخرى ، عن أبى إسحق عن البراء .
والبيتى فى السنن ٦ : ٢٢٤.
(٢) الأثر: ١٠٨٧٢ - ((محمد بن خلف بن عمار العسقلانى))، شيخ الطبرى، مضى
برقم : ١٢٦ ، ٦٥٣٤.
و ((عبد الصمد بن النعمان البزاز)). ترجم له ابن أبى حاتم ٥١/١/٣، ٥٢ وقال ،
(( سئل أبى عنه فقال: صالح الحديث صدوق )).
و ((مالك بن مغول))، ثقة، مضى برقم : ٥٤٣١.
و((أبو السفر)) هو: ((سعيد بن يحمد الثورى)) أو (سعيد بن أحمد))، مضى برقم : ٣٠١٠.
والخبر رواه مسلم١١: ٥٩ من طريق عمرو الناقد، عن أبى أحمد الزبيرى، عن مالك بن مغول .
ورواه الترمذى فى كتاب التفسير ، من طريق عبد بن حميد ، عن أبى نعيم ، عن مالك بن مغول ،
وقال: ((هذا حديث حسن)».
(٣) الأثر: ١٠٨٧٣ - مكرر الأثرين السالفين: ١٠٨٧٠، ١٠٨٧١.
((هرون بن إسحق الهمدانى)» شيخ الطبرى، مضى برقم: ٣٠٠١.
و((مصعب بن المقدام الخلعى))، مضى برقم: ١٢٩١، ٣٠٠١.
وهذا الأثر من طريق إسرائيل، عن أبى إمحق، رواه البخارى فى صصيحه (الفتح ١٢: ٢٢).
وفى المخطوطة هنا ((خاتم سورة البقرة))، والصواب ما فى المطبوعة.

٤٣٥
تفسير سورة النساء : ١٧٦
واختلف فى المكان الذى نزلت فيه الآية .
فقال جابر بن عبد الله: نزلت فى المدينة . وقد ذكرت الرواية بذلك عنه فيما
مضى ، بعضها فى أول السورة عند فاتحة آية المواريث ، وبعضها فى مبتدإ الأخبار
عن السبب الذى نزلت فيه هذه الآية . (١)
٠٠٠
وقال آخرون : بل أنزلت فى مسير كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه .
· ذکر من قال ذلك :
١٠٨٧٤ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا محمد بن حميد ، عن معمر ، عن
أيوب، عن ابن سيرين قال: نزلت: (( يستفتونك قل اللّه يفتيكم فى الكلالة))،
والنبىّ فى مسير له ، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلَّغها النبى صلى الله عليه وسلم
حُذيفة، وبلغها حذيفة عمربن الخطاب وهو يسير خلفه . فلما استُخلف عمر
سأل عنها حذيفة، ورجا أن يكون عنده تفسيرها ، فقال له حذيفة: والله إنك لعاجز
إن ظننت أن إمارتك تحملنى أن أحد ثُك فيها بما لم أحدّثُك يومئذ! فقال عمر :
لم أرد هذا، رحمك الله!
١٠٨٧٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين بنحوه - إلا أنه قال فى حديثه : فقال له
حذيفة : والله إنك لأحمق إن ظننتَ.
١٠٨٧٦ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا
ابن عون ، عن محمد بن سيرين قال : كانوا فى مسير ، ورأسُ راحلة حذيفة
عند رِدْف راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، (٢) ورأس راحلة عمر عند رِدْف
(١) يعنى ما سلف رقم: ٨٧٣٠، ٨٧٣١، ثم ما سلف قريباً من: ١٠٨٦٧ -
١٠٨٦٩ ٠
(٢) ((ردف الراحلة)): كفل الدابة.

٤٣٦
تفسير سورة النساء : ١٧٦
راحلة حذيفة. قال: ونزلت: ((يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة ))، فلقًّاها رسول
الله صلى الله عليه وسلم حذيفة، فلقّاها حذيفة عمر. فلما كان بعد ذلك ، سأل
عمرُ عنها حذيفةَ فقال: والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقّانيها رسول الله
فلقَّيْتُكها كما لقَّانيها، (١) والله لا أزيدك عليها شيئاً أبداً! قال : وكان عمر
يقول: اللهم مَن كنتَ بيّنتها له، (٢) فإنها لم تُبَيِّن لى. (٣)
٠ ٠٠
واختلف عن عمر فى الكلالة ، فرویعنه أنه قال فيها عند وفاته: « هو من
( لا ولد له ولا والد)». وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك فيما مضى فى أول هذه السورة
فى آية الميراث . (٤)
٠ ٠
(١) فى المطبوعة: ((فلقنتكها)) من ((التلقين))، وهو صواب فى المعنى، ولكن السياق يقتضى
ما أثبته من المخطوطة، وهى فيها منقوطة. و((لقاه الآية)): علمه الآية، ولقنه إياها .
(٢) فى المطبوعة وابن كثير ((إن كنت))، وأثبت ما فى المخطوطة والدر المنثور، وهى صواب
محض ، وانظرها كذلك فى الأثر الآتى رقم : ١٠٨٩٢.
(٣) الآثار: ١٠٨٧٤ - ١٠٨٧٦، ذكر الأثر الأخير منها ابن كثير فى تفسيره
٣: ٤٤، ثم قال: ((كذا رواه ابن جرير، ورواه أيضاً عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق،
عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، كذلك بنحوه . وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة .
وقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار فى مسنده : حدثنا يوسف بن حماد المعنى ، ومحمد
ابن مرزوق، قالا، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ،
عن أبى عبيدة بن حذيفة، عن أبيه قال: نزلت آية الكلالة ... )) وساق الخبر ، ثم قال :
((قال البزار : وهذا الحديث لا نعلم أحداً رواه إلا حذيفة ، ولا نعلم له طريقاً عن حذيفة إلا هذا
الطريق، ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى)). قال ابن كثير: ((وكذا رواه ابن مردويه)).
وخرجه الهيشى فى مجمع الزوائد ٧ : ١٣، وقال: ((رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح،
غير أبى عبيدة بن حذيفة ، ووثقه ابن حبان)).
وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٥٠ قال: ((أخرج العدنى والبزار فى مسنديهما،
وأبو الشيخ فى الفرائض ، بسند صحيح عن حذيفة)» ثم ذكر الخبر .
وعاد فخرجه فى ٢: ٢٥١، ونسبه لابن جرير، وعبد الرزاق ، وابن المنذر ، عن ابن سيرين ،
منقطعاً .
(٤) انظر رقم : ٨٧٤٥ - ٨٧٤٨، ٨٧٦٧

٤٣٧
تفسير سورة النساء : ١٧٦
وروى عنه أنه قال قبل وفاته : هو ما خلا الأب .(١)
• ذكر من قال ذلك :
١٠٨٧٧ - حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا شبابة قال ، حدثنا شعبة ،
عن قتادة ، عن سالم بن أبى الجعد ، عن معدان بن أبى طلحة اليعمرى قال ،
قال عمر بن الخطاب: ما أغلظ لى رسول الله صلى الله عليه وسلم = أو : ما
نازعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شىء ما نازعته فى آية الكلالة ، حتى
ضرب صَدرى وقال: يكفيك منها آية الصيف التى أنزلت فى آخر «سورة النساء)): (٢)
((يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة))، وسأقضى فيها بقضاء يعلمه من يقرأ ومن
لا يقرأ ، هو ما خلا الأب - كذا أحسب قال ابن عرفة = قال شبابة: الشك من
شعبة . (٣)
٠ ٥
وروىعنه أنه قال : «إنی لاستحیی أن أخالف فیه أبا بكر)) ، وكان أبو بكر
يقول: ((هو ما خلا الولد والوالد)). وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه فيما مضى فى أول
السورة . (٤)
٠ ٠ ٠
وروى عنه أنه قال عند وفاته: ((قد كنت كتبت فى الكلالة كتاباً ،
(١) انظر رقم : ٨٧٤٥ - ٨٧٤٨ ، ٨٧٦٧ .
(٢) قوله: ((التى أنزلت فى آخر سورة النساء)) غير ثابت فى المخطوطة، وهو ثابت فى
روايات الحديث التى ستأتى فى التخريج .
(٣) الأثر: ١٠٨٧٧ - خبر سالم بن أبي الجعد ، عن معدان ، عن عمر سيرويه
أبو جعفر من أربع طرق أخرى فيما سيأتى من رقم : ١٠٨٨٤ - ١٠٨٨٧ .
وروى هذا الخبر من طريق شبابة بن سوار ، عن شعبة، عن قتادة، مسلم فى صحيحه ١١ :
٥٧، إشارة .
ورواه البيهقى فى السنن ٦: ٢٢٤ بلفظه، وقال: ((رواه مسلم عن زهير بن حرب)).
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٥١، ولم ينسبه لغير ابن جرير ، فقصر فى نسبته .
وانظر تخريج الآثار التالية التى أشرت إليها .
(٤) انظر ما سلف قم : ٨٧٤٥ - ٨٧٤٩.

٤٣٨
تفسير سورة النساء : ١٧٦
وكنت أستخير الله فيه، وقد رأيت أن أترككم على ما كنتم عليه)) ، وأنه كان
بتمنی فی حیاته أن یکون له بها علم .
. ذکر الرواية عنه بذلك :
١٠٨٧٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن حميد المعمرى ، عن
معمر ، عن الزهرى ، عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب كتب فى
الجدّ والكلالة كتاباً، فمكث يستخير الله فيه يقول: ((اللهم إن علمت فيه خيراً
غامضه )) ، حتى إذا طُعِن، دعا بکتاب فَمُحی ، (١)فلم يدر أحدٌ ما کتب فيه،
فقال: ((إنى كنت كتبت فى الجدّ والكلالة كتاباً ، وكنت أستخير الله فيه ،
فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه)) .(٢)
١٠٨٧٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
٣٠/٦ معمر، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، بنحوه. (٢)
١٠٨٨٠ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبی ، عن سفيان قال ، حدثنا
عمرو بن مرة ، عن مرة الهمدانى قال ، قال عمر : ثلاث لأن يكون النبى صلى
اللّه عليه وسلم بيَّهن لنا، أحبُّ إلىّ من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة ،
وأبواب الربا . (٣).
(١) فى المطبوعة: ((بالكتاب فحى))؛ بالتعريف، وهو كذلك فى الدر المنثور، وأثبت
ما فى المخطوطة ، وهو موافق لرواية ابن كثير فى تفسيره .
(٢) الأثر: ١٠٨٧٨ - ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣: ٤٥ عن هذا الموضع من التفسير،
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٥٠، ونسبه لعبد الرزاق، ولم ينسبه لابن جرير، وقد
رواه الطبرى بنحوه فى الأثر التالى : ١٠٨٧٩.
(٣) الأثر: ١٠٨٨٠ - رواه أبو داود الطيالسى من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة."
مع اختلاف يسير فى لفظه ، مطولا .
ورواه البيبقى فى السنن من طريق أبي داود الطيالسى ٦ : ٢٢٥.
ورواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٣٠٤ من طريق سفيان ، عن عمرو بن مرة ، بلفظ الطبرى،
وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي.
وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٤٥، ولم ينسبه لغير الحاكم .

٤٣٩
تفسير سورة النساء : ١٧٦
١٠٨٨١ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثام قال ، حدثنا الأعمش
قال : سمعتهم يذكرون ، ولا أرى إبراهيم إلاّ فيهم ، عن عمر قال: لأن أكون
أعلم الكلالة، أحبُّ إلىّ من أن يكون لى مثل جزية قصور الروم . (١)
١٠٨٨٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام قال ، حدثنا الأعمش ،
عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : أخذ عمر كتفاً وجمع أصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لأقضين فى الكلالة قضاءً تحدّثُ به النساء
فى خدورهن! فخرجت حينئذ حيَّة من البيت ، فتفرَّقوا، فقال: لو أراد الله
أن يتم هذا الأمر لأتمَّه .(٢)
١٠٨٨٣ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا
أبو حيان قال ، حدثنى الشعبى ، عن ابن عمر قال : سمعت عمر بن الخطاب
يخطب على منبر المدينة، فقال: أيها الناس، ثلاثٌ وددت أن رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم لم يفارقِنا حتى يعهد إلينا فيهن عهداً يُنتهى إليه : الجدّ ، والكلالة ،
وأبواب الربا . (٣)
وخرجه السيوطى فى الدر ٢: ٢٥١، ٢٥٢، وزاد نسبته لعبد الرزاق، والعدفى، وابن ماجه ،
والساجى .
وقوله: ((أبواب الربا))، أى: وجوه الربا وطرقه، وهذا اللفظ ليس فيما ذكرت من المراجع ،
فيها جميعاً ((والربا)). وانظر الأثر الآتى: ١٠٨٨٣، والتعليق عليه.
(١) الأثر: ١٠٨٨١ - خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٥١، ولم ينسبه لغير
ابن جرير، وفيه ((قصور الشام))، وهما سواء فى المعنى، ولكن العجب أنه نقله عن هذا الموضع
من التفسير، وكتب مكان ((الروم)) ((الشأم)).
(٢) الأثر ٠ ١٠٨٨٢ - رواه البيهقى فى السنن ٦: ٢٤٥، من طريق جرير عن الأعمش.
مع اختلاف فى لفظه
وذكره ابن كثير فى تفسير ٣: ٤٤، ٤٥، ثم قال: ((وهذا إسناد صحيح)).
وخرجه السيوطى ٢: ٢٥٠، ولم ينسبه لغير ابن جرير .
وفى المخطوطة: ((النساء فى خدورها))، وهما سواء.
(٣) الأثر: ١٠٨٨٣ - ((أبو حيان)) هو: ((يحيى بن سعيد التيمى))، مضى برقم:
٥٣٨٢، ٥٣٨٣، ٦٣١٨، ٨١٥٥ .

٤٤٠
تفسير سورة النساء : ١٧٦
١٠٨٨٤ -حدثی یعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبى عروبة،
عن قتادة ، عن سالم بن أبى الجعد، عن معدان بن أبى طلحة: أن عمر بن الخطاب
قال: ما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شىء أكثر مما سألت عن الكلالة،
حتى طَعَن بإصبعه فى صدرى وقال : تكفيك آية الصيف التى فى آخر «سورة
النساء)) .(١)
١٠٨٨٥ - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهری قال، حدثنا عبد الله بن بکر.
السهمى ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سالم بن أبى الجعد ، عن معدان ، عن
عمر قال : لن أدع شيئاً أمےّ عندی من أمر الكلالة ، فما أغلظ لى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فى شىء ما أغلظ لى فيها، حتى طعن بإصبعه فى صدرى = أو قال:
فى جنبى = فقال: تكفيك الآية التى أنزلت فى آخر ((النساء)).(٢)
وهذا الخبر رواه البخارى مطولا ( الفتح ١٠: ٣٩ - ٤٣) من طريق يحيى بن سعيد القطان
عن أبى حيان التيمى .
ورواه مسلم فى صحيحه ١٨: ١٦٥ من أربع طرق، من طريق على بن مسهر، عن أبى حيان ،
ومن طريق ابن إدريس عن أبى حيان ، ومن طريق ابن علية عن أبي حيان ، ومن طريق عيسى
ابن يونس عن أبي حيان .
ورواه البيبى فى السنن ٦: ٨/٢٤٥: ٢٨٩.
وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٤٩، وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وابن المنذر.
وفى جميع المراجع: ((وأبواب من أبواب الربا)»، وانظر شرح ذلك فى التعليق على الأثر :
٠١٠٨٨٠
(١) الأثر: ١٠٨٨٤ - خبر سالم بن أبي الجعد، عن معدان، مضى برقم : ١٠٨٧٧
من طريق شعبة عن قتادة. وأشار إليه مسلم فى صحيحه ١١: ٥٧ من طريق ابن علية عن سعيد بن أبى
عروبة ، عن قتادة .
ورواه أحمد فى المسند رقم: ٣٤١ من طريق محمد بن جعفر، عن سعيد بن أبى عروبة، عن
قتادة مطولا .
ورواه أيضاً مطولا رقم : ٨٩ من طريق عفان ، عن همام بن يحيى ، عن قتادة ..
ورواه مختصراً رقم: ١٧٩ من طريق إسماعيل، عن سعيد بن أبى عروبة .
وخرجه ابن كثير فى تفسيره ٢ : ٢٤١ من هذه الأخيرة من مسند أحمد ، ولم يذكر شيئاً عن
الطرق الأخرى، بل قال: ((هكذا رواه مختصراً، وأخرجه مسلم مطولا أكثر من هذا))، مع أن
أحمد أخرجه فى مواضع مطولا كما ترى، وكما سيأتى فى التعليق على رقم : ١٠٨٨٧.
(٢) الأثر: ١٠٨٨٥ - ((إبراهيم بن سعيد الجوهرى))، شيخ الطبرى، ثقة، مضى