النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
تفسير سورة النساء : ١٤٠
وفى هذه الآية ، الدلالة الواضحة على النهى عن مجالسة أهل الباطل من كل
نوع ، من المبتدعة والفسقة ، عند خوضهم فى باطلهم .
٥٠ ٠
وبنحو ذلك كان جماعة من الأئمة الماضين يقولون، (١) تأوّلاً منهم هذه الآية
أنه مرادٌ بها النهى عن مشاهدة كل باطل عند خوض أهله فيه .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧٠٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا يزيد بن هرون ،
عن العوام بن حوشب ، عن إبراهيم التيمى ، عن أبى وائل ، قال : إن الرجل
ليتكلم بالكلمة فى المجلس من الكذب ليُضحك بها جلساءَه ، فيسخط الله عليهم.
قال : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعى ، فقال : صدق أبو وائل ، أو ليس ذلك
فى كتاب الله: ((أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى
يخوضوا فی حدیث غيره إنكم إذاً مثلهم )» ؟
١٠٧٠٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
إدريس ، عن العلاء بن المنهال، عن هشام بن عروة قال: أخذ عمر بن عبد العزيز
قوماً على شرابٍ فضربهم، وفيهم صائم، فقالوا: إنّ هذا صائم! فتلا: ((فلا
تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذاً مثلُهم )) .
١٠٧١٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: (( أن إذا سمعتم آيات
اللّه يكفربها ويستهزأ بها))، وقوله: ﴿وَلاَ تَقَّبِعُوا السُُّلَ فَتَغَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾،
[سورة الأنعام: ١٥٣]، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [سورة الشورى: ١٣]،
ونحو هذا من القرآن . قال : أمر الله المؤمنين بالجماعة ، ونهاهم عن الاختلاف
(١) فى المطبوعة: ((كان جماعة من الأمة الماضية))، والصواب من المخطوطة.
ج ٩ (٢١)

٣٢٢
تفسير سورة النساء : ١٤٠
والفرقة ، وأخبرهم : إنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات فى دين الله.
٥
وقوله: ((إن اللّه جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعاً))، يقول: إن اللّه
جامع الفريقين من أهل الكفر والنفاق فى القيامة فى النار ، فموفّق بينهم فى عقابه
فى جهنم وأليم عذابه ، كما اتفقوا فى الدنيا فاجتمعوا على عداوة المؤمنين ، وتوَازرُوا
على التخذيل عن دين الله = وعن الذى ارتضاهُ وأمر به = وأهلِه.(١)
. .
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((وقد نزل عليكم فى الكتاب)).
فقرأ ذلك عامة القرأة بضم ((النون)) وتثقيل ((الزاى)) وتشديدها، على وجْه ما لم
يُسَمَّ فاعله .
*
#
وقرأ بعض الكوفيين بفتح ((النون)) وتشديد ((الزاى))، على معنى: وقد نَزَّل
الله علیکم.
وقرأ بعض المکیین: (وَقَدْ نَزَلَ عَلیكم) بفتح( النون ))،وتخفيف(( الزاى))،
بمعنى : وقد جاءكم من اللّه أن إذا سمعتم.
٠٠٠
قال أبو جعفر : وليس فى هذه القراآت الثلاث وجه يبعد معناه مما يحتمله
الكلام. غير أن الذى أختارُ القراءة به، قراءة من قرأ: ﴿ وَقَدْ نُزِّلَ) بضم ((النون))
وتشديد ((الزاى))، على وجه ما لم يسم فاعله . لأن معنى الكلام فيه التقديم على
ما وصفت قبل، (٢) على معنى: ((الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ))
= ((وقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفربها)) إلى قوله: ((حديث
غيره)) = ((أيبتغون عندهم العزة)). فقوله: ((فإن العزة لله جميعاً))، يعنى التأخير،
(١) قوله: ((وأهله)) مجرور معطوف على قوله ((عن دين الله)) والسياق: ((عن دين الله ...
وعن أهله » .
(٢) انظر ما سلف ص: ٣٢٠ وتعليق: ١.

٣٢٣
تفسير سورة النساء : ١٤١،١٤٠
قلذلك كان ضم ((النون)) من قوله: ((نزّل)) أصوب عندنا فى هذا الموضع.
٠٠٠
٢١٣/٥
و کذلك اختلفوا فى قراءة قوله(١): « والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب
أ
الذی أنزل من قبل )) .
فقرأه بفتح (نَزْلَ﴾ و﴿ أَنْزَلَ) أكثر القرأة، بمعنى: والكتاب الذى
نَزَّل الله على رسوله ، والكتاب الذى أنزل من قبل .
٠ ٠٠
وقرأ ذلك بعض قرأة البصرة بضمه فى الحرفين كليهما، (٢) بمعنى ما لم يسم
فاعله .
وهما متقاربتا المعنى . غير أن الفتح فى ذلك أعجبُ إلىّ من الضم، لأن ذكر
الله قد جرى قبل ذلك فى قوله: ((آمنوا بالله ورسوله)).
٥
٥
القول فى تأويل قوله ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنِ كَانَ لَكُمْ
فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ مَعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكُفِرِينَ نَصِيبٌ
قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَتَمْتَشْكُمْ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَلْهُ يَحْكُمُ
◌َيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَّئَةِ وَلَنْ يَحْمَلَ اللهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((الذين يتربصون بكم)) ،الذين ينتظرون،
أيها المؤمنون، (٣) بكم = ((فإن كان لكم فتح من اللّه))، يعنى: فإن فتح الله
(١) فى المطبوعة: ((وكذا اختلفوا))، وأثبت ما فى المخطوطة. وذكر هذه القراءة، كان
ينبغى أن يكون فى موضعه عند آخر تفسير الآية، كما جرى عليه منهجه فى كل ما سلف. وانظر ص : ٣١٣
تعليق : ١ .
(٢) فى المطبوعة: ((كلاهما))، والصواب فى المخطوطة.
(٣) انظر تفسير ((التربص)) فيما سلف ٤: ٤٥٦، ٥/٥١٥ : ٧٩.

٣٢٤
تفسير سورة النساء : ١٤١
عليكم فتحاً من عدوكم، فأفاء عليكم فَيْئاً من المغانم = ((قالوا)) لكم = ((ألم نكن
معكم ))، نجاهد عدوّكم ونغزوهم معكم ، فأعطونا نصيباً من الغنيمة، فإنا قد
شهدنا القتال معكم = ((وإن كان للكافرين نصیب )) ،يعنى: وإن كان لأعدائكم من
الكافرين حظّ منكم، بإصابتهم منكم (١) = ((قالوا))، (٢) يعنى: قال هؤلاء المنافقون
للكافرين = ((ألم نستحوذ عليكم))، ألم نغلب عليكم حتى قهرتم المؤمنين = ((ونمنعكم))
منهم، بتخذيلنا إياهم، حتى امتنعوا منكم فانصرفوا = ((فالله يحكم بينكم يوم القيامة))،
يعنى : فاللّه يحكم بين المؤمنين والمنافقين يوم القيامة ، فيفصل بينكم بالقضاء
الفاصل، (٣) بإدخال أهل الإيمان جنّته ، وأهل النفاق مع أوليائهم من الكفار
ناره = ((ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً))، يعنى: حجة يوم القيامة. (٤)
وذلك وعدٌ من الله المؤمنين أنه لن يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة ، ولا
المؤمنين مدخَل المنافقين ، فيكون بذلك للكافرين على المؤمنين حجة بأن يقولوا
لهم، إن أدخلوا مدخلهم: ها أنتم كنتم فى الدنيا أعداءنا، وكان المنافقون أولياءنا،
وقد اجتمعتم فى النار ، فجمع بينكم وبين أوليائنا ! فأين الذى كنتم تزعمون أنكم
تقاتلوننا من أجله فى الدنيا؟ فذلك هو (( السبيل)) الذى وعد الله المؤمنين أن لا يجعله!
عليهم للكافرين .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧١١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((فإن كان لكم فتح من اللّه)). قال: المنافقون يتربّصون
بالمسلمين = ((فإن كان لكم فتح ))، قال : إن أصاب المسلمون من عدوهم غنيمة
(١) انظر تفسير ((نصيب)) فيما سلف ص ٢١٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة وحدها: ((وقالوا ألم نكن معكم))، وهو سهو من الناشر الأول.
(٣) انظر تفسير (الحكم)) فيما سلف ص : ١٧٥.
(٤) انظر تفسير ((السبيل)) فيما سلف من فهارس اللغة.

٢٥ ٢
تفسير سورة النساء: ١٤١
قال المنافقون: (( ألم تكن معكم))، قد كنا معكم فأعطونا غنيمة مثل ما تأخذون =
(((وإن كان للكافرين نصيب))، يصيبونه من المسلمين، قال المنافقون للكافرين:
((ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين))، قد كنا نثبطهم عنكم .
٠٠
واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((ألم نستحوذ عليكم)).
فقال بعضهم : معناه : ألم نغلب عليكم .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧١٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى فى قوله: ((ألم نستحوذ عليكم))، قال: تغلب عليكم .
٠٠
٠
وقال آخرون : معنى ذلك : ألم نبيِّن لكم أنّا معكم على ما أنتم عليه .
* ذكر من قال ذلك :
١٠٧١٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((ألم نستحوذ عليكم))، ألم نبين لكم أنّا معكم على ما أنتم عليه .
قال أبو جعفر : وهذان القولان متقاربا المعنى . وذلك أن من تأوله بمعنى :
((ألم نبين لكم))، إنما أراد - إن شاء الله -: ألم نغلب عليكم بما كان منا من
البيان لكم أنا معكم .
٠ ٥
وأصل (( الاستحواذ)) فى كلام العرب ، فيما بلغنا ، الغلبة، ومنه قول الله جل
ثناؤه: ﴿أُسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ﴾، [سورة المجادلة: ١٩]،
بمعنى: غلب عليهم. يقال منه: ((حاذ عليه واستحاذ، يحيذ ويستحيذ، وأحاذ(١)
(١) قوله: ((أحاذ يحيذ))، لم أجده فى معاجم الغة، وهو صحيح فى العربية، وقالوا مكانه:
((أحوذ ثوبه) إذا ضمه، وجاءوا ببيت لبيد الآتى شاهداً عليه. وانظر ما سيأتى بعد بيت لبيد .

٣٢٦
تفسير سورة النساء : ١٤١
يحيذ)). ومن لغة من قال: ((حاذ))، قول العجاج فى صفة ثور وكلب:
• يَحُوذُهُنَّ وَلَهُ حُوذِىّ*(١)
وقد أنشد بعضهم :
• يَجُوزُهُنَّ وَلَهُ حُوزِىُّ.(٢)
وهما متقاربا المعنى. ومن لغة من قال (أحاذ))، قول لبيد فى صفة عَيْرٍ وأتُنٍ: (٣)
إِذَا أُجْتَمَعَتْ وَأَحْوَذَ جَانِبَيْهَ وَأَوْرَدَها عَلَى مُوجِ طِوَالِ ()
٢١٤/٥
يعنى بقوله: ((وأحوذ جانبيها))، غلبها وقهرَها حتى حاذ كلا جانبيها ، فلم
يشذّ منها شىء.
وكان القياس فى قوله: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) أن يأتى: ((استحاذعليهم))،
لأن (الواو)) إذا كانت عين الفعل وكانت متحركة بالفتح وما قبلها ساكن ، جعلت
العرب حركتها فى ((فاء)) الفعل قبلها، وحوَّلوها ((ألفاً))، متبعة حركة ما قبلها،
كقولهم: ((استحال هذا الشىء عما كان عليه))، من ((حال يحول)) = و((استنار
(١) ديوانه: ٧١، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٤١، واللسان (حوذ) (حوز)،
ورواية الديوان :
يَحُوذُها وَهْوَ لَهَا حُوذِىُّ خَوْفَ الْخِلَاطِ فَهْوَ أَجْنَبِىُّ
كَمَا يَحُوذُ الفِئَةَ الكَمِىُّ
وفسروا («يحوذها)): يسوقها سوقاً شديداً، ومثله ((يحوزها)) فى الرواية الآتية.
(٢) انظر اللسان ( حوذ) و (حوز).
(٣) ((الغير)) حمار الوحش، و((الأتن)) جمع ((أتان))، وهى أنثاه.
(٤) ديوانه: القصيدة: ١٧، البيت: ٣٩، واللسان (حوذ)، وقوله: ((إذا اجتمعت))
يعنى إناث حمار الوحش حين دعاها إلى الماء ، فضمها من جانبيها ، يأتيها من هذا الجانب مرة ،
ومن هذا مرة حتى غلبها ولم شتاتها، و((الموج الطوال)) قوائمه، وبعد البيت:
رَفَعْنَ سُرَادِقًاً فى يَوْمِ رِيحٍ يُصَفَّقُ بين مَّيْلٍ واعْتِدَالٍ
يعنى غبارها، ارتفع كأنه سرادق تصفقه الريح وتميله مرة هكذا ومرة هكذا ، فهو يميل ويعتدل .

٣٢٧
تفسير سورة النساء : ١٤١
فلان بنور الله))، من ((النور)) = و((استعاذ بالله)) من ((عاذ يعوذ)). وربما تركوا
ذلك على أصله كما قال لبيد: ((وأحوذ))، ولم يقل ((وأحاذ))، وبهذه اللغة جاء القرآن
فى قوله: ﴿أُسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾.
...
وأما قوله : (( فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين
سبيلاً))، فلا خلاف بينهم فى أن معناه : ولن يجعل اللّه للكافرين يومئذ على
المؤمنين سبيلاً .
• ذكر الخبر عمن قال ذلك :
١٠٧١٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الأعمش ، عن ذَرّ،
عن يُسَيْع الحضرمى قال : كنت عند على بن أبى طالب رضوان الله عليه ، فقال
رجل: يا أمير المؤمنين، أرأيت قول الله: ((ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين
سبيلاً))، وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون؟ قال له علىّ: ادْنُه، ادْنُهْ! ثم قال:
((فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً))، يوم
القيامة .
١٠٧١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى، عن الأعمش، عن ذَرّ، عن يسيع الكندى فى قوله: (( ولن يجعل اللّه للكافرين
على المؤمنين سبيلاً))، قال : جاء رجل إلى على بن أبى طالب فقال : كيف هذه
الآية: ((ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً))؟ فقال على: ادْنُهْ،
((فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله))، يوم القيامة، ((للكافرين على
المؤمنين سبيلاً)).
١٠٧١٦ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان ،
عن الأعمش ، عن ذر ، عن يُسيع الحضرى، عن على بنحوه .
١٠٧١٧ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا غندر ، عن شعبة قال : سمعت

٣٢٨
تفسير سورة النساء : ١٤١
سليمان يحدّث، عن ذر ، عن رجل ، عن علىّ رضى الله عنه أنه قال فى هذه
الآية: ((ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً))، قال: فى الآخرة.(١)
١٠٧١٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن
السدى، عن أبى مالك: (( ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً))، يوم
القيامة .
١٠٧١٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عطاء الخراسانى، عن ابن عباس: ((ولن يجعل الله الكافرين
على المؤمنين سبيلاً ))، قال : ذاك يوم القيامة .
٠
٠ ٠
وأما ((السبيل))، فى هذا الموضع، فالحجة، (٢) كما :-
١٠٧٢٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى فى قوله: ((ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين
سبيلاً))، قال: حجةً.
(١) الآثار: ١٠٧١٤ - ١٠٧١٧ - ((ذر)) (بفتح الذال) هو: «ذر بن عبد الله
المرهبى)) ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. مضى برقم : ٢٩١٨.
و ((يسع بن معدان الحضرى، والكندى))، تابعى ثقة. مضى برقم: ٢٩١٨. وكان فى
المطبوعة هنا: ((نسيع)) بالنون ، وهو خطأ صرف .
(٢) انظر تفسير ((السبيل)) فيما سلف قريباً من: ٣٢٤، تعليق: ٤، والمراجع هناك.

٣٢٩
تفسير سورة النساء : ١٤٢
القول فى تأويل قوله ﴿إِنْ الْمُنَّفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللهَ وَهُوَ
◌َدِعُهُمْ وَإِذَا قَمُوْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَمُواْ كُسَالَىْ يُرَّاءُونَ النَّاسَ
وَلَا يَذْ كُرُونَ اللهَ إِلَّ قَلِيلًا﴾
١٤٢
قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى قبل على معنى ((خداع المنافق ربه ))،
ووجه ((خداع اللّه إياهم))، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع، مع اختلاف
المختلفين فى ذلك .(١)
٠
فتأويل ذلك : إنّ المنافقين يخادعون الله، بإحرازهم بنفاقهم دماءهم وأموالهم،
والله خادعهم بما حكم فيهم من منع دمائهم بما أظهروا بألسنتهم من الإيمان،
مع علمه بباطن ضمائرهم واعتقادهم الكفر ، استدراجاً منه لهم فى الدنيا ، حتى يلقوه
فى الآخرة ، فیوردهم بما استبطنوا من الكفر نار جهنم ، كما : -
١٠٧٢١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ))، قال :
يعطيهم يوم القيامة نوراً يمشون به مع المسلمين كما كانوا معهم فى الدنيا ، ثم يسلبهم
ذلك النور فيطفئه ، فيقومون فى ظلمتهم ، ويُضرب بينهم بالسُّور .
١٠٧٢٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج: ((إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم))، قال: نزلت
فى عبد الله بن أبىّ، وأبى عامر بن النعمان، (٢) وفى المنافقين = ((يخادعون
اللّه وهو خادعهم))، قال: مثل قوله فى ((البقرة)): ﴿يُخَدِعُونَ اللهَ
٢١٥/٥
(١) انظر ما سلف ١: ٢٧٢ - ٢٧٧، ثم: ٣٠١ - ٣٠٦، تضميناً.
(٢) ((أبو عامر بن النعمان))، هكذا هو فى المخطوطة والمطبوعة، وأظنه قد أسقط الناسخ
من اسمه ما أنا مثبته، فإن المذكور مع عبد الله بن أبى بن سلول فى المنافقين هو: ((أبو عامر
عبد عمرو بن صيفى بن النعمان، أحد بنى ضبيعة بن زيد، وهو الذى يقال له ((أبو عامر الراهب))،

٣٣٠
تفسير سورة النساء : ١٤٢
وَالَّذِينَ آمُنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ [سورة البقرة: ٩]. (١) قال: وأما قوله:
(((وهو خادعهم))، فيقول: فى النور الذى يعطى المنافقون مع المؤمنين ، فيعطون
النور، فإذا بلغوا السور سُلب، وما ذكر اللّه من قوله (٢): (أُنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ
[سورة الحديد: ١٣]. قال قوله: ((وهو خادعهم)).
نُورِکےُ﴾
١٠٧٢٣ -حدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا یزید بن هرون ، عن سفيان بن
حسين، عن الحسن: أنه كان إذا قرأ: ((إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ))،
قال: يُلقَى على كل مؤمن ومنافق نورٌ يمشونَ به، حتى إذا انتهوا إلى الصراط
طَفِئْ نورُ المنافقين، ومضى المؤمنون بنورهم، فينادونهم: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ
نُورِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتْتُ أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة الحديد: ١٣
قال الحسن: (٣) فذلك خديعة اللّه إياهم. (٤)
٠
وأما قوله: ((وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس))، فإنه يعنى :
أن المنافقين لا يعملون شيئاً من الأعمال التى فرضها الله على المؤمنين على وجه التقرُّب
بها إلى اللّه، لأنهم غير موقنين بمعاد ولا ثواب ولا عقاب، وإنما يعملون ما عملوا
وهو أبو ((حنظلة الغسيل)) يوم أحد. وكان أبو عامر قد ترهب فى الجاهلية ولبس المسوح، وكان
فى قومه من الأوس شريفاً مطاعاً. فلما جاء الله بالإسلام، أبى إلا الكفر والفراق لقومه الأوس ،
فخرج مفارقاً للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: ((لا تقولوا: الراهب،
ولكن قولوا: الفاسق)). انظر سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٤، ٢٣٥.
هذا، ولم أجد أحداً غيره فى المنافقين أو غيرهم يقال له: ((أبو عامر بن النعمان)»، فثبت
عندى أن ما قلته هو الصواب .
(١) فى المطبوعة: (( وما يخادعون إلا أنفسهم))، وهى إحدى قراءتين، وأثبت قراءتنا فى
مصحفنا ، وهى أيضاً القراءة التى أوجب لها الصحة أبو جعفر فيما سلف ١ : ٢٧٧ .
(٢) فى المخطوطة: ((وما ذكر منه أنظرونا نقتبس من نوركم))، وهو ناقص، والذى فى
المطبوعة مقارب الصواب .
(٣) فى المطبوعة: ((فتلك خديمة الله))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب.
(٤) الأثر: ١٠٧٢٣ - ((سفيان بن حسين بن الحسن الواسطى))، مضى برقم: ٣٤٧١،
٣٨٧٩ ، ٦٤٦٢ ٠

٣٣١
تفسير سورة النساء : ١٤٢
من الأعمال الظاهرة إبقاءً على أنفسهم، (١) وحذاراً من المؤمنين عليها أن يُقتلوا أو
يُسلبوا أموالهم. فهم إذا قاموا إلى الصلاة التى هى من الفرائض الظاهرة ، قاموا
كسالى إليها ، رياءً للمؤمنين ليحسبوهم منهم وليسوا منهم، لأنهم غير معتقدى
فرضها ووجوبها عليهم ، فهم فى قيامهم إليها كسالى ، (٢) كما : -
١٠٧٢٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى))، قال: والله لولا الناسُ
ما صَلَّى المنافق، ولا يصلّى إلا رياء وسُمْعة.
١٠٧٢٥ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن
زيد فى قوله: ((وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس))، قال : هم
المنافقون ، لولا الرياء ما صلُّوا .
...
وأما قوله: ((ولا يذكرون الله إلا قليلاً))، فلعل قائلاً أن يقول : وهل من
ذكر اللّه شىء قليل ؟ .
قيل له: إن معنى ذلك = بخلاف ما ذهبت =: ولا يذكرون الله إلا ذكر رياء، (٣)
ليدفعوا به عن أنفسهم القتل والسباء وسلبَ الأموال، لا ذكر موقن مصدّق بتوحيد
اللّه، مخلص له الربوبية. فلذلك سماه الله ((قليلاً))، لأنه غير مقصود به اللّه ،
ولامبتغی به التقرب إلى الله ، ولا مرادٌ به ثوابالله وما عنده. فھو، وإن کثر ،من
وجه نَصَب عامله وذاكره ، (٤) فى معنى السراب الذى له ظاهرٌ بغير حقيقة ماء .
٥
(١) فى المطبوعة: ((بقاء على أنفسهم))، والصواب ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((الرياء)) فيما سلفه: ٥٢١، ٨/٥٢٢: ٣٥٦.
(٣) فى المطبوعة: ((إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معناه: ولا يذكرون الله
إلا ذكراً رياء)»، وأثبت ما فى المخطوطة، فإنه صواب، وقوله: ((بخلاف ما ذهبت )» اعتراض
فى الكلام ، وضعته بين خطين .
(٤) ((النصب)) (بفتحتين): التعب .
٦٠٩٠

تفسير سورة النساء : ١٤٣، ١٤٣
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧٢٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة ، عن أبى الأشهب
قال: قرأ الحسن: ((ولا يذكرون الله إلا قليلاً))، قال: إنما قلَّ لأنه كان
لغير الله .
١٠٧٢٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((ولا يذكرون الله إلا قليلاً))، قال: إنما قلّ ذكر المنافق، لأن اللّه
لم يقبله. وكل ما رَدَّ اللّه قليل، وكل ما قبلَ اللّه كثير.
القول فى تأويل قوله ﴿ مُّذَيْذَبِنَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآَ إِلَى عَنَّلاَءِ
وَلَآَ إِلَى هَنَوَّلَاء وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((مذبذبين)»، مردّدين .
٠
٠٠
وأصل ((التذبذب))، التحرك والاضطراب، كما قال النابغة:
أَلم تَرَأَنَّ الله أَعْطَكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ(١)
وإنما عنى الله بذلك : أن المنافقين متحيِّرون فى دينهم ، لا يرجعون إلى
اعتقاد شىء على صحة، فهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة،
ولكنهم حيارَى بين ذلك ، فمثلهم المثلُ الذى ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، الذى : -
(١) مضى البيت وتخريجه وشرحه، فى ١ : ١٠٥.

٣٣٣
تفسير سورة النساء : ١٤٣
١٠٧٢٨ -حدثنا به محمد بن المثی قال ،حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا
عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَثَلُ
المنافق كمثل الشّاة العائرة بين الغنمين، تَعِير إلى هذه مرة ، وإلى هذه مرة ،
لا تدری أُبَّهُما تتْبع !
١٠٧٢٩ - وحدثنا به محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب ، فَوقفه على ٢١٦/٥
ابن عمر ، ولم يرفعه قال ، حدثنا عبد الوهاب مرتين كذلك .(١)
١٠٧٣٠ - حدثی عمران بن بکار قال، حدثنا أبو روح قال ، حدثنا ابن
عياش قال ، حدثنا عبيد اللّه بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم مثله.(٢)
٥
(١) الأثران: ١٠٧٢٨، ١٠٧٢٩ - إسناده صحيح.
((عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقف)» ثقة . مضى مراراً كثيرة .
((عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم)) ثقة، مضى مراراً .
وهذا الأثر رواه مسلم ١٧ : ١٢٨، من طريق محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفى،
بلفظه، إلا أنه لم يذكر فيه: ((لا تدرى أيهما تتبع)).
ورواه أيضاً من طريق محمد بن عبد الله بن نمير ، عن أبيه ، عن عبيد الله .
ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة ، عن أبى أسامة ، عن عبد الله .
ورواه أحمد فى المسند: ٥٠٧٩، من طريق إسحق بن يوسف، عن عبيد الله، مع اختلاف
يسير فى لفظه .
ورواه أيضاً فى المسند : ٥٧٩٠، من طريق محمد بن عبيد، عن عبيد الله، بمثل لفظ
أبى جعفر .
ورواه بمعناه فى المسند ، الآثار رقم : ٤٧٢ ، ٥٣٥٩، ٥٥٤٦ ، ٥٦١٠.
واستوفى تخريجه أخى السيد أحمد فى شرح المسند ، وزاد فى تخريجه الحافظ ابن كثير فى تفسيره
٢ : ٦١١، فراجعه هناك .
وكان فى المطبوعة: ((لا تدرى أيتهما تتبع))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق لرواية
أحمد فى المسند .
((الشاة العائرة)): هى المترددة بين قطيمين لا تدرى أيهما تتبع. من قولهم: ((عار الفرس
والكلب وغيرهما يعير عياراً))، ذهب كأنه منفلت من صاحبه ، فهو يتردد هنا وهنا .
وقوله: ((تمير إلى هذه مرة))، أى: تذهب فى ترددها إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة .
(٢) الأثر: ١٠٧٣٠ - مكرر الأثرين السالفين. ((عمران بن بكار الكلامى)» شيخ

٣٣٤
تفسير سورة النساء : ١٤٣
وبنحو الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧٣١ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء))،
يقول : ليسوا بمشركين فيظهروا الشرك ، وليسوا بمؤمنين .
١٠٧٣٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
« مذبذبین بین ذلك لا إلی هؤلاء ولا إلی هؤلاء»، یقول: ليسوا بمؤمنین مخلصین، ولا
مشركين مصرّحين بالشرك. قال: وذُكر لنا أن نىّ اللّه عليه السلام كان يضرب مثلا
للمؤمن والمنافق والكافر ، كمثل رَهْط ثلاثة دفعوا إلى نهر ، فوقع المؤمن فقَطْع،
ثم وقع المنافق حتىإذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: أن هلم إلىّ، فإنىّ أخشى
علیك! وناداه المؤمن: أن هلم إلى ،فإن عندی وعندی! يحصى له ما عنده . فما زال
المنافق يتردّد بينهما حتى أتى عليه آذِىٌّ فغرَّقه. (١) وإن المنافق لم يزل فى شك وشبهة،
حتى أتى عليه الموت وهو كذلك. قال: وذكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه
وسلم كان يقول: مثل المنافق كمثل ثاغِيَة بين غنمين، (٢) رأت غَئماً على نَشَزٍ
الطبرى ، ثقة ، مضى برقم : ٢٠٧١، وروى عنه الطبرى فى مواضع كثيرة سالفة .
و ((أبو روح)) هو: ((الربيع بن روح الحمصى))، أبو روح الحضرى ثقة. مضى برقم:
٨١٦٤
و ((ابن عياش)): هو: ((إسماعيل بن عياش الحمصى))، مضى برقم ٨١٦٤،٥٤٤٥.
وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((ابن عباس))، وهو خطأ.
وطريق ابن عياش، عن عبيد الله، مرفوعاً، أشار إليها الحافظ ابن كثير فى تفسيره ٢ : ٦١١ .
(١) فى المطبوعة: ((حتى أتى عليه الماء فغرقه))، وفى المخطوطة: ((حتى أتى عليه أذى يفرقه))،
وصواب ذلك كله ما أثبت .
((الآذى)): الموج الشديد. وقال ابن شميل: ((آذى الماء))، الأطباق التى تراها ترفعها من
متته الريح ، دون الموج .
(٢) ((الثانية)): الشاة. ((ثنت الشاة تشغو ثناء)): صاحت.

٣٣٥
تفسير سورة النساء : ١٤٣
فأنتها فلم تعرف، (١) ثم رأت غنماً على نَشَزٍ فأنتها وشامَّتها فلم تعرف. (٢)
١٠٧٣٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((مذبذبين))، قال : المنافقون .
١٠٧٣٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء »،
يقول : لا إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولا إلى هؤلاء اليهود.
١٠٧٣٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج، قوله: ((مذبذبين بين ذلك)) ، قال: لم يخلصوا الإيمان فيكونوا
مع المؤمنين ، وليسوا مع أهل الشرك .
١٠٧٣٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((مذبذبين بين ذلك))، بين الإسلام والكفر = ((لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء)).
#
وأما قوله: ((ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً))، فإنه يعنى : من يخذُله
الله عن طريق الرشاد، وذلك هو الإسلام الذى دعا الله إليه عباده. يقول : من
يخذله اللّه عنه فلم يوفقه له = ((فلن تجد له))، يا محمد = (سبيلاً)، يعنى: طريقاً
يسلكه إلى الحق غيره . وأىّ سبيل يكون له إلى الحق غير الإسلام؟ وقد أخبر الله
جل ثناؤه: أنه من يبتغ غيره ديناً فلن يُقبل منه ، ومن أضله اللّه عنه فقد غَوَى
فلا هادي له غيره . (٣)
(١) ((النشر)): المتن المرتفع من الأرض أو الوادى، كأنه رابية.
(٢) ((شامتها)): دنت إليها وشمتها لتعرف أهى أخواتها أم غيرها. ومنه قيل ((شائمت فلاناً))
إذا قاربته، ابتغاء أن تعرف ما عنده بالاختبار والكشف. وهو ((مفاعلة)) من ((الثم)).
(٣) انظر تفسير: ((الضلال))، و((السبيل)) فيما سلف من فهارس اللغة.

٢٣٦
تفسير سورة النساء : ١٤٤
القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيُّاَ الَّذِينَ ،امْنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
اُلْكَفْرِينَ أَوْلِيَآء مِن دُونِ الْمُؤْمِنَ أَثُرِيدُونَ أَن ◌َجْعَلُواْ لِهِ عَلَيْكُمْ
سُلْطَنا مِيناً ) )
قال أبو جعفر: وهذا نهى من الله عباده المؤمنين أن يتخلّقوا بأخلاق المنافقين،
الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فيكونوا مثلهم فى ركوب ما نهاهم
عنه من موالاة أعدائه .
يقول لهم جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا توالوا الكفَّار فتؤازروهم
من دون أهل ملَّتكم ودينكم من المؤمنين ، فتكونوا كمن أوجبت له النار من المنافقين .
ثم قال جل ثناؤه : متوعداً من اتخذ منهم الكافرين أولياء من دون المؤمنين،
إن هو لم يرتدع عن موالاته، وينزجر عن مُخَالَّته (١)= أن يلحقه بأهل ولايتهم
من المنافقين الذين أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتبشيرهم بأن لهم عذاباً أليماً -:
((أتريدون))، أيها المتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ممن قد آمن بي وبرسولى=
((أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً))، يقول: حجة، (٢) باتخاذ كم الكافرين أولياء من
دون المؤمنين ، فتستوجبوا منه ما استوجبه أهلُ النفاق الذين وصف لكم صفتهم ،
وأخبركم بمحلّهم عنده = ((مبيناً))، (٣) يعنى: يبين عن صحتها وحقيقتها. (٤) يقول:
لا تعرَّضوا لغضب اللّه، بإيجابكم الحجة على أنفسكم فى تقدمكم على ما نها كم
ربكم من موالاة أعدائه وأهل الكفر به .
(١) السياق: ((ثم قال جل ثناؤه متوعداً ... أن يلحقه ... ))
(٢) انظر تفسير ((سلطان)) فيما سلف ٧ : ٢٧٩.
(٣) انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف ص ٢٢٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) فى المطبوعة: ((عن محتها وحقيتها))، والصواب من المخطوطة. وكأن الناشر كان

٣٣٧
تفسير سورة النساء : ١٤٤، ١٤٥
وبمثل الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٢١٧/٥
١٠٧٣٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون
أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً))، قال: إن الله السلطان على خلقه، ولكنه
يقول : عذراً مبيناً .
١٠٧٣٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال ، حدثنا سفيان ،
عن رجل، عن عكرمة قال: ما كان فى القرآن من ((سلطان))، فهو حجّة.
١٠٧٣٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((سلطاناً مبيناً))، قال: حُجَّة .
١٠٧٤٠ - حدثنى المثى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .(١)
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ الْمُشْفِقِينَ فِىِ الدَّرْكِ اْأَسْقَلِ مِنَ
النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((إن المنافقين فى الدرك الأسفل من
النار ))، إن المنافقين فى الطِّبَق الأسفل من أطباق جهنم .
يستنكر أن تكون ((الحقيقة)) بمعنى أنها حق !! ولكنها صواب بلا شك، ومن أجل هذا كان الناشر
يضع مكان ((حقيقتها)) ((حقيتها)) فى كثير من المواضع، أشرت إليها فيما سلف من التعليقات.
وانظر ما سيأتى ص : ٣٦٠، تعليق : ٤ .
(١) هذه الآثار فى بيان معنى ((السلطان)»، هنا، دالة على أن أبا جعفر كان يختصر تفسيره،
فإن تفسير ((سلطان)) بمعنى ((حجة)) قد سلف ٧: ٢٧٩، فلم يأت كعادته بالأخبار الدالة على
تفسيره كذلك هناك .
ج ٩ (٢٢)

٣٣٨
تفسير سورة النساء : ١٤٥
وكل طبق من أطباق جهنم: ((درك)). وفيه لغتان، ((دَرَك))، بفتح((الراء))
و((دَرْك)) بتسكينها. فمن فتح ((الراء))، جمعه فى القلة ((أدْرَاك))، وإن شاء جمعه
فى الكثرة ((الدروك)). ومن سكن ((الراء)) قال: ((ثلاثة أدرُك))، وللكثير ((الدروك)).
...
وقد اختلفت القرأة فى قراءة ذلك :
فقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة ﴿فى الدَّرَكِ) بفتح ((الراء)).
. ..
وقرأته عامة قرأة الكوفة بتسكين ((الراء)).
. ..
قال أبو جعفر : وهما قراءتان معروفتان ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ،
لاتفاق معنى ذلك ، واستفاضة القراءة بكل واحدة منهما فى قرأة الإسلام . غير
أنى رأيت أهل العلم بالعربية يذكرون أن فتح ((الراء)) منه فى العرب ، أشهر من
تسكينها. وحكوا سماعاً منهم: ((أعطنى در كاً أصل به حبلى))، (١) وذلك إذا
سأل ما يصل به حَبْله الذى قد عجز عن بلوغ الركيَّة.(٢)
...
وبنحو الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧٤١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن سلمة
ابن كهيل، عن خيثمة، عن عبد اللّه: ((إن المنافقين فى الدرك الأسفل من
النار))، قال: فى توابيت من حديد مُبْهَمَة عليهم. (٣)
١٠٧٤٢ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير ، عن شعبة،
،٠
(١) هذه مقالة أبى عبيدة فى حجاز القرآن ١: ١٤٢. وعجيب من أبى جعفر أن يستدل
بهذا، ويجعله أشهر فى كلام العرب، فإن ((الدرك)) هنا بمعنى: الحبل، لأنه يدرك به قعر البئر،
وهو عن معنى ((الدرك))، وهو الطبق ، بمعزل !!
(٢) ((الركية)»: البئر.
(٣) ((مهمة)): مصمتة مغلقة، لا يتدى لمكان فتحها، أو إلى مخرج منها.

٣٣٩
تفسير سورة النساء : ١٤٥
عن سلمة ، عن خيثمة ، عن عبد اللّه قال : إن المنافقين فى توابيت من حديد
مقفلةٍ عليهم فى النار .
١٠٧٤٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ،
عن عاصم، عن ذكوان ، عن أبى هريرة: ((إن المنافقين فى الدرك الأسفل من
النار))، قال : فى توابيت تُرْتَجُ عليهم . (١)
١٠٧٤٤ -حدثنا ابن المثی قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله : ((إن المنافقين
فى الدرك الأسفل من النار)) ، يعنى : فى أسفل النار .
١٠٧٤٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال لى عبد اللّه بن كثير قوله: ((فى الدرك الأسفل من النار »،
قال : سمعنا أن جهنم أدْراك ، منازل . (٢)
١٠٧٤٦ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد اللّه: ((إن المنافقين فى الدرك الأسفل
من النار))، قال ، توابيت من نار تُطْبَقُ عليهم .
وأما قوله: ((ولن تجد لهم نصيراً))، فإنه يعنى: ولن تجد لهؤلاء المنافقين ،
يا محمد، من اللّه = إذا جعلهم فى الدرك الأسفل من النار = ناصراً ينصرهم منه ،
فينقذهم من عذابه ، ويدفع عنهم أليمَ عقابه. (٢)
(١) ((أرتج الباب يرتجه)): أغلقه إغلااقاً وثيقاً.
(٢) قوله: (منازل)) تفسير ((أدراك)) جمع ((درك)).
(٣) انظر تفسير ((نصير)) فيما سلف ص: ٢٤٧، تعليق: ٦، والمراجع هناك.

٣٤٠
تفسير سورة النساء : ١٤٦
القول فى تأويل قوله ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَبُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللهِ
وَأَخْلَصُواْ دِيَهُمْلِهِ فَأُوْلَبِكَ مَعَ الْمُؤْ مِنِينَ وَسَوْفَ يُوْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ
أَجْرًا عَظِيماً ﴾
١٤٦
قال أبو جعفر : وهذا استثناء من الله جل ثناؤه ، استثنى التائبين من نفاقهم
إذا أصلحوا ، وأخلصوا الدين لله وحده، وتبرأوا من الآلهة والأنداد، وصدّقوا رسوله،
أن يكونوا مع المصرِّين على نفاقهم حتى تُوّافيهم مناياهم - فى الآخرة، (١) وأن
يدخلوا مداخلهم من جهنم. بل وعدهم جل ثناؤه أن يُحلَّهم مع المؤمنين محلّ
٢١٨/٥ الكرامة، ويسكنهم معهم مساكنهم فى الجنة. (٢) ووعدهم من الجزاء على توبتهم
الجزيلَ من العطاء فقال: ((وسوف يؤتى اللّه المؤمنين أجراً عظيماً)).
٠٠٠
قال أبو جعفر: فتأويل الآية: ((إلا الذين تابوا))، أى: راجعوا الحق، (٣)
وآبوا إلى الإقرار بوحدانية الله وتصديق رسوله وما جاء به من عند ربه من نفاقهم (٤)=
(((وأصلحوا))، يعنى: وأصلحوا أعمالهم، فعملوا بما أمرهم الله به، وأدَّوا فرائضه،
وانتهوا عما نهاهم عنه، وانزجروا عن معاصيه (٥) = ((واعتصموا بالله))، يقول: وتمسكوا
بعهد الله .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((حتى يوفيهم مناياهم))، وهو كلام بلا معنى. ((وافته منيته)):
أتته وأدركته وبلغته، وسياق هذه الجملة: ((أن يكونوا مع المصرين ... فى الآخرة)).
(٢) فى المطبوعة: ((يسكنهم)) بغير واو ، وهو سهو من ناسخ أو طابع.
(٣) انظر تفسير (التوبة)) فيما سلف ١: ٢/٥٤٧: ٧٢، ٧٣، وغيرها من المواضع
فى فهارس اللغة .
(٤) فى المطبوعة: ((وأبو إلا الإقرار))، وهو لا شىء، وإنما الصواب ما أثبت من المخطوطة.
((آبوا)): رجعوا.
(٥) انظر تفسير ((الإصلاح)) فيما سلف ٨: ٨٨، وما سلف من فهارس اللغة.