النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ تفسير سورة النساء : ١٠٦،١٠٥ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلٍ الْمُؤْمِنِينَ) إلى قوله : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بِعِيدًا). فلما نزل على سلافة ، رماها حسان ابن ثابت بأبيات من شعر، (١) فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمتْ به فى الإبطح، (٢)ثم قالت: أهديتَ إلىّ شعر حسان! ما كنت تأتينى بخير! (٣) و ((سلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية)» معروفة غير منكورة، فهى زوج طلحة بن أبي طلحة ، وهى أم مسافع، والجلاس ، وكلاب، بنو طلحة بن أبى طلحة ( ابن هشام ٣ : ٦٦)، وقد قتلوا يوم أحد هم وأبوهم، قتل مسافعاً والجلاس ، عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح ، حى الدبر ، فنذرت سلافة : لئن قدرت على رأس عاصم لتشرين فى تحفه الخمر ! فمنعته الدبر ( النحل) حين أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة ( ابن هشام ٣: ١٨٠). فهذا تحقيق اسمها إن شاء الله، يصحح به ما فى الترمذى والمستدرك ومن نقل عنهما . (١) شعر حسان هذا فى ديوانه: ٢٧١ يقول فى أوله يذكر سلافة بالسوء من القول، قال: وَمَا سَارِقُ الدِّرْعَيْنِ إِنْ كُنْتَ ذاكِراً بذى كَرَمٍ من الرجالِ أُوَادِعُهْ فَقَدْ أَنْزَلَنْهُ بِنْتُ سَعْدٍ، فَأَصْبَحَتْ يُنَازِعُهَا جِلْدَ أَسْتِها وَتُنَزِعُهُ (٢) فى المطبوعة: ((فرمته بالأبطح))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى الترمذى. و ((الأبطح))، هو أبطح مكة، أو : بطحاء مكة ، وهو مسيل واديها . (٣) الأثر: ١٠٤١١ - ((الحسن بن أحمد بن أبى شعيب عبد الله بن مسلم الأموى)) أبو مسلم الحرانى. من أهل حران، سكن بغداد. قال الخطيب: ((ثقة مأمون)). وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: ((يغرب)). روى عن محمد بن سلمة. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢/٢/١، وتاريخ بغداد ٧ : ٢٦٦ . وهذا الأثر رواه الترمذى فى السنن، فى تفسير هذه الآية ، بإسناد الطبرى نفسه ، أعنى عن الحسن بن أحمد بن أبى شعيب . ورواه الحاكم فى المستدرك ٤ : ٣٨٥، وخرجه ابن كثير فى تفسير ٢: ٥٧٤ - ٥٧٦، والسيوطى فى الدر ٢: ٢١٤، ٢١٥، وزاد نسبته لابن أبى حاتم، وأب الشيخ . وإسناد الحاكم فى المستدرك: ((حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، حدثنى محمد بن إسحق ... ))، وساق إسناده مرفوعاً إلى قتادة بن النعمان، كما فى التفسير والترمذى . وأثار الخطيب البغدادى إلى هذا الخبر بإسناده: «أخبرنا عثمان بن محمد بن يوسف العلاف ، أخبر محمد بن عبد الله الشافعى قال، حدثنا عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبى شعيب ( وهو أبو شعيب)، حدثنا بنى وأي حميماً فقالا، حدثنا محمد بن سلمة، وساقه كإسناد أي سفر. ١٨٢ تفسير سورة النساء : ١٠٦،١٠٥ ١٠٤١٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله))، يقول: بما أنزل الله عليك وبيِّن لك = ((ولا تكن للخائنين خصيماً)، فقرأ إلى قوله: ((إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً)). ذُكر لنا أن هؤلاء الآيات أنزلت فى شأن طُعْمة بن أبيرق، وفيما همَّ به نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم من عذره، وبين اللّه شأن طعمة بن أبيرق ، ووعظ نبيَّه وحذّره أن يكون للمخائلين خصيماً. = وكان طعمة بن أبيرق رجلاً من الأنصار، ثم أحدبنى ظفر ، سرق درعاً لعمّه كانت وديعة عنده ، ثم قذفها على يهودى كان يغشاهم ، (١) يقال له : ((زيد بن السمين)). (٢) فجاء اليهودى إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم يُهْنِف، (٣) فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر ، جاؤوا إلى نبى الله صلى الله عليه وسلم لیعذروا صاحبهم، وقد ذكر الحافظ بن حجر فى التهذيب أن أبا مسلم الحرانى (الحسن بن أحمد) روى عن أبيه وجده، وأخشى أن يكون وهم، وجاءه الوهم من هذا الإسناد لقوله ((حدثنى جدى وأبى جميعاً))، وإنما قائل ذلك هو عبد اللّه بن الحسن بن أحمد، لا الحسن بن أحمد . ثم قال الخطيب البغدادى: ((قال أبو شعيب: ((قال أبى ( يعنى الحسن بن أحمد): سمعه منى يحنى ابن معين ببغداد فى مسجد الجامع ، وأحمد بن حنبل ، وعلى بن المدينى، وإسحق بن أبى إسرائيل )). وأما فى ابن كثير، فقائل هذا: ((محمد بن سلمة))، وهو الصواب . وقال الحاكم فى المستدرك (ولفظه مخالف لفظ الطبرى): ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه)). أما الترمذى فقد قال: ((هذا حديث غريب، لا نعلم أحداً أسنده غير محمد بن سلمة الحرانى . وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، مرسلا ، لم يذكروا فيه : عن أبيه عن جده)). غير أن الحاكم : رواه كما ترى من طريق يونس بن بكير ، مرفوعاً إلى قتادة بن النعمان . (١) فى المخطوطة والدر المنثور: ((فقدمها)) والصواب ما فى المطبوعة. (٢) فى أسباب النزول الواحدى: ١٣٤: ((زيد بن السمير)) بالراء، وسائر الكتب كما هنا فى المطبوعة والمخطوطة . (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يهتف)) بالتاء، كأنه أراد يصيح ويدعو رسول اللّه ويناشده. ولكنى رجحت قراءتها بالنون، من قولهم: ((أهنف الصبى إهتافاً))، إذا تهيأ البكاء وأجهش . ويقال الرجال: ((أهنف الرجل))، إذا بكى بكاء الأطفال من شدة التذلل . وهذا هو الموافق لسياق القصة . فيما أرجح . ١٨٣ تفسير سورة النساء : ١٠٥ ١٠٦ وكان نبى الله عليه السلام قد همَّ بعُذْره، حتى أنزل الله فى شأنه ما أنزل ، فقال: ((ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم)) إلى قوله: ((ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى الحياة الدنيا فمن يجادل اللّه عنهم يوم القيامة))، يعنى بذلك قومه = (( ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً))، وكان طعمة قذف بها بريئاً . فلما بيَّن الله شأن طعمة، نافق ولحق بالمشركين بمكة، فأنزل الله فى شأنه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهََّ وَاءَتْ مَصِيرًا). ١٠٤١٣ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً))، وذلك أن نفراً من الأنصار غزوا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى بعض غزواته ، فسرقت درع لأحدهم ، فأظَنَّ بها رجلاً من الأنصار، (١) فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال: إنّ طعمة بن أبيرق سرق درعى. فأتى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فلما رأى السارق ذلك، عَمَد إليها فألقاها فى بيت رجل برىء ، وقال لنفر من عشيرته: إنى قد غيَّبْتُ الدرعَ وألقيتها فى بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلاً، (٢) فقالوا: يا نبيّ اللّه، إن صاحبنا برىء ، وإن سارق الدرع فلان ، وقد أحطْنا بذلك علماً ، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إلاّ يعصمه الله بك يهلك! (٣) فقام رسول الله صلى الله (١) ((ظننت الرجل، وأظننته))، اتهمته. و((الظنة)) (بالكسر): التهمة. (٢) ((ليلا)) غير موجودة فى المخطوطة، ولكن سيأتى بعد أسطر ما يدل على صواب إثباتها. ...... (٣) فى المطبوعة: ((إن لم يعصمه الله))، والذى فى المخطوطة، صواب عريق. ١٨٤ تفسير سورة النساء : ١٠٥ ١٠٦ عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله: (( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً))، يقول: احكم بينهم بما أنزل الله إليك فى الكتاب = ((واستغفر الله إنّ اللّه كان غفوراً رحيماً . ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم)) الآية . ثم قال الذين أتوا رسول الله عليه السلام ليلاً: ((يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللّه)) إلى قوله: ((أم من يكون عليهم وكيلاً ))، يعنى: الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائن = ثم قال: (( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه يجد الله غفوراً رحيماً))، يعنى: الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب (١) = ثم قال: (( ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً ))، يعنى : السارقَ والذين يجادلون عن السارق . ١٠٤١٤ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى ١٧٢/٥ قوله: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله)) الآية، قال: کان رجل سرق درعاً من حديد فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم وطرحه على يهودى، فقال اليهودى: والله ما سرقتها يا أبا القاسم، ولكن طرحت علىّ! وكان للرجل الذى سرق جيرانٌ يبرِّئونه ويطرحونه على اليهودى ويقولون: يا رسول اللّه، إن هذا اليهودى الخبيث يكفر بالله وبما جئت به ! قال : حتى مال عليه النبى صلى اللّه عليه وسلم ببعض القول، فعاتبه الله عز وجل فى ذلك فقال: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً ، واستغفر الله)) بما قلت لهذا اليهودى = ((إن الله كان غفوراً رحيماً)) = ثم أقبل على جيرانه فقال: (( ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى الحياة الدنيا)) فقرأ حتى بلغ ((أم من يكون عليهم وكيلاً)). قال: ثم عرض التوبة فقال: (( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم (١) فى المطبوعة، سقط من الناشر من أول قوله: ((يجادلون عن الخائن)) إلى قوله: (((بالكذب))، فأثبتها من المخطوطة. ١٨٥ تفسير سورة النساء : ١٠٦،١٠٥ يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً، ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه))، فما أدخلكم أنتم أيها الناس ، على خطيئة هذا تكلّمون دونه = (( وكان الله عليماً حكيماً ، ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً))، وإن كان مشركاً = ((فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً))، فقرأ حتى بلغ: ((لا خير فى كثير من نجواهم))، (١) فقرأ حتى بلغ: (( ومن یشاقق الرسول من بعد ما تبین له الهدى)). قال : أبى أنيقبل التوبة التى عرض الله له، وخرج إلى المشركين بمكة، فنقب بيتاً يسرقه، (٢) فهدمه الله عليه فقتله . فذلك قول الله تبارك وتعالى (٣): (( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى))، فقرأ حتى بلغ ((وساءت مصيراً)) = ويقال : هوطعمة بن أبيرق ، وكان نازلاً فى بنى ظفر . وقال آخرون : بل الخيانة التى وصف الله بها من وصفه بقوله: (( ولا تكن للخائنین خصیماً )) ، جحودُه وديعة كان أود عها . ذكر من قال ذلك : ١٠٤١٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: (( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن الخائنين خصيماً))، قال: أما ((ما أراك اللّه))، فما أوحى اللّه إليك . قال : نزلت فى طعمة بن أبيرق ، استودعه رجل من اليهود دعاً ، فانطلق بها إلى داره ، فحفر لها اليهودى ثم دفنها . فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها . فلما جاء اليهودى يطلب درعه ، كافره عنها . (٤) فانطلق إلى ناس من (١) سقط من المطبوعة: ((فقرأ حتى بلغ: لا خير فى كثير من نجواهم))، وزاد فى الى بعدها: ((حتى بلغ إلى قوله)). وأثبت نص المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((ليسرقه))، والذى فى المخطوطة صواب معرق. (٣) فى المطبوعة: ((فذلك قوله))، وأثبت نص المخطوطة. (٤) ((كافره حقه)): جحده، و((كافره عنه))، عربى صريح. ١٨٦ تفسير سورة النساء : ١٠٦٤١٠٥ اليهود من عشيرته فقال : انطلقوا معى ، فإنى أعرف موضع الدرع . فلما علم بهم طعمة ، أخذ الدرع فألقاها فى دار أبى مُلَيْلٍ الأنصارى . فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها ، وقع به طعمة وأناس من قومه فسبُوه ، وقال : أتخوّنُونى! فانطلقوا يطلبونها فى داره، فأشرفوا على بيت أبى مليل، فإذا هم بالدرع. وقال طعمة : أخذها أبو مليل ! وجادلت الأنصار دون طعمة ، وقال لهم : انطلقوا معی إلی رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له ینضحعنی ویکذِّب حجة اليهودى، (١) فإنى إن أكذَّب كذب على أهل المدينة اليهودى! فأتاه أناس من الأنصار فقالوا : يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودى. فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل، فأنزل الله عليه: « ولا تكن الخائنين خصيماً ، واستغفر الله)) مما أردت = ((إن الله كان غفوراً رحيماً. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوّاناً أثيما)) = ثم ذكر الأنصار ومجادلتهم عنه فقال : ((يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللّه وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول))، يقول: يقولون ما لا يرضى من القول (٢) = ((ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى الحياة الدنيا فمن يجادل اللّه عنهم يوم القيامة)) = ثم دعا إلى التوبة فقال: ((ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً)) = ثم ذكر قوله حين قال: ((أخذها أبو مليل)) فقال: (( ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه)) =((ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً)) = ثم ذكر الأنصار وإتيانها إياه: (٣) أن ينضح عن صاحبهم ويجادل عنه ، فقال : ((لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضر ونك من شىء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة))، يقول: النبوة = ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون ١٧٣/٥ (١) ((نضح عنه)): أى ذب عنه ودفع بحجة تنى عنه ما اتهم به. (٢) قوله: ((يقول: يقولون ما لا يرضى من القول))، غير موجودة فى المخطوطة، وأخشى أن تكون زيادة من ناسخ. وسيأتى معنى ((التبيت)) على وجه الدقة فيما يل ص : ١٩٢،١٩١. (٣) فى المطبوعة: ((وإتيانهم إياه))، وأثبت ما فى المخطوطة. ١٨٧ تفسير سورة النساء : ١٠٦:١٠٥ أن يكذّبوا عن طعمة، فقال: (( لا خير فى كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس)). فلما فضح الله طعمة بالمدينة بالقرآن، هرب حتى أتى مكة، فكفر بعد إسلامه ، ونزل على الحجاج بن عيلاَط السُّلَمى ، فنقب بيت الحجاج ، فأراد أن يسرقه ، فسمع الحجاج خشخشة فى بيته وقعقعة جلودٍ كانت عنده، (١) فنظر فإذا هو بطعمة فقال : ضيفى وابنَ عمى وأردتَ أن تسرقنى !! فأخرجه، فمات بحرَّة بنى سُليم كافراً ، (٢) وأنزل الله فيه: (( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نُوَلَّه ما تولَّى)) إلى ((وساءت مصيراً)) . ١٠٤١٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، قال : استودع رجل من الأنصار طعمة بن أبيرق مشرُبة له فيها درع، (٣) وخرج فغاب. فلما قدم الأنصارى فتح مشربته، فلم يجد الدرع ، فسأل عنها طعمة بن أبیرق ، فرمی بها رجلاً من اليهود يقال له زید بن السمين : فتعلَّق صاحب الدرع بطُعمة فى درعه . فلما رأى ذلك قومه ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فكلموه ليدْرأ عنه، فهم بذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى: (( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن الخائنين خصيماً . واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم))، يعنى: طعمة بن أبيرق وقومه = (( ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى (١) ((الخشخشة)): صوت حركة، تكون من السلاح إذا احتك، والثوب الجديد، ويبيس النبات. و((القعقعة)): أشد من الخشخشة، صوت يكون من الجلد اليابس، والسلاح إذا ارتطم بعضه ببعض. (٢) ((حرة بنى سليم)) فى عالية نجد. و((الحرة)) أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت بالنار . (٣) المشربة: الغرفة، كما أسلفت فى التعليق . ١٨٨ تفسير سورة النساء : ١٠٥ ١٠٦ الحياة الدنيا فمن يجادل اللّه عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً))، محمد صلى الله عليه وسلم وقوم طعمة = ((ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً))، محمد وطعمة وقومه = قال: (( ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه)) الآية، طعمة = ((ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً))، يعنى زيد بن السمين = ((فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً))، طعمة بن أبيرق = ((ولولا فضل الله عليك ورحمته)) يا محمد = ((لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء))، قوم طعمة بن أبيرق = (( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً)) يا محمد (١)= ((لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف))، حتى تنقضى الآية للناس عامة = (( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين)) الآية . قال: لما نزل القرآن فى طعمة بن أبيرق ، لحق بقريش ورجع فى دينه، ثم عدا على مشرُبة للحجاج بن عِلاَط البَهْزِىّ ثم السَّمى، (٢) حليفٌ لبنى عبد الدار، فنقبها، فسقط عليه حجر فلَحج. (٣) فلما أصبح أخرجوه من مكة . فخرجَ فلقى ركباً من بَهْرَاء من قضاعة، فعرض لهم فقال: ابن سبيل مُنْقَطَعٌ به! فحملوه، حتى إذا جنَّ عليه الليل عّدًا عليهم فسرقهم ، ثم انطلق . فرجعوا فى طلبه فأدركوه ، فقذفوه بالحجارة حتى مات = قال ابن جريج : فهذه الآيات كلها فيه نزلت إلى قوله: ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن یشاء )، أنزلت فی طعمة بن أبیرق= ويقولون: إنه رمی بالدرع فی دار أبی مليل (١) فى المطبوعة: ((محمد صلى الله عليه وسلم))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢٠) فى المطبوعة والخطوطة ((البيرى))، وهو تصحيف. ولا يعجبنى هذا، بل الصحيح أن يقال: ((السلمى ثم البيزى)) بالتقديم والتأخير، فإنه «بهز بن امرىء القيس بن بيهثة بن سليم بن منصور))، فهز بطن من سليم بن منصور . (٣) ((لحج بالمكان)): نشب فيه ولزمه وضاق عليه أن يخرج منه. و((لحج السيف)): نشب فى الشبد فلم يخرج . ١٨٩ تفسير سورة النساء : ١٠٦،١٠٥ ابن عبد اللّه الخزرجى ، فلما نزل القرآن لحق بقريش، فكان من أمره ما كان . ١٠٤١٧ - حدثتعن الحسين بن الفرج قال، سمعتأبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((لتحكم بين الناس بما أراك الله))، يقول: بما أنزل عليك وأراكه فى كتابه . ونزلت هذه الآية فى رجل من الأنصار استودع درعاً فجحد صاحبها ، فخوّنه رجال من أصحاب نبى الله صلى اللّه عليه وسلم ، فغضب له قومه، وأتوا نبى الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: خوَّنوا صاحبنا ، وهو أمين مسلم ، فاعذره يانبي الله وازْجُر عنه! فقام نبى الله فعذره وكذَّب عنه، وهو يرى أنه برىء، وأنه مكذوب عليه ، فأنزل الله بيان ذلك فقال: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله)) إلى قوله: ((أم من يكون عليهم وكيلاً))، فبين اللّه خيانته، فلحق بالمشركين من أهل مكة وارتد" عن الإسلام، فنزل فيه: ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى)) إلى ١٧٤/٥ قوله: (( وساءت مصيراً)). ٠ قال أبو جعفر : وأولى التأويلين فى ذلك بما دل عليه ظاهر الآية ، قول من قال : كانت خيانته التى وصفه الله بها فى هذه الآية ، جحودَه ما أودع ، لأن ذلك هو المعروف من معانى (( الخيانات)) فى كلام العرب . وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من معانى كلام العرب ما وجد إليه سبيل ، أولى من غيره . ١٩٠ تفسير سورة النساء : ١٠٧ القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا تُجَّدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخَْنُونَ أَنفُسَهُم إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُ مَن كَانَ خَوَّانَا أَتِمَا﴾ ( ١٠٧ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((ولا تجادل)) يا محمد ، فتخاصم = (عن الذين يختانون أنفسهم))، يعنى: يخوّنون أنفسهم، يجعلونها خَوّنة بخيانتهم ما خانوا من أموال من خانوه مالَه ، وهم بنو أبيرق . يقول : لا تخاصم عنهم من يطالبهم بحقوقهم وما خانوه فيه من أموالهم = (( إن الله لا يحب من كان خوّاناً أثيماً))، يقول: إنّ الله لا يحب من كان من صفته خيانة الناس فى أموالهم، وركوب الإثم فى ذلك وغيره مما حرَّمه الله عليه . وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل : وقد تقدم ذكر الرواية عنهم . ١٠٤١٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة: (( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم))، قال : اختان رجل عمَّاله درعاً، فقذف بها يهوديًّا كان يغشاهم ، فجادل عمّ الرجل قومه ، فكأن النبى صلى الله عليه وسلم عذره. ثم لحق بأرض الشرك، فنزلت فيه: ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى )) الآية . ٥ ١٩١ تفسير سورة النساء : ١٠٨ القول فى تأويل قوله ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَهُمْ إِذْ يَبْتُونَ مَالَا يَرْضَىُ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَاَ يُعَلُونَ محِيطاً﴾ (١٠) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( يستخفون من الناس )) ، يستخفى هؤلاء الذين يختانون أنفسهم، ما أتَوْا من الخيانة، وركبوا من العار والمعصية (١)= ((من الناس))، الذين لا يقدرون لهم على شىء، إلا ذكرهم بقبيح ما أتَوْا من فعلهم، (١) وشنيع ما ركبوا من جُرْمهم إذا اطلعوا عليه، حياءً منهم وحذراً من قبيح الأحدوثة = (( ولا يستخفون من اللّه)) الذى هو مطلع عليهم ، لا يخفى عليه شىء من أعمالهم، وبيده العقاب والنَّكال وتعجيل العذاب،وهو أحق أن يُستحی منه من غيره ، وأولى أن يعظّم بأن لا يراهم حيث يكرهون أن يراهم أحد من خلقه = ((وهو معهم))، يعنى: والله شاهدهم = ((إذ يبيتون ما لا يرضى من القول))، يقول: حين يسوُّون ليلاً ما لا يرضى من القول ، فيغيِّرونه عن وجهه ، ويكذبون فيه . ٥ ٠ وقد بينا معنى ((التبييت)) فى غير هذا الموضع ، وأنه كل كلام أو أمرٍ أصلح ليلاً .(٢) وقد حكى عن بعض الطائيين أن ((التبييت)) فى لغتهم : التبديل، وأنشد للأسود ابن عامر بن جُوّين الطائى فى معاتبة رجل : (٣) (١) فى المطبوعة فى الموضعين: ((ما أوتوا))، والصواب من المخطوطة. (٢) أنظر ما سلف ٥٦٣،٥٦٢:٨ (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: (( ... بن جرير))، والصواب ما أثبت، والأسود بن عامر ابن جوين الطائى، أبو عامر بن جوين الطائى، الذى نزل به امرؤ القيس (الأغانى ٨: ٩٠، ٩٥)، وقد ذكرهما ابن دريد فى الاشتقاق: ٢٣٣ وقال: ((.كانا سيدين رئيسين))، وذكرهما ابن حزم فى الجمهرة: ٣٧٩، وقال فى الأسود بن عامر: ((شاعر))، ثم قال: ((فولد الأسود هذا: قبيصة بن الأسود، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . ١٩٢ تفسير سورة النساء : ١٠٨ وَبَيَّتَّ قَوْلِىَ عَبْدَ الَمَلِيكِ. قاتَلَكَ الله عَبْدًا كَنُودَا !! (١) بمعنى : بدَّلت قولى . ... وروى عن أبى رزين أنه كان يقول فى معنى قوله: (( يبيتون))، يؤلّفون . ١٠٤١٩ - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبى رزين: ((إذ يبيتون ما لا يرضى من القول))، قال: يؤلّفون ما لا يرضى من القول ١٠٤٢٠ - حدثنا أحمد بن سنان الواسطى قال، حدثنا أبو يحيى الحمانى ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبى رزين بنحوه . ١٠٤٢١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثورى ، عن الأعمش ، عن أبى رزين ، مثله . (٢) ٠٠٠ قال أبو جعفر: وهذا القول شبيه المعنى بالذى قلناه. وذلك أن ((التأليف)) هو التسوية والتغيير عما هو به ، وتحويلُه عن معناه إلى غيره . وقد قيل: عنى بقوله: ((يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللّه))، الرهط الذين مشوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسألة المدافعة عن ابن أبيرق والجدال عنه ، (٣) على ما ذكرنا قبل فيما مضى عن ابن عباس وغيره . ٠٠٠ = (وكان الله بما يعملون محيطاً)) يعنى جل ثناؤه: وكان الله بما يعمل هؤلاء (١) لم أجد البيت فى مكان، وكنت أعرفه ولكن غاب عنى مكانه، فأرجو أن أجده وألحق به بيانه فى طبعة أخرى ، أو فى كتاب آخر . (٢) الآثار: ١٠٤١٩ - ١٠٤٢١ - ((أبو رزين)) هو ((أبو رزين الأسدى)): ((مسعود بن مالك))، مضى برقم : ٤٢٩١ - ٤٢٩٤ ثم : ٤٧٩١ - ٤٧٩٣. (٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((بنى أبيرق))، والسياق يقتضى ما أثبت. ١٩٣ تفسير سورة النساء : ١٠٨، ١٠٩ المستخفون من الناس ،فما أتوا من جرمهم، حياء منهم ، من تبییتهم ما لا يرضى من القول، وغيره من أفعاله = ((محيطاً))، محصياً لا يخفى عليه شيء منه، حافظاً لذلك علیهم، حتی یجازيهم عليه جزاءهم . (١) ١٧٠/٥ القول فى تأويل قوله ﴿هَكَأَ تُمْ هَكَوَّلَاَءَ جَدَّثُمْ تَنْهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْياً فَمَنْ يُجِدِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيْمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) ) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى الحياة الدنيا))، ها أنتم الذين جادلتم، (٢) يا معشر من جادل عن بنى أبيرق = (( فى الحياة الدنيا)) و((الهاء)) و((الميم)) فى قوله: ((عنهم)) من ذكر الخائنين. =(فمن يجادل الله عنهم))، يقول: فمن ذا يخاصم اللّه عنهم= ((يوم القيامة))، أى: يوم يقوم الناس من قبورهم لمحشرهم، (٣) فيدافع عنهم ما اللّه فاعل بهم ومعاقبهم به. وإنما يعنى بذلك: إنكم أيها المدافعون عن هؤلاء الخائنين أنفسهم ، وإن دافعتم عنهم فى عاجل الدنيا ، فإنهم سيصيرون فى آجل الآخرة إلى من لا يدافع عنهم عنده أحد فيما يحلُّ بهم من أليم العذاب ونكال العقاب . -وأما قوله: ((أم من يكون عليهم وكيلاً))، فإنه يعنى : ومن ذا الذىيكون علىهؤلاء الخائنين وكيلاً يوم القيامة = أى: ومن يتوكل لهم فى خصومة ربهم عنهم يوم القيامة. ٠ وقد بينا معنى: (( الوكالة))، فيما مضى، وأنها القيام بأمر من توكل له. (٤) ٠ ٠ (١) انظر تفسير (الإحاطة)) و((محيط)) فيما سلف ٢: ٥/٢٨٤: ٧/٣٩٦: ١٥٨. (٢) انظر ما قاله: فى ((ها أنتم أولاء)) و((ها أنتم هؤلاء)) فيما سلف ٧ : ١٥٠، ١٥١. (٣) انظر تفسير ((يوم القيامة)) فيما سلف ٢: ٨/٥١٨: ٥٩٢. (٤) انظر تفسير ((الوكيل)) فيما سلف ٧ : ٤٠٥ /٨ : ٥٦٦. ج ٩ (١٣) ١٩٤ تفسير سورة النساء : ١١٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوَءَا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمْ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًارَّحِيماً﴾(١) قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ومن يعمل ذنباً، وهو ((السوء)) (١)= ((أو يظلم نفسه))، بإكسابه إياها ما يستحق به عقوبة اللّه = ((ثم يستغفر الله))، يقول : ثم يتوب إلى الله بإنابته مما عمل من السوء وظُلْ نفسه، ومراجعته ما يحبه اللّه من الأعمال الصالحة التى تمحو ذنبه وتذهب جرمه =((يجد الله غفوراً رحيماً))، يقول : يجد ربه ساتراً عليه ذنبه بصفحه له عن عقوبة جرمه ، رحيماً به . (٢) ٠ ۵ واختلف أهل التأويل فيمن على بهذه الآية . فقال بعضهم: عنى بها الذين وصفهم الله بالخيانة بقوله: ((ولا تجادل عن الذین یختانون أنفسهم )» . ٠ وقال آخرون : بل عنى بها الذين كانوا يجادلون عن الخائنين ، (٣) الذين قال الله لهم: (( ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى الحياة الدنيا))، وقد ذكرنا قائلی القولين كليهما فيما مضى . قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا : أنه عنى بها كل من عمل سوءاً أو ظلم نفسه ، وإن كانت نزلت فى أمر الخائنين والمجادلين عنهم الذين ذكر الله أمرهم فى الآيات قبلها . (١) انظر تفسير ((السوء)) فيما سلف من فهارس اللغة. (٢) انظر تفسير ((استغفر))، ((غفور))، ((رحيم)) فيما سلف من فهارس اللغة. (٣) فى المطبوعة ((الذين يجادلون عن الخائنين))، وأثبت ما فى المخطوطة. تفسير سورة النساء : ١١٠ وبنحو ما قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٠٤٢٢ - حدثنى محمد بن المثنى قال ، حدثنا ابن أبى عدى ، عن شعبة، عن عاصم ، عن أبى وائل قال ، قال عبد الله: كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كُتِب كفارة ذلك الذنب على بابه . وإذا أصاب البولُ شيئاً منه، قَرَضه بالمقراض. (١) فقال رجل: لقد آتى اللّه بنى إسرائيل خيراً! فقال عبد الله: ما آتاكم الله خيرٌ مما آتاهم، جعل الله الماءَ لكم طهوراً وقال: ﴿ وَالذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةَ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَ كَرُوا اللهَ فَاُسْتَغْفَرُ والِذُّنُوبِهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٥]، وقال: ((ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً)). ١٠٤٢٣ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال ، حدثنا ابن عون ، عن حبيب بن أبى ثابت قال: جاءت امرأة إلى عبد الله بن مُغَفّل، فسألته عن امرأة فَجرت فَحبلت، فلما ولدتْ قتلت ولدها ؟ فقال ابن مغفل: ما لها ؟ لها النار ! فانصرفت وهى تبكى، فدعاها ثم قال: ما أرى أمرَك إلا أحد أمرين: ((من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه يجد الله غفوراً رحيماً))، قال: فَمَسحت عينها ثم مضت . (٢) ١٠٤٢٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على ، عن ابن عباس قوله: ((ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم (١): ((قرضه)): قصه. و((المقراض)): المقص. (٢) الأثر: ١٠٤٢٣ - ((حبيب بن أبى ثابت الأسدى)) مضى برقم: ٩٠١٢، ٩٠٣٥. و((عبد الله بن مغفل المزنى)) من مشاهير الصحابة، وهو أحد البكائين فى غزوة تبوك. وهو أحد العشرة الذين بعثهم عمر ليفقه الناس بالبصرة . وهذا الخبر من محاسن الأخبار الدالة على عقل الفقيه، وبصره بأمر دينه ، ونصيحته الناس فى أمور دنيام . ١٩٦ تفسير سورة النساء : ١١١،١١٠ يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً))، قال: أخبر الله عبادَه بحلمه وعفوه وكرمه، وسعة رحمته ومغفرته ، فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً ، ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال . . . . القول فى تأويل قوله ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِنْمَا فَإِنَّا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيمًا﴾ (١) ١٧٦/٥ قال أبو جعفر : یعنى بذلك جل ثناؤه: ومن يأت ذنباً على عَمْد منه له ومعرفة به، فإنما يجترج وبَال ذلك الذنب وضُرَّه وخيزيه وعاره على نفسه، دون غيره من سائر خلق الله. (١) يقول : فلا تجادلوا ، أيها الذين تجادلون، عن هؤلاء الخونة ، فإنكم وإن كنتم لهم عشيرةً وقرابةً وجيراناً، برآء مما أتوه من الذنب ومن التَّبِعة التى يُتَّبعون بها، وإنكم متى دافعتم عنهم أو خاصمتم بسببهم، (٢) كنتم مثلَهم ، فلا تدافعوا عنهم ولا تخاصموا . =وأما قوله: ((وكان الله عليماً حكيماً))، فإنه يعنى: وكان اللّه عالماً بما تفعلون، أيها المجادلون عن الذين يختانون أنفسهم، فى جدالكم عنهم وغير ذلك من أفعالكم وأفعال غیر کم ، وهو يحصيها علیکم وعليهم ، حتى يجازی جمیعكم بها = ((حكيماً ) يقول: وهو حكيم بسياستكم وتدبيركم وتدبير جميع خلقه. (٣) ٠ ٠ وقيل : نزلت هذه الآية فى بنى أبيرق. وقد ذكرنا من قال ذلك فيما مضى قبل. (٤) ٠ (١) انظر تفسير ((كسب)) فيما سلف ٢٦٧:٨ تعليق: ١، والمراجع هناك = وتفسير ((الإثم)) فيما سلف ٤: ٣٢٨، تعليق: ١، والمراجع هناك٣ (٢) فى المطبوعة والخطوطة: ((فإنكم متى دافعتم ... )) والسياق يقتضى ((وإنكم)). (٣) انظر تفسير ((عليم)) و((حكيم)) فيما سلف من فهارس اللغة. (٤) يعنى الآثار السالفة من ١٠٤٠٩ - ١٠٤١٨. ١٩٧ تفسير سورة النساء : ١١٢ القول فى تأويل قوله ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِّئَةٌ أَوْ إِنْمَ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِبَِّا فَقَدٍ أَحْتُمَلَ بُهْنَا وَ إِنْمَامِينَ) (١) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : ومن يعمل خطيئة ، وهى الذنب = ((أو إثماً))، وهو ما لا يحلّ من المعصية.(١) ٠٠٠ وإنما فرق بين ((الخطيئة)) و((الإثم))، لأن ((الخطيئة))، قد تكون من قبل العَمْد وغير العمد، و((الإثم)) لا يكون إلاّ من العَمْد، ففصل جل ثناؤه لذلك بينهما فقال: ومن يأت ((خطيئة)) على غير عمد منه لها = ((أو إثماً)) على عمد منه . =((ثم يرم به بريناً))، (٢) يعنى: ثم يُضيف ماله من خطئه أو إنمه الذى تعمده (٣) = ((بريئاً) مما أضافه إليه ونحله إياه = ((فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً))، يقول: (٤) فقد تحمّل بفعله ذلك فريدة وكذباً وإثماً عظيماً = يعنى، وجُرْماً عظيماً، على علم منه وعمدٍ لما أنى من معصيته وذنبه . واختلف أهل التأويل فيمن عنى اللّه بقوله: ((بريئاً))، بعد إجماع جميعهم على أن الذى رمى البرىء من الإثم الذى كان أتاه ، ابن أبيرق الذى وصفنا شأنه قبل . (١) انظر تفسير ((خطيئة)) فيما سلف ٢: ١١٠، ٢٨٤، ٢٨٥. (٢) فى المطبوعة زيادة حذفتها، كان الكلام: ((ثم يرم به بريئاً، يعنى بالذى تعمده بريئاً، يعنى ... )" وهو فساد فى التفسير، فحذفته لذلك وتابعت المخطوطة. (٣) فى المطبوعة: ((ثم يصف ما أتى من خطته ... )) وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب. (٤) انظر تفسير ((البهتان)) فيها سلف ٥ : ٨/٤٣٢: ١٢٤. ١٩٨ تفسير سورة النساء : ١١٢ فقال بعضهم : عنى اللّه عز وجل بالبرىء ، رجلاً من المسلمين يقال له : (( لبيد بن سهل )) . (١) وقال آخرون: بل عنى رجلاً من اليهود يقال له: ((زيد بن السمين))، وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فيما مضى . (٢) وممن قال: ((كان يهوديًّا))، ابنُ سيرين. ١٠٤٢٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا غندر ، عن شعبة ، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين: ((ثم يرم به بريئاً))، قال: يهوديًّا . ١٠٤٢٦ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا بدل بن المحبر قال ، حدثنا شعبة ، عن خالد ، عن ابن سيرين، مثله . (٣) وقيل: (( يرم به بريئاً))، بمعنى : ثم يرم بالإثم الذى أتى هذا الخائن ، من هو برىء مما رماه به = فـ ((الهاء)) فى قوله: ((به)) عائدة على ((الإثم)). ولو جعلت كناية من ذكر ((الإثم)) و((الخطيئة))، كان جائزاً، لأن الأفعال وإن اختلفت العبارات عنها ، فراجعة إلى معنى واحد بأنها فعل". (٤) ... = وأما قوله: ((فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً))، فإن معناه: فقد تحمل - هذا الذى رمَى بما أتى من المعصية وركب من الإثم الخطيئة، مَنْ هو برىء مما رماه به (١) انظر الأثر رقم : ١٠٤١١. (٢) انظر رقم : ١٠٤١٢، ١٠٤١٦ . (٣) الأثر: ١٠٤٢٦ - ((بدل بن المحبر بن المنبه التميمى الير بوعى)) روى عن شعبة، والخليل بن أحمد صاحب العروض، وغيرهما . وروى عنه البخارى ، والأربعة بواسطة محمد بن بشار . ثقة . و ((بدل)) بفتحتين. (٤) هذا مختصر مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٨٦، ٢٨٧. ١٩٩ تفسير سورة النساء : ١١٣،١١٢ من ذلك- ((بهتاناً)، وهو الفرية والكذب(١)= ((وإنماً مبيناً)، يعنى: وِزْراً ((مبيناً))، يعنى : أنه يبين عن أمر متحمّله وجراءته على ربه، (٢) وتقدّمه على خلافه فيما نهاه عنه لمن يعرف أمره . القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْتُهُ لَّت طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ أَن يُضِلُوكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَاَلِكْمَةَ وَقَلَّكَ مَالَمْ تَكُنَ تَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (١) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((ولولافضل الله عليك ورحمته))، ولولا أن اللّه تفضل عليك، يا محمد ، (٣) فعصمك بتوفيقه وتبيانه لك أمر هذا الخائن، فكففت لذلك عن الجدال عنه ، ومدافعة أهل الحق عن حقهم قبله = (لهمت طائفة منهم))، يقول: لهمت فرقة منهم، (٤) يعنى: من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم = ((أن يضلوك))، يقول: يزلُّوك عن طريق الحق، (٥) وذلك لتلبيسهم أمر الخائن عليه صلى الله عليه وسلم ، وشهادتهم للخائن عنده بأنه برىء مما ادعى عليه ، ومسألتهم إياه أن يعذره ويقوم بمعذرته فى أصحابه ، فقال الله تبارك وتعالى: وما يضل هؤلاء الذين هموا بأن يضلوك عن الواجب من الحكم فى أمر هذا الخائن درع جاره، ((إلا أنفسهم)). ٥ (١) انظر تفسير ((البهتان)) فيما سلف ص: ١٩٧، تعليق: ٤. (٢) انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف ص: ٣، تعليق: ،١ والمراجع هناك. وكان فى المطبوعة: ((يبين عن أمر عمله))، والصواب من المخطوطة. (٣) انظر تفسير ((الفضل)) فيما سلف من فهارس اللغة. (٤) انظر تفسير ((طائفة)) فيما سلف ١٤١، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٥) انظر تفسير ((الإضلال)) فيما سلف ٨: ٥٠٧، تعليق: ١، والمراجع مناك. ٢٠٠ تفسير سورة النساء : ١١٣ فإن قال قائل : ما كان وجه إضلالهم أنفسَهم ؟ قيل : وجهُ إضلالهم أنفسهم : أخذ هم بها فى غير ما أباح اللّه لهم الأخذ بها فيه من سپله . وذلك أن الله جل ثناؤه قد کان تقدّم إليهم فيما تقدّم فى كتابه على لسان رسوله إلى خلقه ، بالنهى عن أن يتعاونوا على الإثم والعدوان ، والأمر بالتعاون على الحق . فكان من الواجب الله فيمن سعى فى أمر الخائنين الذين وصف الله أمرهم بقوله: (( ولا تكن الخائنين خصيماً))، معاونة من ظلموه ، دون من خاصمهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى طلب حقه منهم . فكان سعيهم فى معوتهم ، دون معونة من ظلموه ، أخذاً منهم فى غير سبيل الله . وذلك هو إضلالهم أنفسهم الذى وصفه الله فقال: (( وما يضلون إلاّ أنفسهم)). ... = ((وما يضرونك من شىء))، وما يضرك هؤلاء الذين هموا لك أن يزلُوك عن الحق فى أمر هذا الخائن من قومه وعشيرته = ((من شىء))، لأن الله مثبِّتُك ومسدّدك فى أمورك ، ومبيِّن لك أمر من سعوا فى إضلالك عن الحق فى أمره وأمرهم ، ففاضِحُه وإياهم . =وقوله: ((وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة))، يقول: ومن فضل الله عليك، يا محمد ، مع سائر ما تفضّل به عليك من نعمه ، أنه أنزل عليك ((الكتاب))، وهو القرآن الذى فيه بيان كل شىء وهدّى وموعظة = ((والحكمة))، يعنى: وأنزل عليك مع الكتاب الحكمة ، وهى ما كان فى الكتاب مجملاً ذكره ، من حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وأحكامه، ووعده ووعيده (١) = ((وعلمك ما لم تكن تعلم)) من خبر الأولين والآخرين ، وما كان وما هو كائن ، فكل ذلك من فضل الله عليك، يا محمد ، مُذْ خلقك، (٢) فاشكره على ما أولاك من إحسانه إليك، بالتمسك بطاعته ، (١) انظر تفسير (الحكمة)) فيما سلف ٣: ٨٧، ٨٨، ٥/٢١١: ١٥، وغيرها من المواضع فى فهارس اللغة . (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وما كان وما هو كائن قبل ذلك من فضل الله عليك))، وهو غير مستقيم، والصواب ما أثبت، ((فكل)) مكان ((قبل)). ٠١٧٧/٥