النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ تفسير سورة النساء : ٧٩، ٨٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَأَرْسَلْتُكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللهِ شہیدًا﴾﴾ قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وأرسلناك للناس رسولا))، إنما جعلناك ، يا محمد، رسولاً بيننا وبين الخلق ، تبلّغهم ما أرسلناك به من رسالة ، وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من أرسلت ، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم ، وإن ردُّوا فعليها = ((وكفى بالله)) عليك وعليهم = ((شهيداً))، يقول : حسبك الله تعالى ذكره ، شاهداً عليك فى بلاغك ما أمرتك ببلاغه من رسالته ووحيه ، (١) وعلى من أرسلت إليه فى قبولهم منك ما أرسلت به إليهم ، فإنه لا يخفى عايه أمرك وأمرهم ، وهو مجازيك ببلاغك ما وعدَك ، ومجازيهم ما عملوا من خير وشر، جزاء المحسن بإحسانه ، والمسئء بإساءته . ٠٠٠ القول فى تأويل قوله ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) ®) قال أبو جعفر : وهذا إعذارٌ من اللّه إلى خلقه فى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، يقول الله تعالى ذكره لهم : من يطع منكم ، أيها الناس ، محمداً فقد أطاعى بطاعته إياه ، فاسمعوا قوله وأطيعوا أمرَه ، فإنه مهما يأمركم به من شىء فمن أمرى يأمركم، وما نهاكم عنه من شىء فمن نهى، فلا يقولنَّ أحدكم: ((إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضَّل علينا )) ! (١) انظر تفسير ((الشهيد)» فيما سلف من فهارس المغة. ج ٨ (٣٦) ٥٦٢ تفسير سورة النساء ٨٠، ٨١ ثم قال جل ثناؤه لنبيه: ومن تولى عن طاعتك ، يا محمد ، فأعرض عنك، (١) فإنا لم نرسلك عليهم ((حفيظاً))، يعنى: حافظاً لما يعملون محاسباً، بل إنما أرسلناك لتبين لهم ما نزل إليهم ، وكفى بنا حافظين لأعمالهم ، ولهم عليها محاسبين . ٠٠٠ ونزلت هذه الآية ، فیما ذکر ، قبل أن يؤمر بالجهاد ، كما : - ٩٩٧٩ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألت ابن زيد عن قول الله: ((فما أرسلناك عليهم حفيظاً))، قال: هذا أول ما بعثه، قال : ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلّ البَلَاغُ﴾ [سورة الشورى: ٤٨]. قال: ثم جاء بعد هذا بأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا . القول فى تأويل قوله ﴿وَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرْزُواْ مِنْ عِندِكَ ◌َيْتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يَعْتُونَ} قال أبو جعفر. يعنى بذلك جل ثناؤه بقوله: ((ويقولون طاعة))، يعى: الفريق الذين أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال خَشُوا الناس كخشية الله أو أشد خشية، يقولون لنبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أمرهم بأمر: أمرك طاعة، ولك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه = ((وإذا برزوا من عندك))، يقول: فإذا خرجوا من عندك ، (٢) يا محمد = (( بيست طائفة منهم غير الذى تقول))، يعنى بذلك جل ثناؤه : غيّر جماعة منهم ليلاً الذى تقول لهم وكل عمل ◌ُمِل ليلاً فقد ((بُيِّت)). ومن ذلك ((بيَّت العدو))، وهو الوقوع (١) انظر تسير ((تولى)» (يما سلف ٧ ٣٢٠ تعليق ٣. والمراجع هناك ( ٢) انظر تفسير .. برر، فيما ستفه ٧/٣٥٤ ٣٢٤ ٥٦٣ تغير سورة النساء ٨١ بهم ليلاً ، ومنه قول عبيدة بن همام (١) وَكَانُوا أَتَوْنِى بِشَىْءُ نِكُمْ(٢) أَتَّوْنِي فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيْتُوا ، وَهَلْ يُنْكِحَالْعَبْدَ حُرٌّلِحُرْ؟!(٢) لِأَنْكِحَ أَيَّهُمْ مُنْدِراً ، ١١٣/٥ يعنى بقوله: ((فلم أرض ما بيتوا))، ليلاً، أى: ما أبرموه ليلاً وعزموا عليه ، ومنه قول النمر بن تولب العُكْلىّ: هَبَّتْ نَِتْذُلَنِى مِنَ اللَّيْلِ أَسْمَعِ! سَفَهَا تُبَيِّئُكِ المَلَمَةُ فَاَ هْجَعِى (٤) ٥ ٥ (١) عبيدة بن همام، أخو بى العدوية، من بى مالك بن حنظلة، من بى تميم، وظنه ناشر مجاز القرآن لأبى عبيدة ((عبيدة بن همام التغلبى))، وكلا، فهذا إسلامى ، وذلك جاهلى! واستظهرت من نسب ((يعلى بن أمية)) فى جمهرة الأنساب: ٢١٧، وغيرها أنه ((عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر ابن زيد بن مالك بن حنظلة بن مالك بن ريد مناة بن تميم . وخبر هذا الشعر دال على أنه جاهل ، فقد ذكر الجاحظ فى الحيوان ٤ : ٣٧٦ خبر هذه الأبيات ، فى خبر النعمان بن المنذر ومثالبه ، وذلك أن أخاه المنذر بن المنذر خطب إلى عبيدة بن همام ، فرده أقبح الرد ، وذكر الأبيات (٢) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ ١٣٣، الحيوان ٤ ٣٧٦، الكامل ٢ ٣٥، ١٠٦، الأزمنة والأمكنة للمرروق ١ ٢٦٣، ديوان الأسود بن يعفر النهشلى، أعشى بى بهشل، فى ديوان الأعشين. ٢٩٨، اللسان ( ذكر ) وروى: (( فقد طرقونى بشىء )) ((طرقوى)). أتونى ليلا و((ذكر)) بضمتين، مثل ((ذكر)) بضم مسكون الأمر المنكر الذى تنكره والبيت يتممه الذى بعده. (٣) ((الأيم)) من النساء، التى لا روج لها، بكراً كانت أو ثيباً. و((رجل أيم))، لا زوجة له. و ((منذر)) يعى: المنذر بن المنذر، أخا النعمان بن المنذر. وقوله: ((هل ينكح العبد حر لحر)» أى : هل ينكح الحر الذى ولدته الأحرار ، عبداً من العبيد ، وذلك تعريض منه بالمنذر وأخيه النعمان ، الذى جعل امرأته ظهراً لبعض ولد كسرى، وسماه كسرى ((عبداً)). وقوله: ((حر لحر))، أى: حرقد ولدته الأحرار، كما تقول ((هو كريم لكرام، وحر الأحرار))، اللام فيه النسب، كأنه قال: كريم ينسب إلى آباء كرام ، وحر ينسب إلى آباء أحرار . وهذا الذى قلته لا تجده فى كتاب ، فاحفظه . وكان فى المخطوطة ((لأنكح إليهم منذراً))، وهو فاسد جداً كما ترى، وفيها أيضاً: ((حر محر)»، والصواب ما أثبت (٤) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ ١٣٣، والحزانة ١ ١٥٣، والعينى (بهامش الخزانة) ٢ ٥٣٦، وشرح شواهد المغنى ١٦١، وغيرها وكان فى المطبوعة ((بليل اسمع))، وهو خطأ. ومثله فى المخطوطة ((بليل اسمع)»، ولكى أثبت رواية أبى عبيدة فهى أجود الروايات ٥٦٤ تفسير سورة النساء : ٨١ يقول الله جل ثناؤه: ((والله يكتب ما يبيتون))، يعنى بذلك جل ثناؤه: والله يكتب ما يغيِّرون من قولك ليلاً فى كُتب أعمالهم التى تكتبها حفظته . وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ٩٩٨٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيَّت طائفة منهم غير الذى تقول))، قال: يغيّرون ما عهد نبىّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ٩٩٨١ - حدثنى محمد بن عبد الله بن بزيع قال ، حدثنا يوسف بن خالد قال، حدثنا نافع بن مالك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس فى قوله: ((بيّت طائفة منهم غير الذى تقول))، قال: غيّر أولئك ما قال النبى صلى الله عليه وسلم. ٩٩٨٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنى أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: (( ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول))، قال: غيّر أولئك ما قال النبى صلى الله عليه وسلم. ٩٩٨٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول والله يكتب ما يبيتون))، قال : هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأمرهم بأمر قالوا: ((طاعة))، فإذا وقوله: ((اسمع))، هذا قول امرأته أو أمه التى كانت تلومه على الكرم والسخاء. ويعنى بذلك أنها كانت تكثر من مقالة ((اسمع، واسمع منى)). وقوله: ((سفها))، أى باطلا وخفة عقل. وقوله ((تبيتك الملامة)) ليس من معنى ما أراد الطبرى، وإن كان الشراح قد فسروه كذلك. وهو عندى من قولهم: ((بات الرجل)) إذا سهر، ومنه: (( بت أراعى النجوم)»، أى سهرت أنظر إليها ، فقوله: ((تبيتك الملامة))، أى تسهرك ملامى وعتابى، يقول: سبرك المضى هذا من السفه، فنامى واهجعى ، فهو أروح لك ! فاستشهاد أبى عبيدة، والطبرى على أثره، بهذا البيت، ليس فى تمام موضعه، وإن كان الأمر قريب بعضه من بعض . ٥٦٥ تفسير سورة النساء : ٨١ خرجوا من عنده ، غيّرت طائفة منهم ما يقول النبى صلى الله عليه وسلم = ((والله يكتب ما يبيتون )»، يقول : ما يقولون . ٩٩٨٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله: ((ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول ))، قال: يغيرون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ٩٩٨٥ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول )) ، وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آمنا بالله ورسوله))، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم. وإذا برزوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، (١) خالفوا إلى غير ما قالوا عنده ، فعابهم الله، فقال: (( بيت طائفة منهم غير الذى تقول))، يقول : يغيرون ما قال النبى صلى اللّه عليه وسلم . ٩٩٨٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((بيت طائفة منهم غير الذى تقول ))، هم أهل النفاق . ۵ وأما رفع ((طاعة))، فإنه بالمتروك الذى دلّ عليه الظاهر من القول وهو : أمرُك طاعة ، أو: منا طاعة . (٢) ٠٠ ٥ وأما قوله: ((بيت طائفة))، فإن ((التاء)) من ((بيّت)) تحرّكها بالفتح عامة قرأة المدينة والعراق وسائر القرأة، لأنها لام ((فَعَّل)). (١) فى المطبوعة: ((فإذا برزوا)) بالفاء، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٧٨. ٥٦٦ تفسير سورة النساء : ٨١ وكان بعض قرأة العراق يسكّها، ثم يدغمها فى ((الطاء))، لمقاربتها فى المخرج .(١) قال أبو جعفر : والصواب من القراءة فى ذلك ترك الإدغام ، لأنها = أعنى ((التاء)) و((الطاء)) = من حرفين مختلفين. وإذا كان كذلك، كان ترك الإدغام أفصح اللغتين عند العرب، واللغة الأخرى جائزةٌ = أعنى الإدغام فى ذلك = محكبة" . ١ القول فى تأويل قوله ﴿ فَأَغْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَ بِاللهِ وَكِيلًا﴾ (٨) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: ((فأعرض))، يا محمد، عن هؤلاء المنافقين الذين يقولون لك فيما تأمرهم: ((أمرك طاعة))، (٢) فإذا برزوا من عندك خالفوا ما أمرتهم به، وغيّروه إلى ما نهيتهم عنه ، وخلّهم وما هم عليه من الضلالة، وارض لهم بى منتقماً منهم = ((وتوكل)) أنت يا محمد = ((على اللّه))، يقول: وفوّض أنت أمرك إلى اللّه، وثق به فى أمورك، وولّها إياه (٣)= ((وكفى بالله وكيلا))، يقول: وكفاك باللّه = أى: وحسبك بالله = ((وكيلا))، أى: فيما يأمرك، ووليًّا لها، ودافعاً عنك وناصراً . (٤) ٠ (١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٧٩. (٢) انظر تغير ((الإعراض)» فيما سلف ٢: ٢٩٨، ٦/٢٩٩: ٨/٢٩١: ٨٨ (٣) انظر تغير ((التوكل)) فيما سلف: ٧ : ٣٤٦. (٤) انظر تفسير ((الوكيل)) فيما سلف ٧ : ٤٠٥ ٥٦٧ تفسير سورة النساء : ٨٢ القول فى تأويل قوله ﴿أَفَلاَ يَتَدَبِّرُونَ الْقُرْءِانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ أَخْتِلَمَا كَثِيرًا) (١) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (أفلا يتدبرون القرآن))، أفلا يتدبر ١١٤/٥ المبيتون غير الذى تقول لهم، يا محمد، كتاب الله، فيعلموا حجّة الله عليهم فى طاعتك واتباع أمرك، وأن الذى أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم ، لاتساق معانيه ، وائتلاف أحكامه ، وتأیید بعضه بعضاً بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق ، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه ، وتناقضت معانيه ، وأبان بعضه عن فساد بعض ، كما : - ٩٩٨٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً))، أى: قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإنّ قول الناس يختلف . ٩٩٨٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: إن القرآن لايكذّب بعضه بعضاً، ولا ينقض بعضه بعضاً، ما جهل الناس من أمرٍ، (١) فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم ! وقرأ: ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)). قال: فحقٌّ على المؤمن أن يقول: ((كل من عند الله))، ويؤمن بالمتشابه، ولا يضرب بعضه ببعض = وإذا جهل أمراً ولم يعرفه أن يقول: (٢) ((الذى قال اللّه حق))، ويعرف أن اللّه تعالى لم يقل قولاً وينقضه، (٣) ينبغى (١) فى المطبوعة: ((من أمره))، وهو خطأ محض، والصواب ما أثبت من المخطوطة. (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((إذا جهل أمراً)) بإسقاط الواو، وهو لا يستقيم. وهو معطوف على قوله: ((فحق على المؤمن أن يقول ... )). (٣) فى المطبوعة: ((وينقض)) والصواب من المخطوطة. ٥٦٨ تفسير سورة النساء : ٨٣٠٨٢ أن يؤمن بحقيقة ما جاء من اللّه . (١) ٩٩٨٩ -حدثنى يحيى بن أبى طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك قوله: ((أفلا يتدبرون القرآن))، قال: ((يتدبرون))، النظر فيه . القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأُمْنِ أَوِ أَوْفٍ أَذَاعُواْ ◌ِهِ ﴾ قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به))، وإذا جاء هذه الطائفة المبيتة غير الذى يقول رسول الله صلى اللّه عليه وسلم = ((أمرٌ من الأمن))، فالهاء والميم فى قوله: ((وإذا جاءهم))، من ذكر الطائفة المبيتة = يقول جل ثناؤه: وإذا جاءهم خبرٌ عن سريةٍ للمسلمين غازية بأنهم قد أمينوا من عدوهم بغليتهم إياهم = ((أو الخوف))، يقول: أو تخوّفهم من عدوهم بإصابة عدوهم منهم = ((أذاعوا به))، يقول: أفشوه وبثّوه فى الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل مأتى سرا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢) = و((الماء)) فى قوله: ((أذاعوا به))، من ذكر ((الأمر)). وتأويله أذاعوا بالأمر من الأمن أو الخوف الذى جاءهم . ٥ يقال منه: ((أذاع فلان بهذا الخبر، وأذاعه ))، ومنه قول أبى الأسود: بَعَلْيَاءَ نَارٌ أَوْقِدَتْ بِتَقُوبٍ (٣) أَذَاعَ بِهِ فِى النَّاسِ حَّ كَأَنَّهُ (١) فى المطبوعة: ((بحقية ما جاء من الله))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((وقبل أمراء سرايا رسول الله)) وفى المخطوطة: ((وقبل أماما)، وجر مع الميم شبه الراء، فاختلطت الكلمة، ورجحت صواب قراءتها ما أثبت . (٣) ديوانه (فى نفائس المخطوطات: ٢): ٤٤، والأغانى ١٢: ٢٠٥، مجاز القرآن ٥٦٩ تفسير سورة النساء : ٨٣ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . . ذكر من قال ذلك : ٩٩٩٠ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ))، يقول : سارعوا به وأفشوه . ٩٩٩١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ))، يقول : إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم ، أو أنهم خائفون منهم ، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوَّهم أمرُهم . ٩٩٩٢ -حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به))، يقول: أفشوه وسعَوْا به.(١) لأبى عبيدة ١ : ١٣٣، اللسان ( ذيع)، من أبيات قالها أبو الأسود الدؤلى لما خطب امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد، فأسر أمرها إلى صديق له ، فحدث الصديق ابن عم لها كان يخطبها، فشى ابن عمها إلى أهلها وسألهم أن يمنعوها من نكاحه ، ففعلوا، وضاروها حتى تزوجت ابن عمها ، فقال أبو الأسود : ولكِنَّهُ فِ النَّصْحِ غَيْرُ مُرِيبِ أَمِنْتُ أَمْرِهَا فِ السّرِّلمَّ يَكُ حَازِماً بِعَلْيَاء نَارٌ أُوْقِدَتْ بِثَغُوبٍ أَذَاعَ بِهِ فِى النَّاسِ، حَتَّى كَنَّهُ قَوَارِعُهُ مِنْ مُخْطِئٍ وَمُصِيبٍ وَكُنْتَ مََّى لَمَّ تَرْعَ سِرِّكَ تَلْتَبِنْ وَمَ كُلُّ مُؤْتٍ نُصْعَهُ بِلَبِيبٍ فَكُلُّ ذِى نُصْحٍ بِجُوَّتِيكَ نُصْحَهُ فَحُوَّ لهُ مِنْ طَاعَةٍ بِنَصِيبٍ وَلَكِنْ إِذَا مَا أُسْتُجْمِمَا عِنْدَ وَاحِدٍ، وهى أبيات حسان كما ترى، و((الثقوب)): ما أثقبت به النار، أى أوقدتها . (١) فى المطبوعة: ((وشنعوا به))، والصواب من المخطوطة. ((سعى بقلان إلى الوالى))، ٥٧٠ تفسير سورة النساء : ٨٣ ٩٩٩٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج: ((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به))، قال هذا فى الأخبار ، إذا غزت سريّة من المسلمين تخيَّر الناس بيهم فقالوا (١): ((أصاب المسلمين من عدوهم كذا وكذا))، ((وأصاب العدومن المسلمين كذا وكذا))، فأفشوه بينهم ، من غير أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم هو الذى أخبرهم(٢) = قال ابن جريج: قال ابن عباس قوله: ((أذاعوا به))، قال: أعلنوه وأفشوه . ٩٩٩٤ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((أذاعوا به))، قال: نشروه. قال: والذين أذاعوا به، قوم: إمّا منافقون، وإما آخرون ضعفوا . (٣) ٩٩٩٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ يقول: أفشوه وسَعَوْا به ، (٤) وهم أهل النفاق . ٥ القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ١١٥/٥ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ولوردوه ))، الأمر الذى نالهم من عدوهم [ والمسلمين]، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولى أمرهم (٥) = يعنى: وشى به إليه ، وهذا من مجازه : أى: مشى بالخبر حتى يبلغ العدو ، فكأنه وشى بالسرايا إلى عدوهم . وانظر التعليق التالى رقم : ٤ . (١) فى المطبوعة: ((إذا غزت سرية من المسلمين خبر الناس عنها)) غير ما فى المخطوطة إذ لم يفهمه! وقوله: ((تخبر الناس بينهم))، أى تساءلوا عن أخبارهم بينهم: يقال: ((تخبر الخبر واستخبر ))، إذا سأل عن الأخبار اعرفها . (٢) فى المطبوعة: ((هو الذى يخبرهم به))، لا أدرى لم غير ما فى المخطوطة. (٣) فى المطبوعة: ((وإما آخرون ضعفاء)) وأثبت ما فى المخطوطة. (٤) فى المطبوعة: ((وشنعوا به)) كما سلف فى ص ٥٦٩ تعليق: ١. (٥) قوله: ((والمسلمين)) هكذا فى المخطوطة والمطبوعة، ولم أدر ما هو، فتركته على حاله، ووضعته بين القوسين، وأخشى أن يكون سقط من الكلام شىء. وبحذف ما بين القوسين يستقيم الكلام على وجهه . ٥٧١ تفسير سورة النساء : ٨٣ وإلی أمرائهم = وسکتوا فلم یذیعوا ما جاءهم من الخبر ، حتی یکون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ذوو أمرهم، هم الذين يتولون الخبر عن ذلك، (١) بعد أن تثبت عندهم مححته أو بطوله، (٢) فيصححوه إن كان صحيحاً، أو يبطلوه إن كان باطلا= ((لعلمه الذين يستنبطونه منهم))، يقول: لعلم حقيقة ذلك الخبر الذىجاءهم به، الذين يبحثون عنه ويستخرجونه = ((منهم))، يعنى: أولى الأمر = ((والهاء)) ((والميم)) فى قوله: ((منهم))، من ذكر أولى الأمر= يقول: لعلم ذلك من أولى الأمر من يستنبطه . ٥٠ وكل مستخرج شيئاً كان مستتراً عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب ، فهو له:((مستنبط))، يقال: ((استنبطت الركية))، (٣) إذا استخرجت ماءها، ((ونَبَطَتها أنبطها))، و((النَّبَط))، الماء المستنبط من الأرض، ومنه قول الشاعر: (٤) لَهُ نَبَطاً، آبى المَوَانِ قَطُوبُ(٥) قَرِيبٌ ثَرَاهُ ، مَا يَتَالُ عَدُوُّه يعنى :! ((النبط))، الماء المستنبط. ... وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((هم الذين يقولون الخبر عن ذلك)) وهو كلام مريض، صوابه ما أثبت ، وهو تصحيف ناسخ . (٢) فى المطبوعة: ((ثبتت عندهم)) أساء قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة. و((البطول)) مصدر ((بطل الشىء)) ومثله ((البطلان)). (٣) ((الركية)): البئر تحفر. (٤) هو كعب بن سعد الغنوى، أو : غريقة بن مسافع العبسى، وانظر تفصيل ذلك فى التعليق على الأصمعيات ، وتخريج الشعر هناك . (٥) الأصمعيات: ١٠٣، وتخريجه هناك. وقوله: ((قريب الثرى))، يريدون كرمه وخيره. و((الثرى)): التراب الندى، كأنه خصيب الجناب. وقوله: ((ما ينال عدوه له نبطاً))، أى لا يرد ماءه عدو، من عزه ومنعته، إذا حمى أرضاً رهب عدوه بأسه. ((آبى الهوان)) لا يقيم مل ذل. و((قطوب)): عبوس عند الشر ٠٧٢ تفسير سورة النساء : ٨٣ ٩٩٩٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم))، يقول: ولو سكتوا وردوا الحديث إلى النبى صلى اللّه عليه وسلم وإلى أولى أمرهم حتى يتكلم هو به = (( لعلمه الذين يستنبطونه))، يعنى : عن الأخبار، وهم الذين يُنَقِّرون عن الأخبار . ٩٩٩٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ((ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم))، يقول: إلى علمائهم = (( لعلمه الذين يستنبطونه منهم))، لعلمه الذين يفحصون عنه ويهمهم ذلك.(١) ٩٩٩٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج: (( ولو ردوه إلى الرسول»، حتى يكون هو الذى يخبرهم = «وإلى أولى الأمر منهم ))، الفقه فى الدين والعقل. (٢) ٩٩٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية: ((ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم))، العلم (٣) = ((الذين يستنبطونه منهم))، يتتبعونه ويتحسسونه . ١٠٠٠٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال ، أخبرنا ليث، عن مجاهد: ((لعلمه الذين يستنبطونه منهم))، قال : الذين يسألون عنه ويتحسسونه . ١٠٠٠١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، (١) فى المخطوطة: ((يفصحون عنه))، وهو تصحيف، قدم وأخر. (٢) فى المطبوعة: ((أولى الفقه)) زاد ((أولى))، والذى فى المخطوطة صواب أيضاً، على طريقة قدماء المفسرين فى الاختصار ، كما سلف آلافاً من المرات . (٣) فى المطبوعة: ((لعلمه)) مكان ((العلم))، والذى فى المخطوطة صواب، كما سلف فى التعليق السابق، وهو طريقتهم فى الاختصار، ويعنى ((أولى العلم)). ء ٥٧٣ تفسير سورة النساء ٨٣ عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله يستنبطونه))، قال. قولهم: (( ما كان))؟ (((ماذا سمعتم))؟ ١٠٠٠٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله . ١٠٠٠٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن أبى جعفر ، عن الربيع ، عن أبى العالية: ((الذين يستنبطونه))، قال : يتحسسونه . ١٠٠٠٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: (( لعلمه الذين يستنبطونه منهم)) ، يقول : لعلمه الذين يتحسسونه منهم . ١٠٠٠٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: (( يستنبطونه منهم))، قال : يتتبعونه . ١٠٠٠٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به)) حتى بلغ ((وإلى أولى الأمر منهم))، قال: الولاة الذين يَلُون فى الحرب عليهم، (١) الذين يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر . أصدق ، أم كذب ؟ أباطل فيبطلونه ، أو حق فيحقونه ؟ قال: وهذا فى الحرب، وقرأ: ((أذاعوا به))، ولو فعلوا غير هذا: وردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم ، الآية . . .. (١) فى المطبوعة ((الذين يكونون فى الحرب عليهم))، لم يحسن قراءة المخطوطة، فغير وبدل ٥٧٤ تفسير سورة النساء . ٨٣ القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَا تَبَسْتُ الشَّيْطْنَ إلَّ قِلِيلًا) ) قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ولولا إنعام الله عليكم ، أيها المؤمنون، بفضله وتوفيقه ورحمته ، (١) فأنقذكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين = الذين يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر: ((طاعة))، فإذا برزوا من عنده بيت طائفة منهم غير الذى يقول = لكنتم مثلهم ، فاتبعتم الشيطان إلا قليلا ، کما اتبعه هؤلاء الذين وصف صفتهم . ٠ وخاطب بقوله تعالى ذكره: (( ولولافضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان»، ١١٦/٥ الذين خاطبهم بقوله جل ثناؤه: ﴿َأَيُّهَ الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَاُ نْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ أنْفِرُوا جَمِيعاً﴾ [سورة النساء: ٧١]. ... ثم اختلف أهل التأويل فى ((القليل))، الذين استثناهم فى هذه الآية : من هم ؟ ومن أىّ شىء من الصفات استثناهم ؟ فقال بعضهم : هم المستنبطون من أولى الأمر، استثناهم من قوله: ((لعلمه الذين يستنبطونه منهم » ، ونفى عنهم أن يعلموا بالاستنباط ما يعلم به غيرهم من المستنبطين من الخبر الوارد عليهم من الأمن أو الخوف . (٢) • ذكر من قال ذلك : ١٠٠٠٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، (١) انظر تفسير ((الفضل)) فيما سلف: ٥٣٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك (٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٧٩، ويعى أن الاستثناء من ((الاستنباط)) لا من ((الإذاعة)). ٥٧٥ تفسير سورة النساء : ٨٣ عن قتادة قال: إنما هو: ((لعلمه الذين يستنبطونه منهم)) = إلاّ قليلا منهم = ((ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان)). ٠٠٠ ١٠٠٠٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلاّ قليلا))، يقول: لا تبعتم الشيطان كلكم = وأما قوله: ((إلا قليلا))، فهو كقوله: ((لعلمه الذين يستنبطونه منهم» ، إلا قليلا . ١٠٠٠٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا بن المبارك قراءة، عن سعيد، عن قتادة: ((ولو لافضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا))، قال يقول: لا تبعتم الشيطان کلکم. وأما ((إلا قليلا ))، فهو كقوله : لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا . ١٠٠١٠ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج، عن ابن جريج نحوه = يعنى نحو قول قتادة = وقال : لعلموه إلا قليلا . ٠٠٠ وقال آخرون : بل هم الطائفة الذين وصفهم الله أنهم يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طاعة))، فإذا برزوا من عنده بيتوا غير الذى قالوا . ومعنى الكلام : وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به = إلاَ قليلا منهم . • ذكر من قال ذلك : ١٠٠١١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلاّ قليلا))، فهو فى أول الآية لخبر المنافقين ، قال : (((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به))، يعنىبـ ((القليل))، المؤمنين ، [كقوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ للهِ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمَّ يَجْعَلْ لَهُ ٥٧٦ تفسير سورة النساء : ٨٣ [سورة الكهف: ٢٢١] يقول: الحمد لله الذى أنزل الكتاب عدلاً قيما، مِوَجَاً ، قَيّاً) ولم يجعل له عوجاً . (١) ١٠٠١٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد : هذه الآية مقدّمة ومؤخرة ، إنما هى : أذاعوا به إلا قليلا منهم ، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير . ... وقال آخرون: بل ذلك استثناء من قوله: ((لاتبعتم الشيطان)). وقالوا : الذين استثنوا هم قوم لم يكونوا همّوا بما كان الآخرون همّوا به من اتباع الشيطان . فعرَّف اللّه الذين أنقذهم من ذلك موقع نعمته منهم ، واستثنى الآخرين الذين لم يكن منهم فى ذلك ما كان من الآخرين . • ذكر من قال ذلك : ١٠٠١٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: فى قوله: (( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلاّ قليلا))، قال : هم أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كانوا حدّثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان ، إلاّ طائفة منهم. ٠٠٠ وقال آخرون معنى ذلك: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعاً. (١) الأثر: ١٠٠١١ - نص هذا الأثر فى المطبوعة: ((ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان - فانقطع الكلام، وقوله: ((إلا قليلا))، فهو فى أول الآية يخبر عن المنافقين، قال: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به - إلا قليلا. يعنى بالقليل المؤمنين كقول الحمد لله ... )) إلى آخر الأثر. وهو منقول من الدر المنثور ٢: ١٨٧. أما فى المخطوطة، فهو كمثل الذى أثبته، إلا أنه قال أ. آخره: ((يقول الحمد بته الذى أنزل الكتاب عدلا قيما ... )) إلى آخر الكلام . وقد رجحت أن الذى فى المخطوطة من صدر الكلام هو الصواب ، وأن آخر الخبر قد سقط منه ذكر نص الآية من سورة الكهف ، فأثبتها بين الكلامين . وقوله: ((فهو فى أول الآية خبر المنافقين))، يعنى أنه مردود إلى أول الآية فى خبرهم. ثم عقب على ذلك بذكر آية سورة الكهف، وبين ما فيها من التقديم والتأخير. وكأن الذى رجحت هو الصواب. ٠٧٧ تفسير سورة النساء : ٨٣ قالوا: وقوله: ((إلاّ قلبلا))، خرج مخرج الاستثناء فى اللفظ، وهو دليل على الجميع والإحاطة ، وأنه لولا فضل الله عليهم ورحمته لم ينج أحدٌ من الضلالة، فجعل قوله: ((إلا قليلا))، دليلا على الإحاطة، (١) واستشهدوا على ذلك بقول الطرِمّاح بن حكيم، فى مدح يزيد بن المهلب : أَنَُّّ كَثِيرُ يُدِىِّ النَّوَالِ ، قَلِيلُ المَثَالِبِ وَالقَادِعَهْ(٣) قالوا : فظاهر هذا القول وصف الممدوح بأن فيه المثالب والمعايب ، ومعلوم أن معناه أنه لا مثالب فيه ولا معايب. لأن من وصف رجلا بأنّ فيه معايب ، وإن وصف الذى فيه من المعايب بالقلة، فإنما ذمَّه ولم يمدحه . ولكن ذلكعلى ما وصفنا من نفى جميع المعايب عنه. قالوا: فكذلك قوله: ((لا تبعتم الشيطان إلاّ قليلا))، إنما معناه : لا تبعتم جميعكم الشيطان . ... قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب فى ذلك عندى، قولُ من قال: غنى باستثناء ((القليل)) من ((الإذاعة))، وقال: معنى الكلام: وإذا جاءهم ١١٧/٥ أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلاّ قليلا ، ولو ردوه إلى الرسول . وإنما قلنا إن ذلك أولى بالصواب ، لأنه لا يخلو القولُ فى ذلك من أحد الأقوال التى ذكرنا. وغير جائز أن يكون من قوله: ((لاتبعتم الشيطان))، لأن من تفضل اللّه عليه بفضله ورحمته ، فغير جائز أن يكون من تُبَّاع الشيطان . (١) انظرما قاله فى معنى ((قليل)) فيما سلف ٢: ٤٣٩:٨/٣٣١، وما كتبته فى الجزء الأول: ٥٥٤ ، تعليق : ١ . (٢) ديوانه: ١٣٩. ((الأشم)): السيد ذو الأنفة والكبرياء، من ((الشمم)) وهو ارتفاع فى قصبة الأنف، مع استواء أعلاه، وإشراف الأرنبة قليلا. وهو من صفات الكرم والعتق . وقوله ((يدى)) ( بضم الياء وكسر الدال، والياء المشددة) أو (بفتح الياء وكسر الدال وتشديد الياء)، جمع ((يد)) الأول معها على وزن ((فعول))، مثل فلس وفلوس، والثانى جمعها على وزن ((فعيل)) مثل عبد وعبيد. كأنه قال: كثير أيدى النوال. وفى ديوانه: ((يدى)) بفتح الياء والدال وهو خطأ. وفى المخطوطة: ((برى النوادى))، وهو خطأ لا معنى له. و((المثالب)) جمع «مثلبة))، وهى العيوب الجارحة. و((القادحة)) يعنى بها: العيوب التى تقدح فى أصله وخلائته، سماها بالقادحة، وهى الدودة التى تأكل الأسنان ، أو الأشجار ، ووضعها اسما الجمع ج ٨ (٣٧) ٥٧٨ تفسير سورة النساء : ٨٣ وغير جائز أن نحمل معانى كتاب الله على غير الأغلب المفهوم بالظاهر من الخطاب فى كلام العرب ، ولنا إلى حمل ذلك على الأغلب من كلام العرب ، سبيل، فنوجَّهه إلى المعنى الذى وجهه إليه القائلون (١): ((معنى ذلك: لا تبعتم الشيطان جميعاً))، ثم زعم أن قوله: ((إلا قليلا))، دليل على الإحاطة بالجميع. هذا مع خروجه من تأويل أهل التأويل . (٢) وكذلك لا وجه لتوجيه ذلك إلى الاستثناء من قوله: (( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ))، لأن علم ذلك إذا رُدَّ إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم، فبيَّنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولو الأمر منهم بعد وضوحه لهم، استوى فى علم ذلك كلّ مستنبط حقيقته ، (٣) فلا وجه لاستثناء بعض المستنبطين منهم، وخصوص بعضهم بعلمه، مع استواء جميعهم فى علمه . وإذْ كان لا قول فى ذلك إلاّ ما قلنا، ودخَل هذه الأقوال الثلاثة ما بينا من الخلل، (٤) فبيِّنٌ أن الصحيح من القول فى ذلك هو الرابع، وهو القول الذى قضينا له بالصواب من الاستثناء من (( الإذاعة)). (٥) ٠٠ (١) فى المطبوعة: ((فتوجيهه إلى المعنى))، كأنه ابتداء كلام، وهو فساد فى القول، والصواب ما فى المخطوطة، ومن أجل هذا الخطأ فى قراءة المخطوطة، زاد الناشر: ((لا وجه له)) كما سترى فى التعليق التالى . وهو عمل غير حسن . (٢) فى المطبوعة: (( ... من تأويل أهل التأويل، لا وجه له))، فحلفت هذه الكلية التى زادها الناشر، ليستقيم له قراءة الكلام . وانظر التعليق السالف . (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((كل مستنبط حقيقة))، والسياق يقتضى ما أثبت (٤) فى المطبوعة والمخطوطة. ((فدخل))، ولا معى للفاء هنا، والصواب ما أثبته (٥) انظر معانى القرآن الفراء ١ ٢٧٩، ٢٨٠ ٠٧٩ تفسير سورة النساء : ٨٣ القول فى تأويل قوله ﴿ فَقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفَْكَ وَحَرِّضِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفََّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسَ وَأَشَدُّ تَشْكِيلًا﴾ (4) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: (١) ((فقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك))، فجاهد، يا محمد، أعداء الله من أهل الشرك به = ((فى سبيل اللّه))، يعنى: فى دينه الذى شرعه لك، وهو الإسلام، وقاتلهم فيه بنفسك. (٢) فأما قوله: ((لا تكلف إلا نفسك)) فإنه يعنى: لا يكلفك اللّه فيما فرض عليك من جهاد عدوه وعدوك ، إلا ما حمَّك من ذلك دون ما حمَّل غيرك منه ، أى: أنك إنما تُنَّبع بما اكتسبته دون ما اكتسبه غيرك، وإنما عليك ما كُلِّفته دون ما كُلِّفْه غيرك . (٣) ثم قال له: ((وحرض المؤمنين))، يعنى: وحضهم على قتال من أمرتك بقتالهم معك = ((عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا))، يقول: لعل الله أن یکف قتال من کفر بالله وجحد وحدانیته وأنكررسالتك، عنك وعنهم ، ونکایتهم. (٤) ٠٠٠ وقد بينا فيما مضى أن ((عسى)) من اللّه واجبة، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٥) (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يعنى بذلك جل ثناؤه))، والسياق ما أثبت. (٢) انظر تفسير ((سبيل الله)) فيما سلف ٨: ٣٤٧٠، ٥٤٦، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((التكليف)) فيما سلف » : ٤٥. (٤) سياق الكلام ((أن يكف ... عنك وضهم)) ثم عطف ((ونكايتهم)) على قوله: (( قتال من كفر بالله)). (٥) لم أجد هذا الموضع الذى أثار البطبرى، وأخشى أن لا يكون مضى شىء من ذلك، وأنه قد وم . ٥٨٠ تفسير سورة النساء : ٨٥٤٨٤ = ((والله أشد بأساً وأشد تنكيلا))، يقول: والله أشد نكاية فى عدوه، من أهل الكفربه =منهم فيك يا محمد وفى أصحابك، فلا تنكُلَنَّ عن قتالهم، (١) فإنى راصِدُهم بالبأس والنكاية والتنكيل والعقوبة، لأوهن كيدهم ، وأضعف بأسهم ، وأعلى الحق عليهم . و((التنكيل)) مصدر من قول القائل: ((نكلت بفلان))، فأنا أنكل به تنكيلا))، إذا أرجعته عقوبة، (٢) كما : - ١٠٠١٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ((وأشد تنكيلاً)) ، أى عقوبة . القول فى تأويل قوله ﴿ مَّنْ يَشْفَعْ شَظَمَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيِبٌ ◌ِنهاَ وَمَن يَشْفَعْ شَقَمَةً سَبِئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَاَ) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ))، من يَصِرْ، يا محمد ، شفعاً لوتر أصحابك ، فيشفعهم فى جهاد عدوهم وقتالهم فى سبيل الله، وهو (( الشفاعة الحسنة ))(٣) = (( یکن له نصيبمنها))، يقول: يكن له من شفاعته تلك نصيب - وهو الحظ (٤) - من ثواب الله وجزيل كرامته = (( ومن يشفع شفاعة سيئة))، يقول: ومن يشفع وتر أهل الكفر بالله على (١) ((نكل من الشىء)): أحجم وارتد عنه من الفرق. والمعنى: أشد نكاية فى عدوه ... من نكاية عدوه فيك يا محمد (٢) انظر تفسير ((النكال)) و((التنكيل)) فيما سلف ٢ : ١٧٦، ١٧٧. (٣) انظر تغير ((الشفاعة)» فيما سلف ٢: ٣١، ٥/٣٢: ٣٨٢ - ٣٨٤، ٣٩٥. (٤) انظر تفسير ((النصيب)) فيما سلف: ٤٧٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.