النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ تفسير سورة النساء : ٧٤ القول فى تأويل قوله ﴿فَلْيُقَتِلْ فِى سَمِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيْوَةَ الأنيا بِالْأَخِرَةِ وَمَن ◌ُقْتُلِ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيْتَلْ أَوْ يْلِ فَسَوْفَ نُوَّتِهِ أَجْرًا عَظِيماً ) ) قال أبو جعفر: وهذا حضّ من اللّه المؤمنين على جهاد عدوه من أهل الكفر به على أحايينهم = غالبين كانوا أو مغلوبين ، والتهاون بأقوال المنافقين فى جهاد من جاهدوا من المشركين، (١) [ وأن لهم فى] جهادهم إياهم - مغلوبين كانوا أو غالبين - منزلة من الله رفيعة . (٢) يقول الله لهم جل ثناؤه: ((فليقاتل فى سبيل الله))، يعنى: فى دين الله والدعاء إليه، والدخول فيما أمر به أهل الكفربه = ((الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة))، يعنى : الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها . وبيعُهم إياها بها: إنفاقهم أموالهم فى طلب رضى اللّه، لجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، (٣) وبذْلهم مُهَجهم له فى ذلك . * * * أخبر جل ثناؤه بما لهم فى ذلك إذا فعلوه فقال: ((ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً)،، يقول: ومن يقاتل- فى طلب إقامة دين الله وإعلاء كلمة الله - أعداء الله = ((فيقتل))، يقول: فيقتله أعداء اللّه، أو يغلبهم (١) فى المخطوطة والمطبوعة ((والتهاون بأحوال المشركين))، والذى يدل عليه سياق التفسير، هو ما أثبت. ويعنى بذلك ما يقوله المنافق عند هزيمة المسلمين: ((قد أنعم اله على إذ لم أكن معهم شهيداً» ، وقوله إذا كانت الدولة والظفر المسلمين: ((يا ليتنى كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً)). وقوله: ((والتهاون)) عطف على قوله: ((وهذا حض من الله المؤمنين على جهاد عدوه)). (٢) كان مكان ما بين القوسين فى المخطوطة والمطبوعة: ((وقع)) وهو كلام لا يستقيم البتة، فاستظهرت أن يكون صواب سياقه ما أثبت ، أو ما يشبهه من القول . (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((كجهاد من أمر بجهاده))، وصواب السياق وبلجهاد. ٠٠. .. كما أثبتها . ٥٤٢ تفسير سورة النساء: ٧٤، ٧٥ فيظفر بهم = ((فسوف نؤتيه أجراً عظيماً))، يقول: فسوف نعطيه فى الآخرة نواباً وأجراً عظيماً. وليس لما سمى جل ثناؤه ((عظيماً))، مقدار يعرِف مبلغه عبادُ اللّه.(١) ٠٠٠ وقد دلنا على أن الأغلب على معنى: ((شريت))، فى كلام العرب : بعت ، بما أغنى [عن إعادته ]، (٢) وقد : - ٩٩٤٢ -حدثنا محمد بن الحسین قال ،حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((فليقاتل فى سبيل الله الذى بشرون الحياة الدنيا بالآخرة))، يقول : يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة . ٩٩٤٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا بن وهب قال، قال ابن زيد : (((بشرون الحياة الدنيا بالآخرة))، و ((يشرى)): يبيع، و((يشرى)): يأخذ = وإن الحمقى باعوا الآخرة بالدنيا . ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقْتِلُونَ فِ سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَلِ وَأَلنَّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبْنَآَ أَخْرِجْنَ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ اَلْظَالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعََّ لْنَا مِن لَُّنكَ وَلِيًّا وَأَجْعَلَ ◌َنَا مِنِ لَّدُنْكَ نَصِيرًا) ) (١) انظر تفسير ((الأجر)» فيما سلف: ٥٢٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((شرى)) و((اشترى)) فيما سلف ١: ٣١٢ - ٢/٣١٥: ٣٤٠ - ٣٤٢، ٣/٤٥٠: ٤/٣٢٨: ٦/٢٤٦: ٥٢٧ / ٧: ٤٤٢٠ ٤٥٩ / ٨ : ٤٢٨ وزدت ما بين القوسين ، جرياً على نهج عبارته فى مئات من المواضيع السالفة ، والظاهر أن الناسيخ فى أن يكتبها، لأن ((بما أخى)» وقعت فى آخر الصفحة، ثم قلب الورقة إلى الصفحة التالية، و کتب (( وقد )) . ٥٤٣ تفسير سورة النساء : ٧٥ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((وما لكم)) أيها المؤمنون = ((لا تقاتلون فى سبيل الله))، وفى ((المستضعفين))، يقول: عن المستضعفين منكم = (من الرجال والنساء والولدان))، فأمامن ((الرجال))، فإنهم كانوا قد أسلموا بمكة، فغلبتهم عشائرهم على أنفسهم بالقهر لهم، وآذوهم ، ونالوهم بالعذاب والمكاره فى أبدانهم ليفتنوهم عن دينهم، فحضّ اللّه المؤمنين على استنقاذهم من أيدى من قد غلبهم على أنفسهم من الكفار ، فقال لهم: وما شأنكم لا تقاتلون فى سبيل اللّه، وعن مستضعفى أهل دينكم وملتكم الذين قد استضعفهم الكفار فاستذلوهم ابتغاء فتنتهم وصدهم عن دينهم؟ ((من الرجال والنساء والولدان)) = جمع (( ولد)): وهم الصبيان = ((الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها))، يعنى بذلك أن هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، يقولون فى دعائهم ربّهم بأن ينجيهم من فتنة من قد استضعفهم من المشركين: ((يا ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها )) . والعرب تسمى كل مدينة ((قرية))= يعنى: التى قد ظلمتنا وأنفسها أهلُها = وهى فى هذا الموضع ، فيما فسر أهل التأويل ، ((مكة)). ٠ ٠٠ وخفض ((الظالم)) لأنه من صفة ((الأهل))، وقد عادت ((الهاء والألف)) اللتان فيه على (( القرية)). وكذلك تفعل العرب إذا تقدمت صفة الاسم الذى معه عائد لاسم قبلها، (١) أتبعت إعرابها إعرابَ الاسم الذى قبلها ، كأنها صفة له ، فتقول : ((مررت بالرجلِ الكريمِ أبوه)). = (( واجعل لنا من لدنك وليًا))، يعنى: أنهم يقولون أيضاً فى دعائهم: يا ربنا، واجعل لنا من عندك وليًا ، يلى أمرنا بالكفاية مما نحن فيه من فتنة أهل الكفر بك = (١) فى المخطوطة: ((الذى معه عادر لامم قبلها))، وهو سهو من الناسخ، صوابه ما فى المطبوعة. ٥٤٤ تفسير سورة النساء : ٧٥ (((واجعل لنا من لدنك نصيراً))، يقولون: (١) واجعل لنا من عندك من ينصرنا على ١٠٧/٥ من ظلمنا من أهل هذه القرية الظالم أهلها، (٢) بصدُّهم إيانا عن سبيلك، حتى تظفرنا بهم ، وتعلى دينك . ٠٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . . ذكر من قال ذلك . ٩٩٤٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها )) ، قال : أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفى المؤمنين ، كانوا بمكة . ٩٩٤٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد:((والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان : = الصبيان = ((الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها))، مكة = أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة . ٩٩٤٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: (( وما لكم لا تقاتلون فى سبيل اللّه والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها))، يقول: وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله وفى المستضعفين = وأما ((القرية))، فمكة. ٩٩٤٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن عثمان بن عطاء، عن أبى، عن ابن عباس فى قوله: ((وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين))، قال : وفى المستضعفين . (١) انظر تفسير ((الولى))، و«النصيره، فيما سلف من فهارس اللغة. (٢) فى المطبوعة ((من ظلمنا من أهل القرية))، والصواب من المخطوطة ٠٤٥ تفسير سورة النساء : ٧٥ ٩٩٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرنى عبد الله بن كثير : أنه سمع محمد بن مسلم بن شهاب يقول، ((وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان))، قال : فى سبيل الله وسبيل المستضعفين .. ٩٩٤٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحسن وقتادة فى قوله : (( أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها »، قالا: خرج رجل من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت فى الطريق، فتأى بصدره إلى القرية الصالحة ، (١) = فما تلافاه إلاّ ذلك (٢) = فاحتجَّت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، (٣) فأمروا أن يقدُّروا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبْرٍ = وقال بعضهم : قرّب اللّه إليه القرية الصالحة ، فتوفَّته ملائكة الرحمة . ٩٩٥٠ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( والمستضعفين من الرجال والنساء والمولدان)»، هم أناس مسلمون كانوا بمكة، لا يستطيعون أن يخرجوا منها ليهاجروا ، فعذرهم اللّه، فهم أولئك (٤) = وقوله: ((ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها))، فھی مکة . ٩٩٥٠ م- حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله: (١) قوله: ((نأى بصدره)) أى تباعد به. يعنى: تحامل وهو هالك حتى وجه صدره إلى القرية الصالحة، ابتعاداً وإعراضاً عن القرية الظالمة. ومثله: ((نأى بجانبه)). (٢) قوله: ((فما تلافاه إلا ذلك))، أى: لما تداركه وأنقذه من سوء المصير، إلا هذه الإعراضة التى أعرضها من القرية الظالمة . وكانت هذه الجملة غير منقوطة فى المخطوطة. فآثر ناشر المطبوعة حذفها، لما لم يحسن قراءتها وفهمها . (٣) قوله: (احتجت فيه))، أى: اختصمت فيه الملائكة، وألى كل خصم بحجته، ولم يرد هذا الوزن بهذا المعنى فى كتب اللغة، وهو صحيح عريق، وإنما قالوا: ((احتج بالشىء)) اتخذه حجة، أما التخاصم والتنازع فقالوا فيه: ((تحاج القوم)). فهذا من الزيادات الصحيحة على قيد اللغة. (٤) فى المطبوعة: ((وفيهم قوله))، وأثبت ما فى المخطوطة، فهو صواب محض. ج ٨ (٣٠) ٥٤٦ تفسير سورة النساء : ٧٥ ، ٧٦ ((( وما لكم لا تقاتلون فى سبيل اللّه والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها))، قال : وما لكم لا تفعلون ؟ تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين الذين يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها ، فهم ليس لهم قوة ، فما لكم لاتقاتلون حتى يسلم اللّه هؤلاء ودينهم؟ (١) قال: و((القرية الظالم أهلها))، مكة . ٠٠٠ القول فى تأويل قوله ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقْتِلُونَ فِى سَعِلِ الهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اْلَّطُوتِ فَتِلُواْ أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَنِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِفًا ) ) قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره : الذين صدقوا الله ورسوله ، وأيقنوا بموعود الله لأهل الإيمان به = ((يقاتلون فى سبيل الله))، يقول: فى طاعة الله ومنهاج دينه وشريعته التى شرعها لعباده (٢) = ((والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت))، يقول : والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم = (((يقاتلون في سبيل الطاغوت))، (٣) يعنى: فى طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذى شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله . يقول الله، مقوِّياً عزم المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحرِّضهم على أعدائه وأعداء دينه من أهل الشرك به: ((فقاتلوا)) أيها المؤمنون، - «أولياء الشيطان)»، يعنى بذلك: الذين يتولّونه ويطيعون أمره، فى خلاف طاعة الله، والتكذيب به، وينصرونه (٤) = ((إن كيد الشيطان (١) فى المطبوعة: ((حتى يسلم له))، وأثبت ما فى المخطوطة، فهو الصواب. (٢) انظر تفسير ((سبيل الله)) فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (سبل). (٣) انظر تفسير ((الطاغوت)) فيما سلف ٣: ٤١٦ - ٨/٤٢٠: ٤٦١ - ٤٦٥، ٥٠٧-٠١٢ (١) انظر تفسير ((ولى)) فيما سلف من فهارس اللغة. ٥٤٧ تفسير سورة النساء : ٧٦ ، ٧٧ كان ضعيفاً))، يعنى بكيده: ما كاد به المؤمنين، (١) من تحزيبه أولياءه ١٠٨/٥ من الكفار باللّه على رسوله وأوليائه أهل الإيمان به . يقول : فلا تهابوا أولياء الشيطان ، فإنما هم حزبه وأنصاره ، وحزب الشيطان أهل وَهَن وضعف . # وإنما وصفهم جل ثناؤه بالضعف، لأنهم لا يقاتلون رجاء ثواب ، ولا يتركون القتال خوف عقاب، وإنما يقاتلون حمية أو حسداً للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله. والمؤمنون يقاتل من قاتل منهم رجاء العظيم من ثواب الله، ويترك القتال إن تركه على خوف من وعيد اللهفى تركه، فهو يقاتل على بصيرة بما له عند الله إن قتل، وبما له من الغنيمة والظفر إن سلم. والكافر يقاتل على حذر من القتل ، وإياس من معاد ، فهو ذو ضعف وخوف . ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَهُمْ كُفُوّاْ أَيْدِيُّكُمْ وَأَفِعُواْ الصَّلْوَةَ وَمَاتُوْ الزَّكَوَةَ فَأْ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِاَلُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَحْتَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبََّاَ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اُلْفِتَلَ لَوْلَا أَخْرْ تَنَآَ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال أبو جعفر : ذكر أن هذه الآية نزلت فى قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قد آمنوا به وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد ، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون اللّه أن يُفرض عليهم القتال ، فلما فرض عليهم القتال شقّ عليهم ذلك، وقالوا ما أخبر اللّه عنهم فى كتابه . ٠٠ (١) انظر تفسير ((الكيد)) فيما سلف ٧ : ١٥٦. ٥٤٨ تفسير سورة النساء : ٧٧ فتأويل قوله: ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم)»، أم تر بقلبك ، يا محمد، فتعلم (١) = (( إلى الذين قيل لهم))، من أصحابك حين سألوك أن تسأل ربك أن يفرض عليهم القتال = (( كفوا أيديكم)»، فأمسكوها عن قتال المشركين وحربهم = ((وأقيموا الصلاة))، يقول: وأدُّوا الصلاة التى فرضها الله عليكم بحدودها (٢)= ((وآتوا الزكاة))، يقول: وأعطوا الزكاة أهلها الذين جعلها الله لهم من أموالكم ، تطهيراً لأبدانكم وأموالكم (٣) = کرهوا ما أمروا به من كف الأيدى عن قتال المشركين وشق ذلك عليهم = ((فلما كتب عليهم القتال)) ، يقول : فلما فرض عليهم القتال الذى كانوا سألوا أن يفرض عليهم (٤) = ((إذا فريق منهم)) ، يعنى : جماعة منهم (٥) = ((يخشون الناس))، يقول: يخافون الناس أن يقاتلوهم - ((كخشية الله أو أشد خشية))، أو أشد خوفاً(٦) = وقالوا جزءاً من القتال الذى فرض الله عليهم: (( لم كتبت علينا القتال))، لم فرضت علينا القتال ؟ ركوناً منهم إلى الدنيا ، وإيثاراً للدعة فيها والخفض، (٧) على مكروه لقاء العدوّ ومشقة حربهم وقتالهم - ((لولا أخرتنا))، يخبر عنهم، قالوا: هلاًّ أخرتنا = ((إلى أجل قريب))، يعنى : إلى أن يموتوا على فُرُشهم وفى منازلهم. (٨) (١) انظر تفسير: ((ألم تر)) فيما سلف: ٤٢٦، تعليق: ٥، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير: ((إقامة الصلاة)) فيما سلف من فهارس اللغة (قوم). (٣) انظر تفسير: ((إيتاء الزكاة، فيما سلف من فهارس اللغة (أتى) (زكا ). (٤) انظر تفسير ((كتب)) فيما سلف ٥٢٥، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٥) انظر تفسير ((فريق)" سلف ٢: ٢٤٤، ٢٤٥، ٣/٤٠٢: ٦/٥٤٩: ٠٣٥. (٦) انظر تفسير ((الخشية)) فيما سلف ١: ٥٥٩، ٢/٥٦٠: ٢٣٩، ٢٤٣. (٧) فى المطبوعة: ((((وإيثاراً للدعة فيها والحفظ عن مكروه))، وفى المخطوطة: (والحفظ. على مكروه)» وكلاهما خطأ فاسد، والصواب: ((والخفض)) وهو لين العيش، وأما قوله: «على مكروه لقاء العدو» فهو متعلق بقوله: «وإيثار الدعة ... على مكروه ... )). (٨) انظر تفسير ((الأجل)) فيا سلفه: ٦/٧ : ٤٣، ٧٦. : ٥٤٩ تفسير سورة النساء : ٧٧ وبنحو الذى قلنا إنّ هذه الآية نزلت فيه ، قال أهل التأويل . * ذكر الآثار بذلك ، والرواية عمن قاله . ٩٩٥١ - حدثنا محمد بن على بن الحسن بن شقيق قال، سمعت أبى قال ، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس : أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، كنا فى عزّ ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة ! فقال : إنى أمرت بالعفو. فلا تقاتلوا . فلما حوَّله الله إلى المدينة ، أمر بالقتال فكفوا ، فأنزل الله تبارك وتعالى: ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم))، الآية. (١) ٩٩٥٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج، عن عكرمة: (( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم))، عن الناس = ((فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم))، نزلت فى أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: ابن جريج وقوله: (( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب))، قال: إلى أن نموت موتاً، هو ((الأجل القريب)). ٩٩٥٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ))، فقرأ حتى بلغ: ((إلى أجل قريب))، قال : كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة، تسرَّعوا إلى القتال ، فقالوا لنبى الله صلى (١) الأثر: ٩٩٥١ - ((محمد بن على بن الحسن بن شقيق)) مضى برقم: ١٥٩١، ٢٥٧٥، ٠٢٥٩٤ وأبوه: ((على بن الحسن بن شقيق بن دينار)) مضى برقم : ١٩٠٩. وكان فى المطبوعة: (( ... بن الحسين بن شقيق))، وهو خطأ. وهذا الخبر، رواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٣٠٧ مع اختلاف فى لفظه، وقال: (( هذا حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي. ورواه البيهقى فى السنن ٩: ١١، ورواه ابن كثير فى تفسيره ٢ : ٥١٤، من طريق ابن أبى حاتم، وخرجه فى الدر المنثور ٢: ١٨٤، ونسبه إلى هؤلاء وزاد نسبته إلى النسائى . ٥٥٠ تفسير سورة النساء : ٧٧ اللّه عليه وسلم: ذَرْنا نتَّخذ معاول فنقاتل بها المشركين بمكة! فهاهم نبى الله صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك، قال: لم أومر بذلك. فلما كانت الهجرة، وأُمر بالقتال، كره القوم ذلك ، فصنعوا فيه ما تسمعون ، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَتَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً). ١٠٩/٥ ٩٩٥٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ))، قال: هم قوم أسلموا قبل أن يُفرض عليهم القتال، ولم یکن عليهم إلا الصلاة والزكاة ، فسألوا اللّه أن يفرض عليهم القتال = ((فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية)) الآية، إلى ((إلى أجل قريبٍ))(١)، وهو الموت، قال الله: ﴿قُلْ مَتَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾. ٥ وقال آخرون : نزلت هذه وآیات بعدها ، فی الیهود. • ذكر من قال ذلك : ٩٩٥٥ -حدثنا المشی قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ((ألم ترإلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة إلى قوله : ((لا تبعتم الشيطان إلا قليلا))، ما بين ذلك فى اليهود . ٩٩٥٦ -حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثی ابی قال ، حدثی عمی قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم)) إلى قوله: (( لم كتبت علينا القتال))، نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. ٥ (١) فى المطبوعة والمخطوات: ((الآية إلى أجل قريب))، والسياق يقتضى ((إلى)) الثانية. : ٥٥١ تفسير سورة النساء : ٧٧ ، ٧٨ القول فى تأويل قوله ﴿ قُلْ مَتَعُ الثَنْيَا قَلِيلٌ وَاْأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّنِ أَتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (*) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((قل متاع الدنيا قليل))، قل ، يا محمد، لهؤلاء القوم الذين قالوا: «ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب =: عيشكم فى الدنيا وتمتعكم بها قليل، لأنها فانية وما فيها فان (١) = ((والآخرة خير ))، يعنى : ونعيم الآخرة خير ، لأنها باقية ونعيمها باق دائم . وإنما قيل : ((والآخرة خير »، ومعنى الكلام ما وصفت، من أنه معنىّ به نعيمها - لدلالة ذكر ((الآخرة)) بالذى ذكرت به، على المعنى المراد منه = ((لمن اتقى))، يعنى: لمن اتقى الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فأطاعه فى كل ذلك = ((ولا تظلمون فتيلا))، يعنى : ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلا. ٠ ٥ وقد بينا معنى: ((الفتيل))، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته ههنا . (٢) ٥ ٠ ٥ القول فى تأويل قوله ﴿ أَيْتَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكَكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِ بُرُوجِ مُثَيَّدَةٍ ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه := حيثما تكونوا ينلكم الموت فتموتوا = ((ولو كنتم فى بروج مشيَّدة))، يقول: لا تجزعوا من الموت، ولا تهربوا من القتال، وتضعفوا عن لقاء عدوكم، حذراً على أنفسكم من القتل والموت، فإن الموت (١) انظر تفسير ((المناع)، فيما سلف ١: ٥٣٩، ٥٤٠ / ٣: ٥/٥٥: ٢٦٢ / ٦: ٢٥٨ (٢) انظر ما سلف : ٤٥٦ - ٤٦٠. ٥٥٢ تفسير سورة النساء : ٧٨ بإزائكم أين كنتم ، وواصلٌ إلى أنفسكم حيث كنتم ، ولو تحصَّنتم منه بالحصون المنيعة . واختلف أهل التأويل فى معنى قوله: ((ولو كنتم فى بروج مشيدة)). فقال بعضهم : يعنى به : قصور 'محصنة . • ذكر من قال ذلك : ٩٩٥٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (( ولو كنتم فى بروج مشيدة))، يقول: فى قصور محصنة . ٩٩٥٨ - حدثنی علی بن سهل قال، حدثنا مؤمل بن إسمعيل قال ، حدثنا أبو همام قال ، حدثنا كثير أبو الفضل، عن مجاهد قال : كان فيمن كان قبلكم امرأة، وكان لها أجيرٌ، فولدت جارية . فقالت لأجيرها : اقتبس لنا ناراً، فخرج فوجد بالباب رجلاً ، فقال له الرجل : ما ولدت هذه المرأة ؟ قال : جارية . قال : أما إنّ هذه الجارية لا تموت حتى تبغى بمئة، ويتزوجها أجيرها، (١) ويكون موتها بالعنكبوت . قال : فقال الأجير فى نفسه : فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمئة !! فأخذ شفرة فدخل فشق بطن الصبية، وعولحت فبرئت ، فشبَّت ، وكانت تبغى. فأتت ساحلاً من سواحل البحر، فأقامت عليه تبغى . وليث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل : ابغينى امرأة من أجمل امرأة فى القرية أتزوجها ! فقالت : ههنا امرأة من أجمل الناس ، ولكنها تبغى . قال : اثنينى بها . فأنتها فقالت : قد قدم رجل له مال كثير، وقد قال لى: كذا . فقلت له : كذا . فقالت: إنى قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوَّجته ! قال : فتزوجها ، فوقعت منه موقعاً . فبينا هو يوماً عندها إذا أخبرها بأمره ، فقالت : أنا تلك الجارية ! = وأرته الشق فى بطنها = وقد كنت (١) ((تبغى)) من ((البناء))، ((بغت المرأة)): فجرت وزنت. .. ٥٥٣ تفسير سورة النساء : ٧٨ أبغى ، فما أدرى بمئة أو أقل أو أكثر ! قال : فإنّه قال لى : يكون موتها بعنكبوت . (١)قال: فبنى لها برجاً بالصحراء وشيده. فبينما هما يوماً فى ذلك البرج، إذا عنكبوت فى السقف ، فقالت : هذا يقتلنى؟ لا يقتله أحد غيرى ! فحركته فسقط ، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدَخّته ، وساح سمه بين ظفرها واللحم، فاسودت رجلها فماتت. فنزلت هذه الآية: (( أينما تكونوا يدرككم ١١٠/٥ الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة ». (٢) ٩٩٥٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج: (( ولو كنتم فى بروج مشيدة))، قال : قصور مشيدة . ٠٠٠ وقال آخرون : معنى ذلك : قصورٌ بأعيانها فى السماء . • ذكر من قال ذلك : ٩٩٦٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة))، وهى قصور بيض فى سماء الدنيا ، مبنية . ٩٩٦١ - حدثنى المثنى قال،، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد قال ، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع فى قوله: (( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة))، يقول: ولو كنتم فى قصور فى السماء . (٣) (١) فى المطبوعة: ((بالعنكبوت)»، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) الأثر: ٩٩٥٨ - ((كثير أبو الفضل)»، هو: كثير بن يسار الطفاوى ، أبو الفضل البصرى . روى عن الحسن البصرى ، وثابت البنانى وغيرهما . مترجم فى التهذيب . وهذا الأثر أخرجه ابن كثير فى تفسيره ٢ : ٥١٥، من تفسير ابن أبى حاتم، وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢: ١٨٤، ونسبه أيضاً لابن أبى حاتم ، وأبى نعيم فى الحلية. (٣) الأثر: ٩٩٦١ - ((عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ))، مضى برقم : ٢٩٢٩، وهذا الإسناد نفسه مضى أيضاً قبله برقم ٢٩١٩، وكان فى المخطوطة والمطبوعة هنا ((عبد الرحمن بن سعيد))، كما كان فى رقم: ٢٩٢٩، ولكنه سيأتى على الصواب فى المخطوطة والمطبوعة بعد قليل رقم : ٩٩٦٢ ، ٩٩٧٢. ٠٠٤ تفسير سورة النساء : ٧٨ واختلف أهل العربية فى معنى ((المشيدة)). فقال بعض أهل البصرة منهم: ((المشيدة))، الطويلة. قال: وأما( المشيدُ))، بالتخفيف، فأنه المزيّن. (١) وقال آخر منهم نحو ذلك القول، (٢) غير أنه قال: ((المشيد)) بالتخفيف المعمول بالشّيد، و((الشيد)) الحِص". وقال بعض أهل الكوفة: ((المَشيد)) و((المُشَيَّد))، أصلهما واحد، غير أن ما شدُّد منه، فإنما يشدد لنفسه، والفعل فيه فى جمع ، (٣) مثل قولهم: (( هذه ثياب مصبِّغة))، و((غنم مذبَّحة))، فشدد؛ لأنها جمع يفرَّق فيها الفعل . وكذلك مثله، (((قصور مشيدة))، لأن القصور كثيرة تردد فيها التشييد، ولذلك قيل: ((بروج مشيدة))، ومنه قوله: ((وغَلَّقت الأبواب))، وكما يقال: ((كسّرت العودَ))، إذا جعلته قطعاً، أى : قطعة بعد قطعة . وقد يجوز فى ذلك التخفيف، فإذا أفرد من ذلك الواحد ، فكان الفعل يتردد فیه ویگثر تردده فى جمع منه، جاز التشديد عندهم والتخفيف، فيقال منه: ((هذا ثوب مخرَّق)) و((جلد مقطع))، لتردد الفعل فيه وكثرته بالقطع والحرق . وإن كان الفعل لا يكثر فيه ولا يتردد ، ولم يجيزوه إلاّ بالتخفيف، وذلك نحو قولهم: ((رأيت كبشاً مذبوحاً)) ولا يجيزون فيه: ((مذًّبحاً »، لأن الذبح لا يتردد فيه تردد التخرُّق فى الثوب . وقالوا: فلهذا قيل: ((قصر مَشيد))، لأنه واحد، فجعل بمنزلة قولهم : (١) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١ : ١٣٢. (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وقال آخرون منهم))، والسياق يقتضى ما أثبت. (٣) فى المطبوعة: ((فإنما يشدد لتردد الفعل فيه ... ))، غير ما فى المخطوطة، وهو ما أثبته وهو صواب المعنى المطابق للسياق . ٥٥٥ تفسير سورة النساء : ٧٨ ((كبش مذبوح)). وقالوا: جائز فى القصر أن يقال: ((قصر مشيَّد)) بالتشديد ، لتردد البناء فيه والتشييد، ولا يجوز ذلك فى ((كبش مذبوح))، لما ذكرنا. (١) ٥ القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ مُّذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَبِّئَة يَقُولُواْ هُّذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند اللّه))، وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة (٢) = ((يقولوا هذه من عند اللّه))، يعنى: من قبل اللّه ومن تقديره (٣) = ((وإن تصبهم سيئة))، يقول: وإن تتلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم، (٤) = يقولوا لك يا محمد : = ((هذه من عندك))، بخطئك التدبير . وإنما هذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾. وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . # * ذكر من قال ذلك : ٩٩٦٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبى جعفر قالا ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبى العالية فى قوله : (١) هذه مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٧٧. (٢) انظر تفسير ((الإصابة)) فيما سلف: ٥١٤، ٥٣٨ وانظر تفسير ((الحسنة)) فيما سلف ٤ : ٢٠٣ - ٢٠٦. (٣) انظر تفسير ((عند)) فيما سلف: ٢: ٥٠٠ /٧: ٤٩٠، ٤٩٥ (٤) انظر تفسير ((سيئة)» فيما سلف: ٢: ٢٨١، ٢٨٢، /٧: ٤٨٢، ٨/٤٩٠: ٢٥٤ ٥٥٦ تفسير سورة النساء : ٧٨ ((وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك))، قال: هذه فى السراء والضراء. (١) ٩٩٦٣ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن أبى جعفر ، عن الربيع ، عن أبى العالية مثله . ٩٩٦٤ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا بن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : ((وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك)) فقرأ حتى بلغ: ((وأرسلناك للناس رسولا))، قال: إن هذه الآيات نزلت فى شأن الحرب. فقرأ ﴿يَا أَيُّهَ الَِّينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَ كُمْ فَأَنْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوٍ أَنْفِرُوا ◌َجِيماً﴾، فقرأ حتى بلغ: ((وإن تصبهم سيئة))، يقولوا: ((هذه من عند محمد عليه السلام ، أساء التدبير وأساء النظر! ما أحسن التدبير ولا النظر)). ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِنِدِ اللهِ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( قل كل من عند الله))، قل، يا محمد، هؤلاء القائلين إذا أصابتهم حسنة: ((هذه من عند الله))، وإذا أصابتهم سيئة: (( هذه من عندك)) : - كل ذلك من عند الله ، دونى ودون غيرى، من عنده الرخاء والشدة ، ومنه النصر والظفر، ومن عنده الفَلُّ والهزيمة ، (٢) كما : - ٩٩٦٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ١١١/٥ (١) الأثر: ٩٩٦٢ - انظر التعليق على الأثر السالف رقم : ٩٩٦١. (٢) فى المطبوعة: ((القتل والهزيمة))، وفى المخطوطة: ((العال والهزيمة)) غير منقوطة، ورجحت أن صوابها ((الفل))، من قولهم: ((فل القوم يفلهم فلا.)): هزمهم وكسرهم. ٠٠٧ تفسير سورة النساء : ٧٨ قتادة: ((قل كل من عند الله))، النعم والمصائب . ٩٩٦٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله : ((كل من عند الله))، النصر والهزيمة. ٩٩٦٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً))، يقول : الحسنة والسيئة من عند الله ، أما الحسنة فأنعم بها عليك ، وأما السيئة فابتلاك بها . ٥ القول فى تأويل قوله ﴿فَالِ هَؤُلَاء الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ فْتَهُونَ حَدِئاً ﴾﴾) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((فمال هؤلاء القوم))، (١) فما شأن هؤلاء القوم الذين إن تصبهم حسنة يقولوا: ((هذه من عند الله))، وإن تصبهم سيئة يقولوا: ((هذه من عندك)) = ((لا يكادون يفقهون حديثاً))، يقول : لا يكادون يعلمون حقيقة ما تخبرهم به، من أن كل ما أصابهم من خير أو شر، أو ضرّ وشدة ورخاء ، فمن عند الله ، لا يقدر على ذلك غيره ، ولا يصيب أحداً سيئة إلا بتقديره ، ولا ينال رخاءً ونعمة إلا بمشيئته . ٠٠٠ وهذا إعلام من الله عبادَه أن مفاتح الأشياء كلها بيده ، لا يملك شيئاً منها أحد غيره . ٠ (١) قال الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٧٨: (( (قال)، كثرت فى الكلام حتى توهموا أن اللام متصلة ب («ماء، وأنها حرف فى بعضه)). ٥٥٨ تفسير سورة النساء : ٧٩ القول فى تأويل قوله ﴿ مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَاً أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ما أصابك من حسنة فمن اللّه وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، ما يصيبك، يا محمد، من رخاء ونعمة وعافية وسلامة ، فمن فضل الله عليك، يتفضل به عليك إحساناً منه إليك = وأما قوله: (((وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، يعنى: وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه = (( فمن نفسك ))، یعنی : بذنباستوجبتها به،ا کتسبته نفسك، (١) كما :- ٩٩٦٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: (( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، أما (( من نفسك))، فيقول : من ذنبك . ٩٩٦٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، عقوبة، يا ابن آدم بذنبك. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : لا يصيب رجلاً خَدْش عود، ولا عبرة قدم، ولا اختلاج عِرْق، إلاّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر . ٩٩٧٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: (( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، يقول: ((الحسنة))، ما فتح اللّه عليه يوم بدر، وما أصابه من الغنيمة والفتح= و((السيئة))، ما أصابه يوم أُحُد، أنْ شُجَّ فى وجهه و کسرت رباعیته . (١) انظر تفسير ((الحسنة. فيما سلف: ٠٠٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك. وانظر تفسير ((السيئة)) فيما سلف : ••• ، تعليق: ٤، والمراج هناك. ٠٠٩ تفسير سورة النساء : ٧٩ ٩٩٧١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة: (( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، يقول: بذنبك = ثم قال: كل من عند الله، النعم والمصيبات. ٩٩٧٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، وابن أبى جعفر قالا ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبى العالية قوله : ((( ما أصابك من حسنة فمن اللّه وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، قال : هذه فى الحسنات والسيئات .(١) ٩٩٧٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن أبى جعفر ، عن الربيع ، عن أبى العالية مثله . ٩٩٧٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج: (( وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، قال : عقوبةً بذنبك . ٩٩٧٥ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : (( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، بذنبك، كما قال لأهل أحد: ﴿أَوَلَمَا أَصَبْ كُمْ مُصِبَةٌ قَدْ أَمَْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٥]، بذنوبكم. ٩٩٧٦ - حدثنى يونس قال ، حدثنا سفيان ، عن إسمعيل بن أبى خالد ، عن أبى صالح فى قوله: ((وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، قال : بذنبك ، وأنا قدّرتها عليك . ٩٩٧٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، عن إسمعيل بن أبى خالد ، عن أبى صالح فى قوله: (( ما أصابك من حسنة فمن اللّه وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، وأنا الذى قدّرتها عليك. (١) انظر التعليق على الأثرين السالفين : ٩٩٦١، ٩٩٦٢. ٥٦.٠ تفسير سورة النساء : ٧٩ ٩٩٧٨ - حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروق قال، حدثنا محمد بن بشر ١١٢/٥ قال، حدثنیه إسمعیل بن أبى خالد ، عن أبى صالح ، بمثله . ٠٠ ٠ قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما وجه دخول ((مِن)) فى قوله: (( ما أصابك من حسنة)) و ((من سيئة)) ؟ قيل : اختلف فى ذلك أهل العربية . فقال بعض نحوبى البصرة: أدخلت ((من ))لأن ((من)) تحسن مع النفى، مثل: (((ما جاءنى من أحد)).(١) قال: ودخول الخبر بالفاء، لأن ((ما)) بمنزلة ((من)).(٢) ٠٠ ٠ وقال بعض نحوبى الكوفة: أدخلت ((من)) مع (( ما))، كما تدخل على ((إن)) فى الجزاء، لأنهما حرفا جزاء. وكذلك، تدخل مع ((مَن))، إذا كانت جزاء ، فتقول العرب: ((مَن يزرك مين أحد فتكرمه))، كما تقول: ((إن يَزُرك من أحد فتكرمه)). قال: وأدخلوها مع ((ما)) و((مَنْ)) ليعلم بدخولها معهما أنهما جزاء. قالوا: وإذا دخلت معهما لم تحذف ، لأنها إذا حذفت صار الفعل رافعاً شيئين . وذلك أن ((ما)) فى قوله: ((ما أصابك من سيئة)) رفع بقوله: ((أصابك))، (٣) فلو حذفت ((مِن))، رفع قوله: ((أصابك)) ((السيئة"))، لأن معناه: إن تصبك سيئة = فلم يجز حذف ((من)) لذلك، لأن الفعل الذى هو على ((فعل )) أو (يفعل))، لا يرفع شيئين. (٤) وجاز ذلك مع ((من))، لأنها تشتبه بالصفات، (٥) وهى فى موضع اسم. فأما ((إن))فإن (((مِن)) تدخل معها وتخرج، ولا تخرج مع (((أىُ))، لأنها تعرب فيبين فيها الإعراب. ودخلت مع ((ما))، لأن الإعراب لا يظهر فيها. ٠ ٠٠ (١) انظر ما سلف ٢: ١٢٦، ١٢٧، ٤٤٢، ٥/٤٧٠: ٦/٥٨٦: ٠٠١. (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ودخول الخبر بالفاء لازما بمنزلة من))، وهو كلام لا معنى له البتة، صواب قراءته ما أثبت، ويعنى بدخول الفاء فى الخبر قوله: ((فن الله)) و((فمن نفسك)). (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ما أصابك من حسنة))، والسياق يقتضى ذكر الأخرى كما أثبتها. (٤) ((فعل)) أو ((يفعل)»، يعنى الماضى والمضارع. (٥) ((الصفات))، حروف الجر، كما سلف مراراً، فراجعه فى فهارس المصطلحات.