النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ تفسير سورة النساء : ٦٥ ٩٩١٣ - حدثى يعقوب قال، حدثنا إسمعيل بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن ابن إسحق ، عن الزهرى عن عروة ، قال : خاصم الزبير رجل من الأنصار فى شَرْج من شراج الحرّة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: يا زبير، أَشْرِب، ثم خلٌ سبيل الماء. فقال الذى من الأنصار من بنى أمية: (١) اعدل يا نبيَّ اللّه، وإن كان ابن عمتك ! قال: فتغيَّروجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى عُرُف ألفاظهم: ((عن عروة: أن عبد الله بن الزبير حدثه)). وظاهر هذه الأسانيد أنه من حديث ((عبد الله ابن الزبير)) - حكاية القصة ، ليس فيها التصريح بروايته عن أبيه الزبير بن العوام . وقال البخارى عقب هذه الرواية: ((ليس أحد يذكر: عروة عن عبد الله - إلا الليث فقط)). وقد تعقبه الحافظ ابن حجر برواية «النسائى وغيره ) - المطابقة لرواية الطبرى هنا وابن الجارود وابن أبى حاتم - أن يونس بن يزيد الأيلى ذكر فيه ((عن عبد الله بن الزبير))، كما ذكره الليث . بل زاد ابن وهب فى روايته هذه عن يونس والليث: أنه ((عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه الزبير بن العوام». ورواه أحمد فى المسند: ١٤١٩، عن أبى اليمان، عن شعيب، عن الزهرى، قال، ((أخبر نى عروة بن الزبير : أن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلا من الأنصار)) - إلخ . وكذلك رواه البخارى ٥ : ٢٢٧ ( فتح)، عن أبى اليمان، بهذا الإسناد، كرواية أحمد . فهذه الرواية ظاهرها أن عروة يروى الحديث فيها عن أبيه الزبير بن العوام مباشرة. وقد نقل ابن كثير ٢ : ٠٠٢ - ٥٠٣ هذه الرواية عن المسند. ثم قال: ((هكذا رواه الإمام أحمد، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير ، فإنه لم يسمع منه . والذى يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله)). وقد تعقبته فى شرح المسند : ١٤١٩، فقلت : إن الحديث حديث الزبير ، ولا يبعد أن يكون سمعه منه أبناء عبد الله وعروة، وأن يكون عروة سمعه أيضاً من أخيه عبد اللّه، أو ثبته عبد الله فيه. وأما ادعاء أن عروة لم يسمع من أبيه فالأدلة تنقضه ، فإنه كان مراهقاً أو بالغاً عند مقتل أبيه ، كانت سنه ١٣ سنة. وفى التهذيب ٧: ١٨٥: ((قال مسلم بن الحجاج فى كتاب التميز: حج عروة مع عثمان، وحفظ عن أبيه فن دونهما من الصحابة)» . وأزيد هنا أن البخارى صرح فى ترجمة ((عروة)) فى التاريخ الكبير ٣١/١/٤ بسماعه من أبيه، فقال: ((سمع أباه وعائشة وعبد الله بن عمر)). وأن الإمام أحمد روى حديثاً آخر قبله: ١٤١٨، من طريق هشام بن عروة، ((عن عروة، قال: أخبر نى أبى الزبير)) - وإسناده صحيح، وفيه التصريح بسماع عروة من أبيه، وأن الحافظ فى الفتح ٥: ٢٦ قال: ((وإنما مصحه البخارى - مع هذا الاختلاف- اعتماداً على صحة سماع عروة من أبيه)). ورواه عروة أيضاً من عند نفسه ، حكاية القصة ، دون أن يذكر أنه عن أخيه أو عن أبيه - فيكون ظاهره أنه حديث مرسل، كمافى الرواية الآتية عقب هذه، وسيأتى باقى الكلام هناك . (١) فى المطبوعة: حذف قوله: ((من بنى أمية))، كأنه ظن أن ((بنى أمية)) هنا هم القرشيون !! و ((بنو أمية)» هنا: هم بنو أمية بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس. ٥٢٢ تفسير سورة النساء : ٦٥ أن قد ساءه ما قال ، ثم قال: يا زبير، احبس الماء إلى الجدْرٍ =أو: إلى الكعبين= ثم خل سبيل الماء. قال: ونزلت: ((فلاوربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم )) .(١) ٩٩١٤ - حدثنى عبد الله بن عمير الرازى قال، حدثنا عبد الله بن الزبير قال ، حدثنا سفيان قال ، حدثنا عمرو بن دينار ، عن سلمة رجلٍ من ولد أم سلمة ، عن أم سلمة: أن الزبير خاصم رجلاً إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، فقضى النبى صلى الله عليه وسلم للزبير ، فقال الرجل لما قضى الزبير : أن كان ابن عمتك! فأنزل الله: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم (١) الحديث: ٩٩١٣ - إسمعيل بن إبراهيم: هو ابن علية. عبد الرحمن بن إسحق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة : ثقة ، وثقه ابن معين والبخارى وغيرهما . وأخرج له مسلم فى صحيحه. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢١٢/٢/٢ - ٢١٣. وهذا الحديث صورته صورة الإرسال ، كما أشرنا فى الحديث قبله. لأن عروة بن الزبير - وهو تابعى - يحكى القصة ، دون أن يذكر روايته إياها عن أبيه أو عن أخيه . وكذلك رواه يحيى بن آدم فى كتاب الخراج ، رقم : ٣٣٧ ( بتحقيقنا ) ، عن ابن علية ، كرواية الطبرى هذه . وبهذه الصورة - صورة الإرسال - رواه البخارى ٥: ٢٩ (فتح ) ، من طريق معمر ، عن الزهرى، عن عروة، قال: ((خاصم الزبير رجلا)) .- إلخ. وكذلك رواه مرة أخرى ٨: ١٩١، من طريق معمر . وكذلك رواء ٥ : ٣٠، من طريق ابن جريج، عن الزهرى - على صوره الإرسال. وأشار الحافظ فى الفتح ٥ : ٢٦ إلى روايات أخر عن الزهرى توافق روايتى معمر وابن جريج على روايته بصورة الحديث المرسل . والراجح عندى أن عروة سمع الحديث من أبيه مع أخيه عبد اللّه، ولعله لم يتثبت من حفظه تماماً لصغر سنه ، فسمعه مرة أخرى من أخيه . فحدث به على تارات : يذكر أنه عن أخيه عن أبيه . أو يذكر أنه عن أبيه مباشرة . أو يرسل القصة إرسالا دون ذكر واحد منهما لثقته بسماعها واطمئنانه . ولذلك أخرج البخارى فى صحيحه الرواية التى صورتها صورة الإرسال فى موضعين ، توثيقاً منه لثبوته موصولا. وأيد الحافظ فى الفتح ٥: ٢٦ صنيع البخارى هذا بقوله: ((ثم الحديث ورد فى شىء يتعلق بالزبير، فداعية ولده متوفرة على ضبطه)). والحديث - فى أصله - ذكره السيوطى ٢: ١٨٠، وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وعبد بن حميد، وابن المنذر ، والبيهقى . ٥٢٣ تفسير سورة النساء : ٦٥ لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ). (١) ... وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية فى المنافق واليهودىّ اللذين وصف الله صفتهما فى قوله: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ! . • ذكر من قال ذلك : ٩٩١٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما))، قال : هذا الرجل اليهودىُّ والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف . (١) الحديث: ٩٩١٤ - عبد الله بن عمير الرازى - شيخ الطبرى: لم أجد له ترجمة ولا ذكراً فى شىء من المراجع . عبد الله بن الزبير بن عيسى الأسدى: هو الحميدى الإمام الثقة المشهور ، من شيوخ البخارى . قال أبو حاتم: ((هو أثبت الناس فى ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام)). مات سنة ٢١٩. سفيان : هو ابن عيينة . ((سلمة رجل من ولد أم سلمة)): هو ((سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبى سلمة)). مضت ترجمته فى: ٨٣٦٨، ٠٨٣٦٩ وهذا الحديث فيه القصة السابقة التى رواها عروة بن الزبير . وقد أشار إليه الحافظ فى الفتح ٥: ٢٦، قال: ((وقد جاءت هذه القصة من وجه آخر ، أخرجها الطبرى والطيرانى ، من حديث أم سلمة )) . وقد ذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٧ ص ٤)، بنحوه. وقال: ((رواه الطبرانى، وفيه يعقوب بن حميد، وثقه ابن حبان ، وضعفه غيره » . وليس («يعقوب بن حميد)» فى هذا الإسناد - إسناد الطبرى - فهو وجه آخر. وقد ذكره ابن كثير ٢: ٥٠٣ - ٥٠٤ من كتاب ابن مردويه، من طريق الفضل بن دكين ، عن ابن عيينة، بهذا الإسناد. ولكن فيه: ((عن رجل من آل أبى سلمة، قال: خاصم الزبير رجلا)) - إلخ. فلم يذكر فيه ((عن أم سلمة)). وذكره السيوطى ٢: ١٨٠، وزاد نسبته الحميدى - وهو الوجه الذى فى الطبرى هنا - وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد، وابن المنذر . ٥٢٤ تفسير سورة النساء : ٦٥ ٩٩١٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله . ٩٩١٧ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود ، عن الشعبى، بنحوه = إلا أنه قال : إلی الکاهن .(١) ٠ ٠ قال أبو جعفر : وهذا القول = أعنى قول من قال : عنى به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما فى قوله: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك)) = أولى بالصواب، لأن قوله: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)» فى سياق قصة الذين ابتدأ الله الخبر عنهم بقوله: (٢) (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك))، ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم ، فإلحاق بعض ذلك ببعض = ما لم تأت دلالة على انقطاعه == أولى . فإن ظن ظانٌّ أن فى الذى روى عن الزبير وابن الزبير من قصته وقصة الأنصارى فى شراچ الحرة، وقول من قال فی خبرهما: (( فنزلت فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)) = ما ينبئ عن انقطاع حكم هذه الآية وقصتها من قصة الآيات قبلها ، فإنه غير مستحيل أن تكون الآية نزلت فى قصة المحتكمين إلى الطاغوت ، (٣) ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصارى ، إذ كانت الآية دلالة دالة. (٤) وإذا كان ذلك غير مستحيل ، كان إلحاق معنى (١) وهناك قول آخر ذكر الطبرى فيما سلف، دليله فى الأثر رقم: ٥٨١٩، أن الآية نزلت فى رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين، كان له ابنان فتنصرا. وقد بينت آنفاً فى ٥: ٤١٠، تعليق: ٤، أن هذا من الأدلة على اختصار أد جعفر تفسيره هذا . (٢) فى المطبوعة: ((الذين أسدى اللّه الخبر عنهم))، وهو كلام خلو من كل معنى، أوقعه فيه أنه لم يحسن قراءة المخطوطة، ولم يعرف قط قاعدة ناسخها، فإنه يكتب ((ابتدأ)) هكذا: ((ابتدى)) غير منقوطة . (٣) فى المطبوعة: ((فى حصة المحتكمين))، وهو خطأ فى الطباعة. (٤) فى المطبوعة: ((إذا كانت الآية دالة على ذلك))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب. ٥٢٥ تفسير سورة النساء : ٦٥ ، ٦٦ بعض ذلك ببعضٍ ، أولى ، ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد ، إلاّ أن تأتى دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض ، فيُعندَل به عن معنى ما قبله . ٠٠٠ وأما قوله: ((ويسلموا))، فإنه منصوب عطفاً، على قوله: ((ثم لا يجدوا فى أنفسهم = وقوله: ((ثم لا يجدوا فى أنفسهم ))، نصبٌ عطفاًعلى قوله: (( حتى يحكموك فيما شجر بينهم )). القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ افْتُلُواْ أَنْشُتَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيْرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم)»، ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، المحتكمين إلى الطاغوت، أن يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك = أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها (١) = ((ما فعلوه))، يقول : ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ، ولا هاجروا من ديارهم فيخرجوا عنها إلى الله ورسوله، طاعة لله ولرسوله = ((إلا قليل منهم )) . ١٠٢/٥ وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ٩٩١٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: (( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا (١) انظر تفسير ((كتب)) فيما سلف ص: ٨: ١٧٠، تعليق: ١، والمراجع هناك. ٥٢٦ تفسير سورة النساء : ٦٦ أنفسكم))، يهود يعنى = أو كلمة تشبهها = والعرب، (١) كما أمر أصحاب موسى عليه السلام . ٩٩١٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ))، كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضاً بالخناجر ، لم يفعلوا إلاّ قليل منهم . ٩٩٢٠ -حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: (( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أواخرجوا من دياركم ما فعلوه إلاّ قليل منهم » ، افتخر ثابت بن قيس پن شماس ورجل من يهود ، فقال اليهودى: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا ! فقال ثابت : والله لو كُتب علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا! أنزل الله فى هذا: ((( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً)). ٩٩٢١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن إسمعيل، عن أبى إسحق السبيعى قال: لما نزلت: ((ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلاّ قليل منهم))، قال رجل : لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا! فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ من أمتى لَرِجالاً ، الإيمان أثبت فى قلوبهم من الجبال الرَّاسى. ٠٠٠ واختلف أهل العربية فى وجه الرفع فى قوله: (( إلاّ قليل منهم)). فكان بعض نحوبى البصرة يزعم أنه رفع ((قليل))، لأنه جعل بدلاً من الأسماء (١) فى المطبوعة: ((هم يهود يعنى والعرب)). ومثلها فى الدر المنثور ٢: ١٨١، وهو تصرف من السيوطى، وتبعه الناشر الأول، وذلك أنه شك فى معنى ((أو كلمة تشبهها)) فحذفها، وزاد فى أول الكلام ((هم)). ولكن قوله: ((أو كلمة تشبهها، أى: تشبه ((يعنى)» فى معناها، كقولك ((يريد»، أو «أراد)». ٠٢٧ تفسير سورة النساء : ٦٦ المضمرة فى قوله: ((ما فعلوه)) ، لأن الفعل لهم . ٠٠٠ وقال بعض نحوبى الكوفة : إنما رفع على نية التكرير، كأن معناه : ما فعلوه، ما فعله إلاّ قليل منهم ، كما قال عمرو بن معد يكرب : (١) وَكُلُّ أَخِ مُغَرِقُهُ أَخُوهُ، لَعَمْرُ أُبِكُ، إِلَّ الفَرْقَدَانِ(٣) قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب، أن يقال: رفع ((القليل)) بالمعنى الذى دلّ عليه قوله: (( ما فعلوه إلاّ قليل منهم)). وذلك أن معنى الكلام: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أواخرجوا من دياركم ما فعله إلاّ قليل منهم = فقيل: ((ما فعلوه))، على الخبر عن الذين مضى ذكرهم فى قوله: ((ألم ترإلى الذين (١) وأصح، نسبته إلى حضرمى بن عامر الأسدى، وينسب إلى سوار بن المضرب، وهو خطأ. (٢) سيبويه١: ٣٧١ / مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٣١/ البيان والتبيين ١: ٢٢٨ / حماسة البحترى: ١٥١ / الكامل ٢: ٢٩٨ / المؤتلف والمختلف : ٨٥ / الخزانة ٢ : ٥٢ = ٤ : ٧٩ / شرح شواهد المغنى: ٧٨ . هذا ولم أجد أبيات عمرو بن معديكرب، وأما شعر حضرى، فقبل البيت ، وهو شعر جيد : حِذَارَ الشَّامتين، وَقَدْ شَجَانِى وَذِى فَجْعٍ عَزَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ إِلَىَّ ◌ِمُؤْيِدٍ حُبَلَى كَفَانِى أَخِى ثِقَّةٍ ، إذَا مَا الَّيْلُ أَفْضَى قَطَمْتُ قَرِينَتِ عَنْهُ فَأْغَنَى نْناهُ، فَلَنْ أَراءُ وَلَنْ يَرَانِى وَكُلُّ قَرِيَةٍ قُرُنَتْ بِأَغْرِى ، وَلَوْ ضَّنَّتْ بِهَ ، سَقَفَرَّقَانٍ وگُلُّ أَخْ. عَعَفْتُ عَلَيْهِ خَوَّارِ الْمِنَآَنِ وَكُلُّ إِجَابَى إِيَّهُ أَّى وقوله: (( وذی فجع »،أى: صدیق یورث فراقه الفجيعة ، ويردى (( ووى لطف))، ويروى (( وضى فخم ))، يعنى: ذى كبرياء واستعلاء. و((عزف نفسه عن الشىء)): صرفها. و((شجافى)): أحزقى. و((المزيد)) الداهية العظيمة. ((حبل)) تلد شراً بعد شر. و((القرينة)) النفس التى تقاون صاحبها لا تفارقه، حتى يموت. و((خوار العنان)) صفة الفرس إذا كان سهل المعطف لينه كثير الجرى، یعنی ، أنه ينصره فى الحرب حین يستغيث به . ٥٢٨ تفسير سورة النساء : ٦٦ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك))، ثم استثنى (( القليل))، فرفع بالمعنى الذى ذكرنا ، إذ كان الفعل منفيًّاً عنه . ٠٠ وهى فى مصاحف أهل الشام: ﴿ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. وإذا قرئ كذلك، فلا مرْزِثَةَ على قارئه فى إعرابه، (١) لأنه المعروف فى كلام العرب، إذ كان الفعل مشغولاً بما فيه كنايةُ مَنْ قد جرى ذكره، (٢) ثم استثنى منهم (( القليل)). القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ غَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْيَا) ) قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بذلك : ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدُّون عنك صدوداً = ((فعلوا ما يوعظون به))، يعنى: ما يذكرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره (٣) = (لكان خيراً له))، فى عاجل دنياهم، وآجل معادهم= ((وأشد تثبيتاً))، وأثبت لهم فى أمورهم ، وأقوم لهم عليها. (٤) وذلك أن المنافق يعمل على شك ، فعمله يذهب باطلاً، وعناؤه يضمحلّ فيصير هباء، وهو بشکه يعمل على وناء وضعف. (٥) (١) ((المرزنة)) (بفتح الميم، وسكون الراء، وكسر الزاى)، مثل الرزء، والرزينة: وهو المصيبة والعناء والضرر والنقص، وكل ما يثقل عليك، عافاك الله. وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((فلا مرد به على قارئه ))، وهو شىء لا يفهم ولا يقال ! ! (٢) ((الكناية)) الضمير، كما سلف مراراً كثيرة. ثم انظر مقالة أبى عبيدة فى حجاز القرآن ١ : ٠١٣١ (٣) انظر تفسير)) الوعد، فيما سلف ص: ٢٩٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك. (٤) انظر تفسير ((التثبيت)) فيما سلفه: ٣٥٤، ٧/٥٣١: ٢٧٢، ٢٧٣. ولو قال: (وأقوى لهم عليها))، لكان ذلك أرجح عندى، وكلتاهما صواب. (٥) ((الونا)) و((الوفاء)): الفترة والكلال والإعياء والضعف. ٥٢٩ تفسير سورة النساء : ٦٧،٦٦، ٦٨ ولو عمل على بصيرة ، لاكتسب بعمله أجراً ، ولكان له عند اللّه ذخراً ، وكان على عمله الذى يعمل أقوى، ولنفسه أشدَّ تثبيتاً ، لإيمانه بوعد الله على طاعته ، وعمله الذى يعمله. ولذلك قال من قال: معنى قوله: ((وأشد تثبيتاً))، تصديقاً ، كما : - ٩٩٢٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً))، قال : تصديقاً . ٠ =لأنه إذا كان مصدّقاً، كان لنفسه أشد تثبيتاً، ولعزمه فيه أشدّ تصحيحاً. وهو نظير قوله جل ثناؤه: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ أَبْتِغَءَ مَرْضَةِ اللهِ وَ تَشْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [ سورة البقرة: ٢٦٥]. وقد أتينا على بيان ذلك فى موضعه ، بما فيه كفاية من إعادته ، (١) ... القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِذَا لَأَتَبْنَهُم مِّن لَّهُنَّآَ أَجْرَا عَظِيماً ) وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُتَقِيماً﴾ (١٨) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان ١٠٣/٥ خيراً لهم ، لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعِظُوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا = ((أجراً)) يعنى: جزاء وثواباً عظيماً (٢) = وأشد تثبيتاً لعزائمهم وآرائهم، وأقوى لهم على أعمالهم ، لهدايتنا إياهم صراطاً مستقيماً = يعنى: طريقاً لا اعوجاج فيه ، وهو دين الله القويم الذى اختاره لعباده وشرعه لهم، وذلك الإسلام. (٣) ٠٠٠ (١) انظر تفسير الآية فيما سلفه : ٥٣٠ - ٥٣٤. (٢) انظر تفسيره ((الأجر)» فيما سلف ص: ٣٦٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((الصراط المستقيم)) فيما سلف ١: ١٧٠ - ٣/١٧٧: ١٤٠، ٦/١٤١: ٤٤١ . ج ٨ (٢٤) ٥٣٠ تفسير سورة النساء : ٦٨، ٦٩ ، ٧٠ ومعنى قوله: ((وهديناهم))، ولوفَّقناهم الصراط المستقيم.(١) ٠٠٠ ثم ذكر جل ثناؤه ما وعد أهل طاعته وطاعة رسوله عليه السلام ، من الكرامة الدائمة لديه، والمنازل الرفيعة عنده، فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولِئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِينَ وَالصَّدِّيِقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) الآية . القول فى تأويل قوله ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْسَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النِّينَ وَالصَّدِّيِقِينَ وَالشُّهَدَ آءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِقَا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِأَّهِ عَلِيماً) ) قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((ومن يطع الله والرسول)) بالتسليم لأمرهما ، وإخلاص الرضى بحكمهما، والانتهاء إلى أمرهما، والانزجار عما نهيا عنه من معصية الله ، فهو مع الذين أنعم الله عليهم بهدايته والتوفيق لطاعته فى الدنيا من أنبيائه، وفى الآخرة إذا دخل الجنة = ((والصديقين)) وهم جمع ((صديق)). ٠ ۵ واختلف فى معنى: ((الصديقين)). فقال بعضهم: ((الصديقون))، تُبَّاع الأنبياء الذين صدّقوهم واتبعوا منهاجهم بعدهم حتى لحقوا بهم، فكأن ((الصدِّيق))، ((فِعَّيل))، على مذهب قائل هذه المقالة، من ((الصدق ))، كما يقال: ((رجل سیکیر)) من ((السُكر ))، إذا كان مدمناً على ذلك، و((شِرِيبٌ))، و((خبر)). (١) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة. ٠ ٥٣١ تفسير سورة النساء : ٦٩ ، ٧٠ وقال آخرون: بل هو ((فِعِيل)) من ((الصَّدَقَة))، وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو تأويل من قال ذلك، وهو ما : - ٩٩٢٣ -حدثنا به سفیان بن و کیع قال، حدثنا خالد بن مخلد ، عن موسى ابن يعقوب قال ، أخبرتنى عمتى قريبة بنت عبد الله بن وهب بن زمعة ، عن أمها كريمة ابنة المقداد ، (١) عن ضباعة بنت الزبير ، (٢) وكانت تحت المقداد ، عن المقداد قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: شىء سمعته منك شككت فيه ! قال : إذا شكّ أحدكم فى الأمر فليسألى عنه. قال قلت : قولك فى أزواجك : ((إنىّ لأرجو لهن من بعدِىَ الصدِّيقين)) قال: من تَعُدُّون الصديقين؟ (٣) قلت: أولادنا الذين يهلكون صغاراً. قال: لا، ولكن الصدِّيقين هم المصَّدِّقون.(٤) ٥ ٠ وهذا خبر ، لو كان إسناده صحيحاً ، لم نستجز أن نعدوه إلى غيره، ولو كان فى إسناده بعض ما فيه . ٥٠ (١) فى المخطوطة ((كريمة ابنة المقدام)»، وهو خطأ، والصواب ما فى المطبوعة. (٢) فى المخطوطة: ((متاعة بنت الزبير))، خطأ، صوابه فى المطبوعة. (٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((من تعنون الصديقين))، وهو خطأ لا معنى له. والصواب ما أثبت من مختصر هذا الأثر فى منتخب كنز العمال ( هامش المسند ) ٥ : ١١٣. (٤) الحديث : ٩٩٢٣ - سفيان بن وكيع بن الجراح - شيخ الطبرى: ضعيف، كما فصلنا فى : ١٤٢، ١٤٣. موسى بن يعقوب بن عبد اللّه بن وهب بن زمعة بن الأسود ، الزمعى - بسكون الميم - المدنى : ثقة ، وثقه ابن معين وابن القطان وغيرهما . وضعفه ابن المدينى وغيره . مترجم فى التهذيب ، والكبير للبخارى ٢٩٨/١/٤، وابن أبى حاتم ١/٤/ ١٦٧ - ولم يذكرا فيه جرحاً. بل اقتصر ابن أبى حاتم على توثيق ابن معين إياه . قريبة - بالتصغير - بنت عبد الله بن وهب بن زمعة ، عمة موسى بن يعقوب : مترجمة فى التهذيب ، دون جرحها بشىء . أمها: ((كريمة بنت المقداد بن الأسود)): تابعية ثقة . ذكرها ابن حبان فى الثقات . ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، بنت هم النبى صلى الله عليه وسلم: صحابية معروفة. كانت زوجاً المقداد بن الأسود . ولها أحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وعن زوجها المقداد . وهذا الحديث ذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢: ١٨٣، مختصراً، ولم ينسبه لغير ابن جرير . ٥٣٢ تفسير سورة النساء : ٦٩ ، ٧٠ فإذا كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بـ (( الصديق))، أن يكون معناه: المصدّق قوله بفعله. إذ كان ((الفعِيل)) فى كلام العرب، إنما يأتى، إذا كان مأخوذاً من الفعل ، بمعنى المبالغة ، إما فى المدح ، وإما فى الذم ، ومنه قوله جل ثناؤه فى صفة مريم: ﴿وَأْمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [سورة المائدة: ٧٥]. وإذا كان معنى ذلك ما وصفنا ، كان داخلاً من كان موصوفاً بما قلنا فى صفة المتصدقين والمصدقين . ٠ ٠ = ((والشهداء))، وهم جمع ((شهيد))، وهو المقتول فى سبيل الله، سمى بذلك لقيامه بشهادة الحق فى جنب الله حتى قتل. (١) ٠٠٠ = ((والصالحين))، وهم جمع ((صالح))، وهو كل من صلحت سريرته وعلانيته . (٢) وأما قوله جل ثناؤه: ((وحَسُن أولئك رفيقاً))، فإنه يعنى: وحسن، هؤلاء الذين نعتهم ووصفهم ، (٣) رفقاء فى الجنة. ٠٠٠ و((الرفيق)) فى لفظ واحد بمعنى الجميع، (٤) كما قال الشاعر: (٥) ولكنه ذكره فى الجامع الكبير، المسمى ((جمع الجوامع))، كما يدل عليه ذكره فى كتاب (منتخب كنز العمال)) للمتفى الهندى، المطبوع بهامش مسند أحمد - طبيعة الحلبى - ذكره فيه مختصراً ( ج ٥ ص ١١٣)، ونسبه للطبرانى فى الكبير . وقد أعجزنى أن أجده فى مجمع الزوائد، لأنه على شرطه . ولست أعرف إذا كانت روايته عند الطبرانى من طريق سفيان بن وكيع ، أو من طريق راو آخر ، فإن يكن من طريق راو غيره ، كان الإسناد جيداً، لأن جرح سفيان بن وكيع لم يكن من قبل صدقه ، كما بينا فى ترجمته . (١) انظر تفسير ((الشهداء)) فيما سلف: ٣٦٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الصالح)) فيما سلف: ٢٩٣، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٣) انظر ما كتبته فى ((حسن)) ٤: ٤٥٨، تعليق: ٢. (٤) فى المطبوعة: ((بلفظ الواحد))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٥) هو جرير . ٥٣٣ تفسير سورة النساء : ٦٩ ، ٧٠ بِأَسْهُمِ أَعْدَاء، وَهُنَّ صَدِيقُ(١) دَعَوْنَ الَهَوَى، ثُمَّ ارْتَمَيْنَ قُلُوَبَنَا بمعنى : وهن صدائق ... وأما نصب (( الرفيق))، فإن أهل العربية مختلفون فيه . فكان بعض نحوبي البصرة يرى أنه منصوب على الحال ، ويقول : هو كقول الرجل: ((كَرُم زيد رجلاً))، ويعدل به عن معنى: ((نعم الرجل))، ويقول: إن (( نعم)) لا تقع إلا على اسم فيه ((ألف ولام))، أو على نكرة . ٠٠٠ وكان بعض نحوبى الكوفة يرى أنه منصوب على التفسير ، (٢) وينكر أن یکون حالاً، ویستشهد على ذلك بأن العرب تقول: « کرم زيدٌ من رجل»و « حسن أولئك من رفقاء))، وأن دخول ((مِنْ)) دلالة على أن ((الرفيق)) مفسره. قال: وقد حكى عن العرب: ((نَعِمتم رجالاً))، فدل على أن ذلك نظير قوله: (( وحسنتم رفقاء)). ٠٠٠ قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب ، للعلة التى ذكرنا لقائليه . (١) ديوانه: ٣٩٨، وطبقات فحول الشعراء: ٣٥١، واللسان (صدق)، وغيرها كثير. من أبيات ذكر فيهن الحجاج ، قبله أبيات حسان ، تحفظ : وَقَدْ عَلِقْنِ مِنْ هَوَاكِ عَلُوقُ وَ بِتُ أُرَائِى صَحِبَيَّ تَجَلَّدَا وَلاَ أَنْتَ عَصْرًا عَنْ صِبَكَ مُفِيقُ فَكَيْفَ بِهَاَ لاَ الدَّارُ جَلِمَةُ الْهَوَى أَنَجْمَعُ قَلْبَا بِلِرَاقِ فَرِيقُهُ ، كَأَنْ لَمَّ تَقِْ الرَّائِحَتُ عَنِيَّةً أَعَالِجُ بَرْحاً مِنْ هَوَاكِ ، وَثَغَّى أَوَانِىُ، أَمَّا مَنْ أَرَدْنَ عَنَءَهُ دَعَوْنَ الْهَوَى . ومِنْهُ بِأَظْلَاَلِ الأَرَاكِ فَرِيقُ؟ وَ يُسٍْ فِى أَهْلِ الِْرَاقِ وَمِيقُ فُؤَادٌ إِذَا مَا تُذْكَرِينَ خَفُوقُ فَنٍ ، وَمَنْ أَطْلَمْنَ فَهُوَ طَلِيقُ وفى المطبوعة: ((نصبن الهوى))، وهى رواية أخرى، غير التى فى المخطوطة والديوان. (٢) ((التفسير)). التمييز، و((المفسر)»: المميز. كما سلف مراراً. انظر فهرس المصطلحات. ٠٠٠ ٥٣٤ تفسير سورة النساء : ٦٩، ٧٠ وقد ذكر أن هذه الآية نزلت، (١) لأن قوماً حزنوا على فقد رسول الله صلى ١٠٤/٥ اللّه عليه وسلم حذراً أن لا يروه فى الآخرة. • ذكر الرواية بذلك : ٩٩٢٤ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب القمى ، عن جعفر بن أبى المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو مخزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان ، مالى أراك محزوناً ؟ قال: يانبى الله، شىء فكرت فيه ! فقال: ما هو ؟ قال : نحن نغدو عليك ونروح، ننظر فى وجهك ونجالسك ، غداً ترفع مع النبيين فلا نصل إليك ! فلم يردّ النبي صلى الله عليه وسلم عليه شيئاً، فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الآية: (((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)). قال: فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فيشره . ٩٩٢٥ -حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور ، عن أبى الضحى ، عن مسروق قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول اللّه، ما ينبغى لنا أن نفارقك فى الدنيا، فإنك أو قَدْ مِتَّ رُفِعت فوقنا فلم ترك! فأنزل الله: ((ومن يطع الله والرسول))، الآية. ٩٩٢٦ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين))، ذكر لنا أن رجالا قالوا: هذا نبى الله نراه فى الدنيا، فأما فى الآخرة فيرفع فلا نراه ! فأنزل الله: ((ومن يطع الله والرسول)) إلى قوله: ((رفيقاً)). ٩٩٢٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم)) الآية، قال: قال ناس من الأنصار: يا رسول الله، إذا أدخلك الله الجنة فكنت (١) فى المخطوطة: ((وقد ذكرنا أن ... »، والصواب ما فى المطبوعة. ٥٣٥ تفسير سورة النساء : ٦٩، ٧٠ فى أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فأنزل الله ((ومن يطع الله والرسول)). ٩٩٢٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ((ومن يطع الله والرسول))، الآية ، قال : إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أن النبى صلى الله عليه وسلم له فضله على من آمن به فى درجات الجنة، (١) ممن اتبعه وصدقه ، فكيف لهم إذا اجتمعوا فى الجنة أن يرى بعضهم بعضاً؟ فأنزل الله فى ذلك. يقال: (٢) إن الأعلين ينحدرون إلى من هم أسفل منهم فيتجمعون فى رياضها ، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه ، وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم فى رَوْضه يحبرون ويتنعَّمون فيه . (٣) ٠٠ ٠ وأما قوله: ((ذلك الفضل من اللّه))، فإنه يقول: كون من أطاع الله والرسول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين = ((الفضل من اللّه))، يقول : ذلك عطاء الله إياهم وفضله عليهم، لا باستيجابهم ذلك السابقة سبقت لهم . (٤) فإن قال قائل . أو ليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله ؟ قيل : : إنهم لم يطيعوه فى الدنيا إلا بفضله الذى تفضل به عليهم ، فهداهم به لطاعته ، فكل ذلك فضل منه تعالى ذكره . ٠٠٠ وقوله: ((وكفى بالله عليما))، يقول: وحسب العباد بالله الذى خلقهم = ((عليا)) (١) فى المطبوعة: ((له فضل على من آمن))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((فقال))، والصواب ما فى المخطوطة. (٣) فى المطبوعة: ((فى روضة))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٤) انظر تفسير ((الفضل)) فيما سلف ٢: ٥/٣٤٤: ١٦٤، ٦/٥٧١: ٠١٨ / ٧ : ٨/٤١٤،٢٩٩ : ٢٦٨ ٥٣٦ تفسير سورة النساء : ٧٠ ، ٧١ بطاعة المطيع منهم ومعصية العاصى ، فإنه لا يخفى عليه شيء من ذلك ، ولكنه يحصيه عليهم ويحفظه ، حتى يجازى جميعهم ، جزاء المحسنين منهم بالإحسان ، والمسيئين منهم بالإساءة، (١) ويعفو عمن شاء من أهل التوحيد. ٠ القول فى تأويل قوله ﴿يَأُمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَأْ تِفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ أَنْفِرُ واجَيِيماً) ) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: (٢) ((يا أيها الذين آمنوا))، صدَّقُوا الله ورسوله = ((خذوا حذركم))، خذوا جُنَّتكم وأسلحتكم التى تتقون بها من عدوكم لغزوهم وحربهم = ((فانفروا إليهم ثُبات)) . = وهى جمع ((ثبة))، و((الثبة))، العصبة. = ومعنى الكلام : فانفروا إلى عدوكم جماعة بعد جماعة متسلحين . = ومن ((الثبة )) قول زهير : وَقَدْ أَغْدُو عَلَى ثُبَّةٍ كِرَامِ نَشَاوَى وَاجِدِينَ لِمَا نَشَاءِ(٣) (١) فى المطبوعة: ((فيجزى المحسن منهم بالإحسان، والمسئء منهم بالإساءة)) وفى المخطوطة: ((جزاء المحسنبن منهم بالإحسان، والمسىء منهم بالإساءة))، وأثبت ما فى المخطوطة، وأثبت صواب السياق على ما يقتضيه صدر الكلام . (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يعنى بذلك .... والسياق يقتضى ما أثبت. (٣) ديوانه: ٧٢، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٣٢، والساق (ثبا) و (قشا)، وغيرها. من أبيات وصف فيها الشرب ، قد بلغت منهم النشوة، وهم فى ترف من يومهم ، لا يفتقدون شيئاً ثم يقول : لَّهُمْ رَاحٌ، وَرَاوُوقٌ، وَمِسْكٌ ◌ُعَلَّ بِ جُلُودُهُمْ، وَمَاه ٥٣٧ تفسير سورة النساء : ٧١ وقد تجمع ((الثبة)) على ((ثُبِين)).(١) ... =(( أو انفروا جميعاً))، يقول: أو انفروا جميعاً مع نبيكم صلى الله عليه وسلم لقتالهم . ٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ٩٩٢٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية، ١٠٥/٥ عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله : ((خذوا حذركم فانفروا ثبات ))، يقول: عصباً، يعنى سَرابًا متفرقين = ((أو انفروا جميعاً))، يعنى: كلكم. ٩٩٣٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((فانفروا ثبات))، قال: فرقاً ، قليلا قليلا . ٩٩٣١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((فانفروا ثبات))، قال: ((الثبات)) الفرق . ٩٩٣٢ - حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله . ٩٩٣٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: (( فانفروا ثبات))، فهى العصبة ، وهى الثبة = ((أو انفروا جميعاً))، مع النبى صلى الله عليه وسلم. ٩٩٣٤ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا نَفُوسُهُمُ، وَلَّ تَقْطُرَ دِماه أُمَثَّى ◌َيْنَ قَتْلَ قَدْ أُصِيَبَتْ يَجُرُونَ الْبُرُودَ وَقَدْ تَفَتْ حُمَيَّا الْكَأْسِ فِيهِمْ وَالغِنَاءِ (١) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ١٣٢. ٥٣٨ تفسير سورة النساء : ٧١ ، ٧٢ عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((فانفروا ثبات))، يعنى : عصباً متفرقين . ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَإِنَّ مِنَكُمْ لَمَنْ أَيُبَعْثَنَّ فَإِنْ أَصَبَتَّكُم مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْهَ اللهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّمَهُمْ شَهِدًا) ) قال أبو جعفر: وهذا نعت من الله تعالى ذكره للمنافقين، نعتهم لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ووصفهم بصفتهم فقال: ((وإن منكم))، أيها المؤمنون، يعنى: من عداد كم وقومكم، ومن يتشَبه بكم، ويظهر أنه من أهل دعوتكم ومِلَّتكم، وهو منافق يبطئ من أطاعه منكم عن جهاد عدوكم وقتالهم إذا أنتم نفرتم إليهم = ((فإن أصابتكم مصيبة))، (١) يقول: فإن أصابتكم هزيمة، أو نالكم قتل أو جراح من عدوكم = ((قال قد أنعم الله علىّ إذ لم أكن معهم شهيداً))، فيصيبنى جراح أو ألم أو قتل، وسَرَّه تخلّفه عنكم، شماتة بكم، لأنه من أهل الشك فى وعد الله الذى وعد المؤمنين على ما نالهم فى سبيله من الأجر والثواب ، وفى وعيده . فهو غيرُ راج ثواباً ، ولا خائف عقاباً . ٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . · ذکر من قال ذلك : ٩٩٣٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة)) إلى قوله: (فسوف نؤتيه أجراً عظيماً))، ما بين ذلك فى المنافقين. (١) انظر تفسير ((إصابة المصيبة)) فيما سلف: ١٤. ٥٣٩ تفسير سورة النساء : ٧٢ ٩٩٣٦ - حدثنى المثى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله . ٩٩٣٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ((وإن منكم لمن ليبطئن)) عن الجهاد والغزو فى سبيل اللّه = ((فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علىّ إذلم أكن معهم شهيداً))، قال : هذا قول مكذِّب. ٩٩٣٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج قال ، قال ابن جريج: المنافق يبطئ المسلمين عن الجهاد فى سبيل الله، قال الله: ((فإن أصابتكم مصيبة))، قال: بقتل العدومن المسلمين = ((قال قد أنعم الله علىّ إذ لم أكن معهم شهيداً))، قال : هذا قول الشامت . ٩٩٣٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((فإن أصابتكم مصيبة))، قال: هزيمةٌ. ٠٠ ودخلت ((اللام)) فى قوله: ((لمن))، وفتحت، لأنها ((اللام)) التى تدخل توكيداً للخبر مع ((إنَ))، كقول القائل: ((إنّ" فى الدار كلمن يكرمك)). وأما ((اللام)) الثانية التى فى ((ليبطئن))، فدخلت الجواب القسم، كأن معنى الكلام: وإن منكم أيها القوم لمن والله ليبطين .(١) (١) انظر تفصيل ذلك فى معانى القرآن الفراء ١ : ٢٧٥، ٢٧٦. ٥٤٠ تفسير سورة النساء : ٧٣ القول فى تأويل قوله ﴿وَلَئِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلُ مِنَ اللهِ ليَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن ◌َيْنَكُمْ وَيْنَهُ مَوْدَّةٌ غْلَيْقِ كُنْتُ مَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيماً) ) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ((ولئن أصابكم فضل من الله))، ولئن أظفركم الله بعدوكم فأصبتم منهم غنيمة، ليقولن هذا المبطِئُ المسلمين عن الجهاد معكم فى سبيل الله، المنافقُ = « كأن لم یکن بينكم وبينه مودة یالیتی کنت معهم فأفوز))، بما أصيب معهم من الغنيمة = ((فوزاً عظيماً)). ٠٠٠ وهذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين: أنّ شهودهم الحرب مع المسلمين إن شهدوها، لطلب الغنيمة = وإن تخلَّفوا عنها، فالشك الذى فى قلوبهم، وأنهم لا يرجون لحضورها ثواباً ، ولا يخافون بالتخلف عنها من اللّه عقاباً . ٠٠٠ وكان قتادة وابن جريج يقولان: إنما قال من قال من المنافقين إذا كان الظفر للمسلمين: ((يا ليتني كنت معهم)» ، حسداً منهم لهم . ٩٩٤٠ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: (( ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة یا لیتی کنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً )) ، قال : قول حاسد . ١٠٦/٨ ٩٩٤١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قوله: ((ولئن أصابكم فضل من الله))، قال: ظهور المسلمين على عدوهم فأصابوا الغنيمة، ليقولن: ((ياليتنى كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً))، قال : قول الحاسد . ٠