النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ تفسير سورة النساء : ٥٤ ٩٨٢٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، مثله - إلا أنه قال: ((ملكاً))، النبوّة. ٠ ٠ وقال آخرون : بل ذلك تحليلُ النساء. قالوا: وإنما عنى اللّه بذلك: أم يحسدون محمداً على ما أحلّ اللّه له من النساء، فقد أحل الله مثل الذى أحله له منهن ، لداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء ، فكيف لم يحسدوهم على ذلك ، وحسدوا محمداً عليه السلام ؟ • ذكر من قال ذلك : ٩٨٢٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((فقد آتينا آل إبراهيم))، سليمان وداود = ((الحكمة))، يعنى: النبوة = ((وآتيناهم ملكاً عظيماً))، فى النساء، فما باله "حَلّ لأولئك وهم أنبياء : أن ينكح داود تسعاً وتسعين امرأة ، وينكح سلمان مئة ، ولا يحل لمحمد أن ينكح كما نكحوا ؟ ٠ ٥ ٠ وقال آخرون: بل معنى قوله: ((وآتيناهم ملكاً عظيماً)) ، الذى آتى سلمان ابن داود . ذكر من قال ذلك : ٠ ٩٨٢٩ -حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبى قال، حدثی عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((وآتيناهم ملكاً عظيماً)). يعنى ملك سلمان . وقال آخرون : بل كانوا أُيِّدوا بالملائكة . · ذکر من قال ذلك : ٩٨٣٠ - حدثنا أحمد بن حازم الغفارى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا ج ٨ (٣١) ؛ ٤٨٢ تفسير سورة النساء : ٥٥،٥٤ إسرائيل، عن أبى إسحق، عن همام بن الحارث: ((وآتيناهم ملكاً عظيماً))، قال: أُيُّدوا بالملائكة والجنود. ٠ قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية = وهى قوله: ((وآتيناهم ملكاً عظيماً)) = القولُ الذى رُوى عن ابن عباس أنه قال: ((يعنى ملك سليمان)). لأن ذلك هو المعروف فى كلام العرب ، دون الذى قال إنه ملك النبوّة ، ودون قول من قال: إنه تحليلُ النساء والملك عليهن.(١) لأن كلام الله الذى خوطب به العرب ، غيرُ جائز توجيهه إلاّ إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلاّ أن تأتى دلالةٌ أو تقوم حجة على أن ذلك بخلاف ذلك ، يجبُ التسليم لها . القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿فَمِنْهُم مِّنْ ،امَنَ ◌ِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِهَّمَ سَيِيراً) (٥) قال أبو جعفر: یعنی بذلك جل ثناؤه: فمن الذين أوتوا الكتاب= من يهود بنى إسرائيل، الذين قال لهم جل ثناؤه: ((آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها)) = ((مَنْ آمن به))، يقول: من صدَّق بما أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً لما معهم = ((ومنهم من صدّ عنه))، ومنهم من أعرض عن التصديق به، (٢) كما : - ٩٨٣١ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فمنهم من آمن به))، قال: بما أنزل على محمد من بهود= ((ومنهم من صدّ عنه)). (١) انظر تفسير (الملك)) فيما سلف ١: ١٤٨ - ٢/١٥٠: ٥/٤٨٨: ٣١٢، ٣١٤، ٦/٣٧١: ٢٩٩ ، ٠٣٠٠ (٢) انظر تفسير ((الصد)» فيما سلف ٤: ٧/٣٠٠: ٥٣. ٤٨٣ تغير سورة النساء : ٥٥ ٩٨٣٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله . ٠٠٠ قال أبو جعفر : وفى هذه الآية دلالة على أن الذين صدّوا عما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، من يهود بنى إسرائيل الذين كانوا حوالی مُهاجَر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، إنما رَفعَ عنهم وعيدَ اللّه الذى توعدهم به فى قوله: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَاَ مُصَدِّقًا لِمَ مَقَكُمْ مِنْ قَبْلٍ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهَا فَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِ هَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَمَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا)= فى الدنيا، (١) وأخرت عقوبتهم إلى يوم القيامة ، لإيمان من آمن منهم ، وأن الوعيدَ لهم من اللّه بتعجيل العقوبة فى الدنيا ، إنما كان على مقام جميعهم على الكفر بما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . فلما آمن بَعضُهم ، خرجوا ٩٠/٥ من الوعيد الذى توعَّده فى عاجل الدنيا ، وأخرت عقوبةُ المقيمين على التكذيب إلى الآخرة ، فقال لهم: كفاكم بجهنم سعيراً . (٢) ويعنى بقوله: ((وكفى بجهنم سعيراً))، وحسبكم ، أيها المكذبون بما أنزلت على محمد نبي ورسولى = ((بجهنم سعيراً))، يعنى: بنار جهنم، ◌ُسعَرَ عليكم = أى: ◌ُوقدُ عليكم . = وقيل: ((سعيراً))، أصله ((مسعوراً))، من ((سُعِرت تُسعَر فهى مسعورة))، كما قال الله: ﴿وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [ سورة التكوير: ١٢]، ولكنها صرفت إلى ((فعيل))، كما قيل: ((كف خضيب))، و((لحية دهين))، بمعنى: مخضوبة ومدهونة - و ((السعير))، الوقود. (٣) (١) فى الآية السالفة من ((سورة النساء )) رقم : ٤٧. (٢) انظر ما سلف ص: ٤٤٥ س: ٤ وما بعده. (٣) انظر تفسير (السعير)) فيما سلف: ٣٠. ٤٨٤ تفسير سورة النساء : ٥٦ القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَّا يُقِنَاَ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ثَارًا كُلّمَا لَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدْلَهُمْ خُلُودًا غَيْرَمَ لِيَذُوقُواْ أَلَذَابَ ﴾ قال أبو جعفر : هذا وعيد من الله جل ثناؤه الذين أقاموا علی تکلیهم بما أنزل الله على محمد من يهود بنى إسرائيل وغيرهم من سائر الكفار ، وبرسوله . يقول اللّه لهم: إن الذين جحدوا ما أنزلتُ على رسولى محمد صلى الله عليه وسلم ، من آیاتی ۔ یعنی : من آیات تنزيله، ورحی کتابه ، وهی دلالاته وحججه على صدق محمد صلى الله عليه وسلم = فلم يصدقوا به من يهود بنى إسرائيل وغيرهم من سائر أهل الكفر به = ((سوف نصليهم ناراً))، يقول : سوف ننضجهم فى نارٍ "يُصلون فيها = أي يشوون فيها (١) = (( كلما نضجت جلودهم))، يقول: كلما انشوت بها جلودهم فاحترقت = ((بدلناهم جلوداً غيرها))، يعنى : غير الجلود التى قد نضجت فانشوت ، كما : - ٩٨٣٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش ، عن ثوير ، عن ابن عمر: ((كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها))، قال : إذا احترقت جلودهم بدّلناهم جلوداً بيضًا أمثال القراطيس. (٢) ٩٨٣٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ((إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم (١) انظر تفسير ((الإصلاء)» فيما سلف: ٢٧ - ٢٩، ٢٣١ (٢) الأثر: ٩٨٣٣ - ((ثوير))، هو: ثوير بن أبى فاختة سعيد بن علاقة الهاشمى. مضت ترجمته برقم : ٣٢١٢، ٥٤١٤. وفى المطبوعة: ((فوير)»، وفى المخطوطة غير منقوط. فى المطبوعة: ((جلوداً بيضاء))، وهو خطأ، والصواب فى المخطوطة. و((القراطيس)) جمع ((قرطاس)): وهو الصحيفة البيضاء التى يكتب فيها. : : . . ١ ٤٨٥ تفسير سورة النساء : ٥٦ بدلناهم جلوداً غيرَها))، يقول: كلما احترقت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها. ٩٨٣٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((كلما نضجت جلودهم))، قال : سمعنا أنه مكتوب فى الكتاب الأول: جلدُ أحدهم أربعون ذراعاً، (١) وسِنُّه سبعون ذراعاً، وبطنه لو وضع فيه جبل وَسعه. (٢) فإذا أكلت النار جلودهم بُدّلوا جلوداً غيرها . ٩٨٣٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك قال: بلغنى عن الحسن: ((كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها))، قال : ننضجهم فى اليوم سبعين ألف مرة . ٩٨٣٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو عبيدة الحداد ، عن هشام بن حسان، عن الحسن قوله : ((كلما نضجت جلودهم بدلناهم غيرها ))، قال : تنضج النار كل يوم سبعين ألف جلد . قال : وغلظ جلد الكافر أربعون ذراعاً، والله أعلم بأىٌّ ذراع! (٣) قال أبو جعفر: فإن سأل سائل فقال: وما معنى قوله جل ثناؤه: ((كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها )» ؟ وهل يجوز أن يبدّلوا جلوداً غير جلودهم التى كانت لهم فى الدنيا، فيعذَّبوا فيها ؟ فإن جاز ذلك عندك ، فأجز أن يُبدَّلوا أجساماً وأرواحاً غير أجسامهم وأرواحهم التى كانت لهم فى الدنيا فتعدّب ! وإن أجزت ذلك، لزمك أن يكون المعذبون فى الآخرة بالنار ، غيرُ الذين أوعدهم اللّه العقاب على كفرهم به ومعصيتهم إياه ، وأن يكون الكفار قد ارتفع عنهم العذاب !! ٠ ٠ ٠ (١) فى المطبوعة: ((أن جلده ... ))، وأثبت ما فى المخطوطة. وعنى بذلك غلظ الجلد، كما سيأتى فى رقم : ٩٨٣٧ ٠ (٢) فى المطبوعة: ((لوسعه))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٣) الأثر: ٩٨٣٧ - ((أبو عبيدة الحداد))، هو : عبد الواحد بن واصل السدوسى . مضت ترجمته برقم : ٨٢٨٤ . و (( هشام بن حسان القردوسى)) مضى برقم : ٢٨٢٧. ٤٨٦ تفسير سورة النساء : ٥٦ قيل : إن الناس اختلفوا فى معنى ذلك . فقال بعضهم : العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذى هو غير الجلد واللحم ، (١) وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب. وأما الجلد واللحم، فلا يألمان .. قالوا : فسواء أعيد على الكافر جلدهُ الذى كان له فى الدنيا أو جلدٌ غيره ، إذ كانت الجلود غير آلمة ولا معذَّبة، وإنما الآلةُ المعذبةُ: النفسُ التى تُحِس الألم، ويصل إليها الوجع . قالوا: وإذا كان ذلك كذلك ، فغير مستحيل أن يُخْلق لكل كافر فى النار فى كل لحظة وساعة من الجلود ما لا يحصى عدده ، ويحرق ذلك عليه، ليصل إلى نفسه ألم العذاب، إذ كانت الجلود لا تألمُ. ٠ ٠ وقال آخرون : بل الجلودُ تألم، واللحمُ وسائرُ أجزاء جِرْم بنى آدم. وإذا أحرق جلدهُ أو غيره من أجزاء جسده ، وصل ألم ذلك إلى جميعه. قالوا : ومعنى قوله : ((كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها)): بدلناهم جلوداً غير محترقة. ٩١/٥ وذلك أنها تعاد جديدة، والأولى كانت قد احترقتْ، فأعيدت غير محترقة، فلذلك قيل: ((غيرها))، لأنها غير الجلود التى كانت لهم فى الدنيا، التى عصوا الله وهى لهم. قالوا: وذلك نظيرُ قول العرب للصّائغ إذا استصاغته خاتماً من خاتم مَصُوغ، (٢) بتحويله عن صياغته التى هُو بها، إلى صياغة أخرى: ((صُغْ لى من هذا الخاتم خاتماً غيره))، فيكسره ويصوغ له منه خاتماً غيره ، والخاتم المصوغ بالصّياغة الثانية هو الأول، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتماً قيل: ((هو غيره)). قالوا: فكذلك معنى قوله: ((كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها )» ، لما (١) فى المخطوطة: ((الذى هو الجلد واللحم))، وهو لا يستقيم، وأصاب ناشر المطبوعة الأولى فى زيادة ((غير)). (٢) ((استصاغه خاتما)): طلب إليه أن يصوغ له خاتماً. وهذه صيغة لم تذكرها كتب اللغة، وهى عربية معرقة ، وقياس صحيح. : ٠ : ٤٨٧ تفسير سورة النساء : ٥٦ احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الإحراق، (١) قيل: ((هى غيرها))، على ذلك المعنى. ٠٠٠ وقال آخرون : معنى قوله: (( كلما نضجت جلودهم))، (٢) سرابيلهم ، بدلناهم سرابيل من قَطِران غيرها. فجعلت السرابيل [ من ] القطران لهم جلوداً، (٣) كما يقال للشىء الخاص بالإنسان: ((هو جلدة ما بين عينيه ووجهه))، لخصُوصه به. قالوا: فكذلك سرابيل القطران التى قال اللّه فى كتابه: ﴿َرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [سورة إبراهيم: ٥٠]، لما صارت لهم لباساً لا تفارق أجسامهم ، جعلت لهم جلوداً ، فقيل : كلما اشتعل القَطِران فى أجسامهم واحترق ، بدلوا سرابيل من قطران آخر . قالوا : وأما جلود أهل الكفر من أهل النار، فإنها لا تحترق، (٤) لأن فى احتراقها = إلى حال إعادتها = فناءَها، (٥) وفى فنائها راحتها. قالوا: وقد أخبر الله تعالى ذكره عنها: أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم من عذابها . قالوا : وجلود الكفار أحد أجسامهم ، ولو جاز أن يحترق منها شىء فيفنى ثم يعاد بعد الفناء فى النار، جاز ذلك فى جميع أجزائها . وإذا جاز ذلك، وجب أن يكون جائزاً عليهم الفناء، ثم الإعادة والموت ، ثم الإحياء ، وقد أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون . قالوا: وفى خبره عنهم أنهم لا يموتون ، دليل واضح أنه لا يموت شىء من أجزاء أجسامهم ، والجلود أحدُ تلك الأجزاء. ٠ ٠ وأما معنى قوله: ((ليذوقوا العذاب))، فإنه يقول : فعلنا ذلك بهم ، ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته ، بما كانوا فى الدنيا يكذّبون آيات الله ويححدونها. (١) فى المطبوعة: ((الاحتراق))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وقال آخرون: معنى ذلك))، والسياق يقتضى ما أثبت. (٣) الزيادة التى بين القوسين، لا غنى عنها. (٤) فى المطبوعة: ((لا تحرق)، والجيد ما فى المخطوطة كما أثبته. (٥) يعنى : أنها عندئذ تفنى حتى تعاد مرة أخرى، وفناؤه يوجب فترة يخف فيها عنهم العذاب. وهذا باطل كما سترى فى الحجج التالية . ٤٨٨ تفسير سورة النساء : ٥٦ ٤ ٥٧ القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِ يزَّاحِكِيماً﴾ ٥٦ قال أبو جعفر: يقول: إن الله لم يزل (١) = ((عزيزاً)) فى انتقامه ممن انتقم منه من خلقه، لا يقدر على الامتناع منه أحد أراده بضرّ، ولا الانتصار منه أحدٌ أحلّ به عقوبة = ((حكيماً)) فى تدبيره وقضائه. (٢) طه القول فى تأويل قوله ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتٍ سَنُدْخِلُهُمْ جَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَمْهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهْرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاَّ ظَلِيلًا﴾ ( ٥٧ قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات))، والذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وصدقوا بما أنزل الله على محمد مصدّقاً لما معهم من يهود بنى إسرائيل وسائر الأمم غيرهم = ((وعملوا الصالحات))، يقول : وأدّوا ما أمرهم الله به من فرائضه، واجتنبوا ما حرّم الله عليهم من معاصيه ، وذلك هو (( الصالح )) من أعمالهم = (( سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ))، يقول: سوف يدخلهم الله يوم القيامة = ((جنات))، يعنى: بساتين (٣) = ((تجرى من تحتها الأنهار)) ، يقول: تجرى من تحت تلك الجنات الأنهار = ((خالدين فيها أبداً))، يقول: باقين فيها أبداً بغير نهاية ولا انقطاع ، دائماً ذلك لهم فيها أبداً = (لهم فيها أزواج))، يقول: لهم فى تلك الجنات التى وصف صفتها = ((أزواج (١) انظر تغير ((كان)) بمعنى: لم يزل فيما سلف: ٤٢٦، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((عزيز)) و((حكيم)) فى فهارس اللغة. (٣) انظر تفسير ((جنة)) فيما سلف: ٧: ٤٩٤، تعليق: ٤، والمراجع هناك. ٤٨٩ تفسير سورة النساء : ٥٧ مطهرة)) ، يعنى : بريئات من الأدناس والرَّيْب والحيض والغائط والبول والحبّل والبصاق، وسائر ما یکون فی نساء أهل الدنيا . وقد ذکرنا ما فى ذلك من الآثار فما مضى قبل ، وأغنى ذلك عن إعادتها.(١) ٠٠٠ وأما قوله: ((وندخلهم ظلاً ظليلا))، فإنه يقول: وندخلهم ظلا كنيناً، كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [ سورة الواقعة: ٣٠]، وكما : - ٩٨٣٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن = وحدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر = قالا جميعاً ، حدثنا شعبة قال، سمعت أبا الضحاك محدّث، عن أبى هريرة ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إنّ فى الجنة لشجرة" يسيرُ الراكب فى ظلّها مئة عام لا يقطعها، شجرةُ الخلد. (٢) ٠٠ ٠ (١) انظر ما سلف ١ : ٣٩٥ - ٦/٣٩٧ : ٢٦١، ٢٦٢. (٢) الحديث : ٩٨٣٨ - عبد الرحمن : هو ابن مهدى . أبو الضحاك البصرى: تابعى، لم يعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه أحد غير شعبة . مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٣٩٥/٢/٤. والحديث رواه أحمد فى المسند : ٩٨٧٠، عن محمد بن جعفر، وحجاج ، و : ٩٩٥١، عن عبد الرحمن، وهو ابن مهدى - ثلاثتهم عن شعبة. (المسند ٢ : ٤٠٠، ٤٦٢ حلى). وذكر الحافظ المزى فى تهذيب الكمال (مخطوط مصور ) أنه رواه ابن ماجة فى التفسير . وفقله ابن كثير ٢: ٤٩٠، عن هذا الموضع من الطبرى . وأصل الحديث ثابت عن أبى هريرة ، من أوجه كثيرة ، فى المسند والصحيحين وغيرهما ، دون زيادة ((شجرة الخلد)» . انظر المسند : ٧٤٩٠. وقد أشرنا لكثير من طرقه هناك . ٤٩٠ تفسير سورة النساء : ٥٨ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَّدُواْ الْآَمَنَتِ القول فى تأويل قوله ( إنّ اُلله ٥٠,٥-١٦ إِلَى أَهْلِهَ وَإِذَا حَكَمُ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِأَلْعَدْلِ ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية . ٩٢/٥ فقال بعضهم : عنى بها ولاة أمور المسلمين . • ذكر من قال ذلك : ٩٨٣٩ - حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال، حدثنا أبو أسامة ، عن أبى مكين ، عن زيد بن أسلم قال: نزلت هذه الآية: ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها))، فى ولاة الأمر. (١) ٩٨٤٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا ليث، عن شهر قال: نزلت فى الأمراء خاصة: (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )). ٩٨٤١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا إسمعيل ، عن مصعب بن سعد قال : قال علىّ رضى الله عنه كلمات أصاب فيهن : ((حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدِّىّ الأمانة. وإذا فعل ذلك، فحقّ على الناس أن يسمعوا، وأن يُطيعوا، وأن يجيبوا إذا دُعوا)).(٢) ٩٨٤٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا إسماعيل، عن مصعب بن سعد ، عن على بنحوه . (١٠) الأثر: ٩٨٣٩ - ((أبو أسامة)) هو: حماد بن أسامة بن زيد القرشى، مضى برقم: ٥٢٦٥. و ((أبو مكين)) هو: نوح بن ربيعة ، مضى برقم : ٩٧٤٢. (٢) الأثر: ٩٨٤١ - ((مصعب بن سعد بن أبى وقاص الزهرى)). روى عن أبيه، وعلى ، وطلحة، وعكرمة ابن أبى جهل، وغيرهم، تابعى ثقة، قال ابن سعد: ((كان ثقة كثير الحديث)). مترجم فى التهذيب . ٤٩١ تفسير سورة النساء : ٥٨ ٩٨٤٣ - حدثنى محمد بن عبيد المحاربى قال، حدثنا موسى بن عمير ، عن مكحول فى قول الله: ((وأولى الأمر منكم )) ، قال: هم أهلُ الآية التى قبلها: (( إن الله يأمرُ كم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها )) ، إلى آخر الآية . ٩٨٤٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا ابن زيد قال ، قال أبى : هم الوُلاة ، أمرهم أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها . ٥ ٠ ٠ وقال آخرون : أمر السلطان بذلك: أن يعظوا النساء. (١) * ذكر من قال ذلك : ٩٨٤٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: (( إن الله يأمرُكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها))، قال: يعنى السلطان، يعظون النساء. (٢) ... وقال آخرون : الذى خوطب بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فى مفاتيح الكعبة ، أمر برَدّها على عثمان بن طلحة . « ذكر من قال ذلك : ٩٨٤٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قوله: ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها »، قال : نزلت فى عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، قبض منه النبى صلى اللّه عليه وسلم مفتاح الكعبة ، ودخل به البيت يوم الفتح ، (٣) فخرج وهو يتلو هذه الآية ، فدعا عثمان (١) فى المطبوعة: ((أن يعطوا الناس))، غير ما فى المخطوطة، وهو الذى أثبته، ولكنه كان فى المخطوطة غير منقوط، فلم يحسن قراءته ، فكتب ما لا معنى له . والمقصود بذلك أن عل الأمراء أن يعظوا النساء فى النشوز وغيره، حتى يردوهن إلى أزواجهن. وهو القول المنسوب إلى ابن عباس فى كتب التفسير . (٢) فى المطبوعة: ((يعظون الناس))، وهو خطأ. وانظر التعليق السالف. (٣) فى المطبوعة: ((مفاتيح الكعبة، ودخل بها البيت»، وكان فى المخطوطة: ((مفاتيح ٤٩٢ تفسير سورة النساء : ٥٨ فدفع إليه المفتاح . قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية: فداهُ أبى وأمى! (١) ما سمعته يتلوها قبل ذلك ! ٩٨٤٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا الزنجى بن خالد ، عن الزهرى قال : دفعه إليه وقال: أعينوه . (٢) ٠٠٠ قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب فى ذلك عندى، قولُ من قال: هو خطاب من اللّه ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من وَلُوا أمره فى فيتهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم فى القضية، والقسم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وَعظ به الرعية (٣)، فى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِى الْأَمْرِ مِنْكَمْ﴾، فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الرّاعى بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة، كما :- ٩٨٤٨ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله : ﴿يَا أَيُّهَ الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال : قال أبى: هم السلاطين. وقرأ ابن زيد: (ُوَفِى الْمُلْكَ مَنْ نَشَاهِ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءِ﴾ [سورة آل عمران: ٢٦]، وإنما نقول: هم العلماء الذى يُطيفون على الكعبة ودخل به البيت))، ورد اللفظ مفرداً ((المفتاح)) فى هذا الأثر والذى يليه، وكذلك نقله ابن كثير فى تفسيره ٢: ٤٩٢ ((مفتاح الكعبة)» بالإفراد، فصححت نص المخطوطة، كما فى ابن كثير. (١) فى المطبوعة: ((فداؤه أبى وأمى))، وأثبت ما فى المخطوطة وابن كثير. (٢) الأثر: ٩٨٤٧ - ((الزنجى بن خالد)) هو: مسلم بن خالد بن فروة، أبو خالد الزنجى، الفقيه المكى. وإنما سموه ((الزنجى)) قالوا: لأنه كان شديد السواد. وقالوا : لأنه كان أشقر كالبصلة. وقالوا: كان أبيض مشرباً بحمرة، وإنما سمى ((الزنجى))، لمحبته التمر. قالت له جاريته: ((ما أنت إلا زنجى))، لأكل التمر، فبقى عليه هذا اللقب. ومن الزنجى تعلم الشافعى الفقه قبل أن يلتى مالكاً . ولكنهم تكلموا فى حديثه ، فقال البخارى : ((منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به)). وذكروا عللا فى ضعف حديثه وهو صدوق. مترجم فى التهذيب . (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فدل على ذلك ما وعظ به الرعية)»، وهو كلام فاسد جداً ، أخل بحجة الطبرى ، والصواب ما أثبت . ٤٩٣ تفسير سورة النساء : ٥٨ السلطان، (١) ألا ترى أنه أمرهم فبدأ بهم، بالولاة فقال (٢): ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها))؟ و((الأمانات))، هى الفىء الذى استأمنهم على جمعه وقَسْمه، والصدقات التى استأمنهم على جمعها وقسمها = (( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)) الآية كلها . فأمر بهذا الولاة . ثم أقبل علينا نحن فقال : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأُمْرِ مِنْكُمْ﴾. ٠ وأما الذى قال ابن جريج من أنّ هذه الآية نزلت فى عثمان بن طلحة ، فإنه جائز أن تكون نزلت فيه ، وأريد به كل مؤتمن على أمانة ، فدخلَ فيه ولاة أمور المسلمين ، وكلّ مؤمن على أمانة فى دين أو دنيا . ولذلك قال من قال: ◌ُعنى به قضاءُ الدين ، وردّ حقوق الناس ، كالذى : - ٩٨٤٩ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال، حدثنى عى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((إنّ اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها))، فإنه لم يرخص لموسر ولا معسر أن يمسكها. ٩٣/٥ ٩٨٥٠ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة، قوله: ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها))، عن الحسن : أن (١) حذف ناشر المطبوعة هذه الجملة إذ لم يفهمها، وجعل سياق الكلام هكذا: (( ... من تشاء ، ألا ترى أنه أمر فقال: إن الله يأمركم))، وهذا فساد شديد، وهجر للأمانة ، وعبث بكلام أهل التأويل . وقائل هذا الكلام هو ابن زيد ، بعد أن ذكر تأويل أبيه زيد بن أسلم . وقوله: ((يطيفون على السلطان)) هم الذين يقاربونه ويدنيهم فى مجالسه ويستشيرهم . من قوله : ((طاف بالشىء وطاف عليه - وأطاف به وأطاف عليه)): دار حوله. (٢) فى المطبوعة: ((أنه أمر فقال ... )) كما ذكرت فى التعليق السالف. وسياق عبارته أنه أمر العلماء بالولاة - فبدأ بهم ، أى: بالعلماء . والعلماء هم الذين يفتون الولاة فى قسمة الىء والصدقات، لأنهم هم أهل العلم بها. فهذا خطاب العلماء الذين ائتمنوا على الدين . ثم قال الولاة : (( وإذا حكتم بين الناس))، كما ترى فى سياق الأثر . ٤٩٤ تفسير سورة النساء : ٥٨ نیّ اللّه صلى الله عليه وسلم كان يقول: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك . (١) قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذاً = إذا كان الأمر على ما وصفنا =: إن الله يأمركم ، يا معشر ولاة أمور المسلمين ، أن تؤدوا ما ائتمنتكم عليه رعيّتكم من فَيّهم وحقوقهم وأموالهم وصدقاتهم إليهم، على ما أمركم الله بأداء كل شىء من ذلك إلى من هو له ، بعد أن تصير فى أيديكم ، لا تظلموها أهلها ، ولا تستأثروا بشىء منها ، ولا تضعوا شيئاً منها فى غير موضعه، ولا تأخذوها إلاّ ممن أذن الله لكم بأخذها منه قبل أن تصير فى أيديكم = ويأمركم إذا حكتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف ، وذلك حكمُ الله الذى أنزله فى كتابه ، وبيّنه على لسان رسوله، لا تعدُوا ذلك فتجورُوا عليهم . ٠ ٠ القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿إِنَّ اللهَ نِيًا يَعِظُكُمْ بِهِ - إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيرًا) ) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : يا معشر ولاة أمور المسلمين ، إن الله نعم الشىء يعظكم به ، ونعمت العظة يعظكم بها فى أمره إيا كم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بين الناس بالعدل (٢) = ((إن الله كان سميعاً))، يقول: إن الله لم يزل سميعاً بما تقولون وتنطقون، وهو سميع لذلك منكم إذا حكمتم (١) الأثر: ٩٨٥٠ - قال ابن كثير فى تفسيره ٢: ٤٩٠ ((وفى حديث الحسن، عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تمخن من خانك)). رواه الإمام أحمد ، وأهل السنن)). (٢) انظر تفسير ((نعما)) فيما سلف ٥ : ٥٨٢. ٤٩٥ تفسير سورة النساء : ٥٩،٥٨ بين الناس ولما تُحاورونهم به (١) = ((بصيراً)) بما تفعلون فيما ائتمنتم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم ، (٢) وما تقضون به بينهم من أحكامكم: بعدل تحكمون أو جَوْر ، لا يخفى عليه شيء من ذلك، حافظٌ ذلك كلّه، حتى يجازى محسنكم بإحسانه، ومسیٹکم بإساءته ، أو يعفو بفضله . ٠ القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ،امَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ، فإن فى طاعتكم إياه لربكم طاعة ، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته ، كما : - ٩٨٥١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أطاعى فقد أطاع الله، ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى، ومن عصانى فقد عصى الله ، ومن عصى أميرى فقد عصانى . (٣) ٠٠ واختلف أهل التأويل فى معنى قوله: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)). (١) فى المطبوعة: ((ولم تجاوزوهم به))، ولا معنى لها البتة، والصواب ما فى المخطوطة، ولكنه لم يفهم ما أراد ، فحرفه وغيره . (٢) فى المطبوعة: ((فيما انتمنتكم عليه))، غير ما فى المخطوطة لغير شىء. (٣) الحديث: ٩٨٥١ - ورواه أحمد فى المسند مراراً، من طرق مختلفة، منها: ٧٣٣٠، ٧٤٢٨، ٧٦٤٣. ورواه الشيخان وغيرهما ، كما فصلنا هناك . وذكره ابن كثير ٢: ٤٩٧، بقوله: ((وفى الحديث المتفق على صحته)». وهو كما قال. ٤٩٦ تفسير سورة النساء : ٥٩ فقال بعضهم: ذلك أمرٌ من اللّه باتباع سنته . . ذكر من قال ذلك : ٩٨٥٢ - حدثنا المثنى قال: حدثنا عمرو قال، حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء فى قوله: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول))، قال: طاعة الرسول، اتباع 'سنته . ٩٨٥٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا يعلى بن عبيد، عن عبد الملك، عن عطاء: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول))، قال: طاعة الرسول ، اتباع الكتاب والسنة . ٩٨٥٤ - وحدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن عبد الملك، عن عطاء مثله . وقال آخرون: ذلك أمرٌ من الله بطاعة الرّسول فى حياته . . ذكر من قال ذلك: ٩٨٥٥ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : (( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول))، إن كان حيًّاً. قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك أن يقال: هو أمرٌ من اللّه بطاعة رسوله فى حياته فيما أمرَ ونهى، وبعد وفاته باتباع سنته. (١) وذلك أن اللّه عمّ بالأمر بطاعته، ولم يخصص بذلك فى حال دون حال، (٢) فهو على العموم حتى يخصّ ذلك ما يجبُ التسليم له . ٠٠٠ واختلف أهل التأويل فى ((أولى الأمر)) الذين أمر الله عبادَه بطاعتهم فى هذه الآية . (١) فى المطبوعة: ((فى اتباع سنته))، وكان فى المخطوطة ((فى باتباع سنتنا))، وضرب على (( ف)). (٢) فى المطبوعة: ((لم يخصص ذلك))، وأثبت ما فى المخطوطة. - -- ٤٩٧ تفسير سورة النساء : ٥٩ فقال بعضهم : هم الأمراء . • ذكر من قال ذلك : ٩٨٥٦ - حدثنى أبو السائب سلم بن جنادة قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبى صالح ، عن أبى هريرة فى قوله: (( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ))، قال: هم الأمراء. (١) ٩٨٥٧ -حدثنا الحسن بن الصباح البزار قال، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال، أخبرنى يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال: ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم»، نزلت فى رجل بعثه النبى صلى الله عليه وسلم على سرية. (٢) ٥ /٩٤ ٩٨٥٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن هذه الآية نزلت فى عبد اللّه بن حذافة بن قيس السهمى ، إذ بعثه النبى صلى الله عليه وسلم فى السرية. (٣) (١) الحديث: ٩٨٥٦ - هذا موقوف على أبى هريرة. وإسناده صحيح. ومعناه صحيح. وقد ذكره الحافظ فى الفتح ٨: ١٩١، وقال: ((أخرجه الطبرى بإسناد صحيح)). (٢) الحديث : ٩٨٥٧ - يعلى بن مسلم بن هرمز البصرى المكى: ثقة، أخرج له الشيخان. ووثقه ابن معين وأبو زرعة. مترجم فى التهذيب. والكبير البخارى ٤١٧/٢/٤، وابن أبي حاتم ٢٠٢/٢/٤. وهو أخو ((عبد الله بن مسلم)) الآتى فى الإسناد بعده - كما رجحه البخارى وغيره. والحديث رواه أحمد فى المسند : ٣١٢٤، عن حجاج، وهو ابن محمد ، بهذا الإسناد . وفيه تسمية الرجل، أنه «عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى السهمى)). وكذلك رواه البخارى ٨: ١٩٠ - ١٩١، من صدقة بن الفضل، عن حجاج بن محمد ، به . وذكره ابن كثير ٢ : ٤٩٤، من رواية البخارى، ثم قال: «وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة، من حديث حجاج بن محمد الأعور، به . وقال الترمذى: حديث حسن غريب ، ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج)) . وقصة عبدالله بن حذافة رواها أحمد فى المسند : ١١٦٦٢ (ج ٣ ص ٦٧ حلى)، من حديث أبى سعيد الخدرى. وروى معناها أيضاً من حديث على بن أبى طالب : ٦٢٢. (٣) الحديث: ٩٨٥٨ - عبد الله بن سهم بن هرمز: هو أخو يعلى اللى فى الحديث السابق - ج ٨ (٣٢) ٤٩٨ تفسير سورة النساء : ٥٩ ٩٨٥٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث قال: سأل مسلمةُ ميمون بن مهران عن قوله: (( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم))، قال: أصحاب السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ٩٨٦٠ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: (((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم))، قال. قال أبى: هم السلاطين. قال وقال ابن زيد فى قوله: ((وأولى الأمر منكم))، قال أبى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطاعةَ الطاعة، وفى الطاعة بلاء. وقال : ولو شاء لجعل الأمر فى الأنبياء (١) - يعنى: لقد جعلت [ الأمر ] إليهم والأنبياء معهم ، (٢) ألاتریحین حکموا فى قتل یحی بن زکریا؟ ٩٨٦١ -حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضلقال، حدثنا أسباط، عن السدى: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم))، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريّة عليها خالد بن الوليد ، وفيها عمار بن ياسر ، فساروا قِبَل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريباً منهم عرَّسوا، (٣) وأتاهم ذو العُيَيْنَتين فأخبرهم، (٤) فأصبحوا قد هربوا، (٥) غير رجل أمر أهله فجمعوا على الراجح . وعبد الله هذا : فيه ضعف ، مع أن الثورى يروى عنه، والثورى لا يروى إلا عن ثقة . فالظاهر أن ضعفه من قبل حفظه . وهو مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ١٦٤/٢/٢ - ١٦٥. ووقع فى المخطوطة والمطبوعة هنا ((عبيد اللّه))، بدل ((عبد الله)) وهو خطأ واضح. والحديث بمعنى الذى قبله . (١) فى المطبوعة: ((ولو شاء الله لجعل))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((يعنى: لقد جعل إليهم والأنبياء معهم))، وهو مستقيم، ولكنه كان فى المخطوطة: ((لقد جعلت إليهم والأنبياء معهم))، فاستظهرت سقوط ((الأمر))، فوضعته بين قوسين . (٣) ((عرس القوم تعريساً)): إذا نزلوا فى السفر من آخر اليل، يقعون وقعة للاستراحة، ثم ينيخون وينامون نومة خفيفة، ثم يثورون مع انفجار الصبح سائرين . (٤) ((ذو العينتين)) و((ذو العويتين))، و((فر العينين)): الجاسوس. (٥) فى المطبوعة وابن كثير ٢: ٤٩٦((وقد هربوا))، وأثبت ما فى المخطوطة. ٤٩٩ تفسير سورة النساء : ٠٩ متاعهم ، (١) ثم أقبل يمشى فى ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد ، فسأل عن عمار بن ياسر، فأتاه فقال : يا أبا اليقظان ، إنى قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإنّ قومىلما سمعوا بكم هربوا، وإنى بقيت ، فهل إسلامی نافعى غداً، وإلا هربت؟ قال عمار : بل هو ينفعك ، فأقم . فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحداً غير الرجل ، فأخذه وأخذ ماله . فبلغ عماراً الخبر، فأتى خالداً، فقال : خلِّ عن الرجل، فإنه قد أسلم ، وهو فى أمان منى . فقال خالد : وفيم أنت تجير؟ فاستبًّا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم : فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير. فاستباً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال خالد : يا رسول اللّه ، أنترك هذا العبد الأجدع يسبنى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد، لا تسبَّ عماراً، فإنه من سب عماراً سبه اللّه، ومن أبغض عماراً أبغضه اللّه، ومن لعن عماراً لعنه الله . فغضب عمار فقام ، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه ، فرضى عنه . فأنزل الله تعالى قوله : (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم)). (٢) . .. وقال آخرون : هم أهل العلم والفقه . • ذكر من قال ذلك : ٩٨٦٢ - حدثنى سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن على بن صالح ، (٣) عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابربن عبد الله. (١) فى المخطوطة: ((غير رجال من أهله))، وهو فاسد، وأثبت ما فى المطبوعة وتفسير ابن كثير . (٢) الأثر: ٩٨٦١ - أخرجه ابن كثير فى تفسيره ٢: ٤٩٧، ثم قال: ((وهكذا رواه ابن أبى حاتم من طريق ، عن السدى مرسلا . ورواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظهير ، عن السدى، عن أبى صالح ، عن ابن عباس، فذكر بنحوه . والله أعلم » . (٣) الأثر: ٩٨٦٢ - كان هذا الأثر والذى يليه متصلين، (( ... عن جابر بن عبد اقه ٠٠٠ تفسير سورة النساء : ٥٩ ٩٨٦٣ -.... قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن الأعمش ، عن مجاهد فى قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم))، قال: أولى الفقه منكم. (١) ٩٨٦٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا ليث ، عن مجاهد فى قوله: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم))، قال: أولى الفقه والعلم. ٩٨٦٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح: ((وأولى الأمر منكم )) ، قال : أولى الفقه فى الدين والعقل . ٩٨٦٦ -حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله . ٩٨٦٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية ابن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم)) ، يعنى : أهل الفقه والدين . ٩٨٦٨ -حدثی أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن حصين، عن مجاهد: ((وأولى الأمر منكم)) ، قال : أهل العلم . ٩٨٦٩ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء بن السائب فى قوله: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم))، قال : أولى العلم والفقه . قال حدثنا جابر بن نوح)) وهو خطأ وفساد لا شك فيه. وكأن هذا الأثر كان: ((حدثى بذلك سفيان بن وكيع ... )) - أو: ((عن جابر بن عبد الله قال: هم أهل العلم والفقه)). أو ما شابه ذلك . ولكنى وضعت النقط دلالة على الخزم . (١) الأثر: ٩٨٦٣ - كأن صواب هذا الإسناد: ((حدثى أبو كريب ، قال حدثنا جابر بن نوح ))، فإن أبا كريب هو يروى عن جابر بن نوح ، كما سلف مراراً ، أقربها رقم: ٩٨٤٢، ولكنى تركته على حاله ، ووضعت مكان ذلك نقطاً .