النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
تفسير سورة النساء : ٣٢
· ذكر الأخبار بما ذكرنا :
٩٢٣٦ - حدثنا محمد بن بشارقال ، حدثنا مؤمل ، قال حدثنا سفيان ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نعطى
الميراث، ولا نغزو فى سبيل اللّه فتُقتل؟ فنزلت: ((ولا تتمنوا ما فضَّل الله به
بعضكم على بعض)». (١)
٩٢٣٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان الثورى،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، قال : قالت أم سلمة : يا رسول الله ، تغزو
الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث !فنزلت: (( ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم
على بعض للرجال نصيبٌ مما اكتَسَبُوا وللنساء نصيبٌ مما اكتسبن)»، ونزلت
﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: ٣٥].
٩٢٣٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((ولا تتمنَّوا ما فضل ٣١/٥
الله به بعضكم على بعض،، يقول: لا يتمنى الرجل يقول: ((ليت أنّ لى مالَ فلان
وأهلَه)) ! فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله .
٩٢٣٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: (( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على
بعض))، قال: قول النساء: ((ليتنا رجالاً فنغزو ونبلُغ ما يبلغ الرجال))! (٢)
(١) الحديث : ٩٢٣٦ - سفيان فى هذا الإسناد: يجوز أن يكون الثورى، وأن يكون
ابن عيينة . فؤمل يروى عنهما، وكلاهما روى هذا الحديث: الثورى فى الرواية عقب هذه : ٩٢٣٧،
وابن عيينة فى الرواية : ٩٢٤٠١.
وسيأتى تخريج الحديث فى : ٩٢٤١.
(٢) فى المطبوعة: ((ليتنا رجال)) بالرفع، وهو الوجه السائر، أما المخطوطة، فقد كتب
((رجالا))، وضبطها بالقلم ضبطاً، ولذلك أثبتها كما هى فى المخطوطة، و((ليت)) تنصب الاسم
وترفع الخبر ، وبعض التحويين ينصب الاسمين جميعاً، وأنشدوا:
• يإِ لَيْتَ أَيَّامَ الصَّبَا رَاجِماً.

٢٦٢
تفسير سورة النساء : ٣٢
٩٢٤٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض))،
قولُ النساء يتمنين: ((ليتنا رجال فنغزو))! ثم ذكر مثل حديث محمد بن عمرو.
٩٢٤١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن
عيينة ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: أىْ رسول اللّه ،
أتغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصفُ الميراث؟ فنزلت: ((ولا تتمنوا ما
فضل الله)).(١)
وحكى بعض النحويين: أن بعض العرب يستعمل ((ليت))، بمنزلة ((وجدت))، فيعديها
إلى مفعولين، ويجريها مجرى الأفعال، فيقول: ((ليت زيداً شاخصاً)). فرواية الخبر بالنصب،
صواب كما ترى ، لا معنى لتغييره. ولا يحمل هذا على الخطأ من الناسخ، فالظاهر أن أبا جعفر أتى
بالخبر التالى وفيه: ((ليتنا رجال))، لينبه على هذه الرواية بالنصب. وانظر ص ٢٦٤، تعليق: ١.
(١) الحديث : ٩٢٤١ - هو فى تفسير عبد الرزاق، ص: ٤١ ( مخطوط مصور)،
بهذا الإسناد . وقد سبق بإسنادين آخرين : ٩٢٣٦، ٩٢٣٧ .
ورواه أحمد فى المسند ٦ : ٣٢٢ (حلى)، عن سفيان، وهو ابن عينية، بهذا الإسناد.
ورواه الترمذى ٤: ٨٨، عن ابن أبى عمر، عن سفيان. وفيه: ((عن مجاهد ، عن أم سلمة:
أنها قالت: يغزو الرجال ... ))، إلخ.
ورواه الحاكم ٢ : ٣٠٥ - ٣٠٦، من طريق قبيصة بن عقبة، عن سفيان - وهو الثورى -
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((عن أم سلمة: أنها قالت ... )».
ورواه الواحدى فى أسباب النزول، ص ١١٠، من طريق قتيبة، عن ابن عيينة - كرواية
عبد الرازق هنا، وأحمد فى المسند .
فاختلفت صيغة الرواية عن مجاهد. ففى بعضها: ((عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة)).
وفى بعضها: ((عن مجاهد عن أم سلمة: أنها قالت)).
•الصيغة الأولى ظاهرها الإرسال، لأن معناها أن مجاهداً يحكى من قبل نفسه ما قالته أم سلمة
النبى صلى اللّه عليه وسلم، فيكون مرسلا، لأنه لم يدرك ذلك.
والصيغة الثانية ظاهرها الاتصال ، لأن معناها أن مجاهداً يذكر هذا رواية عن أم سلمة . ثم
يختلفون أيضاً فى وصله دون حجة .
فقد قال الترمذى - بعد روايته ((عن مجاهد عن أم سلمة)) -: ((هذا حديث مرسل . ورواه
بعضهم عن ابن أبى نجيح عن مجاهد ، مرسلا: أن أم سلمة قالت كذا وكذا )).
وقال الحاكم - بعد روايته ((عن مجاهد عن أم سلمة)) -: ((هذا حديث على شرط الشيخين ،
إن كان سمع مجاهد من أم سلمة)). ووافقه الذهبي على تصحيحه، وأعرض عن تعليله فلم يشر إليه .

٢٦٣
تفسير سورة النساء : ٣٢
٩٢٤٢ - حدثا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا
معمر ، عن شيخ من أهل مكة قوله: (( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على
بعض))، قال: كان النساء يقلن: ((ليتنا رجال فنجاهد كما يجاهد الرجال ،
ونغزو فى سبيل الله))! فقال الله: ((ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض)).
٩٢٤٣ - حدثنا بشربن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة، عن الحسن قال: تتمنى مالَ فلان ومال فلان! وما يدريك؟ لعل هلاكته
فى ذلك المال !
٩٢٤٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج، عن عكرمة ومجاهد: أنهما قالا: نزلت فى أم سلمة ابنة أبى أمية بن
المغيرة . (١)
وعندى - بما أرى من السياق والقرائن - أن الروايتين بمعنى واحد، وإنما هو اختلا ، فى اللفظ
من تصرف الرواة. وكلها بمعنى ((مجاهد عن أم سلمة)). فقد ثبت اللفظان فى رواية ابن عيينة.
وكذا قد ثبتا فى رواية الثورى، هنا فى: ٩٢٣٧، وفى رواية الحاكم. وقد نقل ابن كثير ٢ : ٤٢٨،
عن ابن أبى حاتم أنه قال: ((وروى يحيى القطان ووكيع بن الجراح ، عن الثورى ، عن ابن أبى نجيح ،
عن مجاهد، عن أم سلمة ، قالت: قلت: يا رسول الله)).
وأما حكم الترمذى فى روايته من طريق ابن عيينة - بأنه حديث مرسل ، فإنه جزم بلا دليل .
وبجاهد أدرك أم سلمة يقيناً وعاصرها ، فإنه ولد سنة ٢١ ، وأم سلمة ماتت بعد سنة ٦٠
على اليقين .
والمعاصرة - من الراوى الثقة - تحمل على الاتصال ، إلا أن يكون الراوى مدلساً. ولم يزعم
أحد أن مجاهداً مدلس ، إلا كلمة قالها القطب الحلبى فى شرح البخارى ، حكاها عنه الحافظ فى
التهذيب ١٠: ٤٤، ثم عقب عليها بقوله: ((ولم أر من نسبه إلى التدليس)). وقال الحافظ أيضاً
فى الفتح ٦: ١٩٤، رداً على من زعم أن مجاهداً لم يسمع من عبد الله بن عمرو -: ((لكن سماع
مجاهد بن عبد الله من عمرو ثابت، وليس بمدلس)).
فثبت عندنا اتصال الحديث ومحته . والحمد لله .
والحديث ذكره ابن كثير ٢ : ٤٢٨، من رواية المسند، ثم أشار إلى روايات الترمذى،
وابن أبى حاتم ، وابن مردويه ، وابن جرير ، والحاكم .
وذكره السيوطى ٢ : ١٤٩، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وسعيد بن منصور ، وابن المنذر .
(١) الأثر: ٩٢٤٤ - ابن كثير ٢: ٤٢٩، والدر المنثور ٢: ١٤٩، ولم ينسبه
لغير ابن جرير .

٢٦٤
تفسير سورة النساء : ٣٢
٩٢٤٥ - وبه قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال :
هو الإنسان، يقول: ((وددت أن لی مال فلان)) ! قال: « واسألوا الله من فضله)»،
وقول النساء: (( ليت أنا رجالا فنغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال))! (١)
وقال آخرون : بل معنى ذلك: لا يتمنَّ بعضكم ما خصّ اللّه بعضاً من
منازل الفضل .
• ذكر من قال ذلك :
٩٢٤٦ - حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى قوله: ((ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض))،
فإن الرجال قالوا : «نريد أن يكون لنا من الأجر الضعفُ على أجر النساء، كما
لنا فى السهام سهمان، فنريد أن يكون لنا فى الأجر أجران » . وقالت النساء :
(( نريد أن يكون لنا أجرٌ مثل أجر الرجال، فإنا لانستطيع أن نقاتل ، ولو كتب
علينا القتال لقاتلنا))! فأنزل الله تعالى الآية، وقال لهم : سلوا الله من فضله ،
يرزقكم الأعمال ، وهو خير لكم .
٩٢٤٧ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ،
عن محمد قال: أنهيتم عن الأمانى، ودُللتم على ما هو خير منه. ((واسألوا الله
من فضله )) .
٩٢٤٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عارم قال ، حدثنا حماد بن زيد ،
(١) فى المطبوعة: ((ليتنا رجال فنفرو))، على الوجه السائر، ولكنى أثبت ما فى المخطوطة،
•لم أغيره، وهو صواب عند النحاة، فإنهم يقولون: إن من بعض لغات العرب أن تنصب ((أن))
الاسم والخبر جميعاً، قال بذلك أبو عبيد القاسم بن سلام والفراء وابن السيد وابن الطراوة . واستشهدوا
بقول الشاعر :
خُطَكَ خِفَفً إِنَّ حُرَّاسَنَا أَسْدَا
إِذَا الْتَفِّجِنْحُ الَّيْلِ، فْتَأْتٍ، وَلَقَكُنْ
وانظر التعليق السالف ص ٢٦١ ، تعليق ٣

٢٦٥
تفسير سورة النساء : ٣٢
عن أيوب قال : كان محمد إذا سمع الرجل يتمنى فى الدنيا قال : قد نهاكم الله
عن هذا: ((ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض))، ودلكم على خير منه:
((واسألوا الله من فضله)).
٠٠٠
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام على هذا التأويل : ولا تتمنوا ، أيها الرجال
والنساء ، الذى فضل الله به بعضكم على بعض من منازل الفضل ودرجات الخير ،
وليرض أحدكم بما قسم الله له من نصيب ، ولكن سَلُوا الله من فضله.
٠
٠
القول فى تأويل قوله ﴿لِلرَّجَالِ نَصِيبٌ عَمَّا أَ كْتَسَبُواْ وَلِلنَّسَآءِ
نَصِيبٌ مِمَااكْغَسَبْنَ)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم : معنى ذلك : للرجال نصيب مما اكتسبوا، من الثواب على
الطاعة، والعقاب على المعصية = ((وللنساء نصيب)) من ذلك مثل ذلك.
• ذكر من قال ذلك :
٩٢٤٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيبٌ مما
اكتسبوا وللنساء نصيبٌ مما اكتسبن))، كان أهل الجاهلية لا يورَّثون المرأة شيئاً
ولا الصبىّ شيئاً، وإنما يجعلون الميراث لمن يحْترف وينفع ويدفع. (١) فلما نَجّزّ للمرأة
نصيبها وللصبيّ نصيبه، (٢) وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، قال النساء: ((لو
(١) احترف لعياله، وحرف لعياله: سعى لهم فى الكسب وطلب الرزق.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة والدر المنثور ٢: ١٤٩ ((لحق))، واللام فى المخطوطة مائلة.
فرأيت أن ((حق)) هنا لا معنى لها، ولم أجدها من قبل فى كلام معناه كمعنى هذا الكلام، واجتهدت

٢٦٦
تفسير سورة النساء : ٣٢
كان جعل أنصباء نا فى الميراث كأنصباء الرجال)) !وقال الرجال: «إنا لنرجو أن
نفضَّل على النساء بحسناتنا فى الآخرة ، كما فضلنا عليهن فى الميراث))! فأنزل الله:
((للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن))، يقول: المرأة تُجزى
بحسنتها عشر أمثالها، كما يُحْزى الرجل، قال الله تعالى: ((واسألوا الله من فضله)).
٩٢٥٠ - حدثنی المثنى قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبى حماد قال ، حدثنى
٣٢/٥ أبو ليلى قال، سمعت أبا حريز يقول: لما نزل: ((للذكر مثل حظ الأنثيين))،
قالت النساء: كذلك عليهم نصيبان من الذنوب ، كما لهم نصيبان من الميراث!
فأنزل الله: ((للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن))، يعنى
الذنوب = ((واسألوا اللّه))، يا معشر النساء = ((من فضله)).(١)
٠ ٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك : للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميرات موتاهم ،
والنساء نصيب منهم.
« ذكر من قال ذلك :
٩٢٥١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( للرجال نصيب مما
قراءتها، ورجحت أنها ((نجز)). يقال: ((نجز حاجته)): إذا قضاها وعجلها، كأنه قال:
فلما عجل للمرأة نصيبها وقضاه .
(١) الأثر: ٩٢٥٠ - ((عبد الرحمن بن أبى حماد)) انظر ما سلف عنه برقم: ٣١٠٩،
٤٠٧٧، ٦٦٩١، ٨٤٣١، ورواية المثى عنه .
و ((أبو ليلى)) هو: ((عبد الله بن ميسرة الكوفى))، ويكنى ((أبا إسحق))، وقد سلفت
ترجمته برقم : ٦٩٢٠ .
و ((أبو حريز)) هو: ((عبد اللّه بن الحسين الأزدى)) قاضى سجستان . قال ابن حبان فى
الثقات: ((صدوق))، وقال ابن أبى عدى: ((عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد)». وقال سعيد
ابن أبى مريم: ((كان صاحب قياس، وليس فى الحديث شىء)). مترجم فى التهذيب. وكان فى
المطبوعة: ((أبو جرير))، وهو خطأً، والمخطوطة غير منقوطة .
٫٠٠

٢٦٧
تفسير سورة النساء : ٣٢
اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن))، يعنى: ما ترك الوالدان والأقربون: يقول:
للذكر مثل حظ الأنثيين .
٩٢٥٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن أبى إسحق ، عن عكرمة
أو غيره فى قوله: ((للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن))،
قال : فى الميراث ، كانوا لا يورُُّون النساء.
قال أبو جعفر : وأولى القولين فى ذلك بتأويل الآية ، قول من قال : معناه :
للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا فعملوه من خير أو شر، والنساء
نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال .
وإنما قلنا إن ذلك أولى بتأويل الآية من قول من قال: ((تأويله : للرجال
نصيب من الميراث، وللنساء نصيب منه))، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن لكل
فريق من الرجال والنساء نصيباً مما اكتسب . وليس الميراث مما اكتسبه الوارث ،
وإنما هو مال أورثه اللّه عن ميته بغير اكتساب، وإنما ((الكسب)) العمل،
و((المكتسب)) المحترف. (١) فغير جائز أن يكون معنى الآية = وقد قال الله:
(((للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن)): للرجال نصيبٌ مما
ورثوا، وللنساء نصيب مما ورثن. لأن ذلك لو كان كذلك لقيل: ((للرجال نصيب
مما لم يكتسبوا ، والنساء نصيب مما لم يكتسبن)) !!
٥ ٥
(١) انظر تفسير ((الكسب)) و((الاكتساب)) فيما سلف ٢: ٢٧٣، ٣/٢٧٤ :
١٠٠، ٠١٠١، ١٢٨، ٤/١٢٩: ٦/٤٤٩: ١٣١، ٧/٢٩٥: ٣٢٧، ٣٦٤

٢٦٨
تفسير سورة النساء : ٣٢
القول فى تأويل قوله ﴿ وَسْئَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: واسألوا اللّه من عونه وتوفيقه للعمل
بما يرضيه عنكم من طاعته. ففضله فى هذا الموضع: توفيقه ومعونته كما : -(١)
٩٢٥٣ - حدثنا محمد بن مسلم الرازى قال ، حدثنا أبو جعفر النفيلى قال ،
حدثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن سعيد: ((واسألوا الله من فضله))،
قال : العبادة، ليست من أمر الدنيا .
٩٢٥٤ -حدثنا محمد بن مسلم قال ، حدثی أبو جعفر قال ،حدثنا موسى،
عن ليث قال: ((فضله))، العبادة ، ليسَ من أمر الدنيا. (٢)
٩٢٥٥ - حدثنا ابن حید قال ،حدثنا هشام ، عن لیث ، عن مجاهد فى
قوله: (( واسألوا الله من فضله))، قال : ليس بعرض الدنيا .
٩٢٥٦ - حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((واسألوا الله من فضله))، يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم.
٩٢٥٧ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبى قال، حدثنا إسرائيل، عن حكيم
ابن جبير ، عن رجل لم يسمه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله
من فضله ، فإنه يحب أن يسأل، وإنّ من أفضل العبادة انتظار الفرج. (٣)
(١) انظر تفسير ((الفضل)) فيما سلف ٢: ٥/٣٤٤: ١٦٤، ٥١٦:٦/٥٧١ /٤١٤،٢٩٩:٧
(٢) الأثران: ٩٢٥٣، ٩٢٥٤ - ((محمد بن مسلم الرازى))، هو المعروف بابن واره،
واسمه ((محمد بن مسلم بن عثمان بن عبد الله))، الحافظ، كان أحد المتقنين الأمناء، قالوا : كان
ابن مسلم شيئاً عجباً . وكان أبو زرعة الرازى لا يقوم لأحد ، ولا يجلس أحداً فى مكانه إلا ابن واره.
وكان ابن واره فيه بأو شديد وعجب. مترجم فى التهذيب ، وابن أبى حاتم ٧٩/١/٤ ، وتاريخ
بغداد ٣ : ٢٥٦.
و ((أبو جعفر النفيلى))، هو: ((عبد الله بن محمد بن على بن نفيل القضاعي»، روى له
الأئمة . كان حافظاً، وكان الإمام أحمد إذا رآه يعظمه . مترجم فى التهذيب.
(٣) الأثر: ٩٢٥٧ - ((حكيم بن جبير الأسدى))، تكلموا فيه، قال أحمد: (ضعيف

٢٦٩
تفسير سورة النساء : ٣٢، ٣٣
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بُكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً) )
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: إنّ اللّه كان بما يصاح عباده -
فيما قسم لهم من خير ، ورفع بعضهم فوق بعض فى الدين والدنيا ، وبغير ذلك من
قضائه وأحكامه فيهم = ((عليا))، يقول: ذا علم . فلا تتمنوا (١) غير الذى قضى
لكم، ولكن عليكم بطاعته، والتسليم لأمره، والرضى بقضائه ، ومسألته من فضله .
٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَ لِكُلّ جَعَلْنَ مَوَّلِىَ بِّمَا تَرَكَ الْوَّلِدَانِ
وَاَلْأَقْرَبُونَ ﴾
يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ولكلّ جعلنا موالى))، ولكلكم، أيها الناس = (( جعلنا
موالى))، يقول : ورثة من بنى عمه وإخوته وسائر عصبته غيرهم .
٠٠٠
والعرب تسمى ابن العم ((المولى))، ومنه قول الشاعر: (٢)
الحديث مضطرب))، وقال أبو حاتم: ((ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأى غير محمود ،
نسأل الله السلامة، غال فى التشيع)).
وهذا الأثر رواه الترمذى فى كتاب الدعوات : ٥١٤ من طريق : بشر بن معاذ العقدى، عن
حماد بن واقد، عن إسرائيل، عن أبى إسحق، عن أبى الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، ثم قال
الترمذى: (( هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث، وحماد بن واقد ليس بالحافظ . وروى أبو نعيم
هذا الحديث عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير ، عن رجل ، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وحديث
أبى نعيم أشبه أن يكون أصح)». وقال ابن كثير فى تفسيره ٢ : ٤٣٠، ونقل ما قاله الترمذى :
((وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع عن إسرائيل. ثم رواه من حديث قيس بن الربيع ، عن
حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن أحب عباد الله إلى الله الذى يحب الفرج)).
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((ولا تتمنوا))، والجيد ما أثبت
(٢) لم أعرف قائله .

٢٧٠
تفسير سورة النساء : ٣٣
بِأَعْرَاضِنَاَ وَالْمُنْدِيَتِ مَرُوعُ(١)
وَمَوْلَى رَمَيْنَاَ حَوْلَهُ وَهُوَ مُدْغِلٌ
يعنى بذلك : وابن عم رمينا حوله ، ومنه قول الفضل بن العباس:
مَهْلاً بَنِى عَمَاَ مَهْلاً مَوَالِنَاَ لاَنُظْهِرُنَّ لَنَا مَا كَانَ مَدْفُونَ(٢)
٠ ٠ ٠
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل
* ذكر من قال ذلك :
٩٢٥٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال ، حدثنا إدريس
قال ، حدثنا طلحة بن مصرف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فى قوله :
(((ولكل جعلنا موالى))، قال : ورثة .
٩٢٥٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
٣٣/٥٢ ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((ولكل جعلنا موالى مما ترك
الوالدان))، قال : الموالى ، العصبة، يعنى = الورثة .
٩٢٦٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ،
عن منصور، عن مجاهد فى قوله: ((ولكل جعلنا موالى))، قال: الموالى، العصبة.
(١) لم أجد البيت فى مكان ، وهو فى المخطوطة.
• بأعواضنا والمعديات سروع.
و ((رجل مدغل)): ذوخب مفسد بين الناس. و((المنديات))، المخزيات، وأنا بعد ذلك
فى شك شديد من ((بأعراضنا)) و((سروع))، فتركت البيت على حاله حتى أجده، أو ألتمس له وجهاً
صحيحاً. وقوله: ((رمينا حوله))، أى ناضلنا عنه، ودافعنا ورامينا من حوله من يراميه .
(٢) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٢٥، والكامل ٢: ٢٧٩ والمؤتلف والمختلف،
ومعجم الشعراء: ٣٥، ٣١٠، والحماسة ١: ١٢١، والصداقة والصديقى: ١٣٩، واللسان
(ولى) وغيرها . وراويتهم .
• لاَ تَنْبِشُوا بَيْنَنَ مَا كَانَ مَدْفُونَا .
وهى أجود الروايتين وأحقهما بمعنى الشعر ، وفى اللسان رواية أخرى لا تقوم .

٢٧١
تفسير سورة النساء : ٣٣
٩٢٦١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى، عن منصور، عن مجاهد قوله: ((ولكل جعلنا موالى))، قال: هم الأولياء.
٩٢٦٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: (( ولكل جعلنا موالى))، يقول : عصبة .
٩٢٦٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((ولكل جعلنا موالى))، قال : الموالى ، أولياء الأب ، أو
الأخ ، (١) أو ابن الأخ ، أو غيرهما من العصبة .
٩٢٦٤ -حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((ولكل جعلنا موالى))، أما ((موالى))، فهم أهل الميراث.
٩٢٦٥ -حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فی
قوله: ((ولكل جعلنا موالى))، قال: الموالى ، العصبة . هم كانوا فى الجاهلية
الموالى ، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم اسماً ، فقال الله تبارك وتعالى:
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءُهُمْ فَإِخْوَانُكُمُ فِ الدّينِ وَمَوَ الِيَكُمُ﴾ [سورة الأحزاب: ٥]،
فسموا: ((الموالی))، قال: و (المولى )» اليوم مولیان: مولی یرث ویورث، فهؤلاء ذوو
الأرحام - وموّلى يورث ولا يرِث، فهؤلاء العَتَاقة. (٢) وقال: ألاترون قول زكريا:
﴿وَإِّى خِفْتُ الْمَوَالِىَ مِنْ وَرَائِى﴾ [سورة مريم: ٥]؟ فالموالى ههنا الورثة .
٠
٠
ويعنى بقوله: ((مما ترك الوالدان والأقوبون »، مما تركه والداه وأقرباؤه من
الميراث .
(١) فى المطبوعة: ((الأب الأخ)) بإسقاط ((أو))، والصواب من المخطوطة.
(٢) يقال: ((هو مولى عتاقة))، هو الذى أعتق من الرق، و((العتاقة)) (بفتح العين)
مصدر مثل ((العتق)) (بكسر فسكون) و((عتاق)) (بفتح العين). وقوله: ((فهؤلاء العتاقة))،
يعنى: فهؤلاء موالى العتاقة، فإن لا يمكن قد سقط من الناسخ ((موالى))، فهو مصدر وصف به،
بمعنى فهؤلاء المعتقون .

٢٧٢
تفسير سورة النساء : ٣٣
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام : ولكلكم، أيها الناس، جعلنا عَصّبة يرتون
به مما ترك والداه وأقر باؤه من ميراثهم .
٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَّاتُوهُمْ
نَصِيَهَمْ﴾(١)
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأه بعضهم: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾، بمعنى: والذين عقدت أيمانكم
الحلف بينكم وبينهم. وهى قراءة عامة قرأة الكوفيين .
#
وقرأ ذلك آخرون: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾، بمعنى: والذين
عاقدت أيمانكم وأيمانهم الحلف بينكم وبينهم .
٠
٠
قال أبو جعفر : والذى نقول به فى ذلك: إنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان
فى قرأة أمصار المسلمين بمعنى واحد .
٠٠٠
وفى دلالة قوله: ((أيمانكم)) على أنها أيمان العاقدين والمعقود عليهم الحلف ،
مستغنىّ عن الدلالة على ذلك بقراءة قوله: ((عقدت))، ((عاقدت)). وذلك أن الذين قرأوا
ذلك: ((عاقدت))، قالوا: لا يكون عتَقْد الحلف إلاّ من فريقين، ولا بد لنا من
دلالة فى الكلام على أن ذلك كذلك. وأغفلوا موضع دلالة قوله: ((أيمانكم)»، على
أن معنى ذلك أيمانكم وأيمانُ المعقود عليهم، وأن العقد إنما هو صفة للأيمان دون
(١) لم يذكر فى المخطوطة والمطبوعة: ((فأتوهم نصيبهم)) فى هذا الموضع، ولا فيما بعده،
فأثبتها فى مكانها ، لأنه فسرها بعد فى هذا الموضع

٢٧٣
تفسير سورة النساء : ٣٣
العاقدين الحلف، حتى زعم بعضهم أن ذلك إذا قرئ: ((عقدت أيمانكم))،
فالكلام محتاج إلى ضمير صفة تتفى الكلام ، (١) حتى يكون الكلام معناه : والذين
عقدت لهم أيمانكم = ذهاباً منه عن الوجه الذى قلنا فى ذلك، من أن الأيمان معنىٌّ
بها أيمان الفريقين .
#
وأما ((عاقدت أيمانكم))، فإنه فى تأويل: عاقدت أيمانُ هؤلاء أيمانَ هؤلاء،
الحلفَ .
فهما متقاربان فى المعنى، وإن كانت قراءة من قرأ ذلك: ((عقدت أيمانكم))
بغير ((ألف))، أصح معنى من قراءة من قرأه ((عاقدت))، للذى ذكرنا من الدلالة
المُغنية فى صفة الأيمان بالعقد ، (٢) على أنها أيمان الفريقين = من الدلالة على
ذلك بغيره . (٣)
٠ ٠ ٠
وأما معنى قوله: ((عقدت أيمانكم))، فإنه: وَصَلت وشَدّت وَوَكَّدت =
(١) فى المطبوعة: ((إلى ضمير صلة فى الكلام))، وهو خلط لا معنى له. وأثبت ما فى
المخطوطة، وقوله: ((ضمير))، أى: إضمار، وقد سلف مثل ذلك ١ : ٤٢٧، تعليق :
٢/١: ١٠٧، تعليق: ١. وأما قوله: ((صفة))، فقد سلف مراراً أن ((الصفة)) هى حرف
الجر، و ((حروف الصفات))، هى حروف الجر (انظر ٦: ٣٢٩، تعليق: ٦، والمراجع
هناك)، والمعنى: إضمار حرف جر .
وأما قوله: ((تى الكلام)) فهذا لفظ غم على معناه، وهو فى المخطوطة كما أثبته ، ولعله أراد
أن حرف الجر المتعلق بقوله: ((عقدت)) يتقى الجملة من فساد المعنى . ولعل ذلك من قديم عبارتهم ،
وإن كنت لا أحققه ، وفوق كل ذي علم عليم .
(٢) فى المطبوعة: ((من الدلالة على المعنى - فى صفة الأيمان بالعقد)) وهو باطل المعنى،
وفى المخطوطة: ((من الدلالة على المعنية فى صفة الأيمان بالعقد))، والذى لا شك فيه زيادة ((على))
فى هذه العبارة، وأن قراءتها ((المغنية)). وانظر التعليق التالى.
(٣) تداخلت مراجع حروف الجر فى هذه الجملة، وأحببت أن ألين سياقها ، فهو يقول :
((الذى ذكرنا من الدلالة المغنية فى صفة الأيمان بالعقد ... من الدلالة على ذلك بغيره »، فقوله :
((من الدلالة)) متعلق بقوله: ((المغنية))، يعنى أن صفة الأيمان بالعقد، دلالة على أنها أيمان
الفريقين، وأن هذه الدلالة مغنية من الدلالة على ذلك المعنى بدلالة غيرها .
ج ٨ (١٨)

٢٧٤
تفسير سورة النساء : ٣٣
((أيمانكم))، يعنى: مواثيقكم التى واثق بعضكم بعضاً(١) = ((فآتوهم نصيبهم).
٥
ثم اختلف أهل التأويل فى معنى ((النصيب)) الذى أمر الله أهل الحلف أن
يؤتى بعضهم بعضاً فى الإسلام . (٢)
فقال بعضهم : هو نصيبه من الميراث، لأنهم فى الجاهلية كانوا يتوارثون ،
فأوجب الله فى الإسلام من بعضهم لبعض بذلك الحلف، ويمثله فى الإسلام ، من
الموارثة مثل الذى كان لهم فى الجاهلية . ثم نسخ ذلك بما فرض من الفرائض لذوى
الأرحام والقرابات .
* ذكر من قال ذلك :
٩٢٦٦ - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح ، عن الحسن
ابن واقد، عن يزيد النحوى، عن عكرمة والحسن البصرى فى قوله: ((والذين
عاقدتْ أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن اللّه كان على كل شىء شهيداً))، (٣) قال:
كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسبٌ، فيرث أحدهما الآخر ، فنسخ
اللّه ذلك فى ((الأنفال)) فقال: ﴿وَأُولُوا الأرْحَمِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى
- كتاب الله إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىءَعَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥].(٤)
٩٢٦٧ - حدثنا ابن بشارقال ، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة،
عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير فى قول الله: (( والذين عاقدت أيمانكم))،
٥/ ٣٤
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((واثق بعضهم بعضاً))، والسياق يقتضى أن تكون: ((بعضكم))،
كما أثبتها .
(٢) انظر تفسير ((النصيب)) فيما سلف٤: ٦/٢٠٦: ٢٨٨.
(٣) ستأتى القراءة مرة ((عاقدت)) ومرة ((عقدت)) فى الآثار التالية، فتركتها كما هى فى المخطوطة
والمطبوعة ، فإن اختلفتا ، أثبت ما فى المخطوطة، دون إشارة إلى ذلك من فعلى
(٤) أثبت تمام الآية من المخطوطة .

٢٧٥
تفسير سورة النساء : ٣٣
قال : كان الرجل يعاقد الرجل فيرته ، وعاقد أبو بكر رضى الله عنهمولىّ فورثه.
٩٢٦٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حلشى معاوية،
عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((والذين عاقدت أيمانكم فآ توهم
نصيبهم))، فكان الرجل يعاقد الرجل: أيهما مات ورثه الآخر . فأنزل الله :
﴿وَأُولُوا الْأَرْحَمِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِفِىِ كتَبٍ اُللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ
إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفَا﴾ [سورة الأحزاب: ٦]، يقول: إلا أن
يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصيةً ، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت . وذلك
هو المعروف .
٩٢٦٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: (( والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شىء
شهيداً))، كان الرجل يعاقد الرجل فى الجاهلية فيقول: ((دمى دمُك، وهدمى
هَدَمَك، وترثنى وأرثك، وتطلب بى وأطلب بك)). (١) فجعل له السدس من جميع المال
فى الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم. فنسخ ذلك بعد فى ((سورة الأنفال))
فقال الله: ﴿ وَأُلُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أُوْ لَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللهِ﴾ [ سورة
الأنفال: ٧٥] .
٩٢٧٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
(١) قولهم: ((دمى دمك))، أى: إن قتلى إنسان طلبت بدمى كما تطلب دم وليك وأخيك.
و((الهدم)) ( بسكون الدال وتحريكها)، فإذا سكنت الدال، فمعناه : من هدم لى عزاً وشرفاً
فقد هدمه منك، أو : من أهدر دمى فقد أهدر دمك - أو : ما عفوت أنا عنه من الدم ، فعليك
أن تعفو عنه. وأما ((الهدم)) ( بفتح الدال): فأصله: الشىء الذى انهدم، وهو قريب المعنى
من الأول ، ويقال : هو القبر ، أى : أقبر حيث تقبر . يريدون : لا تفارقنى ولا أفارقك فى
الحياة والممات .
وقولهم: ((تطلب بى وأطلب بك))، أى: تطلب الثأر بى، إذا أصابنى مكروه، وأفعل ذلك
بك. و ((الباء)» هنا بمعنى: السبب، أى بسبى ومن جراء ما أصابتى. وهذه الكلمات كلها توثيق
فى العهد ، وعقد لازم يوجب على الرجلين أن يتعاونا فى الخير والشر، لا يفارق أحدهما صاحبه فى
المحنة والبلاء .

٢٧٦
تفسير سورة النساء : ٣٣
معمر ، عن قتادة: ((والذين عاقدت أيمانكم))، قال : كان الرجل فى الجاهلية
يعاقد الرجل فيقول: (( دمى دمك، وترثنى وأرثك، وتطلب بى وأطلب بك)). (١)
فلما جاء الإسلام بقى منهم ناس ، فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث ، وهو
السدس، ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْ لَى بِبَعْضٍ﴾.
٩٢٧١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا همام
ابن يحيى قال، سمعت قتادة يقول، فى قوله: ((والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم
نصيبهم))، وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجلَ فى الجاهلية فيقول: ((هلى هدمك
ودمى دمك، وترثنى وأرثك، وتطلب بى وأطلب بك))، (١) فجعل له السلص من
جميع المال ، ثم يقتسم أهل الميراث ميراثهم. فنسخ ذلك بعد فى: ((الأنفال))فقال:
﴿ وَأُلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ)، فصارت المواريث لذوى
الأرحام .
٩٢٧٢ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى، عن إسرائیل، عن جابر، عن
عكرمة قال : هذا حِلْفٌ كان فى الجاهلية، كان الرجل يقول للرجل: (( ترثنى
وأرثك، وتنصرفى رأنصرك، وتَعْقيل عنى وأعقل عنك)). (٢)
٩٢٧٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال، (٣)سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((والذين عاقدت أيمانكم))،
كان الرجل يتبع الرجل فيعاقده: ((إن ميتُ، فلك مثل ما يرث بعض ولدى))!
وهذا منسوخ .
(١) انظر التعليق السالف .
(٢) ((العقل)) (بفتح فسكون): الدية. ((عقل القتيل عقلا)): أدى ديته. و«عقل
عنه)) : أدى جنايته ، وذلك إذا لزمته دية فأعطاها عنه .
(٣) فى المطبوعة: ((عبيد بن سلمان))، وهو خطأ كثر فى هذه المطبوعة، قيمت عليه
مراراً، والصواب من المخطوطة، وهو إسناد دائر فى التفسير، وسأصححه منذ اليوم ثم لا أشير إليه ثانية .

٢٧٧
تفسير سورة النساء : ٣٣
٩٢٧٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان
والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم))، فإن الرجل فى الجاهلية
قد كان يلحق به الرجل فيكون تابعه ، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه
الميراث ، وبقى تابعه ليس له شىء، فأنزل الله: ((والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم
نصيبهم))، فكان يعطى من ميراثه، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللهِ﴾.
٥٠
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية فى الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ، فكان بعضهم يرث بعضاً بتلك المؤاخاة ، ثم
نسخ اللّه ذلك بالفرائض، وبقوله: ((ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون)).
. ذكر من قال ذلك :
٩٢٧٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال ، حدثنا إدريس
ابن يزيد قال ، حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس
فى قوله: ((والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم))، قال: كان المهاجرون حين
قَد موا المدينة ، يرث المهاجرئُّ الأنصارىَّ دون ذوىرحمه ، للأخوة التی آخى رسول
الله صلى الله عليه وسلم بينهم. فلما نزلت هذه الآية: ((ولكل جعلنا موالى))،
نسخت . (١)
(١) الأثر: ٩٢٧٥ - أخرجه البخارى فى صحيحه (الفتح ٨: ١٨٦) مطولاً، وفرقه
الطبرى، فروى بعضه هنا، وروى سائره برقم : ٩٢٧٧، قال الحافظ ابن حجر : ((إدريس ،
هو ابن يزيد الأودى ( بفتح الألف وسكون الواو ) والد عبد الله بن إدريس الفقيه الكوفى، ثقة
عندهم ، وما له فى البخارى سوى هذا الحديث . ووقع فى رواية الطبرى عن أبي كريب ، عن أبى أسامة :
حدثنا إدريس بن يزيد))، وقد وقع فى رواية البخارى نقص، سقط منه ((فآتوهم نصيبهم)» مع أن
قوله: ((من النصر)) متعلق بقوله: ((فأتوهم نصيبهم)) لا بقوله: ((عاقدت))، وهو وجه الكلام»،
واستدركه الحافظ فى الفتح من رواية الطبرى هذه .

٢٧٨
تفسير سورة النساء : ٣٣
٩٢٧٦ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهبقال، قال ابن زيد فى قوله :
((والذين عاقدت أيمانكم))، الذين عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم = ((فآً توهم
نصيبهم ))، إذا لم تأت رحمٌ تحول بينهم . قال: وهو لا يكون اليوم ، إنما كان
فى نفر آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانقطع ذلك. ولا يكون هذا
لأحدٍ إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، كان آخى بين المهاجرين والأنصار ، واليوم
لا يؤاخى بين أحد .
٣٥/٥
#
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية فى أهل العقد بالحلف ، ولكنهم أمروا
أن يؤتى بعضهم بعضاً أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك ، دون الميراث .
• ذكر من قال ذلك :
٩٢٧٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال ، حدثنا إدريس
الأودى قال ، حدثنا طلحة بن مصرف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس :
((والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم)) من النصر والنصيحة والرَّفادة، ويوصى
لهم، وقد ذهبَ الميراث. (١)
٩٢٧٨ - حدثنا محمد ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا
سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ((والذين عقدت أيمانكم)). قال: كان
حلفٌ فى الجاهلية، (٢) فأمرُوا فى الإسلام أن يعطوهم نصيبهم من العقل والمشورة
(١) الأثر: ٩٢٧٧ - هو تمام الأثر السالف رقم ٩٢٧٥، وقد سلف التعليق عليه .
الميراث)» بينهما بياض، أتمته المطبوعة على الصواب من رواية
وقد كان فى المخطوطة: ((وقد
البخارى. وفى البخارى زيادة: ((وقد ذهب الميراث، ويومى له)).
و ((الرفادة)) (بكسر الراء): الإعانة بالعطية والصلة، ومنه ((الرفادة)) التى كانت قريش
تترافد بها فى الجاهلية ، يخرج كل إنسان مالا بقدر طاقته ، فيجمعون من ذلك ما لا عليا أيام الملم ،
فيشترون به الحاج الجزر والطعام والزبيب ، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضى أيام الحج .
وكانت الرفادة والسقاية لبنى هاشم .
(٢) ((كان)) هنا تامة، لا اسم لها ولا خبر.

٢٧٩
تفسير سورة النساء : ٣٣
والنصرة ، (١) ولا ميراث .
٩٢٧٩ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة ،
عن منصور، عن مجاهد أنه قال فى هذه الآية: (( والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم
نصيبهم)) من العون والنصر والحلف.
٩٢٨٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
الثورى ، عن منصور، عن مجاهد فى قول الله: (( والذين عاقدت أيمانكم))،
قال : كان هذا حلفاً فى الجاهلية ، فلما كان الإسلام ، أمروا أن يؤتوهم نصيبهم
من النصر والولاء والمشورة ، ولا ميراث .
٩٢٨١ - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبى زائدة قال ، حدثنا حجاج ، قال
ابن جريج: ((والذين عاقدت أيمانكم))، أخبرنى عبد الله بن كثير: أنه سمع
مجاهدا يقول: هو الحلف: ((عقدت أيمانكم)). قال: (( فآتوهم نصيبهم))، قال :
النصر .
٩٢٨٢ - حدثنى زكريا بن يحيى قال، حدثنا حجاج ، قال ، ابن جريج ،
أخبرنى عطاء قال: هو الحلف. قال: ((فآتوهم نصيبهم))، قال: العقل
والنصر .
٩٢٨٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((والذين عاقدت أيمانكم))، قال :
لهم نصيبهم من النصر والرِّفادة والعقل. (٢)
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((من العقل والنصرة والمشورة))، ولكن المخطوطة وضعت حرف
((م)) على كل من ((النصرة والمشورة)) بمعنى تقديم الثانى على الأول. ففعلت ذلك.
و((العقل)): الدية، كما سلف شرحها قريباً ص: ٢٧٦، تعليق: ٢.
(٢) الأثر: ٩٢٨٣ - فى المطبوعة: ((محمد بن محمد بن عمرو))، وهو خطأ محض،
صوابه من المخطوطة، ومع ذلك فهو إسناد كثير الدوران فى التفسير ، أقربه : ٩٢٣٩.
وانظر تفسير ((العقل))، و((الرفادة)) فيما سلف قريباً من التعليقات .

٢٨٠
تفسير سورة النساء : ٢٢
٩٢٨٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد نحوه .
٩٢٨٥ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن
سالم، عن سعيد: ((والذين عقدت أيمانكم))، قال : هم الحلفاء.
٩٢٨٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا الحمانى قال، حدثنا عباد بن العوام ،
عن خصيف ، عن عكرمة مثله .
٩٢٨٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم))، أما ((عقدت
أيمانكم )) ، فالحلفُ، كالرجل فى الجاهلية ينزل فى القوم فيحالفونه على أنه منهم،
یواسونه بأنفسهم ، (١) فإذا كان لهم حق أو قتال کان مثلهم ، وإذا كان له حق
أو نصرة خذلوه. فلما جاء الإسلام سألوا عنه، وأبى اللّهُ إلاّ أن يشدّده. وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لم يزد الإسلام الخلفاء إلا شدة)).
...
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية فى الذين كانوا يتبنون أبناءَ غيرهم فى
الجاهلية، فأمروا فى الإسلام أنْ يوصوا لهم عند الموت وصية". (٢)
• ذكر من قال ذلك :
٩٢٨٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى
الليث ، عن عقيل، عن ابن شهاب قال ، حدثنى سعيد بن المسيَّب: أن الله
قال: ((ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فأتوهم
نصيبهم))، قال سعيد بن المسيب: إنما نزلت هذه الآية فى الذين كانوا يتبنَّون
(١) ((آساه بنفسه وواساء بنفسه))، جعله ((أسوة له)). أى: مثلا له. ومنها ((المواساة))،
وهى المشاركة والمساهمة فى المعاش والرزق .
(٢) فى المطبوعة: ((فأمروا بالإسلام)) وهى سقيمة، صوابها من المخطوطة.