النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
تفسير سورة النساء : ٢٥
١٦/٥
أشعث ، عن الشعبى قال ، قال عبد الله: الأمة إحصائها إسلامها .
٩٠٩٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، مغيرة ، أخبرنا
عن إبراهيم أنه كان يقول: ((فإذا أحصن))، يقول: إذا أسلمن.
٩٠٩٦ - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا يحيى بن أبى زائدة، عن أشعث ،
عن الشعبى قال : الإحصان الإسلام .
٩٠٩٧ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية، عن برد بن سنان،
عن الزهرى قال : جلد عمر رضى الله عنه ولائد أبكاراً من ولائد الإمارة فى الزنا. (١)
٩٠٩٨ -حدثنا محمد بنالحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((فإذا أحصنّ ))، يقول : إذا أسلمن .
٩٠٩٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أنى، عن إسرائيل ، عن جابر ،
عن سالم والقاسم قالا: إحصائها إسلامها وعفافها فى قوله: ((فإذا أحصن ».
٠٠ ٠
وقال آخرون: معنى قوله: ((فإذا أحصن))، فإذا تزوّجن .
• ذكر من قال ذلك :
٩١٠٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((فإذا أحصن))، يعنى :
إذا تزوّجن حرًّا .
٩١٠١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ،
(١) الأثر: ٩٠٩٧ - (( برد بن سنان الشامى، مولى قريش)» صاحب مكحول . روى
عن عطاء ابن أبى رباح، والزهرى ، ونافع مولى ابن عمر ، وغيرهم . كان صدوقاً فى الحديث . مترجم
فى التهذيب .
وقوله: ((من ولائد الإمارة))، فى المخطوطة كتب ((الامارة)) فى الهامش، وكان قد ضرب على
الكلمة فى صلب الكلام . ولعله ينى : ولائد من السبى .

٢٠٢
تفسير سورة النساء : ٢٥
أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ). يقول :
إذا تزوجن .
٩١٠٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن عكرمة :
أن ابن عباس كان يقرأ: ((فإذا أحصن ))، يقول : تزوجن .
٩١٠٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثا ،
عن مجاهد قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحرّ، وإحصان العبد أن ينكح
الحرّة .
٩١٠٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة ،
عن عمرو بن مرة: أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لاُتُضرب الأمةُ إذا زنتْ، مالم
تتزوّج .
٩١٠٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: عن الحسن فى قوله: ((فإذا أحصن)). قال: أحصنتهن البُعُولة .
٩١٠٦ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((فإذا أحصن ))، قال: أحصنتهن البعولة .
٩١٠٧ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنى عياض بن
عبد الله ، عن أبى الزناد : أن الشعبى أخبره ، أن ابن عباس أخبره : أنه أصاب
جاريةً له قد كانت زَنتْ، وقال: أحصنتها. (١)
قال أبو جعفر وهذا التأويل على قراءة من قرأ: ﴿فَإِذَا أَحْصِنَّ ) بضم
(((الألف))، وعلى تأويل من قرأ: ﴿فَإِذَا أَحْصَنَّ) بفتحها. وقد بينا الصّواب
من القول والقراءة فى ذلك عندنا . (٢)
(١) فى المخطوطة: ((قال: حصنتها)).
(٢) انظر ما سلف: ١٩٦،١٩٥ / ثم : ١٩٩

تفسير سورة النساء : ٥
٢٠٣
القول فى تأويل قوله ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ
مَا عَلَى الْمُحْصَنَّتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((فإن أتين بفاحشة))، فإن أتت
فتياتكم - وهنّ إماؤكم - بعد ما أحصَنّ بإسلام، أو أحْصِنَ بنكاح (١) =
(((بفاحشة))، وهى الزنا (٢) = ((فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب))،
يقول: فعليهن نصف ما على الحرائر من الحدّ، إذا هنّ زَنين قبل الإحصان
بالأزواج .
٥
و((العذاب)) الذى ذكره الله تبارك وتعالى فى هذا الموضع، هو الحدّ، وذلك
النصف الذى جعله الله عذاباً لمن أتى بالفاحشة من الإماء إذا هن أحصن :
خمسون جلدة ، وففى ستة أشهر، وذلك نصف عام. لأنّ الواجب على الحرة إذا هى
أتت بفاحشة قبل الإحصان بالزوج، جلد مئة ونفى حَوْلٍ . فالنصف من ذلك
خمسون جلدة ، ونفى نصف سنة . وذلك الذى جعله الله عذاباً للإماء المحصنات
إذا هن أتين بفاحشة ، كما : -
٩١٠٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((فعليهن نصف ما على
(٣)
المحصنات من العذاب »
(١) انظر تغير ((أتى بالفاحشة)) فيما سلف: ٧٣، ٨١
(٢) انظر تفسير ((الفاحشة)) فيما سلف ٣: ١١٦،١١٥،٧٣:٨/٢١٨:٧/٥٧١:٥/٣٠٣
(٣) الأثر: ٩١٠٨- هذا الأثر مبتور فى المخطوطة والمطبوعة، وإن كان قد ساقه كأنه غير
مبتور ، فلذلك وضعت هذه النقط للدلالة على الخرم . ولم أجده فى مكان آخر .
٠

٢٠٤
تغير سورة النساء : ٢٥
٩١٠٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
قوله : ((فإن أتين بفاحشة فعليهن نصفُ ما على المحصنات من العذاب))، خمسون
جلدةً ، ولا فَفى ولا رَجمَ .
فإن قال قائل: وكيف [قيل] (١): ((فعليهن نصفُ ما على المحصنات
من العذاب )) ؟ . وهل يكون الجلدُ على أحد ؟
قيل : إن معنى ذلك : فلازمُ أبدانهنّ أن تجلد نصف ما يلزم أبدان
المحصنات، كما يقال: ((علىّ صلاةُ يوم))، بمعنى: لازم علىّ أن أصلى
صلاة يوم(٢) = و((علىّ الحج والصيام))، مثل ذلك. وكذلك: ((عليه الحدّ))،
بمعنى لازم له إمكان نفسه من الحدّ ليقام عليه.
القول فى تأويل قوله ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنْتَ مِنَكُمْ﴾
قال أبوجعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ذلك))، هذا الذى أبَحْتُ =
أيها الناس، (٣) من نكاح فتياتكم المؤمنات لمن لا يستطيع منكم "طولاً لنكاح
المحصنات المؤمنات = أبحته لمن خشى العنت منكم ، دون غيره ممن لا يخشى العنت
واختلف أهل التأويل فى هذا الموضع .
١٧/٥
فقال بعضهم : هو الزنا .
• ذكر من قال ذلك :
(١) الزيادة بين القوسين، لابد منها، وليست فى المخطوطة ولا المطبوعة.
(٢) فى المخطوطة: ((لازم إلى أن أصل»، والصواب ما فى المطبوعة.
(٢) انظر تفسير ((ذلك )(بمعنى ((هذا)» فيما سلف ١: ٢٢٥ - ٣/٢٢٧: ٦/٣٣٥: ٤٦٦

٢٠٥
تفسير سورة النساء : ٢٥
٩١١٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال ، سمعت ليثاً ،
عن مجاهد قوله: ((لمن خشى العنت منكم))، قال : الزنا .
٩١١١ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن العوام ، عمن
حدثه، عن ابن عباس أنه قال: ما أُزْلَحَفَّ ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلاً. (١)
٩١١٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قال : العنتُ الزنا .
٩١١٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبيد بن يحيى
قال ، حدثنا شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس قال : العنت الزنا .
٩١١٤ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر ، عن
سعيد بن جبير قال: ما أُزْلَحَفَّ ناكح الأمة عن الزنا إلاّ قليلاً، (( ذلك لمن خشى
العنت منكم)) .
٩١١٥ - حدثنا أبو سلمة قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة ،
عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير نحوه . (٢)
٩١١٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن
المبارك قال ، أخبرنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية فى قوله : (( ذلك لمن خشى
العنت منكم )) ، قال: الزنا .
٩١١٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى حماد قال ،
حدثنا فضيل ، عن عطية العوفى مثله .
(١) الأثر: ٩١١١ - ذكر هذا الأثر صاحب اللسان فى (زحلف) و (زلحف)، وقال
فى (ازحلف)) إنه على القلب من ((ازخف)) على وزن: ((اقشعر)) وقراءتهما يكون الزاى، وفتح
اللام والحاء، والفاء المشددة. وقوله: ((ازلحف)) أى: تنحى وتباعد، شيئاً قليلا. وتمام الأثر
فى اللسان: ((لأن الله عز وجل يقول: وأن تصبروا خير لكم)). وانظر الأثر التالى رقم : ٩١١٤.
(٢) الأثر: ٩١١٥ - ((أبو سلمة))، لم أعرف من يكون فى شيوخ أبى جعفر.

٢٠٦
تفسير سورة النساء : ٢٥
٩١١٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((لمن خشى العنت منكم))، قال : الزنا .
٩١١٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال : أخبرنا
عبيدة ، عن الشعبى - وجويبر، عن الضحاك = قالا : العنت الزنا .
٩١٢٠ - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا فضيل
ابن مرزوق، عن عطية: ((ذلك لمن خشى العنت منكم))، قال: العنت
الزنا .
٥
٥
وقال آخرون : معنى ذلك : العقوبة التى تُعْنِته ، وهى الحدّ.
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى قوله: ((ذلك لمن خشى العنت منكم))،
ذلك لمن خاف منكم ضررًا فى دينه وبدنه .
٥
٥
قال أبو جعفر: وذلك أن ((العنت)) هو ما ضرّ الرجل. يقال منه: ((قد
عنت فلان فهو یعنَتُ عنتاً))، إذا أتى ما يضرّه فی دین أو دنيا ، ومنه قول
الله تبارك وتعالى: ((وَدُّوا مَا عَنِّمْ)) [سورة آل عمران: ١١٨]. ويقال: ((قد
أعنتنى فلان فهو يُعنِتِى))، إذا نالى بمضرة. وقد قيل: ((العنت))، الهلاك. (١)
= فالذين وجهوا تأويل ذلك إلى الزنا، قالوا : الزنا ضرَرٌ فى الدين ، وهو من
العنت .
= والذين وجهوه إلى الإثم، قالوا: الآثام كلها ضررفى الدين، وهى من العنت.
= والذين وجهوه إلى العقوبة التى تعنته فى بدنه من الحدّ، فإنهم قالوا : الحد
مضرة على بدن المحدود فى دنياه ، وهو من العنت .
(١) انظر تفسير العنت فيما سلف ٤: ٧/٣٦٠: ١٤٠.

٢٠٧
تفسير سورة النساء : ٢٥
وقد عمّ اللّه بقوله: (لمن خشى العنت منكم))، جميعَ معانى العنت. ويجمع
جميعَ ذلك الزّنا ، لأنه يوجب العقوبة على صاحبه فى الدنيا بما يُعنت بدنه،
ويكتسب به إنماً ومضرة فى دينه ودنياه . وقد اتفق أهلُ التأويل الذين هم أهله ،
على أن ذلك معناه . فهو وإن كان فى عينه لذةَ وقضاءَ شهوة ، فإنه بأدائه إلى
العنت ، منسوبٌ إليه موصوف به، إذ كان للعنت سبباً. (١)
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرُ أَُّكُمْ وَاللهُ نَفُورٌ
رَّحِيمْ) ٥
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بذلك: ((وأنْ تصبروا))، أيها الناس ، عن
نكاح الإماء = ((خير لكم)) = ((والله غفور)) لكم نكاحَ الإماء أنْ تنكحوهن على
ما أحل لكم وأذن لكم به، وما سلف منكم فى ذلك، إن أصلحتم أمورَ أنفسكم فيا
بينكم وبين الله = ((رحيم)) بكم، إذ أذن لكم فى نكاحهن عند الافتقار وعدم
الطول للحرّة .
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
٥
• ذكر من قال ذلك :
٩١٢١ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا أبو
بشر، عن سعيد بن جبير: ((وأن تصبروا خير لكم)) ، قال: عن نكاح الأمة .
٩١٢٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثاً ،
(١) فى المطبوعة: ((أن كان العنت))، وهو صواب، ولكن أثبت ما فى المخطوطة.

٢٠٨
تفسير سورة النساء : ٢٥
عن مجاهد: ((وأن تصبروا خير لكم))، قال: عن نكاح الإماء.
٩١٢٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وأن تصبروا خير لكم))، يقول: وأن تصبرّ
ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين ، فهو خيرٌ لك.
٩١٢٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وأن تصبروا خير لكم)) ، يقول : وأن تصبروا
عن نكاح الإماء ، خيرٌ لكم، وهو حلّ .
٩١٢٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن .
١٨/٥ قتادة: ((وأن تصبروا خير لكم))، يقول: وأن تصبروا عن نكاحهن = يعنى
نكاح الإماء = خير لكم .
٩١٢٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن
المبارك قال، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية فى قوله: (( وأن تصبروا خير
لكم)) ، قال : أن تصبروا عن نكاح الإماء ، خير لكم .
٩١٢٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حبان قال ، حدثنا ابن المبارك قال ،
أخبرنا ابن جريج قال ، أخبرنا ابن طاوس ، عن أبيه: ((وأن تصبروا خير لكم))،
قال : أن تصبروا عن نكاح الأمة خيرٌ لكم.
٩١٢٨ -حدثنیعلی بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی
معاوية بن صالح، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (( وأن تصبروا خير
لكم)) ، قال : وأن تصبروا عن الأمة ، خير لكم .
٠
و ((أن)» فى قوله: ((وأن تصبروا)) فى موضع رفع؛ ((خيرٌ))، بمعنى: والصبرُ عن
نكاح الإماء خيرٌ لكم .

٢٠٩
تفسير سورة النساء : ٢٦
القول فى تأويل قوله ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ
سُنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) )
قال أبو جفعر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( يريد الله ليبين لكم))، حلاله
وحرامته = ((وَيهديكم ◌ُسنن الذين من قبلكم))، يقول: وليسددكم(١) = ((سنن
الذين من قبلكم))، يعنى : ◌ُسُبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه،
ومناهجهم فيما حرّم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات وسائر ما حرم
عليكم فى الآيتين اللتين بَيّن فيهما ما حرّم من النساء (٢) =(ويتوب عليكم))،
يقول : يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته فى ذلك ، مما كنتم عليه من معصيته فى
فعلكم ذلك قبل الإسلام، وقبل أن يوحى ما أوحى إلى نبيه من ذلك = ((عليكم))،
ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنا بتكم وتوبتكم = ((والله
عليم))، يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده فى أدْ يانهم ودنياهم وغير ذلك من
أمورهم ، وبما يأتون ويذرون مما أحل أو حرم عليهم ، حافظ ذلك كله عليهم =
((حكيم)) بتدبيره فيهم، فى تصريفهم فيما صرّفهم فيه. (٣)
٠٠٠
واختلف أهل العربية فى معنى قوله: (( يريد الله ليبين لكم)).
فقال بعضهم : معنى ذلك: يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم . وقال:
ذلك كما قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾ [سورة الشورى: ١٥] بكسر («اللام))،
لأن معناه : أمرت بهذا من أجل ذلك .
...
(١) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٢) انظر تفسير ((السنة)) فيما سلف ٧: ٢٣٠، ٢٣١، وانظر مجاز القرآن لأبى عبيدة
١ : ١٢٤ ٠
(٣) انظر تفسير سائر ألفاظ الآية فيما سلف، فى فهارس اللغة.
ج ٨ (١٤)

٢١٠
تفسير سورة النساء : ٢٦
وقال آخرون : معنى ذلك: يريد اللّه أنْ يُبين لكم ويهديكم سننّ الذين من
قيلكم. وقالوا: من شأن العرب التعقيبُ بين ((كى)) و((لام كى)) و((أن))،
ووضْعُ كلّ واحدة منهن موضع كلِّ واحدة من أختها معَ ((أردت)) و((أمرت)).
فيقولون: ((أمرتك أن تذهب، ولتذهب)) و((أردت أن تذهب ولتذهب))، كما
قال الله جل ثناؤه
الِنُسْلِمَ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٧١]،
وقال فى موضع آخر: ﴿قُلْ إِى أُمِرْتُ أَنْ أَ كُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) [سورة الأنعام: ١٤])،(١)
وكما قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ﴾ [سورة الصف: ٨]، ثم قال فى موضع
آخر، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئوا﴾ [سورة التوبة: ٣٢]. واعتلوا فى توجيههم ((أن))
مع ((أمرت)) و((أردت)) إلى معنى ((كى))، وتوجيه ((كى)) مع ذلك إلى
معنى ((أن))، لطلب ((أردت)) و((أمرت)) الاستقبال، وأنها لا يصلح
معها الماضى، (٢) لا يقال: ((أمرتك أن قمت))، ولا ((أردت أن قمت)).
قالوا: فلما كانت ((أن)) قد تكون مع الماضى فى غير ((أردت)) و((أمرت))،
وَكَّدُوا لها معنى الاستقبال بما لا يكون معه ماض من الأفعال بحال، (٣) من (( كى))
و((اللام)) التى فى معنى ((كى)). قالوا: وكذلك جمعت العرب بينهن أحياناً فى
الحرف الواحد ، فقال قائلهم فى الجمع: (٤)
أَرَدْتَ لِكَيْنَا أَنْ تَطِبِرَ بِرْبِى فَتَتْرُ كَهَا شَنَّا بِبَيْدَاءَ بَفْعِ (٥)
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وأمرت أن أكون))، وهو مهو من الناسخ، وأثبت نص
التلاوة .
(٢) فى المطبوعة: ((وأيهما))، وهى فى المخطوطة غير منقوطة، وكأنها خطأ مطبعى.
(٣) فى المطبوعة: ((ذكروا لها معنى الاستقبال ... ))، وهو كلام لا معنى له، صوابه
ما أثبته من المخطوطة ، والظاهر أن الناشر استنكر عبارة أبى جعفر فغيرها . وعبارة الفراء فى معانى
القرآن: ((استوثقوا لمعنى الاستقبال)».
(٤) لا يعرف قائله.
(٥) معانى القرآن للفراء ١: ٢٦٢، الإنصاف: ٢٤٢، الخزانة ٣ : ٥٨٥، والعينى

٢١١
تفسير سورة النساء : ٢٦
فجمع بينهن، لاتفاق معانيهن واختلاف ألفاظهن، كما قال الآخر : (١)
قَدْ يَكْسِبُ المَلَ الهِدَانُ الجافِى
بِغَيْ لَا عَصْفٍ وَلَّا اصْطِرَافٍ (٢)
فجمع بين ((غير)) و(( لا)) توكيداً للنفى. قالوا: إنما يجوز أن يجعل ((أن))
مكان ((کی))، و((كى)) مكان ((أن))، فى الأماكن التى لا يَصْحب جالب
ذلك ماض من الأفعال أو غير المستقبل. فأما ما صحبه ماض من الأفعال وغير
المستقبل ، فلا يجوز ذلك. لا يجوز عندهم أن يقال: ((ظننت ليقوم)) ، ولا :
((أظن ليقوم))، بمعنى: أظن أن يقوم = لأنّ [((أنْ)) ]، (٣) التى تدخل مع الظن
(هامش الخزانة) ٤: ٤٠٥، وغيرها، كما قال صاحب الخزانة: ((وهذا بيت قلما خلا منه كتاب
نحوی )) .
((الشن)): الخلق البالى: و((البيداء)): المفازة المهلكة. و((البلقع)): الأرض القفر التى لا شىء
بها . يقول : إنما أردت بذلك هلاكى وضياعى فى قفرة مهلكة .
(١) ينسب إلى العجاج، وإلى رؤبة، وليس فى ديوانه، وانظر التعليق التالى.
(٢) ديوان العجاج: ٤٠، ٨٢، معانى القرآن للفراء ١: ٢٦٢، الإنصاف: ٢٤٢.
واللسان (صرف) (عصف) (هدن)، والبيت التالى، هو الوارد فى شعر العجاج :
مِنْ غَيْرِ لا عَصْفٍ وَلا اصْطِرَافٍ
جَّعْتَ لِى صَوَافِى
قَالَ الَّذِى
وهو من قصيدة يعاتب فيها ولده رؤبة ، فرد عليه ولده رؤبة بقصيدة فى ديوانه : ٩٩ .
فظاهر أن هذا هو سبب الخلط فى نسبة هذا الشعر ، والصواب أنه العجاج ، لأنه من معنى عتابه
ولده حين كبر وأرعش ، وظن أن ابنه طمع فى ماله ورجا هلاكه ، وختم قصيدته بقوله :
أَعْجَدَنِ المَوْتَ وَمَّ يُكَافٍ
لَيْسَ كَذَاكُمْ وَلَدُ الأَشْرَافِ
بالأخْذِ إنْ جَازَاكَ، أَوْ يُمافِى
سَوْقَ بْجَزيك مَلِيكُ وَافٍ
و ((الهدان)): الجبان، أو الوخم الثقيل النوام الذى لا يبكر فى حاجة. و ((عصف يعصف)
و((أعتصف)): طلب وكسب واحتال. و((العصف)): الكسب والاحتيال. و((صرفت الرجل
فى أمرى، فتصرف واصطرف)»: أى احتال فى طلب الكسب.
(٣) الزيادة بين القوسين لا بد منها، استظهرتها من السياق، ومن معانى القرآن الفراء.

٢١٢
تفسير سورة النساء : ٢٦، ٢٧
تكون مع الماضى من الفعل، يقال: ((أظن أن قد قام زيد))، ومع المستقبل،
ومع الأسماء. (١)
٠ ٠
قال أبو جعفر : وأولى القولين فى ذلك بالصواب عندى ، قولُ من قال :
إن («اللام)) فى قوله: ((يريد الله ليبين لكم))، بمعنى: يريد الله أنْ يبين لكم،
لما ذکرتُ من علة من قال إنّ ذلك كذلك .
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿وَاللهُ يُرِ يدُأَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَّتِ أَنْ تَبِيلُوْ مَيْلاً عَظِيمًا﴾ (٢)
١٩/٥
قال أبو جعفر : يعنى بذلك تعالى ذكره : والله يريد أن يراجع بكم طاعته
والإنابة إليه ، ليعفوّ لكم عما سلف من آثامكم ، ويتجاوز لكم عما كان منكم فى
جاهليتكم ، من استحلالكم ما هو حرَامٌ عليكم من نكاح حلائل آبائكم وأبنائكم
وغير ذلك مما كنتم تستحلونه وتأتونه، مما كان غير جائزلكم إتيانه من معاصى الله=
(( ويريد الذين يتبعون الشهوات))، يقول: ويريد الذين يطلبون لذّات الدنيا
وشهوات أنفسهم فيها = ((أن تميلوا)) عن أمر الله تبارك وتعالى، فتجوروا عنه
بإتيانكم ما حرّم عليكم وركوبكم معاصيه = ((ميلا عظيماً))، جوراً وعدولاً عنه
شديداً .
.
٠٠
(١) ومثالهما عند الفراء ١: ٢٦٣ ما نصه ((ومع المستقبل، فتقول: أظن أن سيقوم
زيد = ومع الأسماء فتقول: أظن أنك قائم »
وهذا الذى مضى هو مختصر مقالة الفراء فى معانى القرآن ١ : ٢٦١ - ٢٦٣.

٢١٣
تفسير سورة النساء : ٢٧
واختلف أهل التأويل فى الذين وصفهم الله بأنهم ((يتبعون الشهوات)).
فقال بعضهم : هم الزناة .
.. ذكر من قال ذلك :
٩١٢٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((ويريد الذين يتبعون الشهوات))،
قال: الزّنا = ((أن تميلوا ميلاً عظيماً))، قال: يريدون أن تزنوا.
٩١٣٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن
أبي نجيح ، عن مجاهد: ((ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً))،
أن تكونوا مثلهم ، تزنون كما يزنون .
٩١٣١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((ويريد الذين يتبعون الشهوات))، قال: الزنا = (( أن
تميلوا ميلا عظيماً))، قال : يزنى أهلُ الإسلام كما يزنون . قال : هى كهيئة :
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [سورة القلم: ٩].
٩١٣٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن أبى زائدة ، عن ورقاء ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( ويريد الذين يتبعون الشهوات))، قال : الزنا =
(( أن تميلوا))، قال : أن تزنوا.
٠ ٠
وقال آخرون ، بل هم اليهودُ والنصارَى .
• ذكر من قال ذلك :
٩١٣٣ -حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((ويريد الذين يتبعون الشهوات))، قال : هم اليهود
والنصارى = ((أن تميلوا ميلاً عظيماً)).

٢١٤
تفسير سورة النساء : ٢٧
وقال آخرون : بل هم اليهودُ خاصة ، وكانت إرادتهم من المسلمين اتّباع
شهواتهم فى نكاح الأخوات من الأب. وذلك أنهم يحلون نكاحتهنّ ، فقال الله تباك
وتعالى للمؤمنين : ويريدُ الذين يحدِّلون نكاح الأخوات من الأب ، أن تميلوا عن
الحق فتستحلوهن كما استحلوا .
وقال آخرون . معنى ذلك : كل متبع شهوةً فى دينه لغير الذين أبيح له .
* ذكر من قال ذلك :
٩١٣٤ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب قال ،
سمعت ابن زيد يقول فى قوله: ((ويريد الذين يتبعون الشهوات)) الآية ، قال :
يريد أهل الباطل وأهل الشهوات فى دينهم ، أن تميلوا فى دينكم ميلاً عظيماً ،
تتبعون أمرَ دينهم ، وتتركون أمرَ الله وأمرَ دينكم.
٠٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، قولُ من قال : معنى
ذلك: ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم من أهل الباطل وطلاّب الزنا ونكاح
الأخوات من الآباء، وغير ذلك مما حرمه الله = ((أن تميلوا)) عن الحق، (١) وعما
أذن الله لكم فيه، فتجورُوا عن طاعته إلى معصيته ، وتكونوا أمثالهم فى اتباع شهوات
أنفسكم فيما حرم الله، وترك طاعته = ((ميلاً عظيماً)).
وإنما قلنا، ذلك أولى بالصواب، لأن الله عز وجل عمّ بقوله: ((ويريد
الذين يتبعون الشهوات))، فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة، وعمهم بوصفهم
بذلك ، من غير وصفهم باتّباع بعض الشهوات المذمومة . فإذا كان ذلك كذلك ،
فأولى المعانى بالآية ما دلّ علیه ظاهرها ، دون باطها الذی لا شاهد علیه من أصل
(١) كان فى المخطوطة والمطبوعة: ((أن تميلوا ميلا عظيما عن الحق ... ))، ولكنى استظهرت
من ذكره فى آخر الفقرة: ((ميلا عظيما))، أن قوله هنا ((ميلا عظيما)) سبق قلم من الناسخ، جرت
تتمة الآية على لسانه فأثبتها ، ولو صح ذلك ، لكانت هذه الأخيرة فى آخر الفقرة لا مكان لها .

٢١٥
تفسير سورة النساء : ٢٧، ٢٨
أو قياس. وإذا كان ذلك كذلك كان داخلاً فى ((الذين يتبعون الشهوات))
اليهود، والنصارى، والزناة، وكل متبع باطلاً . لأن كل متَبع مانهاه اللّه عنه،
فتبع شهوة نفسه . فإذا كان ذلك بتأويل الآية أولى ، وجبتُ صحة ما اخترنا من
القول فى تأويل ذلك .
٥
القول فى تأويل قوله (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ
اُلْإِنْسَنُ ضَعيِقاً) )
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( يريد الله أن يخفف عنكم )) ، يريد
الله أن يُيسر عليكم، (١) بإذنه لكم فى نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم تستطيعوا
طولاً لحرة = ((وخلق الإنسان ضعيفاً))، يقول: يسَّر ذلك عليكم إذا كنتم غير
مستطيعى الطول للحرائر ، لأنكم خُلِيقتم ضعفاء عجزةً عن ترك جماع النساء ،
قليلى الصبر عنه ، فأذن لكم فى نكاح فتياتكم المؤمنات عند خوفكم العسنت على
أنفسكم، ولم تجدُوا طولاً لحرة، لئلا تزنوا ، لقلّة صبركم على ترك جماع النساء.
٢٠/٥
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك .
٩١٣٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((يريد الله أن يخفف عنكم) فى نكاح الأمة ،
وفی کل شىء فيه يُسر .
٩١٣٦ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال، حدثنا
(١) انظر تفسير ((التخفيف)) فيما سلف ٦ : ٥٧٧.

٢١٦٠
تفسير سورة النساء : ٢٨، ٢٩
سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه: ((وخلق الإنسان ضعيفاً))، قال : فى أمر
الجماع .
٩١٣٧ - حدثنا ابن بشارقال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن
طاوس، عن أبيه: (( وخلق الإنسان ضعيفاً))، قال: فى أمر النساء.
٩١٣٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن ابن طاوس، عن أبيه: ((وخلق الإنسان ضعيفاً))، قال: فى أمور النساء.
لیس یکون الإنسان فی شیء أضعف منه فی النساء .
٩١٣٩ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((يريد الله أن يخفف عنكم))، قال: رخص لكم فى نكاح هؤلاء الإماء، حين
اضطُرّوا إليهن = ((وخلق الإنسان ضعيفاً))، قال: لو لم يرخص له فيها، لم يكن
إلاّ الأمرُ الأول، إذا لم يجد حرّة .
القول فى تأويل قوله {يَأَيُّها الِّينَ ءَامَنُواْ لَا تَأُوَاْ أَمْوَلَكُمْ
◌َيْنَكُم بِالْطِلِ إِلَّ أَن تَكُونَ بِجَرَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنَكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: (١) ((يا أيها الذين آمنوا))، صدّقوا
الله ورسوله = ((لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل))، يقول: لا يأكل بعضكم أموال"
بعض بما حرّمَ عليه ، من الربا والقمار وغير ذلك من الأمور التى نهاكم الله
عنها (٢) = ((إلاّ أن تكون تجارة"))، كما :-
٩١٤٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((يعنى بذلك جل ثناؤه))، والسياق يقتضى ما أثبت.
(٢) انظر تفسير ((أكل الأموال بالباطل)) فيما سلف ٣: ٥٤٨، ٥٤٩ /٧: ٥٢٨، ٥٧٨

٢١٧
تغير سورة النساء : ٢٩.
أسباط، عن السدى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ
أن تكون تجارة عن تراض منكم»، أما ((أكلهم أموالهم بينهم بالباطل))، فبالرّبا والقمار
والبخس والظلم (١) = (( إلا أن تكون تجارة ))، ليربح فى الدرهم ألفاً إن استطاع.
٩١٤١ - حدثنى محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن الفضل أبو النعمان
قال ، حدثنا خالد الطحان ، قال ، أخبرنا داود بن أبى هند ، عن عكرمة، عن ابن
عباس فى قوله تعالى: ((لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل))، قال: الرجل يشترى
السلعة فيردّها ويردّ معها درهماً . (٢)
٩١٤٢ - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود ،
عن عكرمة ، عن ابن عباس = فى الرجل يشترى من الرجل الثوبَ فيقول: ((إن
رضيته أخذته وإلاّ رددته ورددت معه درهماً))، قال : هو الذى قال الله :
(( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)).
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية بالنهى عن أن يأكل بعضهم طعامَ بعض
إلاّ بشراء . فأما قِرَى، فإنه كان محظورًا بهذه الآية ، حتى نسخ ذلك بقوله
فى (سورة النور)): ﴿لَيْسَ عَلَى الْأََْى حَرَجٌ وَلَ عَلَى الْأُغْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى العَرِيضِ
حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأكُلُوا مِنِ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [سورة النور: ٦١].
(١) فى المطبوعة: ((نهى عن أكلهم أموالهم بينهم بالباطل وبالربا ... ))، ولا أدرى
لم غير ما فى المخطوطة !! وهو مطابق لما فى الدر المنثور ٢: ١٤٣.
(٢) الأثر: ٩١٤١ - ((محمد بن الفضل أبو النعمان))، هو ((عارم))، سلفت ترجمته
برقم : ٠٣٣٨٧
وكان فى المخطوطة: ((محمد بن المفضل)). وأما المطبوعة، فقد أساء الناشر غاية الإساءة،
وخالف الأمانة، فكتب ((أحمد بن المفضل))، وحذف ((أبو النعمان))، وهذا أسوأ ما يكون من
ترك الأمانة .
وأما (خالد الطحان))، فهو: ((خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطى)) سلفت ترجمته
برقم : ٤٤٣٣ ، ٥٤٣٤.

٨
تفسير سورة النساء : ٢٩
· ذکر من قال ذلك :
٩١٤٣ - حدثنى محمد بن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح ، عن الحسن
ابن واقد ، عن يزيد النحوى، عن عكرمة والحسن البصرى قالا فى قوله: ((لا تأكلوا
أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارةً عن تراض منكم)) الآية ، فكان الرجل
يتحرّج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية ، فنسخ ذلك بالآية
التى فى ((سورة النور))، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَنْحَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ
حَرَجٌ وَلاَ عَى الَرِيضِ حَرَعٌ وَلاَ عَلَى أَنُْكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِّكُمْ أَوْ
بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَمْهَاتِكُمْ) إلى قوله: (جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾. (١)
فكان الرجل الغنىّ يدعو الرجل من أهله إلى الطعام، فيقول: ((إنى لأتتجنَّح)) ! =
و((التجنح)) التحرّج (٢) = ويقول: ((المساكين أحق به منى))! (٣) فأحل من ذلك
أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وأحلّ طعامَ أهل الكتاب . (٤)
...
قال أبو جعفر : وأولى هذين القولين بالصواب فى ذلك، قولُ السّدى.
وذلك أن الله تعالى ذكره حرّم أكل أموالنا بيننا بالباطل ، ولا خلاف بين المسلمين
أنّ أكل ذلك حرامٌ علينا، فإنّ اللّه لم يحلَّ قط أكلَ الأموال بالباطل.
وإذْ كان ذلك كذلك، فلا معنى لقول من قال: « کان ذلك نهیاً عن
(١) من أعجب العجب، أن تكون آية سورة النور قد ذكرت قبل أسطر على الصحة،
ثم تتفق المخطوطة والمطبوعة على أن تسوق الآية على الخطأ، فيكتب: ((ليس عليكم جناح أن تأكلوا
من بيوتكم ... ))، وهذا من السهر الشديد، أعاذنا الله وإياك من مثله، والله وحده المستعان.
(٢) ((التجنح)): التحرج، هذا معنى جيد عريق فى العربية، لم تثبته كتب اللغة، فأثبته
هناك .
(٣) فى المطبوعة: ((أحق منى به))، على التأخير، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) كأن هذا الأثر فيه بعض النقص، وقد اختصره السيوطى فى الدر المنثور ٢: ١٤٣،
١٤٤، اختصاراً شديداً .

٢١٩
تفسير سورة النساء : ٢٩
أكل الرجل طعامَ أخيه قِرَى [على وجه ما أذن له]، ثم نُسخ ذلك، (١) لنقل
علماء الأمّة جميعاً وجُهَّالها : أن قرى الضيف وإطعام الطعام كان من حميد أفعال
أهل الشرك والإسلام التى حَمِدَ اللّه أهلها عليها وندبهم إليها، وأن اللّه لم يحرّم ذلك
فى عصر من العصور ، بل ندب الله عباده وحثهم عليه .
وإذا كان ذلك كذلك، فهو من معنى الأكل بالباطل خارج ، ومن أن ٢١/٥
يكون ناسخاً أو منسوخاً بمعزل . لأن النسخ إنما يكون لمنسوخ ، ولم يثبت النهى
عنه ، فيجوز أن يكون منسوخاً بالإباحة .
وإذ كان ذلك كذلك، صحّ القول الذى قلناه : من أنّ الباطل الذى
نهى اللّه عن أكل الأموال به، هو ما وصفنا مما حرمه على عباده فى تنزيله أوْ على
لسان رسوله صلى الله عليه وسلم - وشذّ ما خالفه. (٢)
٠ ٠
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم)).
فقرأها بعضهم: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ﴾ رفعاً، بمعنى : إلا أن توجد
تجارة، أو: تقع تجارة ، عن تراض منكم، فيحل لكم أكلها حينئذ بذلك المعنى .
ومذهب من قرأ ذلك على هذا الوجه: ((إلاّ أن تكون)) تامةً ههنا، (٣) لا حاجة
بها إلى خبر ، على ما وصفت . وبهذه القراءة قرأ أكثر أهل الحجاز وأهل
البصرة .
وقرأ ذلك آخرون ، وهم عامة قرأة الكوفيين: ﴿ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾،
نصباً ، بمعنى : إلا أن تكونَ الأموال التى تأكلونها بينكم ، تجارةً عن تراض
(١) هذه العبارة التى بين القوسين، محرفة لا شك فى تحريفها، ولم أجد لها وجهاً أرتضيه،
فوضعتها بين القوسين ، ولو أسقطها مسقط من الكلام لاستقام على صحة .
(٢) قوله: ((وشذ ما خالفه)) معطوف على قوله: ((صح القول الذى قلناه)).
(٣) فى المطبوعة: (( ... على هذا الوجه أن تكون تامة ... »، ورددتها إلى ما كان فى
المخطوطة ، فهى صحيحة فى سياقه .

٢٢٠.
تفسير سورة النساء : ٢٩
منكم، فيحل لكم هنالك أكلها. فتكون ((الأموال)) مضمرة فى قوله: ((إلاّ أن
تكون))، و ((التجارة)) منصوبة على الخبر. (١)
٠٠
قال أبو جعفر : وكلتا القراءتين عندنا صوابٌ جائزةٌ القراءةُ بهما،
لاستفاضتهما فى قرأة الأمصار ، مع تقارب معانيهما . غير أن الأمر وإن كان
كذلك ، فإن قراءة ذلك بالنصب ، أعجبُ إلىّ من قراءته بالرفع ، لقوة النصب
من وجهين :
أحدهما: أن فى (( تكون)) ذكر من الأموال . والآخر : أنه لو لم يجعل فيها
ذكر منها، ثم أفردت : ((التجارة))، وهى نكرة ، كان فصيحاً فى كلام العرب
النصبُ، إذ كانت مبنيةٌ على اسم وخبر. فإذا لم يظهر معها إلاّ نكرة واحدة ،
نصبوا ورفعوا ، كما قال الشاعر :
﴿ إِذَا كَانَ طَعْنًا بْنَهُمْ وَعِنَاقًا .(٢)
٠ ٥
قال أبو جعفر : ففى هذه الآية إبانةٌ من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول
الجهلة من المتصوِّفة المنكرين طلبَ الأقوات بالتجارات والصناعات ، والله تعالى
يقول: ((يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن
تراض منكم))، اكتساباً منا ذلك بها، (٣) كما : -
٩١٤٤ -حدثنا بشر بن معاذ قال،حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ،عن
(١) انظر تفصيل القول فى هاتين القراءتين، فى نظيرة هذه الآية من سورة البقرة: ٢٨٢
فى ٦: ٨٠ - ٨٢، وإن اختلف وجه التأويل فى الآيتين، كما يظهر من مراجعة ذلك فى آية
سورة البقرة .
(٢) سلف البيت بتمامه فى ٦: ٨٠، ولم أشر إلى مكانه هنا فى الموضع السالف ، لأنى
لم أقف عليه أثناء تخريج شعر التفسير ، لإدماجه فى صلب الكلام .
(٣) فى المطبوعة: ((اكتساباً أحل ذلك لها))، غير ما فى المخطوطة، إذ لم يحسن قراءته.
وهو كما أثبته، إلا أن الناسخ أخطأ فكتب ((لها))، والصواب: ((بها)»، أى: بالتجارات
والصناعات.