النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
تفسير سورة النساء : ٢٤
٩٠٠١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( والمحصنات من النساء )) قال : نهى عن الزنا ،
أن تنكِحَ المرأة زوجين .
٩٠٠٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( والمحصنات من النساء
إلاّ ما ملكت أيمانكم))، قال: كل ذات زوج عليكم حرام، إلاّ الأربع
اللائى ينكحن بالبيِّنَةِ والمهر.(١)
٩٠٠٣ - حدثنا أحمد بن عثمان قال، حدثنا وهب بن جرير قال ، حدثنا
أبى قال ، سمعت النعمان بن راشد يحدّث، عن الزهرى ، عن سعيد بن المسيب :
أنه سئل عن المحصنات من النساء ، قال: هن ذوات الأزواج. (٢)
٩٠٠٤ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان ،
عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله قال: ((والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت
(١) الأثر: ٩٠٠٢ - لم أعرف ما أراد بقوله: ((ينكحن بالبينة))، وسيأتى مثله فى
الأثر رقم: ٩٠٠٨، وقد وجدت فى حديث رواه الإمام أحمد فى مسنده ٤: ٥٨، والحاكم فى
المستدرك ٢ : ١٧٢ - ١٧٤، من حديث ربيعة بن كعب الأسلمى، أن رسول الله صلى الله عليه
وسهم أرسله إلى حى من الأنصار، ليتزوج امرأة منهم قال: ((فأكرمونى وزوجوفى وألطفوفى ولم يسألوفى
البيئة ، فرجعت حزيناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بالك؟ فقلت: يا رسول الله،
أتيت قوماً كراماً فزوجوفى وأكرمونى ولم يسألوفى البينة ! فن أين لى الصداق؟)) الحديث. فلا أدرى
أهذا هذا ؟ !
وقد أشكل على ما أراد ابن عباس فى هذا الحديث ، وفى الذى يليه : ٩٠٠٨، بقوله :
(بالبينة والمهر)) أو (ببينة ومهر))، كما أشكل على لفظ ((سنة)) فى ص: ١٥٨ تعليق : ١،
والأثر : ٨٩٩١، فانظره هناك . ورحم الله عبداً على جاهلا .
وهذا الأثر خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ١٣٨، ونسبه لابن أبى حاتم ، والطبرانى.
(٢) الأثر: ٩٠٠٣ - (( أحمد بن ، ثمن بن أبى عثمان النوفل)) المعروف بابن أبى الجوزاء،
روى عنه أبو جعفر فى التاريخ ٢: ٢٠٠ بهذا الإسناد نفسه، وهو غير «أحمد بن عثمان بن حكيم
الأودى )» الذى يروى عنه أبو جعفر أيضاً فى غير هذا الموضع، وقد صرح أبو جعفر فى إسناده
فى التاريخ بأنه ((المعروف بابن أبي الجوزاء)). مترجم فى التهديب.
ج ٨ (١١)

١٦٢
تفسير سورة النساء : ٢٤
أيمانكم))، قال: ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين. وقال على: ذوات
الأزواج من المشركين .
٩٠٠٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن
سالم، عن سعيد، عن ابن عباس فى قوله: (( والمحصنات من النساء))، قال :
کل ذات زوج علیکم حرام.
٩٠٠٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنى الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن
عبد الكريم ، عن مكحول نحوه .
٩٠٠٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن
الصلت بن بهرام ، عن إبراهيم نحوه . (١)
٩٠٠٨ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت
أيمانكم)) إلى ((وأحل لكم ما وراء ذلكم))، يعنى ذوات الأزواج من النساء،
لا يحل نكاحهنّ. يقول: لا تُخَبِّبْ ولا تَعِدْ، فتنشُرُ على زوجها. (٢) وكل امرأة
لا تنكح إلاّ ببينة ومَهْرٍ فهى من المحصنات التى حرّم الله - ((إلاّ ما ملكت أيمانكم))،
يعنى التى أحلَّ اللّه من النساء، وهو ما أحلّ من حرائر النساء مثنى وثلاث ورباع. (٣)
۵
(١) الأثر: ٩٠٠٧ - ((الصلت بن بهرام التميمى)) مضى برقم: ٤٢٢٣.
(٢) فى المطبوعة: ((لا تغلب))، وهو كأنه من ((الخلب))، وهو من قولهم: ((خلب
المرأة عقلها))، سلبها إياه بحلو حديثه وخداعه. وفى المخطوطة ((محلب)) غير منقوطة، وكذلك فى
الدر المنثور ٢: ١٣٨، ولكنى آثرت قراءتها ((تخبب)»، لأنه هو اللفظ المستعمل فى إفساد
النساء على أزواجهن. يقال: ((خبب عليه امرأته أو عبده أو صديقه)): أفده عليه بمكره وغشه
وخداعه ، قال الفرزدق ، فى قوم اتهمهم بإفساد زوجته النوار عليه :
كَمَاشِ إلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهاَ
وَإِنَّ أَمْرَأَ أَمْسَى يُخَيِّبُ زَوْجَتِ
وَبَسْطَّةُ أَيْدٍ يَمْتَعُ الضَّمَ كَّوَنُها
وَمِنْ دُونٍ أَبْوَالِ الأُسُودِ بَةٌ
(٣) الأثر: ٩٠٠٨ - خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ١٣٨، ونسبه لابن جرير،

١٦٣
تغير سورة النساء : ٢٤
وقال آخرون : بل هن نساءُ أهل الكتاب .
ذكر من قال ذلك :
٠
٩٠٠٩ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عيسى
ابن عبيد، عن أيوب بن أبى العَوْجاء ، عن أبى مجلز فى قوله: ((والمحصنات من
النساء إلا ما ملكت أيمانكم))، قال: نساء أهل الكتاب.(١)
وقال آخرون : بل هن الحرائر .
• ذكر من قال ذلك :
٩٠١٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنى حماد بن مسعدة قال، حدثنا سليمان ،
عن عزرة فى قوله: ((والمحصنات من النساء))، قال: الحرائر. (٢)
٠ ٥
وابن أبي حاتم. وانظر التعليق على الأثر: ٩٠٠٢، فى إشكال معنى ((بينة)) هنا. وانظر أيضاً
ص : ١٥٨ تعليق: ١، والتعليق على الأثر : ٨٩٩١ .
(١) الأثر: ٩٠٠٩ - ((يحيى بن واضح الأنصارى، أبو تميلة))، سلفت ترجمته مراراً
منها : ٣٩٢، ٤٦١. و((عيسى بن عبيد بن مالك المروزى - الكندى))، يروى عن أبى مجلز،
ولكنه روى عنه هنا بواسطة أيوب بن أبى العوجاء. روى عنه أبو تميلة يحيى بن واضح. وذكره ابن حبان
فى الثقات . مترجم فى التهذيب .
و « أيوب بن العوجاء القرشى))، روى عن عكرمة، وعلباء ابن أحمر . روى عنه الحسين
أبن واقد، والمبارك بن مجاهد، وعيسى بن عبيد المروزى، وأيوب. يعد فى الخراسانيين، وهو مروزى.
مترجم فى الكبير ٤٢١/١/١، وابن أبى حاتم ٢٥٤/١/١. وكان فى المخطوطة والمطبوعة:
« أيوب عن أبى العوجاء))، وهو خطأً، صوابه ما أثبت. و((أبو بجلز)) هو ((لاحق بن حميد))
سلفت ترجمته فى رقم : ٢٦٣٤.
(٢) الأثر: ٩٠١٠ - ((حماد بن مسعدة البصرى))، ثقة، من شيوخ أحمد. مضى برقم:
٣٠٥٦ .
و((سليمان)): هو: سليمان التيمى.
و((عزرة)) هو: عزرة بن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعى، مضى برقم: ٢٧٥٢، ٢٧٥٣،
وفى هذه الأخيرة خطأ (عروة)، والصواب ((عزرة)) فليصحح.
وكان فى المطبوعة: ((سليمان بن عرعرة))، ولا أدرى من أين جاء بها الطابع، وإن كان
((سليمان بن عرعرة بن البرفد)) مترجماً فى ابن أبى حاتم ١٣٤/١/٢، وكان فى المخطوطة ((سليمان

١٦٤
تفسير سورة النساء : ٢٤
وقال آخرون: ((المحصنات؟ من العفائف وذوات الأزواج، وحرام كُلّ
من الصنفين إلاّ بنكاحٍ أو ملك يمين .
· ذكر من قال ذلك :
٩٠١١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى الليث
قال، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب، وسئل عن قول الله: (( والمحصنات من
النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم)) الآية، قال: نرى أنه حرَّم فى هذه الآية المحصنات من
النساء ذوات الأزواج أن ينكحن مع أزواجهن = والمحصنات ، العفائف= ولا يحللن
إلاّ بنكاحٍ أو ملك يمين. والإحصان إحصانَان: إحصان تزويج، وإحصانُ
عَقافٍ، فى الحرائر والمملوكات. كل ذلك حرّم الله، إلا بنكاح أو ملك يمين.
وقال آخرون: نزلت هذه الآية فى نساء كنَّ يهاجرن إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ولهن أزواج، فيتزوّجُهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجُهن مهاجرين،
فهى المسلمون عن نكاحهن .
* ذكر من قال ذلك :
٩٠١٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال ، حدثنى حبيب بن أبى ثابت ، عن أبى سعيد الخدرى قال :
كان النساء يأتيننا ثم يهاجر أزواجهن، فمنعناهن - يعنى بقوله: (( والمحصنات من
النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم)). (١)
ابن عزرة))، وليس فى الرواة ((سليمان بن عزرة))، فظاهر أنه ((سليمان عن عزرة)) وعزرة،
يروى من سليمان التيمى وقتادة .
(١) الأثر: ٩٠١٢ - ((حبيب بن أبي ثابت)) هو: «حبيب بن قيس بن دينار))،
ويقال : «حبیب ین قیس پن هند )»، ویقال « حبيب بن هند)) . روى عن ابن عمر، وابن عباس،
وأنس بن مالك، وزيد بن أرقم، ومجاهد، وعطاء، وطاوس. وذكره أبو جعفر الطبرى فى طبقات
الفقهاء. لم يذكر له رواية عن أبى سعيد الخدرى. وهو ثقة. مترجم فى الهديب، والكبير ٣١١/٢/١،
وابن أبي حاتم ١٠٧/٢/١.
والأثر خربه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ١٣٨، ولم ينسبه إلا لابن جرير .

١٦٥
تفسير سورة النساء : ٢٤
وقد ذكر ابن عباس وجماعة غيره أنه كان ملتبساً عليهم تأويل ذلك .
٩٠١٣ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن عمرو بن مرة قال ، قال رجل لسعيد بن جبير : أما رأيت ابن عباس
حين سُئِل عن هذه الآية: ((والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم)) ، فلم
يقل فيها شيئاً ؟ قال فقال : كان لا يعلمها .
٩٠١٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ،
أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى ، عن مجاهد قال : لو أعلم من يفسّر لى هذه الآية ،
لضربت إليه أكباد الإبل، قوله: ((والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم))
إلى قوله: (( فما استمتعتم به منهن))، إلى آخر الآية . (١)
٠٠٠
قال أبو جعفر: فأما (المحصنات))، فإنَّهن جمع ((ُمُحْصَنة))، وهى التى قد
مُنِع فرجها بزوج. يقال منه: ((أحْصَن الرجلُ امرأته فهوُ يُحْصنها إحصاناً))؛
(((وحَصُنت هى فهى تَحْصُن حَصَانة))، إذا عفَّت = ((وهى حاصِنٌ من النساء))،
عفيفة ، كما قال العجاج :
وَحَاصِينٍ مِنْ حَاصِنَاتٍ مُلْسٍ عَنِ الْأُذَى وَعَنْ قِرَافِ الْوَقْسِ(٣)
(١) الأثر: ٩٠١٤ - ((عبد الرحمن بن يحيى))، لم أعرف من يكون؟
وهذا الأثر خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ١٣٩، لم ينسبه لغير ابن جرير .
(٢) ديوانه: ٧٩، واللسان (حسن) (قنس) و(وقس). وقد سلف من هذه القصيدة
أبيات فى ٣ : ٠٣؛، يذكر فيها أبا العباس السفاح وخلافته، وهذا الشعر فى ديوانه ملفق غير
متصل، فلذلك لم أستطع أن أميز الآن، من على بقوله: ((وحاصن))، وكأنه على أم أبى العباس .
وقوله: ((ملس)) جمع ((ملساء))، وأراد بها البراءة من كل عيب يذم، كالشىء الأملس وهو
البرىء من الخشونة والعيوب والأبن، ويقول المتلمس، وصدق العربى الحر :
فَلاَ تَقْبَلَنْ ضَيْاَ مَخَافَةَ مِيئَةٍ، وَمُوتَنْ بِهَ حُرًّا وَجِدُكَ أَمْلَسُ
ويمنى بقوله: ((الأذى)) العيب. ويروى ((من الأذى))، وهو جيد أيضاً. و((القراف)»
المخالطة، مصدر ((قارف الشىء مقارفة وقرافاً)) داناه وخالطه. فقالوا منه: ((قارف الجرب البعير))،
٥

١٦٦
تفسير سورة النساء : ٢٤
ويقال أيضاً ، إذا هى عَقَّت وحفظت فرجها من الفجور: ((قد أحصَنَتْ
فرجها فهى مُحْصِنة))، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَرْيَ ابْنَةَ عِْرَانَ الَّتِ أَحْصَفَتْ فَرْجَهَ﴾
[ سورة التحريم: ١٢]، بمعنى: حفظته من الريبة، ومنعته من الفجور. وإنما
قيل لحصون المدائن والقرى: ((حُصُون))، لمنعها من أرادَ ها وأهلها، وحفظها ما وراءها
ممن بغاها من أعدائها . ولذلك قيل الدرع: ((درع حَصِينة)).
٠ ٠٠٠
فإذا كان أصل ((الإحصان)) ما ذكرنا من المنع والحفظ، فبيِّنٌ أنّ معنى قوله:
((والمحصنات من النساء))، والممنوعات من النساء حرام عليكم إلاّ ما ملكت أيمانكم.
وإذا كان ذلك معناه ، وكان الإحصان قد يكون بالحرّية ، كما قال جل
ثناؤه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٥]
= ويكون بالإسلام، كما قال تعالى ذكره: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَّةٍ
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحصَنَتِ مِنَ العَذَابِ ﴾ [سورة النساء: ٢٥] = ويكون
بالعفة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ
شُهَدَاء) [سورة النور: ٤] = ويكون بالزوج = (١) ولم يكن تبارك وتعالى خص"
محصّنة دون محصنة فى قوله: (( والمحصنات من النساء)) = (٢) فواجبٌ أن
تكون كلُمحصنة بأىّ معانى الإحصان كان إحصانها ، حراماً علينا سفاحاً أو
نكاحاً إلاّ ما ملكته أيماننا منهن بشراء، كما أباحه لنا كتابُ الله جل ثناؤه ، أو
نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله .
داناه شىء منه، وهو المراد هنا، أى ملابسة الداء، و((الوقى))، الحرب. وضرب الحرب مثلا
الفاحشة والعيب .
(١) هذه عطوف متتابعة، والسياق: وإذا كان ذلك معناه، وكان الإحصان قد يكون
بالحرية ... ويكون بالإسلام ... ويكون بالعفة ... ويكون بالزوج ...
- ثم عطف مرة أخرى على أول الكلام فكان سياقه: وإذ كان ذلك معناه ... ولم يكن
تبارك وتعالى خص محصنة دون محصنة .
(٢) هذا جواب ((إذ))، والسياق: وإذ كان ذلك معناه ... فواجب أن تكون كل محصنة.

١٦٧
تفسير سورة النساء : ٢٤
فالذى أباحه الله تبارك وتعالى لنا نكاحاً من الحرائر: الأربعُ، سوى اللَّوانى
حُرِّمن علينا بالنسب والصهر = ومن الإماء : ما سبينا من العدوِّ ، سوى اللوانى
وافق معناهن معنى ما حُرُّم علينا من الحرائر بالنسب والصهر ، فإنهن والحرائر
فيما يحل ويحرُم بذلك المعنى ، متفقاتُ المعانى = وسوى اللّواتى سبيناهنّ من أهل الكتابين
ولهن أزواج، فإن السِّباء يحلُّهن لمن سباهن بعد الاستبراء ، وبعد إخراج حق الله
تبارك وتعالى الذى جعله لأهل الخُمس منهنّ.
فأما السِّفاح، فإن الله تبارك وتعالى حرّمِهِ من جميعَهن، فلم يحلّه من حُرّة ولا
أمة ، ولا مسلمة ، ولا كافرةٍ مشركة .
وأما الأمة التى لها زوج ، فإنها لا تحلّ لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها ،
أو وفاته وانقضاء عدتها منه. فأمَّا بيع سيدها إياها، فغيرُ موجب بينها وبين زوجها
فراقاً ولا تحليلاً لمشتريها ، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (١)
أنه خَيَّرَ بَرِيرة إذ أعتقتها عائشة، بين المُقام مع زوجها الذى كان سادَتُها زوَّجوها
منه فى حال رِقُها، وبين فراقه = ولم يجعل صلى اللّه عليه وسلم عِتْق عائشة إيّاها
لها طلاقاً. ولو كان عتقُها وزوالُ ملك عائشة إياها لها طلاقاً، لم يكن لتخبير النبى
صلى الله عليه وسلم إياها بين المقام مع زوجها والفراق، معنًى = ولوجب بالعتق
الفراق، (٢) وبزوال ملك عائشة عنها الطلاق . فلما خيّرها النبى صلى الله عليه
وسلم بين الذى ذكرنا وبين المقام مع زوجها والفراق ، كان معلوماً أنه لم يخير بين
ذلك إلاّ والنكاح عقدُه ثابت كما كان قبل زوال ملك عائشة عنها . فكان نظيراً
للعتق = الذى هو زوال ملك مالك المملوكة ذات الزوج عنها = البيعُ، الذى هو
زوال ملك مالكها عنها، إذ كان أحدهما زوالاً ببيع، والآخر بعتق = فى أن الفُرْقة
لا تجب بينها وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما، [ ولا يجب بهما ولا بواحد منهما
(١) خبر بريرة، فى مسلم ١٠ : ١٣٩ - ١٤٨، وأخرجه البخارى أيضاً فى مواضع
من صحيحه .
(٢) فى المخطوطة: ((وقد وجب بالعتق الفراق))، وهو خطأ بين، والصواب ما فى المطبوعة.

١٦٨
تفسير سورة النساء : ٢٤
طلاقٌ]، (١) وإن اختلفا فى معان آخر: من أن لها فى العتق الخيارُ فى المقام مع
زوجها والفراق، لعلة مفارقةٍ معنى البيع، وليس ذلك لها فى البَيْع .
!
٠٠
٥
قال أبو جعفر : فإن قال قائل : وكيف يكون معنيًّا بالاستثناء من قوله :
((والمحصنات من النساء))، ما وراء الأربع، من الخمس إلى ما فوقهن بالنكاح،
والمنكوحات به غير مملوکات ؟ .
٧/٥
قيل له: إن الله تعالى لم يخصّ بقوله: ((إلا ما ملكت أيمانكم))، المملوكات
الرقابة، دون المملوك عليها بعقد النكاح أمرُها، بل عمَّ بقوله: ((إلا" ما ملكت
أيمانكم))، كلا المعنيين = أعنى ملك الرقبة ، وملك الاستمتاع بالنكاح = لأن
جميع ذلك ملكته أيماننا . أما هذه فملك استمتاع، وأما هذه فملك استخدام
واستمتاع وتصريف فيما أبيح لمالكها منها . ومن ادَّعى أن الله تبارك وتعالى عنى
بقوله: ((والمحصنات من النساء)) ممصنة وغير محصنة سوى من ذكرنا أولاً، بالاستثناء
بقوله: ((إلاّ ما ملكت أيمانكم))، (٢) بعضَ أملاك أيماننا دون بعض غير الذى
دللنا على أنه غير معنىًّ به = سئل البرهان على دعواه من أصل أو نظير. (٣) فلن
يقول فى ذلك قولاً إلاّ ألزم فى الآخر مثله.
٠٠٠
(١) فى المطبوعة: ((فى أن الفرقة لا يجب بها بينهما وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما طلاق))
وهو كلام فاسد مختل، غير ما فى المخطوطة إذ كان ما فيها خطأ، وزاد ((بها، فى قوله ((لا يجب بها))،
ولا أدرى ما أراد بذلك !!
وفى المخطوطة: ((فى أن الفرقة لاتجب بينها وبين زوجها بهما، ولا بواحد منها وطلاق)).
والجملة الأولى مستقيمة، وأما (( وطلاق)) فإن الناسخ فيما أرجح قد اختلط عليه إعادة الجملة كما أثبتها،
فكتب ما كتب . والصواب إن شاء الله هو ما أثبته بين القوسين، وهو استظهار من سياق الحجة
السالفة كما ترى .
هذا، وجملة أبى جعفر من أول الفقرة، شديدة التركيب، ولذلك وضعت لها الخطوط الفواصل،
لتفصل التفسير عن سياق الكلام، وسياقه كما يلى: («فكان نظيراً المثق ... البيع ... فى أن
الفرقة ... ))، يعنى أن البيع نظير المتقى، ثم فسر فى خلال ذلك معنى ((المتق)) ومعنى ((البيع)).
(٢) قوله: ((بعض)) منصوب مفعول به لقوله ((عنى يقوله)).
(٣) السياق: ((ومن ادعى ... سئل البرهان)).

١٦٩
تفسير سورة النساء : ٢٤
فإن اعتلّ معتلّ منهم بحدیث نیسعید الخدری أن هذه الآية نزلت فی سبایا
أوطاس =
= قيل له : إنسبايا أوْطاس لم يُوطأن بالملك والسِّباء دون الإسلام . وذلك أنهن
كن مشركاتٍ من عَبّدة الأوثان ، وقد قامت الحجة بأن نساء عبدة الأوثان لا
يحللن بالملك دون الإسلام، وأنهن إذا أسلمن فرَّق الإسلام بينهن وبين
الأزواج، سبايا كنّ أو مهاجراتٍ. غير أنّهن إذا كُن سبايا، حللنَ إذا هُنّ أسلمنّ
بالاستبراء . فلا حجة لمحتجّ فى أن المحصنات اللاتى عناهن بقوله: (( والمحصنات
من النساء))، ذوات الأزواج من السبايا دون غيرهن ، بخبر أبى سعيد الخدرى
أنّ ذلك نزل فى سبايا أوطاس . لأنه وإن كان فيهن نزل ، فلم ينزل فى إباحة
وطئهن بالسّباء خاصة ، دون غيره من المعانى التى ذكرنا . مع أنّ الآية تنزل فى
معنَى، فتعمُّ ما نزلت به فيه وغيرَه ، فيلزم حكمها جميع ماعمَّته، لما قد بيَّنا من
القول فى العموم والخصوص فى كتابنا ( كتاب البيان عن أصول الأحكام﴾ .
القول فى تأويل قوله ﴿ كِتَبَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره: كتاباً من الله عليكم، فأخرج ((الكتاب))
مُصَدَّراً من غير لفظه. (١) وإنما جاز ذلك لأن قوله تعالى: ((حرِّمت عليكم
أمهاتكم))، إلى قوله: ((كتابَ الله عليكم))، بمعنى: كتب الله تحريم ما حرَّم
من ذلك وتحليلَ ما حلل من ذلك عليكم ، كتاباً. (٢)
٠
(١) ((المصدر)) (بضم الميم وفتح الصاد ودال مشدودة مفتوحة)، أى مفعولا مطلقاً ،
من («التصدير)) - وهو الإخراج على معنى المفعول المطلق. وانظر ما سلف ١ : ١١٧، تعليق :
١، ثم ص ١٣٨، تعليق: ٢/٢: ٢٩٢ تعليق: ١، ص : ٠٠٠ .
(٢) انظر ما سلف ٧ : ٢٦١.

١٧٠
تفسير سورة النساء : ٢٤
وبما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٩٠١٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان ،
عن منصور، عن إبراهيم قال: ((كتاب الله عليكم))، قال: ما حرَّم عليكم.
٩٠١٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج قال: سألت عطاء عنها فقال: ((كتابَ الله عليكم))، قال: هو
الذی کتب علیکم الأربع ، أن لا تزيدوا .
٩٠١٧ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون ،
عن محمد بن سيرين قال: قلت لعبيدة: ((والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت
أيمانكم كتاب الله عليكم))، وأشار ابن عون بأصابعه الأربع .
٩٠١٨ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا هشام ،
عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن قوله: ((كتاب الله عليكم))، قال: أربع .
٩٠١٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى: ((كتاب الله عليكم))، الأربع .
٩٠٢٠ -حدثنی یونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((كتاب الله عليكم))، قال: هذا أمرُ اللّه عليكم. قال: يريد ما حرَّم عليهم
من هؤلاء وما أحلَّ لهم. وقرأ: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم)) ،
إلى آخر الآية. قال: ((كتاب اللّه عليكم))، الذى كتبه، وأمره الذى أمركم به.
((كتاب الله عليكم))، أمرَ اللّه.(١)
٠
وقد كان بعض أهل العربية يزعم أنّ قوله: ((كتاب اللّه عليكم))، منصوب
على وجه الإغراء، بمعنى : عليكم كتابَ الله، الزموا كتابَ اللّه.
(١) انظر تفسير ((كتاب)) فيما سلف ٣: ٣٦٤، ٣٦٥، ٤٠٩، ٤/٥٠٨:
٥/٢٩٧: ٣٠٠٠. ومنى ((الكتاب)) الفرض والحكم والقضاء.

١٧١
تغير سورة النساء : ٢٤
= والذى قال من ذلك غير مستفيض فى كلام العرب. وذلك أنها لا [تكاد] تنصب
بالحرف الذى تغرِى به، [إذا أخَّرَت الإغراء، وقدمت المغرى به]. (١) لا تكاد
تقول: (( أخاك عليك، وأباك دونك))، وإن كان جائزاً . (٢)
والذى هو أولى بكتاب الله : أن يكون محمولاً على المعروف من لسان من نزل
بلسانه . هذا، مع ما ذكرنا من تأويل أهل التأويل ذلك بمعنى ما قلنا ، وخلاف
ما وجَّهه إليه من زعم أنه نُصب على وجه الإغراء .
القول فى تأويل قوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَن
تَبْتَغُواْ بِأَمْوَّلِكُم)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم : معنى ذلك : وأحل لكم ما دون الخمس ، أن تبتغوا بأموالكم
على وجه النكاح.
. ذكر من قال ذلك :
٩٠٢١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا ٥
أسباط، عن السدى: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم))، ما دون الأربع = ((أن
تبتغوا أموالكم».
٩٠٢٢ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن سفيان، عن هشام ،
(١) هذه الجملة التى بين القوسين، لابد منها لصحة هذا القول، وقوله: ((تكاد)) قبلها
بين القوسين، ضرورة زيادتها أيضاً، وإلا لم يكن لقوله بعد: ((وإن كان ذلك جائزاً)) معنى،
فإنه يكون قد نفى بمرة واحدة ، أن تنصب العرب بالحرف الذى تغرى به ، إذا أخرته . وهو تناقض .
واستظهرت الجملة الثانية مما سلف من كلامه فى ١ : ١٢٠، فى الإغراء أيضاً .
(٢) وانظر أيضاً معانى القرآن الفراء ١: ٢٦٠.

١٧٢
تفسير سورة النساء : ٢٤
عن ابن سيرين، عن عبيدة السلمانى: (( وأحل لكم ما وراء ذلكم)) ، يعنى :
ما دون الأربع.
...
وقال آخرون : بل معنى ذلك: وأحل لكم ما وراء ذلكم: مَن تَّى لكم
تحريمه من أقاربكم .
• ذكر من قال ذلك :
٩٠٢٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج قال: سألت عطاء عنها فقال: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم))، قال :
ما وراء ذات القرابة = ((أن تبتغوا بأموالكم))، الآية .
٠٠
#
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأحل لكم ما وراء ذلكم : عددَ ما أحل
لكم من المحصنات من النّساء الحرائر ومن الإماء .
. ذكر من قال ذلك :
٩٠٢٤ -حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد،
عن قتادة فى قوله: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم))، قال : ما ملكت أيمانكم .
. .
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب، ما نحن مبينوه. وهو
أن الله جل ثناؤه بيَّن لعباده المحرَّمات بالنسب والصهر، ثم المحرمات من المحصنات
من النساء ، ثم أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرَّمات المبيّنات
فى هاتين الآيتين ، أن نَبْتغيه بأموالنا نكاحاً وملك يمين ، لا سفاحاً .
...
فإن قال قائل: عرفنا المحلّلات اللواتى من وراء المحرَّمات بالأنساب والأصهار،
فما المحلَّلات من المحصّنات والمحرمات منهن ؟
قيل : هو ما دون الخمس من واحدة إلى أربع - على ما ذكرنا عن عبيدة

١٧٣
تفسير سورة النساء : ٢٤
والسدى - من الحرائر . فأما ما عدا ذوات الأزواج ، فغير عدد محصور بملك
اليمين. وإنما قلنا إنّ ذلك كذلك، لأن قوله: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم)»،
عامّ فى كل محلّل لنا من النساء أن نبتغيها بأموالنا. فليس توجيه معنى ذلك إلى
بعض منهن بأولى من بعض ، إلا أن تقوم بأن ذلك كذلك حجّة يجب التسليم
لها . ولا حُجة بأن ذلك كذلك .
٠
٠
٠
٠
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: (( وأحل لكم ما وراء ذلكم )).
٠
٠
فقرأ ذلك بعضهم: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ﴾ يفتح ((الألف)) من ((أحل)) بمعنى:
كتب الله عليكم ، وأحل لكم ما وراء ذلكم.
" ...
وقرأه آخرون: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذْلِكُمْ﴾، اعتباراً بقوله: (حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمْ أُمْهَتُكُمْ)، ((وأحل لكم ما وراء ذلكم)).
قال أبو جعفر : والذى نقول فى ذلك ، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان
فى قرأة الإسلام، غير مختلفتى المعنى، فبأىِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الحقَّ.
٠
٠
وأما معنى قوله : « ما وراء ذلكم )) ، فإنه يعنى : ما عدا هؤلاء اللواتى حرَّمتهن
عليكم = ((أن تبتغوا بأموالكم))، يقول: أن تطلبوا وتتلمسوا بأموالكم، (١) إما شراءً"
بها، وإما نكاحاً بصداق معلوم، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَيَكْفَرُونَ بِمَا وَرَاءَه﴾
[ سورة البقرة: ٩١]، يعنى: بما عداه وبما سواء. (٢)
٠
٠
٠
(١) انظر تفسير: ((ابتنى)) فيما خلف ٣ : ٤/٥٠٨ : ١٦٣ /٦: ١٩٦، ٥٦٤،
٧/٥٧٠ : ٥٣ ٠
(٢) انظر تفسير ((وراء)) فيما تلف ٢: ٣٤٨، ٣٤٩، ومعانى القرآن الفراء ١:
٦٠ ، ٢٦١ .

١٧٤
تفسير سورة النساء : ٢٤
وأما موضع: ((أن)) من قوله: ((أن تبتغوا بأموالكم)) فرفعٌ، ترجمةً عن ((ما))
التى فى قوله: (١) ((وأحل لكم ما وراء ذلكم)) فى قراءة من قرأ ((وأحِلَّ)) بضم
((الألف)) = ونصبٌ على ذلك فى قراءة من قرأ ذلك: ((وأحل)) بفتح((الألف)).
وقد يحتمل النصب فى ذلك فى القراءتين، على معنى: وأحلّ لكم ما وراء ذلكم
لأن تبتغوا. فلما حذفت ((اللام)) الخافضة، اتصلت بالفعل قبلها فنصبت. (٢)
وقد يحتمل أن تكون فى موضع خفض، بهذا المعنى، (٣) إذ كانت ((اللام))
فى هذا الموضع معلوماً أن بالكلام إليها الحاجة .
القول فى تأويل قوله ﴿مُخْصنينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((محصنين))، أعفَّاء بابتغائكم
ما وراء ما حرَّم عليكم من النساء بأموالكم (٤) = ((غير مسافحين))، يقول: غير
مُزانين، كما :-
٩٠٢٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((محصنين))، قال: متنا كحين= ((غير
مسافحین )) ، قال : زانین بكل زانية .
٩٠٢٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال: ((محصنين)) متنا كحين = (( غير مسافحین ))،
السفاحُ الزِّنَا .
(١) ((الترجمة)) هنا هى ((التفسير))، كما ذكره الفراء فى معانى القرآن ١ : ٢٦١.
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٦١.
(٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فهذا المعنى))، وهو خطأ شديد الفساد.
(٤) انظر تفسير ((الإحصان)) فيما سلف قريباً: ١٦٥، ١٦٦.

١٧٥
تفسير سورة النساء : ٢٤
٩٠٢٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((محصنين غير مسافحين))، يقول: محصنين غير زُنَاة.
القول فى تأويل قوله ﴿فَمَا أُسْتَنْتَهُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَّا تُوهُنَّ
أُجُورَ هُنَّ فَرِيضَةً )
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((فما استمتعتم به منهن)).
فقال بعضهم : معناه: فما نكحتم منهن فجامعتموهن - يعنى: من النساء =
((فَآتوهن أجورهن فريضة))، يعنى: صدقاتهن، فريضة معلومة . (١)
· ذكر من قال ذلك :
٩/٥
٩٠٢٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( فما استمتعتم به
منهن فآتوهن أجور هن فريضة))، يقول : إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها
مرة واحدة، فقد وجب صداقها كلُّه = و((الاستمتاع)) هو النكاح، وهو قوله :
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَتِهِنَّ فِخْلَةَ﴾ [سورة النساء: ٤].
٩٠٢٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر،
عن الحسن فى قوله: (( فما استمتعتم به منهن))، قال : هو النكاح .
٩٠٣٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن
أبى نجيح ، عن مجاهد: (( فما استمتعتم به منهن))، النكاح .
(١) انظر تفسير ((الاستمتاع)) فى ((متع))، و((الإيتاء)) فى ((أتى))، و((الفريضة))
فى ((فرض)) من فهارس اللغة، فى الأجزاء السالفة.

١٧٦
تفسير سورة النساء : ٢٤
٩٠٣١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((فما استمتعتم به منهن))، قال : النكاح أراد.
٩٠٣٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:
(( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة)) الآية، قال: هذا النكاح، وما
فى القرآن إلاّ نكاحٌ. إذا أخذتها واستمتعت بها، فأعطها أجرَها، الصداقَ. فإن
وضعت لك منه شيئاً ، فهو لك سائغ . فرض الله عليها العدة، وفرض لها الميراث .
قال: والاستمتاع هو النكاح ههنا ، إذا دخل بها .
٠
٠ ٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك: فما تمتَّعتم به منهن بأجرٍ تمتُّعَ اللذة، لا بنكاح
مطلق على وجه النكاح الذی یکون بولی وشهود ومهر .
• ذكر من قال ذلك :
٩٠٣٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن
أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة))، (١) فهذه
المتعة : الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى ، ويشهد شاهدين ، وينكح
بإذن وليها ، وإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل ، وهى منه بريّة ، وعليها أن
تستبرئَّ ما فى رحمها ، وليس بينهما ميراث ، ليس يرث واحد منهما صاحبه .
٩٠٣٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( فما استمتعتم به منهن )) ، قال : يعنى نكاح
المتعة .
٩٠٣٠ -حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يحيى بن عيسى قال، حدثنا
نصير بن أبى الأشعث قال ، حدثنى ابن حبيب بن أبى ثابت ، عن أبيه قال :
(١) قوله فى الآية ((إلى أجل مسمى))، هو فى هذا الأثر من سياق الآية عن السدى، وانظر
الآثار التالية: ٩٠٣٥ - ٩٠٤٣، وانظر رد الطبرى هذه القراءة فى آخر تفسير الآية .

١٧٧
تفسير سورة النساء : ٢٤
أعطانى ابن عباس مصحفاً فقال : هذا على قراءة أبى = قال أبو كريب (١):
قال يحيى: فرأيت المصحف عند نصير، فيه: ﴿فَمَا اسْتَشْتَعْمُ بِهِ مِنْنَّ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمَّى﴾.(٢)
٩٠٣٦ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال ، حدثنا
داود، عن أبى نضرة قال، سألت ابن عباس عن متعة النساء. قال: أما تقرأ ((سورة
النساء))؟ قال قلت: بلى! قال: فما تقرأ فيها: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمَّى﴾؟ قلت: لا ! لو قرأتها هكذا ما سألتك! قال : فإنها كذا .
٩٠٣٧ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنى عبد الأعلى قال ، حدثنى داود ،
عن أبى نضرة قال : سألت ابن عباس عن المتعة ، فذكر نحوه .
٩٠٣٨ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ،
عن أبى سلمة ، عن أبى نضرة قال : قرأت هذه الآية على ابن عباس: (( فما
استمتعتم به منهن)). قال ابن عباس: ((إلى أجل مسمى)). قال قلت : ما
أقرؤها كذلك ! قال : والله لأنزلها الله كذلك ! ثلاث مرات .
٩٠٣٩ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة ، عن
أبى إسحاق، عن عمير: أن ابن عباس قرأ: ﴿فَ اسْتَْتَهُمْ بِدِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى﴾.
(١) فى المخطوطة والمطبوعة ((أبو بكر))، مكان ((أبو كريب))، وهو مهو من الناسخ
كما ترى .
(٢) الأثر: ٩٠٣٥ - ((يحيى بن عيسى الرملى))، شيخ أبى كريب، مضت ترجمته رقم:
٦٣١٧، ثم ٧٤١٨. ((نصير بن أبى الأشعث)) - ويقال: ابن الأشعث - العرادى الأسدى،
روى عن أبى إسحق السبيعى وغيره . مترجم فى التهذيب .
و((ابن حبيب بن أبى ثابت))، لم أستطع أن أثبت أيهم هو، وهم ((عبد الله بن حبيب))
و ((عبيد الله بن حبيب))، و((عبد السلام بن حبيب))، ذكرهم الدارقطنى وقال: ((بنو حبيب
ابن أبى ثابت وكلهم ثقات)). وكان فى المطبوعة: ((حبيب بن أبى ثابت)) أسقط ((ابن))، وهى
ثابتة فى المخطوطة.
((حبيب بن أبى ثابت))، روى عن ابن عباس، سلفت ترجمته قريبا، رقم : ٩٠١٢.
ج ٨ (١٢)
وأبوه : ((.

١٧٨
تفسير سورة النساء : ٢٤
٩٠٤٠ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبى عدى ، عن شعبة = وحدثنا
خلاد بن أسلم قال ، أخبرنا النضر قال ، أخبرنا شعبة = عن أبى استحق ، عن
ابن عباس بنحوه .
٩٠٤١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا سعيد،
عن قتادة قال: فى قراءة أبيّ بن كعب: ﴿فَمَا اسْتَمَتْهُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمِّى﴾.
٩٠٤٢ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن الحكم قال : سألته عن هذه الآية: ((والمحصنات من النساء إلاّ ما
ملكت أيمانكم)) إلى هذا الموضع: ((فما استمْتَعتم به منهن)) ، أمنسوخة هى؟ قال:
لا = قال الحكم : وقال على رضى الله عنه: لولا أن عمر رضى الله عنه نهى عن
المتعة ما زنى إلاّ شَقِىٌّ.
٩٠٤٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا عيسى بن عمر
١٠/٥ القارئ الأسدى، عن عمرو بن مرة: أنه سمع سعيد بن جبير يقرأ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْمْ.
بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُتَّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَ هُنَّ﴾.
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين فى ذلك بالصواب ، تأويل من تأوَّله: فما
نكحتموه منهن فجامعتموه ، فآتوهن أجورهن = لقيام الحجة بتحريم اللّه متعة
النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله صلى
الله عليه وسلم .
٩٠٤٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن عبد العزيز بن عمر بن
عبد العزيز قال ، حدثنى الرَّبيع بن سبرة الجهنى ، عن أبيه : أن النبى صلى اللّه
عليه وسلم قال : استمتعوا من هذه النساء = والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج. (١)
(١) الحديث: ٩٠٤٤ - اختصر الطبرى رحمه الله، أو شيخه سفيان بن وكيع - لفظ
الحديث ! فأوهم شيئاً آخر غير ما يدل عليه سياقه كاملا .

١٧٩
تغير سورة النساء : ٢٤
وقد دللنا على أن المتعة على غير النكاح الصحيح حرام ، فى غير هذا الموضع
من كتبنا ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع .
وأما ما روى عن أبىّ بن كعب وابن عباس من قراءتهما: ﴿فَا اسْتَنْتَْمْ
بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَى﴾، فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين .
وغير جائز لأحد أن يلحق فى كتاب الله تعالى شيئاً لم يأت به الخبرُ القاطعُ
العذرَ عمن لا يجوز خلافه .
٥
وابن وكيع - شيخ الطبرى - : هو سفيان بن وكيع ، وهو ضعيف ، كما بينا فيما مضى : ١٤٢.
والحديث رواه الإمام أحمد فى المسند ، كاملا : ١٥٤١٥ (ج ٣ ص ٤٠٥ - ٤٠٦ حلبي)
وشتان بين أحمد وابن وكيع، فرواه عن وكيع، بهذا الإسناد، وفيه: ((قال لنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم: استمتعوا من هذه النساء . قال : والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج ، قال: فعرضنا
ذلك على النساء ، فأبين إلا أن نضرب بيننا وبينهن أجلا . قال : فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه
وسلم، فقال: افعلوا)) - ثم ذكر القصة فى تمتعه بامرأة لعشرة أيام، وأنه بات عندها ليلة: ((ثم
أصبحت غادياً إلى المسجد . فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين الباب والحجر، يخطب الناس
يقول : ألا أيها الناس ، قد كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من هذه النساء ، ألا وإن الله تبارك
وتعالى قد حرم ذلك إلى يوم القيامة)) - إلى آخر الحديث .
ورواه البيهقى ٧ : ٢٠٣، بنحوه من طريق أبي نعيم ، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، به.
وروى أحمد فى المسند حديث سبرة بن معبد فى تحريم المتعة، معلولا ومختصراً ، من أوجه كثيرة
( ٣: ٤٠٤ - ٤٠٥) .
وكذلك رواه مسلم ١ : ٣٩٥ - ٣٩٦، معلولا ومختصراً .
وقصة سبرة بن معبد هذه كانت فى حجة الوداع ، أو فى غزوة الفتح - على اختلاف الرواية
عنه فى ذلك. وقال الحافظ فى الفتح ٩ : ١٤٧ ((والرواية عنه بأنها فى الفتح أصح وأشهر)).
وعلى كل حال فالنهى فيها هو الناسخ الأخير ، وقد أفاض الحافظ فى بيان النسخ مفصلا ٩ :
١٤٣ - ٠١٥١
وانظر المحلى ٩: ٥١٩ - ٥٢٠، والسنن الكبرى للبيهق ٧ : ٢٠٠ - ٢٠٧.

١٨٠
تفسير سورة النساء : ٢٤
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا ◌ُنَحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَّضَهُمْ بِهِ مِنْ)
بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِماً)@)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم : معنى ذلك لا حرَج عليكم، (١) أيها الأزواج ، إن أدركتكم
عُسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن فريضة، فيما تراضيتم به من حطُّ وبراءة ،
بعد الفرض الذى سَلّف منكم لهن ما كنتم فرضتم .
• ذكر من قال ذلك :
٩٠٤٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن
أبيه قال : زعم حضرىٌّ : أن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تُدرك أحدهم
العسرة، فقال الله: ((ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة)).
وقال آخرون : معنى ذلك : ولا جناح عليكم ، أيها الناس ، فيما تراضيتم
أنتم والنساء اللواتى استمتعتم بهن إلى أجل مسمى ، إذا انقضى الأجل الذى أجَّلتموه
بينكم وبينهن فى الفراق، أن يزدنكم فى الأجل، وتزيدوا من الأجر والفريضة، (٢)
قبل أن يستبرئن أرحامهن .
* ذكر من قال ذلك :
٩٠٤٦ -حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: (( ولاجناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة))، إن
شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى- يعنى الأجرة التى أعطاها على تمتعه بها - قبل
(١) انظر تفسير ((الجناح)) فيما سلف: ١٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المخطوطة: ((أن يزيدوكم فى الأجل، وتزيدون من الأجر))، والذى فى المطبوعة
أجود الكلامين .