النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ تفسير سورة النساء : ١٦٠٬٥ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : السبيل للثيب المحصن الجلدَ والرجم. ٠ ٠ وقد ذكر أن هذه الآية فى قراءة عبد اللّه: ﴿وَاللَّتِى يَأْتِينَ بِالْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. والعرب تقول: ((أتيت أمرًاً عظيماً، وبأمر عظيم)) = و((تكلمت بكلام قبيح ، وكلاماً قبيحاً )). (١) القول فى تأويل قوله ﴿وَلََّانِ يَأْتِاَ مِنْكُمْ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وللذان يأتيانها منكم))، والرجل والمرأة اللذان يأتيانها، يقول: يأتيان الفاحشة. و((الهاء)) و((الألف)) فى قوله: ((يأتيانها)) عائدة على ((الفاحشة)) التى فى قوله: ((واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم)). والمعنى: واللذان يأتيان منكم الفاحشة فآ ذوهما . ثم اختلف أهل التأويل فى المعنىُّ بقوله: ((واللذان يأتيانها منكم فآ ذوهما)). فقال بعضهم: هما البكران اللذان لم يُحْصنا، وهما غير اللاتى عُنِين بالآية قبلها. وقالوا: قوله: ((واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم))، معنىٌّ به الثيِّبات المحصنات بالأزواج - وقوله: ((واللذان يأتيانها منكم))، يعنى به البكران غير المحصنين . ٢٠٠/٤ • ذكر من قال ذلك : ٨٨١٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أنه قد وقعت لى أجزاء من كتاب أبى جعفر الطبرى ((تهذيب الآثار)) وهما قطعتان بخطين مختلفين عتيقين، فوجدت فيهما أنه يكتب ((وهاء))، لا ((وهى))، فرجحت أن أبا جعفر كذلك كان يكتبها ، وإن كان المطرزى يقول إنه خطأ ، ولا يعتد به . (١) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٢٥٨. ج ٨ (٦) ٨٢ تفسير سورة النساء : ١٦ أسباط ، عن السدى: ذكر الجوارى والفتيان اللذين لم ينكحوا فقال: ((واللذان يأتيانها منكم فآ ذوهما)». ٨٨١٣ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : (((واللذان يأتيانها منكم)) البكرين = ((فآذوهما)). (١) ٠٠٠ وقال آخرون: بل عُنى بقوله: ((واللذان يأتيانها منكم))، الرجلان الزانيان. ذكر من قال ذلك : ٠ ٨٨١٤ - حدثنا أبو هشام الرفاعى قال، حدثنا يحيى ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: ((واللذان يأتيانها منكم فآ ذوهما))، قال : الرجلان الفاعلان ، لا يكنى . ٨٨١٥ - حدثنا محمد بن عمروقال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((واللذان يأتيانها منكم)» ، الزانيان . ٠٠٠ وقال آخرون : بل عنى بذلك الرجلُ والمرأة، إلا أنه لم يُقصد به بكر دون ئيِّب . ذكر من قال ذلك : ٨٨١٦ - حدثنا أبو هشام الرفاعى قال، حدثنا يحيى ، عن ابن جريج ، عن عطاء: (( واللذان يأتيانها منكم فآ ذوهما))، قال: الرجل والمرأة . ٨٨١٧ - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين ، عن يزيد النحوى، عن عكرمة والحسن البصرى قالا: ((واللاى يأتين الفاحشة من نسائكم)) إلى قوله: ((أو يجعل الله لهن سبيلاً))، فذكر الرجل بعد (١) فى المطبوعة: ((البكران)) بالرفع، كأنه استنكر ما كان فى المخطوطة كما أثبته، وهو الصواب . ٨٣ تفسير سورة النساء : ١٦ المرأة ، ثم جمعهما جميعاً فقال: (( واللذان يأتيانها منكم فاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن اللّه كان تواباً رحيما)). ٨٨١٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قال عطاء وعبد الله بن كثير، قوله: ((واللذان يأتيانها منكم))، قال : هذه للرجل والمرأة جميعاً . ٠ قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب فى تأويل قوله: ((واللذان يأتيانها منكم))، قول من قال: ((عُنى به البكران غير المحصنين إذا زنيا، وكان أحدهما رجلا والآخر امرأة )) ، لأنه لو كان مقصوداً بذلك قصد البيان عن حكم الزناة من الرجال، كما كان مقصوداً بقوله: (( واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم)) قصد البيان عن حكم الزوانى، لقيل: ((والذين يأتونها منكم فآ ذوهم))، أو قيل: ((والذى يأتيها منكم))، كما قيل فى التى قبلها: ((واللاتى يأتين الفاحشة))، فأخرج ذكرهن على الجميع، ولم يقل: ((واللتان يأتيان الفاحشة)). وكذلك تفعل العرب إذا أرادت البيان على الوعيد على فعل أو الوعد عليه ، أخرجت أسماءَ أهله بذكر الجميع أو الواحد = وذلك أن الواحد يدل على جنسه = ولا تخرجها بذكر اثنين. فتقول: ((الذين يفعلون كذا فلهم كذا))، ((والذى يفعل كذا فله كذا))، ولا تقول: ((اللذان يفعلان كذا فلهما كذا)»، إلا أن یکون فعلاً لا يكون إلا من شخصين مختلفين، کالزنا لا يكون إلا من زان وزانية . فإذا كان ذلك كذلك قيل بذكر الاثنين، يراد بذلك الفاعل والمفعول به. فأما أن يذكر بذكر الاثنين، والمراد بذلك شخصان فى فعل قد ينفرد كل واحد منهما به ، أو فى فعل لا يكونان فيه مشتركين ، فذلك ما لا يُعْرف فى كلامها . وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ فسادُ قول من قال: ((عنى بقوله: ((واللذان يأتيانها منكم الرجلان)) = وصصةُ قول من قال: عنى به الرجل والمرأة. (١) (١) قوله: ((وصصة قول من قال)) معطوف على قوله ((فساد قول من قال)» مرفوعاً . ٨٤ تفسير سورة النساء : ١٦ وإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أنهما غير اللواتى تقدم بيان حكمهن فى قوله : ((واللاتى يأتين الفاحشة))، لأن هذين اثنان ، وأولئك جماعة . وإذا كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الحبس كان للثيّبات عقوبة حتى يتوفّين من قبل أن يجعل لهن سبيلاً ، لأنه أغلظ فى العقوبة من الأذى الذى هو تعنيف ٢٠١/٤ وتوبيخ أو سب وتعيير ، كما كان السبيل التى جعلت لهن من الرجم ، أغلظ من السبيل التى جعلت للأبكار من جلد المئة ونفى السنة . القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿ فَّاذُوهُمَا فَإِن تَأَبَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابَا رَحِيمًا ) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى ((الأذى)) الذى كان الله تعالى ذكره جعله عقوبة للذين يأتيان الفاحشة ، من قبل أن يجعل لهما سبيلاً منه . فقال بعضهم : ذلك الأذى ، أذّى بالقول واللسان ، كالتعبير والتوبيخ على ما أتيا من الفاحشة . . ذكر من قال ذلك : ٨٨١٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ((فَآ ذوهما))، قال : كانا يؤذَيَان بالقول جميعاً. ٨٨٢٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل ، قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((فَآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما))، فكانت الجارية والفتى إذا زنيا يعنَّان ويعيّران حتى يتركا ذلك. ٥ وقال آخرون : كان ذلك الأذى، أذّى باللسان ، غير أنه كان سبًا . ٨٥ تفسير سورة النساء : ١٦ ● ذكر من قال ذلك : ٨٨٢١ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فَآذوهما))، يعنى: سبّاً. ٠٠ وقال آخرون : بل كان ذلك الأذى باللسان واليد . • ذكر من قال ذلك : ٨٨٢٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((واللذان يأتيانها منكم فآ ذوهما))، فكان الرجل إذا زنى أوذى بالتعبير وضرب بالنعال. ٠ ٠ ٠ قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : إنّ اللّه تعالى ذكره كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين ، إذا أتيا ذلك وهما من أهل الإسلام. و((الأذى)) قد يقع لكل مكروه نال الإنسان، (١) من قول سئ باللسان أو فعل. (٢) وليس فى الآية بيان أىّ ذلك كان أمر به المؤمنون يومئذ، (٣) ولا خبر به عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من نقل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر . وأهل التأويل فى ذلك مختلفون ، وجائز أن يكون ذلك أذى باللسان أو اليد ، وجائز أن يكون كان أذى بهما. (٤) وليس فى العلم بأىُّ ذلك كان من أيّ نفعٌ (١) فى المطبوعة ((قد يقع بكل مكروه))، والصواب ما فى المخطوطة، ومعنى ((يقع)) هنا: يجىء، أو يوضع ، أو ينزل فى الاستعمال. (٢) انظر تفسير ((الأذى)) فيما سلف ٤: ٧/٣٧٤: ٤٥٥. (٣) فى المطبوعة: ((بيان أن ذلك كان)) وهو خطأ، والصواب ما فى المخطوطة. (٤) فى المطبوعة: ((وجائز أن يكون ذلك أنی باللسان واليد، وجائز أن یکون کان انى بأیہما»، وكان فى المخطوطة: ((أذى بهما))، فرجحت أن هذا هو الصواب، وجعلت الأولى ((أذى باللسان أو اليد )» بدلا من العطف بالواو . ٨٦ تفسير سورة النساء : ١٦ فى دين ولا دنيا ، ولا فى الجهل به مضرة، (١) إذْ كان الله جل ثناؤه قد نسخ ذلك من ◌ُحكمه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما وفى اللاتى قبلهما . فأما الذى أوجب من الحكم عليهم فيهما، فما أوجب فى ((سورة النور: ٢) بقوله: ﴿الزَّانِيَّةُ وَالزَّانِى فَأَجْلِدُ واكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَ مِئَةَ جَلْدَةٍ). وأما الذى أوجب فى اللاتى قبلهما ، فالرجم الذى قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما. وأجمع أهل التأويل جميعاً على أن الله تعالى ذكره قد جعل لأهل الفاحشة من الزناة والزوانى سبيلاً بالحدود التى حكم بها فيهم . ٥ وقال جماعة من أهل التأويل: إن اللّه سبحانه نسخ بقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَ مِنَةَ جَلْدَةٍ﴾ [سوة النور: ٢]، قوله: ((واللذان يأتيانها منكم فآ ذوهما)). • ذكر من قال ذلك : ٨٨٢٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((واللذان يأتيانها منكم فآذوهما))، قال : كل ذلك نسخته الآية التى فى (( النور)) بالحدّ المفروض. ٨٨٢٤ - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا يحيى ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: (( واللذان يأتيانها منكم فآ ذوهما)) الآية، قال : هذا نسخته الآية فى ((سورة النور)) بالحدّ المفروض. ٨٨٢٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال ، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوى . عن عكرمة والحسن البصرى قالا فى قوله: ((واللذان ٢٠٢/٤ يأتيانها منكم فآ ذوهما)) الآية، نسخ ذلك بآية الجلد فقال: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِى (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وليس فى العلم بأن ذلك كان من أى نفع))، وهو خطأ محض، والصواب ما أثبت، وهذا تعبير قد سلف مراراً وعلقت عليه آنفاً ١ : ٥٢٠، س: ١٦ / ٢ : ٥١٧، س: ٣/١٥: ٦٤، تعليق: ٦/١: ٢٩١، تعليق : ١ . ٨٧ تفسير سورة النساء : ١٦ فَاجْلِدُ وا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَّةَ جَلْدَةٍ﴾. ٨٨٢٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((واللذان يأتيانها منكم فآ ذوهما))، فأنزل الله بعد هذا: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلّ واحِدٍ مِنْهُمَا مِثَةَ جَلْدَةٍ﴾، فإن كانا محصنين رجما فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ٨٨٢٧ -حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم)) الآية ، جاءت الحدود فنسختها . ٨٨٢٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: نسخ الحدّ هذه الآية. (١) ٨٨٢٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن معمر، عن قتادة: ((فأمسكوهن فى البيوت)) الآية ، قال : نسختها الحدود ، وقوله: ((واللذان يأتيانها منكم))، نسختها الحدود. (٢) ٨٨٣٠ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: (( واللذان يأتيانها منكم فآذوهما))، الآية ، ثم نسخ هذا، وجعل السبيل لها إذا زنت وهى محصنة ، رجمت وأخرجت ، وجعل السبيل للذكر جلد مئة . ٨٨٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: (( فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت))، قال : نسختها الحدود . ٠ (١) الأثر: ٨٨٢٨ - فى المطبوعة: ((عبيد بن سلمان))، والصواب من المخطوطة، وفى المخطوطة خطأ آخر كتب ((عتبة بن سليمان))، وهو خطأ، وهذا إسناد دائر فى التفسير. (٢) الأثر: ٨٨٢٩ - ((أبو سفيان المعمرى)» هو: محمد بن حميد اليشكرى، سلف برقم : ١٧٨٧، وهذا الإسناد مضى كثيراً منه : ٥٦٢، ١٢٠٠، ١٢٥٣، ١٥١٦، ٠١٦٩٩ ٨٨ تفسير سورة النساء : ١٧،١٦ وأما قوله : فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما، فإنه يعنى به جل ثناؤه : فإن تابا من الفاحشة التى أتيا فراجعا طاعة اللّه بينهما = ((وأصلحا))، يقول : وأصلحا دينهما بمراجعة التوبة من فاحشتهما، والعمل بما يرضى الله = ((فأعرضوا عنهما))، يقول: فاصفحوا عنهما، (١) وكفوا عنهما الأذى الذى كنت أمرتكم أن تؤذوهما به عقوبة لهما على ما أتيا من الفاحشة ، ولا تؤذوهما بعد توبتهما . ٠٠٠ وأما قوله: ((إن الله كان تواباً رحيما))، فإنه يعنى: إن اللّه لم يزل راجعاً لعبيده إلى ما يحبون إذا هم راجعوا ما يحب منهم من طاعته (٢) = ((رحيما)) بهم، يعنى: ذا رحمة ورأفة . القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَالَةٍ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة))، ما التوبة على اللّه لأحد من خلقه، إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة = ((ثم يتوبون من قريب))، يقول: ما اللّه براجع لأحد من خلقه إلى ما يحبه من العفو عنه والصفح عن ذنوبه التى سلفت منه ، إلا الذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون ، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله من قبل نزول الموت بهم. (١) انظر تفسير ((الإعراض)) فيما سلف ٢ : ٢٩٨، ٢٩٩. (٢) انظر تفسير ((كان)) بهذا المعنى فيما سلف: ٥١:٨/ تعليق: ١ / وتفسير ((التوبة)) فيما سلف من مراجع اللغة . ٨٩ تفسير سورة النساء . ١٧ وذلك هو ((القريب)) الذى ذكره الله تعالى ذكره فقال: ((ثم يتوبون من قريب)). (١) # # وبنحو ما قلنا فى تأويل ذلك قال أهل التأويل . غير أنهم اختلفوا فى معنى قوله: ((بجهالة )) . فقال بعضهم فى ذلك بنحو ما قلنا فيه، وذهب إلى أنّ عمله السوء، هو ((الجهالة)) التى عناها . ذكر من قال ذلك : ٠ ٨٨٣٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة، عن أبى العالية : أنه كان يحدّث : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون : كل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة . ٨٨٣٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله : ((للذين يعملون السوء بجهالة))، قال : اجتمع أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شىء عُصِى به فهو ((جهالة))، عمداً كان أو غيره . ٨٨٣٤ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((للذين يعملون السوء بجهالة))، ٢٠٣/٤ قال : كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته . ٨٨٣٥ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: ((إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة))، قال: كل من عمل بمعصية اللّه ، فذاك منه بجهل حتى يرجع عنه . ٨٨٣٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا (١) انظر تفسير ((القريب)) فيما يلى ص : ٩٣. ٩٠ تفسير سورة النساء : ١٧ أسباط، عن السدى: (( إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة))، ما دام يعصى الله فهو جاهل . ٨٨٣٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن فضيل ابن غزوان، عن أبى النضر، عن أبى صالح، عن ابن عباس: ((إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة ))، قال: من عمل السوء فهو جاهل، من جهالته عمل السوء. ٨٨٣٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال: من عصى الله فهو جاهل حتى ینزع عن معصيته= قال ابن جريج: وأخبرنى عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال : كل عامل بمعصية فهو جاهل حين عمل بها = قال ابن جريج : وقال لى عطاء بن أبى رباح نحوه . ٨٨٣٩ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قول الله: ((إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب))، قال: ((الجهالة))، كل امرئ عمل شيئاً من معاصى الله فهو جاهل أبداً حتى ينزع عنها، وقرأ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَامِلُونَ ﴾ [سورة يوسف: ٨٩]، وقرأ: ﴿وَإِلاَ تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إلَيْهِنَّ وأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة يوسف: ٣٣]. قال: من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته . وقال آخرون: معنى قوله: ((للذين يعملون السوء بجهالة))، يعملون ذلك علی عمد منهم له . . ذكر من قال ذلك : ٨٨٤٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثورى، عن مجاهد: ((يعملون السوء بجهالة))، قال : الجهالة : العمد . ٩١ تفسير سورة النساء : ١٧ ٨٨٤١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد مثله . ٨٨٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: ((إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة))، قال: الجهالة : العمد . وقال آخرون : معنى ذلك : إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء فى الدنيا. • ذكر من قال ذلك : ٨٨٤٣ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثنا معتمر بن سلمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قوله: (( إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة))، قال : الدنيا كلها جهالة . # قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال : تأويلها : إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء، وعملهم السوء هو الجهالة التى جهلوها ، عامدين كانوا للإثم، أو جاهلين بما أعدّ اللّه لأهلها. (١) وذلك أنه غير موجود فى كلام العرب تسمية العامد للشىء: ((الجاهل به))، إلاّ أن يكون معنيًا به أنه جاهل بقدر منفعته ومضرّته، فيقال: (( هو به جاهل ))، على معنى جهله بمعنى نفعه وضُرّه. (٢) فأما إذا كان عالماً بقدر مبلغ نفعه وضرّه، قاصداً إليه، فغيرُ جائز من أجل قصده إليه أن يقال (٣): ((هو به جاهل))، (١) انظر فيما سلف ٢: ١٨٣، تفسيره ((الجاهلون)) أنهم: السفهاء. (٢) لعل الصواب ((بمبلغ نفعه وضره))، وحرفه الناسخ. (٣) كان فى المطبوعة والمخطوطة: ((فغير جائز من غير قصده إليه أن يقال : هو به جاهل)) وهو بلا شك كلام لا يستقيم مع الذى قبله ولا الذى بعده ، وسهو الناسخ هنا شىء لا ريب فيه أيضاً، فتلى أنه سبق قلمه بأن كتب ((من غير)) مكان ((من أجل)) كما أثبتها، أو تكون كانت ((من جراء قصده إليه)) فلم يحسن قراءة ((من جرا)) فكتب ((من غير))، وهو تصحيف قريب جداً ، مر عليك أشد منه . ٩٢ تفسير سورة النساء : ١٧ لأن ((الجاهل بالشىء))، هو الذى لا يعلمه ولا يعرفه عند التقدم عليه = أو [ الذى] يعلمه ، فيشبَّه فاعله، (١) إذ كان خطأٌ ما فعله، بالجاهل الذى يأتى الأمر وهو به جاهل، فيخطىء موضع الإصابة منه، فيقال: ((إنه الجاهل به ))، وإن كان به عالماً ، لإتيانه الأمر الذى لا يأتى مثله إلاّ أهل الجهل به . وكذلك معنى قوله: ((يعملون السوء بجهالة))، قيل فيهم: ((يعملون السوء بجهالة )) = وإن أتوه على علم منهم بمبلغ عقاب الله أهله ، عامدين إتيانه ، مع معرفتهم بأنه عليهم حرام = لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التى لا يأتى مثله ٢٠٤/٤ إلاّ من حِتَهيل عظيمَ عقاب الله عليه أهلَه فى عاجل الدنيا وآجل الآخرة ، فقيل لمن أتاه وهو به عالم: ((أتاه بجهالة))، بمعنى أنه فعل فعل الجهَّال به ، لا أنه كان جاهلاً . # وقد زعم بعض أهل العربية أن معناه: أنهم جهلوا كُنْه ما فيه من العقاب، فلم يعلموه كعلم العالم، وإن علموه ذنباً، فلذلك قيل: (( يعملون السوء بجهالة)). (٢) قال أبو جعفر : ولو كان الأمر على ما قال صاحب هذا القول ، لوجب أن لا تكون توبة لمن علم كُنْه ما فيه. وذلك أنه جل ثناؤه قال: ((إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب» دون غيرهم. فالواجب على صاحب هذا القول أن لا يكون للعالم الذى عمل سوءًا على علم منه بكنه ما فيه ، ثم تاب من قريب= (٣) توبة، وذلك خلاف الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أن كل تائب عسى الله أن يتوب عليه = وقوله: (( باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس (١) فى المخطوطة ((أو الذى يعمله فيشبه فاعله)) وهو خطأ، صححه ناشر المطبوعة الأولى ((يعلمه))، وزدت ((الذى بين القوسين لكى يستوى جانبا الكلام. (٢) قائل هذا هو الفراء فى معانى القرآن ١ : ٢٥٩. (٣) قوله ((توبة)) اسم ((يكون)) فى قوله: ((أن لا يكون العالم ... )). ٩٣ تفسير سورة النساء : ١٧ من مغربها)) = (١) وخلاف قول الله عز وجل: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [سورة الفرقان: القول فى تأويل قوله ﴿ُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى معنى: ((القريب)) فى هذا الموضع. فقال بعضهم : معنى ذلك: ثم يتوبون فى صحتهم قبل مرضهم وقبل موتهم . ذكر من قال ذلك : # ٨٨٤٤ -حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ثم يتوبون من قريب))، والقريب قبلَ الموت ما دام فی محته . ٨٨٤٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن أبى النضر، عن أبى صالح، عن ابن عباس: ((ثم يتوبون من قريب))، قال: فى الحياة والصحة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ثم يتوبون من قبل معاينة مَلَك الموت . (١) هذان الخبران رواهما أبو جعفر بغير إسناد، وكأنه ذكر معناهما دون لفظهما، وكأن الأول: (كُلّ ذَنْبِ عَسَى اللهُ أن يَغْفْره، إلا من مات مشركاً أو قتل مؤمناً مُتَعَّداً )) خرجه السيوطى فى الجامع الصغير، لأبى داود ، من حديث أبى الدرداء ، وإلى أحمد والنسائى والحاكم فى المستدرك ، من حديث معاوية . أما الثانى، فكأنه قوله صلى الله عليه وسلم: (إنّ اللهَ عزّ وجَلَّ ينِسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْل ليتوبَ مُسىء النهار، ويَبْسُط يده بالنهار ليتُوبَ مسيء الليل، حتى تطلُعَ الشَّمْسِّ من مغربها))، أخرجه مسلم ١٧ : ٧٦ من حديث أبى موسى . ٩٤ تفسير سورة النساء : ١٧ · ذ کر من قال ذلك : ٨٨٤٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنا معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((ثم يتوبون من قريب))، والقريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى مَلّك الموت . ٨٨٤٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمرين سليمان قال ، سمعت عمران بن حدير قال، قال أبو مجلز: لا يزال الرجل فى توبة حتى يُعاين الملائكة . ٨٨٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن أبى معشر ، عن محمد بن قيس قال : القريب ، ما لم تنزل به آية من آيات الله تعالی ، وینزل به الموت . (١) ٤٨٤٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر، عن الضحاك: ((إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب))، وله التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت ، فليس له ذاك . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ثم يتوبون من قبل الموت . * ذكر من قال ذلك : • ٨٨٥٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثورى، عن رجل، عن الضحاك، ((ثم يتوبون من قريب))، قال : كل شىء قبل الموت فهو قريب . ٨٨٥١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: ((ثم يتوبون من قريب))، قال: الدنيا كلها قريب. (١) الأثر: ٨٨٤٨ - ((محمد بن قيس المدنى))، قاضى عمر بن عبد العزيز، قال ابن سعد: ((كان كثير الحديث عالماً))، ذكره ابن حبان فى الثقات. له حديث واحد فى مسلم، عن أبى صرمة ، عن أبى هريرة . وهو الذى يروى عنه أبو معشر . مترجم فى التهذيب . ٩٥ تفسير سورة النساء : ١٧ ٨٨٥٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : « ثم يتوبون من قريب ))، قبل الموت . ٨٨٥٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال ، حدثنى أبى، عن قتادة، عن أبى قلابة قال: ذُكرلنا أن إبليس لما لُعن وأُ نظر، قال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح . فقال تبارك وتعالى : وعزئى لا أمنعه الثَّوبة ما دام فيه الروح . ٨٨٥٤ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا عمران ، عن قتادة قال : كنا عند أنس بن مالك وثمّ أبو قلابة، فحدث أبو قلابة قال : إن الله تبارك وتعالى لما لعن إبليس سأله النَّظيرة، فقال : وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ! فقال الله تبارك وتعالى: وعزتى لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح . ٥/٤ ٨٨٥٥ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب ، عن أبى قلابة قال: إن الله تبارك وتعالى لما لعن إبليس سأله النَّظيرة، فأنظره إلى يوم الدين ، فقال : وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح ! قال : وعزتى لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح .. ٨٨٥٦ -- حدثنى ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا عوف ، عن الحسن قال : بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن إبليس لما رأى آدم أجوف قال: وعزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح! فقال الله تبارك وتعالى: وعزتى لا أحدُول بينه وبين التوبة ما دام فيه الروح. (١) (١) الأحاديث: ٨٨٥٣ - ٨٨٥٦ - هذه أحاديث مرسلة، أشار إليها ابن كثير فى تفسيره ٢: ٣٨٠، ثم قال: ((وقد ورد فى هذا حديث مرفوع رواه الإمام أحمد فى مسنده ، من طريق عمرو بن أبى عمرو ، وأبى الهيثم العتوارى، كلاهما عن أبى سعيد ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : (( قال إبليس: يا ربّ، وعزّتك وجلالكَ لا أزال أُغويهم مّا دامتْ أَرواحُهُم فى أجسادهم ! فقال الله عز وجلّ: وعزّتى وجَلالى لا أزال أغفِر لهم ما أستغفروا لى)) ٩٦ تفسير سورة النساء : ١٧ ٨٨٥٧ - حدثنا ابن بشارقال، حدثنا معاذ بن هشام قال ، حدثنى أبى ، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبى أيوب بُشَيْر بن كعب: أن نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم قال: إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغر. (١) ٨٨٥٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن عبادة بن الصامت : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال ، فذ کر مثله . (٢) ٨٨٥٩ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا ابن أبى عدى ، عن عوف ، عن الحسن قال: بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ. (٣) ٠٠ قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب، قولُ من قال : تأويله : ثم يتوبون قبل مماتهم ، فى الحال التى يفهمون فيها أمر الله تبارك وتعالى ونهيه ، وقبل أن يُغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحَشْرجة وغمّ الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه ، ولا يعقلوا التوبة ، لأن التوبة لا تكون توبة إلا من ندٍم (١) الأثر: ٨٨٥٧ - ((بشير بن كعب بن أبى الحميرى، أبو أيوب العدوى)). ثقة معروف، روى عن أبى الدرداء، وأبى ذر، وأبى هريرة، و((بشير)) مصغر. وهذا حديث آخر مرسل ، رواه الإمام أحمد فى مسنده ٦٦١٠ ، ٦٤٠٨ مرفوعاً من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب . من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن أبيه ، عن مكحول ، عن جبير بن نفير ، عن ابن عمر ، وهو حديث صحيح . ورواه الترمذى وابن ماجه ، وقال الترمذى : ((حسن غريب)). وانظر تخريجه من شرح المسند لأخى السيد أحمد . و «الغرغرة)): أن يجعل الشراب فى له ويردده إلى أقصى الحلق، ثم لا يبلعه. شبهوا تردد الروح قبل خروجها بمنزلة ما يتغرغر به المريض . وهذه صفة عجيبة بلفظ واحد ، لحالة من شهدها شهد العرب أنهم أهل بيان، وأن نعتهم أدنى اللغات فى تصويرها الدقيق المشكل بكلمة واحدة. (٢) الأثر: ٨٨٥٨ - هذا حديث منقطع، فإن عبادة بن الصامت مات سنة ٣٤. وولد قتادة سنة ٦١، وانظر التعليق على الأثر السالف . (٣) الأثر: ٨٨٥٩ - انظر التعليق على الأثر: ٨٨٥٧. ٩٧ تفسير سورة النساء : ١٧ على ما سلف منه ، وعزمٍ منه على ترك المعاودة ، (١) وهو يعقل الندم ، ويختار ترك المعاودة : فأما إذا كان بكرب الموت مشغولاً، وبغمّ الحشرجة مغموراً، فلا إخالُه إلاّ عن الندم على ذنوبه مغلوباً. ولذلك قال من قال: (( إن التوبة مقبولة ، ما لم يغرغر العبد بنفسه))، (٢) فإن كان المرء فى تلك الحال يعقل عقلَ الصحيح ، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابة من ذنوبه ، ورجعةً من شروده عن رّبه إلى طاعته ، كان إن شاء اللّه ممن دخل فى وعد الله الذى وعد التائبين إليه من إجرامهم من قريب بقوله: ((إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قریب )). القول فى تأويل قوله ﴿فَأُوْ لَبِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمَا حَكِيماً ﴾ (٥) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه (٣): ((فأولئك))، فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب= (يتوب الله عليهم))، دون من لم يتب حتى غُلب على عقله، وغمرته حشرجة ميتته، فقال وهو لا يفقه ما يقول: ((إنى تبت الآن))، خداعاً لربه ، ونفاقاً فى دينه . ٠ ٠ (١) فى المطبوعة: ((إلا ممن ندم على ما سلف منه، وعزم فيه على ترك المعاودة))، تصرف فيما كان فى المخطوطة، لما رأى من تحريفها، وكان فيها: ((إلا من ندم على ما سلف منه، وعرف فيه على ترك المعاودة))، والجملة الأولى مستقيمة، وقد أثبتها، والثانية تصحيف صواب قراءته ما أثبت. (٢) قوله: ((ولذلك قال من قال))، دال على أن أبا جعفر. حين روى الأحاديث الثلاثة المرسلة : ٨٨٥٧ - ٨٨٥٩، لم يكن عنده ما صح من رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٣) فى المخطوطة والمطبوعة ((يعنى بذلك جل ثناؤه))، والسياق يقتضى ما أثبت. ج ٨ (٧ ) ٩٨ تفسير سورة النساء : ١٧، ١٨ ومعنى قوله: (( يتوب الله عليهم))، يرزقهم إنابة إلى طاعته ، ويتقبل منهم أوبتهم إلیه وتوبتهم التى أحدثوها من ذنوبهم . (١) ٠٠٠ وأما قوله: ((وكان اللّه عليما حكيما))، فإنه يعنى: ولم يزل الله جل ثناؤه (٢) = (((عليماً)) بالناس من عباده المنيبين إليه بالطاعة، بعد إدبارهم عنه ، المقبلين إليه بعد التولية، وبغير ذلك من أمور خلقه = (( حكيا ))، (٣) فى توبته على من تاب مهم من معصيته، وفى غير ذلك من تدبيره وتقديره ، ولا يدخل أفعاله خلل ، ولا يُخالطه خطأ ولا زلل . (٤) القول فى تأويل قوله : ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يْعَلُونَ السَّيَّاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِى تُبْتُ الَّنَ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه : وليست التوبة للذين يعملون السيئات ٢٠٦/٤ من أهل الإصرار على معاصى الله = ((حتى إذا حضر أحدهم الموت))، يقول : إذا حشرج أحدهم بنفسه ، وعاین ملائكة ربه قد أقبلوا إليه لقبض روحه، قال = وقد غلب على نفسه ، وحیل بينه وبين فهمه، بشغله بكرب حشرجته وغرغرته = (١) انظر تفسير ((التوبة)) و((تاب)) فيما سلف من فهارس اللغة. (٢) انظر معنى ((كان)) فيما سلف قريباً: ٨٨ تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٣) كان فى المخطوطة والمطبوعة: ((حكيم))، ورددتها إلى نص الآية والسياق. (٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لا يخلطه))، وإنما يقال: ((خلط الشىء بالشىء)»، وليس هذا مكانها ، بل الصواب ما أثبت . وانظر تفسير ((عليم)) و((حكيم)) فيما سلف من فهارس النة ٠ 19 تفسير سورة النساء : ١٨ ((إنى تبت الآن))، يقول: فليس لهذا عند الله تبارك وتعالى توبة ، لأنه قال ما قال فى غير حال توبة ، كما : - ٨٨٦٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثورى، عن يَعْلَى بن نعمان قال، أخبرنى من سمع ابن عمر يقول : التوبة مبسوطة ما لم يَسُقْ، ثم قرأ ابن عمر: ((وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموتُ قال إنىّ تبت الآن))، ثم قال: وهل الحضور إلا السَّوَق. (١) ٨٨٦١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : (( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن))، قال: إذا تبيَّن الموتُ فيه لم يقبل اللّه له توبة . ٨٨٦٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبى النضر، عن أبى صالح، عن ابن عباس: (( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّى تبت الآن))، فليس لهذا عند الله توبة . ٨٨٦٣ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة قال ، سمعت إبراهيم بن ميمون يحدِّث ، عن رجل من بنى الحارث قال ، حدثنا رجل منا، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: من تاب قبل موته بعام تِيبَ عليه، حتى ذكر شهراً ، حتى ذكر ساعة ، حتى ذكر فُواقاً . قال : فقال رجل : كيف يكون هذا والله تعالى يقول: ((وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى (١) الأثر: ٨٨٦٠ - ((يعلى بن نعمان)) كوفى ثقة. مترجم فى الكبير ٤ /٤١٨/٢، وابن أبى حاتم ٤ / ٢/ ٣٠٤، وتعجيل المنفعة : ٤٥٧، روى عن عكرمة، وبلال بن أبى الدرداء . روى عنه العلاء بن المسيب ، والثورى ، والزهرى . وهذا الأثر خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢ : ١٣١ ونسبه أيضاً لعبد الرزاق ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والبيهقى . و ((ساق الميت يسوق)) و ((ساق بنفسه))، و((ساق نفسه))، ((سوقاً وسياقاً وسووقاً))، و((حضرت غلاناً فى السوق، وفى سياق الموت)): وذلك النزع عند إقبال الموت. ١٠٠ تفسير سورة النساء : ١٨ إذا حضر أحدهم الموت قال إنَّى تبت الآن))؟ فقال عبد الله: أنا أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم . (١) ٨٨٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن إبراهيم ابن مهاجر، عن إبراهيم قال: كان يقال: التوبة، مبسوطة ما لم يُؤخذ بكَظَمِه.(٢) ... واختلف أهل التأويل فيمن عُنى بقوله: ((وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن )) فقال بعضهم : عُنى به أهل النفاق . . ذكر من قال ذلك : ٨٨٦٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: (( إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب))، قال : نزلت الأولى فى المؤمنين ، ونزلت الوسطى فى المنافقين = يعنى: ((وليست التوبة للذين يعملون السيئات))، والأخرى فى الكفار يعنى : (( ولا الذين يموتون وهم كفار)). وقال آخرون : بل عنى بذلك أهلُ الإسلام . (١) الأثر: ٨٨٦٣ - أخرجه الإمام أحمد فى مسنده رقم: ٦٩٢٠، وأبو داود الطيالسى: ٣٠١، قال أخى السيد أحمد فى شرح المسند: « إسناده ضعيف، لإبهام الرجل من بنى الحارث، راويه عن التابعى))، وقد استوفى الكلام فى تخريجه هناك . وقوله: ((حتى ذكر فواقاً ))، أى: فواق ناقة. وهذا مما يريدون به الزمن القليل القصير، وأصل (الفواق)) (بضم الفاء وفتح الواو) هو الوقت بين الحلبتين، إذا فتحت يدك وقبضتها ثم أرسلتها عند الحلب. (٢) ((الكظم)) (بفتحتين) وجعه ((كظام)) (بكسر الكاف) و((أكظام))، وهو مخرج النفس عند الحلق . يريد: عند خروج نفسه، وانقطاع نفسه. ومنه قليل: (( كظم غيظه))، أى رده وحبسه، و((رجل كظوم))، شديد الكمان لما يعتلج فى نفسه. وكان فى المخطوطة: (( ما أخذ بكظمه))، وهو خطأ من الناسخ ، وقد رواه ابن الأثير، وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢ : ١٣١، ونسبه لابن جرير وابن المنذر ، باللفظ الذى أثبته فاشر. المطبوعة الأولى ، وهو الصواب الحض إن شاء اللّه.