النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١
تفسير سورة آل عمران : ١٧٨
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُّواْ أَنَّا نْلِى
لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّا نُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوَاْ إِنْمَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّعِينُ) (®
قال أبو جعفر: يعنى بذلك تعالى ذكره : ولا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله
وما جاء به من عند الله، (١) أن إملاءنا لهم خيرٌ لأنفسهم .
٠ ٠
ويعنى! ((الإملاء))، الإطالة فى العمر، والإنساء فى الأجل ، ومنه قوله
جل ثناؤه: ﴿واهْجُرْ فِى مَلِيًّا) [سورة مريم: ٤٦]، أى: حيناً طويلا، ومنه قيل:
(((عشتَ طويلا وتملَّيت حبيباً)). (٢) ((والملا)) نفسه الدهر، ((والملوان))، الليل
والنهار ، ومنه قول تميم بن مقبل : (٣)
أَلاَ يَ دِيَارَ الحَيِّ بِالسَُّعَنِ أَمَلَّ عَلَيْهَ بِالِلَى الْعَلَوَّانِ(٤)
(١) انظر تفسير ((حسب)) فيما سلف قريباً ص: ٣٨٤
(٢) فى المطبوعة: ((وتمليت حيناً))، وهو خطأ، وفى المخطوطة: ((وتمليت حنيناً))، وهو
تصحيف ، والصواب ما أثبت . وهو قول يقال فى الدعاء ، ومثله فى الدعاء لمن لبس ثوباً جديداً :
((أبليت جديداً، وتمليت حبيباً))، أى: عشت معه ملاوة من دهرك وتمتعت به.
(٣) وينسب البيت لابن أحمر، وإلى أعرابى من بنى عقيل.
(٤) سيبويه ٢: ٣٢٢، ومجاز القرآن ١: ١٠٩، والأمالى ١: ٢٣٣، والسمط : ٥٣٣،
والخزانة ٣: ٢٧٥، واللسان (ململ)، وغيرها، وسيأتى فى التفسير ١٣: ١٠٦ (بولاق). وقد بين صاحب
الخزانة نسبة هذه الأبيات وذكر الشعر المختلف فيه ، وقال إن أبيات ابن مقبل بعد هذا البيت :
عَلَى كُلِّ حَلِ النَّاسِ يَخْتَلِفَانِ
نَهَاَرٌ وَلَيْلٌ دَائِبٌ مَلَوَاهُمَا
ألا يا دَيَارَ الحَىِّ لاَ هَجْرَ بَيْنْنَا وَلكنَّ رَوْعَتٍ مِنَ الحَدَثَنِ
لِدَعْمَاءِ إِذْ لِنَّاسِ والعَيْشِ غِرّةٌ وَإِذْ خُلُفَنَا بِالصِّباً حَسِرَانٍ
قال أبو عبيد البكرى: ((أمل عليها)): دأب ولازم، وقال أبو عبيدة: أى رجع عليها حتى
أيلاها، أى: طال عليها. وعندى أن أصله من ((الملل))، يقول: حتى بلغ أقصى الملل والساعة.
٤٢٢
.
تفسير سورة آل عمران : ١٧٨
يعنى: بـ (الملوان))، الليل والنهار.
٠
وقد اختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم
١٢٤/٤ خبرٌ لأنفسهم)).
فقرأ ذلك جماعة منهم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ)، بالياء، ويفتح ((الألف)) من قوله:
﴿أَنَّا)، على المعنى الذى وصفتُ من تأويله.
وقرأه آخرون: ﴿وَلَّا تَحْسَبَنَّ) بالتاء و ﴿ أَنَّا) أيضاً يفتح ((الألف)) من
((أنما )) بمعنى: ولا تحسبنّ، يا محمد، الذين كفروا أنما نملى لهم خير لأنفسهم.
٠
فإن قال قائل: فما الذى من أجله فتحت ((الألف)) من قوله: ((أنما)) فى قراءة
من قرأ بالتاء ، وقد علمت أن ذلك إذا قرئ بالتاء فقد أعملت ((تحسبن))، فى
((الذين كفروا))، وإذا أعملتها فى ذلك، لم يجز لها أن تقع على ((أما))، لأن ((أنما))
إنما يعمل فيها عاملٌ يعمل فى شيئين نصباً ؟
قيل: أما الصواب فى العربية ووجهُ الكلام المعروف من كلام العرب، كسر
((إن)) إذا قرئت ((تحسبن)) بالتاء، لأن ((تحسبن)) إذا قرئت بالتاء فإنها قد
نصبت ((الذين كفروا))، فلا يجوز أن تعمل، وقد نصبت اسماً، فى ((أن)).
ولكنى أظن أنّ من قرأ ذلك بالتاء فى ((تحسين)) وفتح الألف من ((أنما))، إنما
أراد تكرير تحسبن على ((أنما))، كأنه قصد إلى أنّ معنى الكلام : ولا تحسبن،
يا محمد أنت ، الذين كفروا، لا تحسين أنما نملی لهمخيرٌ لأنفسهم، کما قال جل
ثناؤه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بِفْتَةً﴾ [سورة محمد: ١٨]، بتأويل:
هل ينظرون إلا الساعة ، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة . (١) وذلك وإن كان وجهاً
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٤٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٠٨، ١٠٩.
٤٢٣
تفسير سورة آل عمران : ١٧٨
جائزاً فى العربية ، فوجه كلام العرب ما وصفنا قبل .
٠٠٠
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة فى ذلك عندنا ، قراءة من قرأ :
﴿وَلاَ يَحْسَبَنّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالياء من ((يحسين)) وبفتح الألف من ((أنما))، على
معنى الحسبان للذين كفروا دون غيرهم، ثم يعمل فى ((أنما)) نصباً لأن ((يحسين))
حينئذ لم يشغل بشىء عمل فيه ، وهى تطلب منصوبين .
وإنما اخترنا ذلك لإجماع القرأة على فتح ((الألف)) من ((أنما))، الأولى،
فدل ذلك على أن القراءة الصحيحة فى ((يحسبن)) بالياء لما وصفنا .
وأما ألف ((إنما)) الثانية، فالكسر على الابتداء، بإجماع من القرأة عليه".
٠ ٥
وتأويل قوله: ((إنما نُملى لهم ليزدادوا إثماً))، إنما نؤخر آجالهم فنطيلها
ليزدادوا إثماً، يقول: ليكتسبوا المعاصى فتزداد آثامهم وتكثر = ((ولهم عذاب مهين)»،
يقول: ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله فى الآخرة عقوبة لهم مهيئة مذلة. (١)
. ..
وبنحو ما قلنا فى ذلك جاء الأثر .
٨٢٦٧- حدثنا محمد بن بشارقال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان،
عن الأعمش ، عن خيثمة ، عن الأسود قال ، قال عبد الله : ما من نفس برة
ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها . وقرأ: ((ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خيرٌ
لأنفسهم إنما نملى لهم ليزدادوا إثماً))، وقرأ: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَ عِنْدَ اللهِ
(٢)
خَيْرٌ للأَبْرَارِ﴾ [سورة آل عمران: ١٩٨
ــ
. ..
(١) انظر تغير ((مهين)) فيما سلف ٢ : ٣٤٧، ٣٤٨
(٢) الحديث: ٨٢٦٧ - عبد الرحمن: هو ابن مهدى. وسفيان: هو الثورى.
خيثمة: هو ابن عبد الرحمن بن أبى سبرة الجعفى . وهو تابعى ثقة ، أخرج له الجماعة كلهم .
الأسود : هو ابن يزيد النخعى .
وهذا الحديث ، وإن كان موقوفاً لفظاً، فإنه - عندنا - مرفوع حكماً ، لأنه مما لا يدرك بالرأى.
٤٢٤
تفسير سورة آل عمران : ١٧٩
القول فى تأويل قوله ﴿ مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىْ
مَآَ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يِيزَ الْخَبِثَ مِنَ اْلْطَّيِّبِ)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((ما كان اللّه أيذر المؤمنين))، ما كان الله
ليدع المؤمنين (١) = ((على ما أنتم عليه)) من التباس المؤمن منكم بالمنافق، فلا يعرف
هذا من هذا= ((حتى يميز الخبيث من الطيب))، يعنى بذلك: ((حتى يميز الخبيث))
وهو المنافق المستسرُّ للكفر (٢) = ((من الطيب))، وهو المؤمن المخلص الصادق
الإيمان. (٣) بالمحن والاختبار، كما ميّ بينهم يوم أحد عند لقاء العدوّ عند
خروجهم إليهم .
واختلف أهل التأويل فى ((الخبيث)) الذى عنى الله بهذه الآية.
فقال بعضهم فيه ، مثل قولنا .
ذكر من قال ذلك :
٨٢٦٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنى أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((ما كان الله ليذر المؤمنين على
وسيأتى مرة أخرى : ٨٣٧٤، من طريق عبد الرزاق ، عن الثورى ، بهذا الإسناد .
ورواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٩٨، من رواية جرير، عن الأعمش، به. وقال: (( هذا
حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي.
وذكره ابن كثير ٢ : ٣٢٨، من رواية ابن أبى حاتم، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش،
به، نحوه. ثم قال: ((وكذا رواه عبد الرزاق، عن الثورى، عن الأعمش، به)).
وذكره السيوطى ٢: ١٠٤، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد ، وأبى بكر المروزى فى
الجنائز ، وابن المنذر ، والطبرانى .
وسيأتى نحو معناه، من حديث أبى الدرداء : ٨٣٧٥.
(١) انظر تفسير ((يذر)» فيما سلف ٦: ٢٢.
(٢) انظر تغير ((الخبيث)» فيما سلف ٥ : ٠٥٩.
(٣) انظر تفسير ((الطيب)) فيما سلف ٣: ٥/٣٠١ : ٥٥٥
٦/٥٥ : ٣٦١
،
٤٢٥
تفسير سورة آل عمران : ١٧٩
ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب))، قال: ميز بينهم يوم أحد ، المنافق
من المؤمن .
٨٢٦٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: (( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من
الطيب))، قال : ابن جريج ، يقول: ليبين الصادق بإيمانه من الكاذب = قال
ابن جريج ، قال مجاهد : يوم أحد ، ميز بعضهم عن بعض ، المنافق عن
المؤمن .
٨٢٧٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: « ما كان
اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب))، أى: المنافقين. (١)
وقال آخرون : معنى ذلك : حتى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد .
« ذكر من قال ذلك :
١٤د.
٨٢٧١ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه))، يعنى الكفار. يقول: لم
يكن اللّه ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة: ((حتى يميز الخبيث من
الطيب))، يميز بينهم فى الجهاد والهجرة .
٨٢٧٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة فى قوله: ((حتى يميز الخبيث من الطيب))، قال : حتى يميز
الفاجر من المؤمن .
٨٢٧٣ - حدثنا محمد قال ، حدثنا أحمد قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى، ((ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من
(١) الأثر: ٨٢٧٠ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو جزء من الأثر السالف رقم: ٨٢٦٥،
وقتمة الآثار التى قبله من تفسير ابن إسحق. وكان فى المطبوعة هنا ((المنافق))، والصواب من المخطوطة،
والأثر السالف ، وسيرة ابن هشام .
٤٢٦
تفسير سورة آل عمران : ١٧٩
الطيب))، قالوا: ((إن كان محمدٌ صادقاً، فليخبرنا بمن يؤمن بالله ومن يكفر)) !!
فأنزل الله: (( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من
الطيب )) ، حتى يخرج المؤمن من الكافر .
قال أبو جعفر: والتأويل الأول أولى بتأويل الآية، لأن الآيات قبلها فى ذكر
المنافقين ، وهذه فی سیاقتها . فكونها بأن تكون فيهم ، أشبه منها بأن تكون فى غيرهم.
#
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِىِ مِن رَّسُلِهِ مَن يَشَآء)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم بما : -
٨٢٧٤ - حدثنا به محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وما كان الله ليطلعكم على الغيب))، وما كان
الله ليطلع محمداً على الغيب ، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا .
وقال آخرون بما : -
٨٢٧٥ - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق: «وما
كان الله ليطلعكم على الغيب )» ، أى: فیما یرید أن يبتلیکم به، لتحذروا ما يدخل
٤٢٧
تفسير سورة آل عمران : ١٧٩
عليكم فيه = ((ولكنّ الله يجتبى من رسله من يشاء))، يعلمه.(١)
٠ ٠٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بتأويله : وما كان الله ليطلعكم على
ضمائر قلوب عباده فتعرفوا المؤمنين منهم من المنافق والكافر ، ولكنه يميز بينهم بالمحن
والابتلاء = كما ميز بينهم بالبأساء يوم أحد = وجهاد عدوه ، وما أشبه ذلك من
صنوف المحن ، حتى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم . غير أنه تعالى ذكره يجتبى
من رسله من يشاء فيصطفيه ، فيطلعه على بعض ما فى ضمائر بعضهم ، بوحيه ذلك
إلیه ورسالته ، كما : -
٨٢٧٦ - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء))،
قال : يخلصهم لنفسه .
وإنما قلنا هذا التأويل أولى بتأويل الآية، لأنّ ابتداءها خبرٌ من الله تعالى
ذكره أنه غير تارك عباده(٢) - يعنى بغير محن - حتى يفرق بالابتلاء بين مؤتهم
وكافرهم وأهل نفاقهم . ثم عقب ذلك بقوله: ((وما كان الله ليطلعكم على الغيب)).
فكان فيما افتتح به من صفة إظهار اللّه نفاق المنافق وكفر الكافر ، دلالةٌ واضحة"
على أن الذى ولى ذلك هو الخبر عن أنه لم يكن ليطلعهم على ما يخفى عنهم من
باطن سرائرهم، إلا بالذى ذكر أنه مميِّزٌ به نعتهم، إلاّ من استثناه من رسله الذى
خصه بعلمه .
(١) الأثر: ٨٢٧٥ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التى آخرها: ٨٢٧٠،
وكان فى المطبوعة: ((بعلمه)) بالباء فى أوله، والصواب من سيرة ابن هشام، ونصه: ((أى: يعلمه
ذلك))، أما المخطوطة، فالكلمة فيها غير منقوطة.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة (( وابتداؤها خبر من الله))، وهو سياق لا يستقيم، والظاهر أن ناسخ
المخطوطة لما قسخ، أشكل على بصره، ((الآية)) ثم ((لأن)) يعقبها. فأسقط ((لأن))، وكتب (( وابتداؤها))،
ورسم الكلمة فى المخطوطة ((وابتداها))، فلذلك رجحت ما أثبته، وإن كان ضبط السياق وحده كافياً
فى الترجيح .
٤٢٨
تفسير سورة آل عمران : ١٧٩، ١٨٠
القول فى تأويل قوله ﴿فَامِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ
وَتَقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (١) (( وإن تؤمنوا ))، وإن تصدًّقوا من
اجتبيته من رُسلى بعلمى وأطلعته على المنافقين منكم = (( وتتقوا)) ربكم بطاعته فيما
أمركم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وفيما نهاكم عنه = ((فلكم أجر عظيم»،
يقول : فلكم بذلك من إيمانكم واتقائكم ربكم، ثوابٌ عظيم ، كما : -
٨٢٧٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((فآمنوا بالله
ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا))، أى: ترجعوا وتقوبوا = ((فلكم أجر عظيم)).(٢)
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بَِّآ ءَاتَّهُمُ
اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّلَّهُمْ ﴾
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك :
فقرأه جماعة من أهل الحجاز والعراق : ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾
بالتاء من ((تحسبن)).
وقرأته جماعة أخر: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ) بالياء. (٢)
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((يعنى بذلك جل ثناؤه بقوله))، وإقحام ((بذلك)) مفسدة وهجنة فى
الكلام ، فأسقطتها ، وهى سبق قلم من الناسخ .
(٢) الأثر: ٨٢٧٧ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التى آخرها : ٨٢٧٥.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة فى ذكر هاتين القراءتين، كتب القراءة الأولى ((ولا يحسبن)) بالياء،
٤٢٩
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
ثم اختلف أهل العربية فى تأويل ذلك .
فقال بعض نحوبى الكوفة: (١) معنى ذلك: لا يحسبن الباخلون البخلّ هو
خيراً لهم = فاكتفى بذكر ((يبخلون)) من ((البخل))، كما تقول: ((قدم فلان
فسررت به ))، وأنت تريد: فسررت بقدومه. و((هو))، عمادٌ . (٢)
٤ / ١٢٦
. .
#
وقال بعض نحوبى أهل البصرة: إنما أراد بقوله: ((ولا يحسبن الذين يبخلون
بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم))(٣)= ((لا يحسبن البخل هو
خيراً له)، (٤) فألقى الاسم الذى أوقع عليه ((الحسبان)) به، هو البخل، لأنه قد
ذكر ((الحسبان)) وذكر (( ما آتاهم الله من فضله))، فأضمرهما إذ ذكرهما. (٥)
والقراءة الثانية ((ولا تحسبن)) بالتاء. وهو خطأ بين جداً، لأنه عقب على هذه القراءة الأخيرة بقوله:
((ثم اختلف أهل العربية فى تأويل ذلك))، واختلافهم كما ترى فى قراءة ((الياء)) لا ((التاء))، فمن أجل
ذلك صححت مكان القراءتين ، كما أثبتها ، وهو الصواب المحض إن شاء الله.
(١) هو الفراء.
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ١٠٤، ٢٤٨، ٢٤٩، وهو نص كلامه، و((العماد))
عند الكوفيين، هو ضمير الفصل عند البصريين، ويسمى أيضاً ((دعامة)) و((صفة))، انظر ما سلف
٢ : ٣١٢، تعليق ٢ / ثم ص.٣١٣ / ثم ص : ٣٧٤.
(٣) فى المطبوعة: ((ولا تحسبن)» بالتاء، والصواب بالياء كما أثبتها. وانظر التعليق السالف.
وهى فى المخطوطة غير منقوطة .
(٤) وكان فى المطبوعة أيضاً: ((ولا تحسبن البخل))، بالتاء، والصواب بالياء، وانظر
التعليق السالف .
(٥) هكذا جاءت هذه الجملة من أولها ، وهى مضطربة أشد الاضطراب ، وكان فى المطبوعة:
((به وهو البخل)) بزياد واو، ولكنى أثبت ما فى المخطوطة كما هو على اضطراب الكلام . وقد جهدت
أن أجد إشارة فى كتب التفسير وإعراب القرآن، إلى هذا الذى قاله البصرى فيما رواه أبو جعفر ، فلم
أجد شيئاً، وأرجح أن الناسخ قد أسقط من الكلام سطراً أو بعضه، وأرجح أن سياق الجملة من أولها ،
كان هكذا :
((وقال بعض نحو ◌ِّى أهل البصرة: إنّما أراد بقوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين يبخَلُونَ
بما آنَاهُمُ الله من فَضْله هو خيراً لهم بل هو شَرٌّ لهم) = : ولا يحسبَنَّ الذين يبخلونَ
بما آتاهم الله من فضله، لا يَحْسَبُنَّ الْبُخْلَ هو خيراً لهم = فألقى ((الحسبان)» الثانى،
٤٣٠
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
قال: وقد جاء من الحذف ما هو أشد من هذا، قال: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُمْ
مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَلَ﴾ ولم يقل: ((ومن أنفق من بعد الفتح))، لأنه لما قال:
﴿ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أُنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾ [سورة الحديد: ١٠]، كان
فيه دليل على أنه قد عناهم .
وقال بعض من أنكر قول من ذكرنا قوله من أهل البصرة: إنّ ((مَنْ)) فى قوله:
﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ﴾ فى معنى جمع. ومعنى الكلام:
لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح فى منازلهم وحالاتهم، فكيف من أنفق من
بعد الفتح ؟ فالأول مكتفٍ . وقال: فى قوله: ((لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم
الله من فضله هو خيراً لهم)) محذوف ، غير أنه لم يُحذف إلاّ وفى الكلام ما قام
مقام المحذوف، لأن ((هو)) عائد البخل، و((خيراً لهم)) عائد الأسماء ، فقد دل
هذان العائدان على أن قبلهما اسمين، واكتفى بقوله: ((يبخلون)) من ((البخل)).
قال: وهذا إذا قرئب (التاء))، و ((البخل)) قبل ((الذين))، وإذا قرئ
؛((الياء))، فـ((البخل)) بعد ((الذين))، وقد اكتفىبـ ((الذين يبخلون))، من البخل ،
كما قال الشاعر : (١)
وألقى الاسمَ الذى أوقعَ عليه (الحسبان)). وما وقع (الحسبان)) به هو البخل = لأنّه
قد ذكر (( الحسبان))، وذكر ((ما آتاهم الله من فضله))، فأضمرهما إذا ذكرها)).
ويكون القائل هذا من أهل البصرة، قد عنى أن هذه الآية شبيهة بأختها الآتية فى سورة آل عمران: ١٨٨
(لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أن يُحْمَدُوا بِمَا لَّ يَفْعَلُوا فَلَا
تَحْسَبَهُمْ بِغَازَةٍ مِنَ العَذَابِ ﴾
إذ كرر ((لا تحسين)» تأكيداً لما طال الكلام، وهو صحيح كلام العرب وصريحه . فكذلك هو فى هذه
الآية، على ما أرجح أن البصرى قال، كرر (الحسبان))، ولكنه حذف ((الحسبان » الذى كرره ،
وأبقى الأول الذى ألجأ إلى التكرار والتوكيد .
ويعنى بقوله: ((أضمرهما))، ((الحسبان)) الثانى فى تأويله، و((البخل))، ولم أجد وجهاً يستقيم به
الكلام غير هذا الوجه ، فإن أصبت فيحمد الله وتوفيقه، وإن أخطأت، فأسأل الله المغفرة بفضله.
(١) لم يعرف قائله .
٤٣١
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
إِذَا نُهِىَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِ وَخَلَفَ، وَالسَّفِيهُ إِلى خِلَافٍ (١)
كأنه قال: جرى إلى السفه، فاكتفى عن («السفه)) ؛ ((السفيه)»، كذلك اكتفى
(( الذين يبخلون))، من ((البخل)).
٠ ٥
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب فى ذلك عندى ، قراءة من قرأ :
﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ بالتاء ، بتأويل: ولا تحسبن، أنت يا محمد ،
يخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم = ثم ترك ذكر ((البخل))،
إذا كان فى قوله: ((هو خيراً لهم)) دلالة على أنه مراد فى الكلام، إذ كان قد تقدمه
١
قوله: ((الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله)).
وإنما قلنا: قراءة ذلك بالتاء أولى بالصواب من قراءته بالياء، لأن ((المحسبة))
من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرئ قوله: (( ولا يحسبن الذين يبخلون » بالياء:
لم يكن للمحسبة اسم يكون قوله: ((هو خيراً لهم)) خبراً عنه. وإذا قرئ ذلك بالتاء ،
كان قوله: ((الذين يبخلون)) اسماً له قد أدى عن معنى ((البخل)) الذى هو اسم
المحسبة المتروك، وكان قوله: ((هو خيراً لهم)) خبراً لها ، فكان جارياً مجرى المعروف
من كلام العرب الفصيح. فلذلك اخترنا القراءة بـ ((التاء)) فى ذلك على ما بيناه ،
وإن كانت القراءة : ((الياء)) غير خطأ، ولكنه ليس بالأفصح ولا الأشهر من
كلام العرب .
٥٠٠
قال أبو جعفر : وأما تأويل الآية الذى هو تأويلها على ما اخترنا من القراءة
فى ذلك: ولا تحسبن، يا محمد، بخل الذين يبخلون بما أعطاهم الله فى الدنيا من
الأموال ، فلا يخرجون منه حق الله الذى فرضه عليهم فيه من الزكوات ، هو خيراً
(١) معانى القرآن الفراء ١: ١٠٤، ٢٤٩، أمالى الشجرى ١: ٦٨، ١١٣، ٢/٣٠٥:
١٣٢، ٢٠٩، والإنصاف: ٦٣، والخزانة ٢: ٣٨٣، وسائر كتب النحاة.
٤٣٢
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
لهم عند الله يوم القيامة ، بل هو شر لهم عنده فى الآخرة ، كما : -
٨٢٧٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى: ((ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو
خيراً لهم بل هو شر لهم))، هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخلوا أن ينفقوها فى
سبيل الله، ولم يؤدُّوا زكاتها .
وقال آخرون: بل عنى بذلك اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما أنزل الله فى
التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته .
ذكر من قال ذلك :
٨٢٧٩ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم
١٢٧/٤ الله من فضله)) إلى ((سيطوقون ما يخلوا به يوم القيامة))، يعنى بذلك أهل الكتاب،
أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس .
٨٢٨٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد قوله: ((ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من
فضله)»، قال: هم يهود، إلى قوله: ﴿وَالِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ [ سورة آل عمران: ١٨٤]. (١)
#
٠ ٠
وأولى التأويلين بتأويل هذه الآية، التأويل الأوّل، وهو أنه معنى بـ ((البخل))
فى هذا الموضع ، منع الزكاة ، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنه تأوَّل قوله: (سَيُطَوِّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيََّمَةِ﴾، قال: البخيل الذى منع
حق الله منه، أنه يصير ثعباناً فى عنقه = ولقول الله عقيب هذه الآية ﴿لَقَدْ سَمِحَ الله
قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أُغْنِيَاء)، فوصف جل ثناؤه قول المشركين من
(١) تركت الآية فى هذه الآثار على قراءة أبى جعفر ((ولا تحسبن، بالتاء، وقراءة مصحفنا اليوم
((ولا يحسبن)) بالياء.
٤٣٣
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
اليهود الذين زعموا عند أمر الله إياهم بالزكاة ، أن اللّه فقيرٌ.
القول فى تأويل قوله {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((سيطوَّقون))، سيجعل اللّه ما بخل به
المانعون الزكاةَ ، طوقاً فى أعناقهم كهيئة الأطواق المعروفة ، كالذى : -
٨٢٨١ - حدثنى الحسن بن قزعة قال، حدثنا مسلمة بن علقمة قال ،
حدثنا داود، عن أبى قزعة ، عن أبى مالك العبدى قال: ما من عبد يأتيه ذُو رَّحْم
له، يسأله من فضلٍ عنده فيبخل عليه، إلاّ أخرج له الذى بتخيل به عليه شجاعاً
أَقْرَع. (١) قال: وقرأ (( ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو
خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة)) إلى آخر الآية. (٢)
(١) ((الشجاع)): الحية الذكر، وهو ضرب من الحيات خبيث مارد. و((أقرع)) صفة من
صفات الحيات الخبيثة، يزعمون أنه إذا طال عمر الحية، وكثر سمه، جمعه فى رأسه حتى تتمعط منه فروة رأسه .
(٢) الحديث : ٨٢٨١ - الحسن بن قزعة بن عبيد الهاشمى، شيخ الطبرى: ثقة. مترجم فى
التهذيب ، وابن أبى حاتم ١ / ٣٤/٢.
و ((قزعة)): بفتح القاف والزاى، وقيل: بسكون الزاى. أنظر المشتبه، ص ٤٢٥. واقتصر
الحافظ فى تحريره على الفتح .
مسلمة - بفتح الميم - بن علقمة المازنى: ثقة، وثقه ابن معين وغيره . وضعفه أحمد . وهو مترجم فى
التهذيب، والكبير البخارى ٤ / ١ / ٣٨٨، وابن أبى حاتم ٤ /١/ ٣٦٧ - ٣٦٨. ولم يذكر فيه البخارى
جرحاً . فهو ثقة عنده .
داود : هو ابن أبى هند .
أبو قزعة : هو سويد بن حجير - بالتصغير فيهما - بن بيان ، الباهلى البصرى . وهو تابعى ثقة ،
وثقه أحمد، وابن المدينى، وغيرهما. مترجم فى التهذيب، والكبير ١٤٨/٢/٢، وابن أبي حاتم ٢ /١/
٢٣٥ - ٢٣٦ .
وسها الحافظ فى الإصابة ١: ٣٣١، فى ترجمة أبيه، فذكر أنه ((ذهلى))، والمصادر كلها على
أنه ((باهلى )) .
وسأتى فى: ٨٢٨٣ ((عن أبى قزعة حجر بن بيان))؛ وهو خطأ صرف ٤ كما سنبينه هناك،
إن شاء الله .
أبو مالك العبدى : لا ندرى من هو؟ ولا ندرى: أهو محابى أم تابعى ؟ فا علمت أحداً ترجمه ،
ج ٧ ( ٢٨
٤٣٤
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
٠
٨٢٨٢ -حدثنا ابن المثی قال ،حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن
أبى قزعة ، عن رجل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من ذى رجم يأتى
ذا رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده ، فيبخل به عليه ، إلاّ أخرج له من
جهنم شُجاع يتلفّظ حتى يطوّقه . (١)
٨٢٨٣ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم قال ،
حدثنا داود ، عن أبى قزعة حجر بن بيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ما من ذى رحم يأتى ذا رحيه فيسأله من فضل أعطاه الله إياه، فيبخل به عليه، إلاّ
أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوِّقُه. ثم قرأ ((ولا تحسبن
الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله)) حتى انتهى إلى قوله: (( سيطوَّقون ما بخلوا به
يوم القيامة)) . (٢)
إلا الحافظ فى الإصابة ٧ : ١٦٩، بنى ترجمته على هذا الحديث عند الطبرى وحده :.
فأشار إلى هذه الرواية، وإلى الرواية التالية ((عن أبى قزعة، عن رجل))، وذكر أن الثعلبى رواها:
((عن رجل من قيس)). وإلى الرواية الثالثة: ((عن أبى قزعة، مرسلا)). ثم قال: ((وأبو قزمة: تابعى
بصرى مشهور ، لكنه كان يرسل عن الصحابة. فهو على الاحتمال)).
يعنى الحافظ: أنه من المحتمل أن يكون ((أبو مالك العبدى)) هذا محاياً، لأن أبا قزعة يروى عن
الصحابة ويرسل الرواية عنهم! وما بمثل هذا تثبت الصحبة ، ولا بمثله يثبت وجود الشخص والصفة معاً !!
خصوصاً وأنه فى الرواية التالية ((عن رجل)) - لم يزعم أنه من الصحابة، ولم يقل ما يشير لذلك.
فلا يزال - بعد هذا - الحديث ضعيفاً ، لأنه لم يعرف أن راويه عن رسول الله صحابى .
وقد أشار ابن كثير ٢ : ٣٠٧ إلى هذه الروايات الثلاث عند الطبرى، ولم ينسبها لغيره .
ولا نعلم أحداً رواها غير الطبرى، إلا إشارة الحافظ فى الإصابة لرواية الثعلبى.
(١) الحديث: ٨٢٨٢ - عبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى، القرشى السامى، من بنى ((سامة
ابن لؤى)). وهو ثقة، أخرج له الجماعة كلهم .
والحديث مكرر ما قبله .
((تلمظت الحية))، إذا أخرجت لسانها كتلمظ الآكل، وهو تحريك السان فى الفم، والتحطق
بالشفتين.
(٢) الحديث: ٨٢٨٣ - هكذا ثبت فى المخطوطة والمطبوعة: ((عن أبى قزعة حجر بن بيان))؛
وهو خطأ من وجهين :
فأولا ((حجر))، صوابه ((حجير)) بالتصغير، وقد وقع هذا الخطأ فى الإصابة أيضاً، فى
٤٣٥
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
٨٢٨٤ - حدثنى زياد بن عبيد اللّه المرّى قال، حدثنا مروان بن معاوية =
وحدثنى عبد الله بن عبد الله الكلابى قال، حدثنا عبد الله بن بكر السهمى=
وحدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد ،
واللفظ ليعقوب = جميعاً ، عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة ، عن أبيه ،
عن جده قال : سمعت نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: لا يأتى رجل مولاه فيسأله
من فضل مال عنده، فيمنعه إياه، إلا دُعِىَ له يوم القيامة شجاعٌ يتلفّظ فضله
الذى منع . (١)
ترجمة ((أبى مالك العبدى)): ((عن أبى قزعة سويد بن حجر)). وهو خطأ ناسخ أو طابع، لاشك فى ذلك
لأن الحافظ ترجم لأبى قزعة فى التهذيب وغيره على الصواب ((سويد بن حجير)).
وثانياً: سقط هنا بين الكنية والاسم كلمة ((بن)). لأن ((حجير بن بيان)) - هو والد أبى قزعة،
وليس اسمه .
وأبوه (حجير بن بيان)): مذكور فى الصحابة . مترجم فى الاستيعاب، رقم : ٥٤٣، وأسد الغابة
١: ٣٨٧؛ والإصابة ١: ٣٣٠ - ٣٣١، وابن أبى حاتم ١ /٢٩٠/٢. وهو عندهم جميعاً
بالتصغير نصاً .
وسها الحافظ ابن كثير ، ولم يراجع المصادر ! فاغتر بهذه الرواية المغلوطة من وجهين - فذكر فى
هذه الروايات: ((عن أبى قزمة، واسمه حجر بن بيان)) !! فزاد على الخطأ الذى فى أصول الطبرى بحذف
((بن)) - نصرح بأن هذا اسم أبى قزعة ! وما كان ذلك فى رواية ولا قول قط .
والسيوطى تبع الحافظ ابن كثير، ثم زاد خطأ على خطأ، فذكر الحديث ٢ : ١٠٥، ونسبه
لابن أبى شيبة فى مسنده، وابن جرير ((عن حجر بن بيان)) !!
(٦) الحديث : ٨٢٨٤ - هذا الحديث رواه الطبرى عن ثلاثة شيوخ: زياد بن عبيد الله المرى،
وعبد الله بن عبد اللّه الكلابى - وهذان لم أعرفهما، ولم أجد لواحد منهما ترجمة ولا ذكراً فى غير هذا الموضع.
ثم إن فى المطبوعة بدل ((عبد الله بن عبد اللّه الكلابى)): ((محمد بن عبد اللّه))! وهو أشد جهالة من ذاك.
وفى لسان الميزان ٢: ٤٩٥، ترجمة: ((زياد بن عبد الله بن خزاعى، عن مروان بن معاوية.
قال ابن حبان فى الثقات : حدثنا عنه شيوخنا، ربما أغرب)).
فمن المحتمل أن يكون هذا الشيخ هو شيخ الطبرى ((زياد بن عبيد الله الكلابى))، وأن يكون ((عبيد الله))
محرفاً فى طبعة اللسان إلى ((عبد الله)).
والشيخ الثالث: يعقوب بن إبرهيم، وهو الدورق الحافظ ، مضى مراراً، آخرها : ٣٧٢٦ .
وأسانيده صحاح ، على الرغم من جهالة شيخى الطبرى الأولين ، اكتفاء برواية الحافظ الدورق .
ولأن الحديث ثابت عن شيوخ آخرين عن بهز بن حكيم، كما سنذكر فى التخريج، إن شاء الله .
وقد بينا فيما مضى رقم : ٨٧٣ صحة إستاد بهز بن حكيم عن أبيه عن جده .
٤٣٦
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
٨٢٨٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن أبى إسحق، عن أبى وائل، عن عبد الله بن مسعود: (( سيطوقون ما بخلوا به يوم
القيامة))، قال: ثعبان ينقر رأس أحدهم، يقول: أنا مالك الذى بخلت به !(١)
٨٢٨٦ - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة، عن أبى إسحق قال: سمعت أبا وائل يحدّث: أنه سمع عبد اللّه قال فى هذه
الآية: (( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة))، قال: شجاع يلتوى برأس أحدهم.
٨٢٨٧ - حدثنى ابن المثنى قال ، حدثنا ابن أبى عدى ، عن شعبة قال ،
حدثنا خلاد بن أسلم قال، أخبرنا النضر بن شميل قال ، أخبرنا شعبة ، عن أبى
إسحق ، عن أبى وائل ، عن عبد اللّه بمثله - إلا أنهما قالا: قال : شجاع أسود.
٨٢٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثورى،
والحديث رواه أحمد فى المسند، عن عبد الرزاق عن معمر، وعن يزيد - وهو ابن هرون، وعن يحيى بن
سعيد : ثلاثتهم عن بهز بن حكيم ، بهذا الإسناد .
ورواه النسائى ١: ٣٥٨، عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر ، عن بهز.
ومن عجب أنه - وهو فى المسند وسنن النسالى - لا ينسبه الحافظ ابن كثير ٢ : ٣٠٧، إلا لابن
جرير وابن مردويه !
وذكره السيوطى ٢ : ١٠٥، وزاد نسبته لأبى داود، والترمذى وحسنه، والبيهقى فى الشعب.
وذكره المنذرى فى الترغيب والترهيب ٢ : ٣٣، ونسبه لأبى داود، والترمذى، والنسائى.
(١) الحديث : ٨٢٨٥ - عبد الرحمن: هو ابن مهدى. وسفيان: هو الثورى. وأبو إسحق:
هو المبيعى .
وهذا الحديث لفظه هنا موقوف على ابن مسعود . وهو فى معناه مرفوع . وهو أيضاً مختصر اللفظ .
وقد رواه الطبرى هكذا، مختصراً موقوفاً، بأسانيد: ٨٢٨٥ - ٨٢٨٨، ٨٢٩٢. ثم رواه
أثناء ذلك : ٨٢٨٩، مرفوعاً بلفظ أطول .
ورواه أيضاً الحاكم فى المستدرك ٢ : ٢٩٨ - ٢٩٩، من طريق أبى بكر بن عياش ، عن
أبى إسحق، ومن طريق الثورى، عن أبى إسحق- موقوفاً، بنحوه. وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين، ولم يخرجاه )). ووافقه الذهبي.
وقد تساهل الحافظ ابن كثير ٢ : ٣٠٦ فأشار إلى رواية الحاكم هذه ، عقب رواية الحديث المرفوع
من مسند أحمد - بصيغة توهم أن رواية الحاكم مثل رواية المسند مرفوعة .
ثم زاد القارئ لبساً، إذ قال عقب ذلك: ((ورواه ابن جرير من غير وجه عن ابن مسعود -
موقوفاً))! فهذا السياق عقب ذكر رواية الحاكم، يوقع فى وهم الناظر أنها مرفوعة !! وليست كذلك.
٤٣٧
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
عن أبى إسحق ، عن أبى وائل ، عن ابن مسعود قال : يجىء ماله يوم القيامة ثعباناً
فينقر رأسه فيقول : أنا مالك الذى بخلت به ! فينطوى على عنقه :
٨٢٨٩ - حدثت عن سفيان بن عيينة قال، حدثنا جامع بن أبى راشد وعبد الملك ١٢٨/٤
ابن أعين ، عن أبى وائل ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ما من أحد لا يؤدى زكاة ماله ، إلا مثّل له شجاع أقرع يطوقه. (١) ثم
قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم
الله من فضله هو خيراً لهم))، الآية.(٢)
(١) ((مثل له)): انتصب له ماثلا، قائماً.
(٢) الحديث : ٨٢٨٩ - هكذا أبهم الطبرى شيخه فى هذا الإسناد. ولكن الحديث ثابت برواية
الثقات عن ابن عيينة، كما سنذكر فى التخريج ، إن شاء الله .
جامع بن أبى راشد الكاهلى الصيرفى: ثقة، وثقه أحمد وغيره، وأخرج له الجماعة . مترجم فى التهذيب،
والكبير ٢٤٠/٢/١، وابن أبى حاتم ١/ ٥٣٠/١.
ووقع هنا فى نسخ الطبرى: ((جامع بن شداد)). وهو خطأ، فليس لجامع بن شداد فى هذا الحديث
رواية ، فيما أعلم - كما يتبين من التخريج .
ثم إن جامع بن شداد قديم الوفاة، لم يدركه ابن عيينة ولا روى عنه. لأنه ولد سنة ١٠٧، وابن
شداد مات سنة ١٠٧ وقيل سنة ١٠٨. وأما ما وقع فى ترجمنه فى التهذيب ٢ : ٥٦، فى الأقوال فى
سنى وفاته، بين: ١٢٨، ١١٨، ١٢٧، فإنه غلط، بعضه من الحافظ المزى فى التهذيب الكبير ،
وبعضه من نسخ تهذيب التهذيب . وقد ثبتت هذه الأرقام على الصواب بالكتابة بالحروف فى الكبير للبخارى
٢٣٩/٢/١ - ٢٤٠، والصغير، ص: ١٣٢؛ وابن سعد ٦ : ٢٢٢، ٢٢٦.
عبد الملك بن أعين الكوفى: تابعى ثقة. وقد تكلم فيه بأنه شيعى ، ولكن لم يدفعه أحد عن الصدق .
وأخرج له أصحاب الكتب الستة . مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٣٤٣/٢/٢. وذكره البخارى
فى الضعفاء، ص: ٢٢٢، فقال: ((عبد الملك بن أعين، وكان شيعياً. روى عنه ابن عيينة وإسمعيل
ابن سميع . يحتمل فى الحديث)). فلم يجرحه فى صدقه وروايته ، ولذلك أدخله فى صحيحه .
والحديث رواه أحمد فى المسند : ٣٥٧٧، عن سفيان، وهو ابن عيينة، عن جامع ، وهو ابن
أبې راشد ، عن أبى وائل ، به ، نحوه ، مرفوعاً .
وكذلك رواه الترمذى ٤: ٨٥، وابن ماجة: ١٧٨٤، كلاهما عن ابن أبي عمر. والنسائى ١ :
٣٣٣ - ٣٣٤، عن مجاهد بن موسى - كلاهما عن سفيان بن عيينة، به . ولكن زاد الترمذى وابن
ماجة فى روايتهما : أنه عن جامع بن أبى راشد وعبد الملك بن أعين - كرواية الطبرى هنا. وقال الترمذى:
(( هذا حديث حسن صحيح)).
وذكره ابن كثير ٢: ٣٠٦، من رواية المسند، ثم ذكر أنه رواه الترمذى، والنسائى، وابن ماجة
وذكره السيوطى ٢ : ١٠٥، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن خزيمة ، وابن المنذر .
٤٣٨
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
٨٢٩٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنى أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: أمّا (سيطوقون ما بخلوا به))، فإنه يُجعل ماله يوم
القيامة شجاعاً أقرع يطوِّقه، فيأخذ بعنقه ، فيتبعه حتى يقذفه فى النار .
٨٢٩١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا خلف بن خليفة ،
عن أبى هاشم ، عن أبى وائل قال: هو الرجل الذى يرزقه الله مالاً فيمنع قرابته
الحق الذى جعل اللهلهم فى ماله، فيُجْعل حية فيطوّقها، فيقول: مالى ولك! فيقول:
أنا مالك !
٨٢٩٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو غسان قال ، حدثنا إسرائيل ، عن
حكيم بن جبير ، عن سالم بن أبى الجعد ، عن مسروق قال : سألت ابن مسعود
عن قوله: ((سيطوَّقون ما بخلوا به يوم القيامة))، قال: يطوقون شجاعاً أقرع
ينهش رأسه .(١)
وقال آخرون: معنى ذلك: ((سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة))، فيجعل
فى أعناقهم طوقاً من نار .
. ذكر من قال ذلك :
٨٢٩٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن منصور، عن إبراهيم: ((سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة))، قال : طوقًا
من النار .
(١) الحديث : ٨٢٩٢ - أبو غسان: هو مالك بن إسمعيل بن درهم النمدى الحافظ. مضت
ترجمته فى : ٢٩٨٩.
إسرائيل : هو ابن يونس بن أبى إسحق السبيعى.
حكيم بن جبير الأسدى : ضعيف، بينا ضعفه فى شرح المسند: ٣٦٧٥ . وهو مترجم فى التهذيب
والكبير البخارى ١٦/١/٢، والصغير، ص: ١٥٠، ١٥٢؛ والضعفاء له ص: ١٠، والنمائى.
ص: ٩، وابن أبى حاتم ٢٠١/٢/١ - ٢٠٢.
وهذا اللفظ موقوف على ابن مسعود. وضعف إسناده لا يضر ، فقد مضى موقوفاً بأسانيد صحاح :
٨٢٨٥ - ٨٢٨٨، ومرفوعاً: ٨٢٨٩.
٤٣٩
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
٨٢٩٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة ،
عن منصور، عن إبراهيم أنه قال فى هذه الآية: ((سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة))،
قال : طوقاً من نار .
٨٢٩٥ - حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثورى ، عن
منصور، عن إبراهيم فى قوله: ((سيطوقون))، قال : طوقاً من نار .
٨٢٩٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم :
(( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة))، قال: طوقاً من نار. (١)
٠٠
وقال آخرون : معنى ذلك: سيحمل الذين كتموا نبوّة محمد صلى الله عليه
وسلم من أحبار اليهود ، ما كتموا من ذلك .
• ذكر من قال ذلك :
٨٢٩٧ -حدثنى محمد بن سعد قال،حدثی أبی قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة))،
ألم تسمع أنه قال: ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [سورة النساء: ٣٧/
سورة الحديد: ٢٤]، (٢) يعنى أهل الكتاب: يقول: يكتمون، ويأمرون الناس بالكتمان .
وقال آخرون: معنى ذلك: سيكلَّمون يوم القيامة أن يأتوا بما بتخيلوا به فى الدنيا
من أموالهم.
• ذكر من قال ذلك :
٨٢٩٨- حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: (( سيطوقون ما بخلوا به يوم
القيامة))، قال: سيكلَّفون أن يأتوا بما بخلوا به، إلى قوله: ((والكتاب المنير)).
(١) فى المطبوعة: ((طوق))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) وإنما فى آية سورة النساء، لأن تمامها ((ويكتمون ما آتاهم الله من فضله)).
٤٤٠
تفسير سورة آل عمران : ١٨٠
٨٢٩٩ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد ((سيطوقون))، سيكلفون أن يأتوا بمثل ما يخلوا به
من أموالهم يوم القيامة .
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية ، التأويل الذى قلناه فى ذلك
فی مبدإ قوله: (( سیطوقون ما بخلوا به ))، للأخبار الی ذ کرنا فى ذلك عن رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم، ولا أحد" أعلم بما عسى الله تبارك وتعالى بتنزيله، منه عليه
السلام .
٥
٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَلِهِ مِيَرْتُ السَُّوَّتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ
بِمَ تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (٨)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : أنه الحى الذى لا يموت ، والباقى
بعد فناء جميع خلقه .
٥
فإن قال قائل: فما معنى قوله: ((له ميراث السموات والأرض))، و((الميراث))
المعروف ، هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته ، ولله الدنيا قبل فناء خلقه
و بعده ؟
قيل : إن معنى ذلك ما وصفنا ، من وصفه نفسه بالبقاء ، وإعلام خلقه أنه
كتيب عليهم الفناء. وذلك أنّ ملك المالك إنما يصير ميراثاً بعد وفاته ، فإنما قال
جل ثناؤه: ((ولله ميراث السموات والأرض»، إعلاماً بذلك منه عبادَه أن أملاك جميع