النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
تفسير سورة آل عمران : ١٣١
٠٠٤
حدثنا عباد، عن الحسن فى قوله: ((وإذ غدرتَ من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد
للقتال))، قال: يعنى محمداً صلى الله عليه وسلم، غدا يبوئ المؤمنين مقاعد
للقتال يوم الأحزاب .
قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بالصواب قول من قال: ((عنى بذلك
يوم أحد )). لأن الله عز وجل يقول فى الآية التى بعدها: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِتَانِ
مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا)، ولا خلاف بين أهل التأويل أنه عُنى بالطائفتين: بنوسلمة
وبنو حارثة، (١) ولاخلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
أنّ الذى ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أحد ، دون يوم الأحزاب .
فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك يوم أحد ، ورسول الله صلى الله عليه
وسلم إنما رَاح إلى أحد من أهله للقتال يوم الجمعة بعد ما صلى الجمعة فى أهله
بالمدينة بالناس ، كالذى حدثكم :-
٧٧١٥ - ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق قال ، حدثنى
محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهرى ، ومحمد بن يحيى بن
حبان ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن
معاذ، وغيرهم من علمائنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم راح حين صلَّى الجمعة
إلى أحد، دخل فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات فى
ذلك اليوم رجل من الأنصار ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم
خرج عليهم وقال: (( ما ينبغى لنبىّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل))؟ (٢)
(١) بنو سلمة (بفتح السين وكسر اللام)، وليس فى العرب «سلمة)) بكسر اللام غيرها،
وسائرها بفتح اللام - وهم بنو سلمة بن سعد بن على بن أسد بن سادة بن تزيد بن جثم بن الخزرج .
(٢) الأثر : ٧٧١٥ - إسناده فى سيرة ابن هشام ٣ : ٦٤، ثم اختصر أبو جعفر خبر ابن
إسحق الذى رواه ابن هشام فى السيرة ٣ : ٦٧، ٦٨. واللأمة: هى السرع الحصينة، وسائر أداة
ج ٧ (١١)

١٦٢
تفسير سورة آل عمران : ١٢١
قيل : إن النبى صلى الله عليه وسلم وإن كان خروجه للقوم كان رَواحاً، (١) فلم
يكن تبوئته للمؤمنين مقاعد هم للقتال عند خروجه ، بل كان ذلك قبل خروجه
لقتال عدوّه. وذلك أنّ المشركين نزلوا منزلهم من أحد - فيما بلغنا - يوم الأربعاء،
فأقاموا به ذلك اليوم ويومَ الخميس ويومَ الجمعة ، حتى راح رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم إليهم يوم الجمعة، بعدما صَلى بأصحابه الجمعة، فأصبح بالشِّعب من أحد
يوم السبت للنصف من شوّال .
٧٧١٦ - حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال ،
حدثنى محمد بن مسلم الزهرى ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، وعاصم بن عمربن
قتادة ، والحصين بن عبد الرحمن وغيرهم. (٢)
فإن قال : وكيف كانت تبوئته المؤمنين مقاعد للقتال غُدُوًّا قبل خروجه ،
وقد علمت أن ((التبوئة))، اتخاذ الموضع .
قيل : كانت تبوئته إياهم ذلك قبل مناهضة عدوه ، عند مشورته على أصحابه
بالرأى الذى رآه لهم، بيوم أو يومين ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع
بنزول المشركين من قريش وأتباعها أحداً قال = فيما : -
٧٧١٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط عن السدى = لأصحابه: أشيروا علىَّ ما أصنع؟ فقالوا: يا رسول الله، اخرج
إلى هذه الأكلُب! فقالت الأنصار: يا رسول اللّه، ماغلبنا عدوٍّ لنا أتانا فى ديارنا،
فكيف وأنت فينا ! ! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبىّ ابن سلول،
ولم يدعه قط قبلها، فاستشاره، فقال : يا رسول الله، اخرج بنا إلى هذه الأكلب!
الحرب من السلاح كالسيف والرمح. هذا وكان فى المطبوعة والخطوطة: «ما ينبغى النبى صلى الله عليه وسلم)).
وهذا غير جيد ، وكأنه عجلة من الناسخ ، وأثبت نص ابن هشام .
(١) الرواح. هو وقت العشى آخر النهار.
(٢) الأثر: ٧٧١٦ - جمعه أبو جعفر من مواضع متفرقة من خبر ابن إسحق فى يوم أحد.

١٦٣
تفسير سورة آل عمران : ١٢١
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعجبه أن يدخلوا عليه المدينة فيقاتلوا فى الأزقة،
فأتاه النعمان بن مالك الأنصارى فقال : يا رسول اللّه لا تحرمنى الجنة ، فوالذى
بعثك بالحق لأدخلن الجنة ! فقال له : بم؟ قال: بأنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك
رسول اللّه ، وأنى لا أفرُّ من الزحف! قال: صدقت. فقُتل يومئذ . ثم إن رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا بدرعه فلبسها ، فلما رأوه وقد لبس السلاح، ندموا
وقالوا : بئسما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحى يأتيه !! فقاموا
واعتذروا إليه ، وقالوا : اصنع ما رأيت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لا ينبغى لنبىّ أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل. (١)
٧٧١٨ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحق قال ،
حدثنى ابن شهاب الزهرى ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، وعاصم بن عمر بن قتادة ،
والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا، قالوا: لما سمع
رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بالمشركين قد نزلوا منزلهم من أحد ، قال ٤٧/٤
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّى قد رأيتُ بقراً فأوّلتها خيراً ، ورأيت فى ذباب
سيفى تَلْماً، (٢) ورأيت أنّى أدخلت يدى فى درع حصينة، فأوّلتها المدينة، فإن
رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا ، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام ، وإن هم
دخلوا علينا قاتلناهم فيها. وكان رأىُ عبد الله بن أبى بن سلول مع رأى رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم، يرى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك: أن لا يخرج إليهم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج من المدينة، فقال رجال من
المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد ، وغيرهم ممن كان فاته بدر وحضوره :
يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبُنَّا عنهم وضعُفُنا! فقال
عبد الله بن أبى ابن سلول: يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله
(١) الأثر : ٧٧١٧ - هو فى تاريخ الطبري ٣ : ١١: ١٢
(٢) ذباب السيف: طرفه المتطرف الذى يضرب به . والثلم: هو الكسر فى حرفه.

١٦٤
تفسير سورة آل عمران : ١٢١
ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلاّ أصاب منا ، ولا دخلها علينا قط إلا أصبنا
منه، فدعْهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشرٌّ محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال
فى وجوههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا
خائبين كما جاؤوا . فلم يزل الناس برسول اللّه عليه وسلم ، الذين كان من أمرهم
حُبُّ لقاء القوم ، حتى دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فليس لأمته. (١)
٠٠٠
فكانت تبوثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المؤمنين مقاعد للقتال، ما ذكرنا
من مشورته على أصحابه بالرأى الذى ذكرنا ، على ما وصفه الذين حكينا قولهم .
٠ ٠ ٠
يقال منه: ((بوَّأت القوم منزلا، وبوأته لهم، فأنا أبوتهم المنزل تبوثة، وأبوئ
لحم منزلا تبوئة)).
وقد ذكر أن فى قراءة عبد الله بن مسعود: ﴿ وإذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ
للُمُؤْمِنِينَ مَفَاعِدَ للقتالِ)، وذلك جائز، كما يقال: ((رَدِفَك ورَدِفَ لك))،
و «نقدت لما صداقها ونقدتها))، كما قال الشاعر:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبَا لَنْتُ مُخْصِيَهُ رَبَّ العِبَادِ إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالعَمَلُ(٢)
والكلام : أستغفر الله لذنب. (٣)
وقد حكى عن العرب سماعاً: ((أبأت القوم منزلا فأنا أبينهم إباءة ))، ويقال
منه: ((أبأت الإبل)). إذا رددتها إلى المباءة. و((المباءة)»، المُرَاح الذى تبيت فيه .
. . .
((والمقاعد)) جمع ((مقعد))، وهو المجلس.
. ..
(١) الأثر: ٧٧١٨ - سيرة ابن هشام ٣: ٦٦، ٦٧، وهو السابق مباشرة للأثر السالف
رقم : ٧٧١٥، وهو من تمامه .
(٢) مضى تخريجه فيما سلف ١: ١٦٩، وهو فى معانى القرآن الفراء ١: ٢٣٣.
(٣) هذه الفقرة من معانى القرآن الفراء ١: ٢٣٣.

١٦٥
تفسير سورة آل عمران : ١٢١، ١٢٢
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: واذكر إذغدوت، يا محمد، من أهلك تتخذ
للمؤمنين معسكراً وموضعاً لقتال عدوهم .
وقوله: ((والله سميع عليم))، يعنى بذلك تعالى ذكره: ((والله سميع))، لما
يقول المؤمنون لك فيما شاورتهم فيه ، من موضع لقائك ولقائهم عدوّك وعدوّهم،
من قول من قال: ((اخرج بنا إليهم حتى نلقاهم خارج المدينة))، وقول من قال
لك: ((لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا)»، على ما قد بينا قبل .-
ولما تشير به عليهم أنت يا محمد=(١) ((عليم) بأصنع تلك الآراء لك ولهم، وبما
تخفيه صُدور المشيرين عليك بالخروج إلى عدوك ، وصدور المشيرين عليك
بالمقام فى المدينة ، وغير ذلك من أمرك وأ.ورهم ، كما : .
٧٧١٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق فى قوله :
((والله سميع عليم))، أى: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون. (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿إِذْ هَمَّت ◌َّآَ ثِقَتَانِ مِنكُمُ أَنْ تَفْشَلَا
وَاللهُ وَلِيُهُمَ وَعَلَى اللهِ فَلَيَتَوَكْلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (١)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه : والله سميع عليم ، حين همت طائفتان
منکم أن تفشلا.
والطائفتان اللتان همتا بالفشل، ذكر لنا أنهم بنو سليمة وبنو حارثة.(٣)
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((ومما تشير به ... ))، والصواب الذى يقتضيه السياق، هوما أثبت.
(٢) الأثر: ٧٧١٩ - سيرة ابن هشام ٣: ١١٢، وهو تابع الأثر السالف رقم : ٧٧١٣.
(٣) انظر ضبط ((سلمة)) ص: ١٦١ تعليق: ١.

١٦٦
تفسير سورة آل عمران : ١٢٢
ذكر من قال ذلك :
٠
٧٧٢٠ - حدثنى محمد بن عمر وقال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا))،
قال : بنو حارثة، كانوا نحو أحد ، وبنو سلِمة نحوسَلْع، وذلك يوم الخندق.
...
قال أبو جعفر : وقد دللنا على أن ذلك كان يوم أحد فيما مضى، بما فيه الكفاية
عن إعادته . (١)
٧٧٢١ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا))، الآية، وذلك يوم أحد، والطائفتان
بنو سلمة وبنو حارثة ، حيان من الأنصار، هُّوا بأمر فعصمهم اللّه من ذلك =
قال قتادة: وقد ذكر لنا أنه لما أنزلت هذه الآية قالوا: ما يسرُّنًا أنَّالم نَهُمَّ
بالذى هممنا به ، وقد أخبرنا اللّه أنه ولينا .
٧٧٢٢ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قوله: ((إذ همت طائفتان منكم)) الآية، وذلك يوم أحد ، فالطائفتان
بنو سليمة وبنو حارثة ، حيان من الأنصار . فذكر مثل قول قتادة .
٤٨/٤
٧٧٢٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال ،، حدثنا أحمد بن المفضل ، قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد فى
ألف رجل ، وقد وعدهم الفتح إن صبروا . فلما رجع عبد الله بن أبى ابن سلول فى
ثلثمئة فتبعهم أبو جابر السلمى يدعوهم ، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالاً ، ولئن
أطعتنا لترجعنَّ معنا = وقال [ الله عز وجل): ((إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا))،
وهم بنو سلمة وبنو حارثة = هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبى ، فعصمهم
(١) انظر ما سلف ص : ١٦١ وما قبلها .

١٦٧
تفسير سورة آل عمران : ١٢٢
اللّه، وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سبعمئة.(١)
٧٧٢٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن
جريج قال ، قال عكرمة : نزلت فى بنى سليمة من الخزرج ، وبنى حارثة من
الأوس ، ورأسهم عبد الله بن أبىّ ابن سلول .
٧٧٢٥ - حدثنى محمد بن سعد قال ،حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال .
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ))،
فهم بنو حارثة وبنو سلِمة .
٧٧٢٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((إذ همت
طائفتان منكم أن تفشلا))، والطائفتان: بنوسلمة من جشم بن الخزرج ، وبنوحارثة
من النبيت من الأوس ، وهما الجناحان . (٢)
٧٧٢٧ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ،
عن الحسن فى قوله: ((إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا)) الآية، قال : هما
طائفتان من الأنصار همَّا أن يفشلا، فعصمهم اللّه وهزم عدوهم
٧٧٢٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن
عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: ((إذ همت
طائفتان منكم أن تفشلا ))، قال: هم بنوسليمة وبنو حارثة ، وما نحبُّ أن لو لم
لكن هممنا لقول الله عز وجلّ: ((والله وليهما)).(٣)
٧٧٢٩ - حدثنى أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا ابن
عيينة ، عن عمرو قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول ، فذكر نحوه .
(١) الأثر: ٧٧٢٣ - فى تاريخ الطبرى ٣: ١٢، وهو تمام الأثر السالف رقم : ٧١٧٧،
والزيادة بين القوسين من التاريخ .
(٢) الأثر: ٧٧٢٦ - سيرة ابن هشام ٣: ١١٢، وهو من تتمة الأثر السالف رقم : ٧٧١٩.
(٣) الأثر: ٧٧٢٨ - رواه البخارى فى صحيحه (الفتح ٧: ٨/٢٧٥: ١٦٩) من طريق
على بن عبد الله، عن سفيان بن عيينة، بغير هذا اللفظ . وكان فى المطبوعة: (( وما نحب أن لو لم تكن
همتا))، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة، ولكن الناشر لم يحسن قرامتها.

١٦٨
تفسير سورة آل عمران : ١٢٢
٧٧٣٠ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: «إذ
همت طائفتان منكم أن تفشلا))، قال : هذا يوم أحد .
...
وأما قوله: ((أن تفشلا))، فإنه يعنى: همَّا أن يضعفا ويجبنا عن لقاء عدوّهما.
٠ ٥
= يقال منه: ((فشل فلان عن لقاء عدوه ويفشل فشلاً))، كما :-
٧٧٣١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال ابن عباس: ((الفشل))، الجبن .
...
قال أبو جعفر : وكان همُّهما الذى همَّ به من الفشل ، الانصراف عن رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين حين انصرف عنهم عبد الله بن أبىّ ابن سلول بمن
معه ، جبناً منهم ، من غير شك منهم فى الإسلام ولا نفاق، فعصمهم اللّه مما هموا
به من ذلك ، ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجهه الذى مضى له ،
وتركوا عبد الله بن أبىّ ابن سلول والمنافقين معه، فأثنى الله عز وجل عليهما بثبوتهما
على الحق ، وأخبر أنه وليتُهما وناصرهما على أعدائهما من الكفار، (١) كما :-.
٧٧٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((والله وليُهما))،
أى: المدافع عنهما ما همَّتًا به من فشلهما.(٢) وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن
ضعف ووهن أصابهما ، من غير شك أصابهما فى دينهما ، فتولى دفع ذلك عنهما
برحمته وعائدته حتى سلمتا من وهنهما وضعفهما، ولحقتا بنبيّهما صلى اللّه عليه وسلم.
يقول: ((وعلى الله فليتوكل المؤمنون ))، أى: من كان به ضعف من المؤمنین أو وهن،
(١) انظر تفسير ((الولى)) فيما سلف ٦: ٤٩٧ تعليق: ١. والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((الدافع عنهما)»، وأثبت ما فى المخطوطة وسيرة ابن هشام. وفى المطبوعة
والمخطوطة (( ما هما به))، وهو صواب، ولكنى أثبت نص ابن هشام، فهو أقوم على السياق، والتصحيف
فى مثل هذا قريب ، ولست أظنه من أصل الطبرى . ..

١٦٩
تفسير سورة آل عمران : ١٢٣،١٢٢
فليتوكل علىّ ، وليستعن بى أعنه على أمره ، وأدفع عنه ، حتى أبلغ به وأقوّيه
على نيته .(١)
٠ ٠
قال أبو جعفر: وذكر أن ابن مسعود رضى الله عنه كان يقرأ: ﴿وَالْهُ وَلِيُّهُمْ﴾،
وإنما جاز أن يقرأ ذلك كذلك، لأن ((الطائفتين)) وإن كانتا فى لفظ اثنين، فإنهما
فى معنى جماع، بمنزله ((الخصمين)) و((الحزبيين)).(٢)
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أذِلَّهُ
فَاْتَقُواْ اللّهَ لَمَلَّكُمُ تَشْكُرُونَ﴾ (٢)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ٤٩/٤
شيئاً، وينصركم ربكم، = ((ولقد نصركم الله ببدر)) على أعدائكم وأنتم يومئذ
= ((أذلة)) يعنى: قليلون، فى غير منعة من الناس، حتى أظهركم الله على عدوكم ،
مع كثرة عددهم وقلة عددكم ، وأنتم اليوم أكثر عدداً منكم حينئذ ، فإن تصبروا
لأمر الله ينصركم كما نصركم ذلك اليوم، = ((فاتقوا الله))، يقول تعالى ذكره: فاتقوا
ربكم بطاعته واجتناب محارمه = ((لعلكم تشكرون))، يقول: لتشكروه على ما منَّ
به عليكم من النصر على أعدائكم وإظهار دينكم ، ولما هداكم له من الحق الذى
ضلّ عنه مخالفوكم، كما : -
(١) الأثر: ٧٧٣٢ - سيرة ابن هشام ٣: ١١٢، ١١٣، وهو من سياق الأثر السالف
رقم : ٧٧٢٦ .
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٢٣٣.

١٧٠
تفسير سورة آل عمران : ١٢٣
٧٧٣٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((ولقد
نصركم الله ببدر وأنتم أذلة))، يقول: وأنتم أقل عدداً وأضعف قوة = ((فاتقوا الله
لعلكم تشكرون))، أى: فاتقون، فإنه شكر نعمتى. (١)
واختلف فى المعنى الذى من أجله سمى بدر (( بدراً)).
فقال بعضهم : سمى بذلك، لأنه كان ماء لرجل يسمى ((بدراً))، فسمى
باسم صاحبه .
* ذكر من قال ذلك :
٧٧٣٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن زكريا ، عن الشعبى
قال: كانت (بدر)) لرجل يقال له ((بدر))، فسميت به .
٧٧٣٥ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا زكريا ، عن
الشعبى أنه قال: ((ولقد نصركم الله ببدر))، قال: كانت ((بدر)) بئراً لرجل
يقال له (( بدر ))، فسميت به .
وأنكر ذلك آخرون وقالوا : ذلك اسم سميت به البقعة ، كما سمى سائر البلدان
بأسمائها.
. ذكر من قال ذلك :
٧٧٣٦ - حدثنا الحارث بن محمد قال،حدثنا ابن سعد قال ، حدثنا محمد
ابن عمر الواقدى قال ، حدثنا منصور، عن أبى الأسود ، عن زكريا ، عن الشعبى
قال: إنما سمى ((بدرًا))، لأنه كان ماء لرجل من جهينة يقال له ((بدر)) = وقال
الحارث ، قال ابن سعد ، قال الواقدى : فذكرت ذلك لعبد الله بن جعفر ومحمد
ابن صالح فأنكراه وقالت: فلأىّ شىء سميت ((الصفراء)»؟ ولأى شىء سميت
(١) الأثر: ٧٧٣٣ - سيرة ابن هشام ٣: ١١٣، هو بقية الآثار التى آخرها رقم : ٧٧٣٢،
وسياق أبى جعفر فى روايته ، أقوم من سيفق ابن هشام .

١٧١
تفسير سورة آل عمران : ١٢٣
((الحمراء))؟ ولأىّ شىء سمى («رابغ))؟ هذا ليس بشىء، إنما هو اسم الموضع =
قال: وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفارىّ فقال: سمعت شيوخنا من بنى غفار
يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا، وما ملكه أحدٌ قط يقال له ((بدر))، وما هو من بلاد
جهينة، إنما هى بلاد غفار = قال الواقدى : فهذا المعروف عندنا .
٧٧٣٧ -حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول: ((بدر))، ماء عن يمين طريق مكة ،
بين مكة والمدينة .
وأما قوله: ((أذلة))، فإنه جمع ((ذليل))، كما ((الأعزة)) جمع ((عزيز))،
((والألِبَّة)) جمع ((لبيب)).
٥ ٠
قال أبو جعفر: وإنما سماهم اللّه عز وجل ((أذلة))، لقلة عددهم، لأنهم
كانوا ثلثمئة نفس وبضعة عشر، وعدوهم ما بين التسعمئة إلى الألف - على ما
قد بينا فيما مضى - فجعلهم لقلة عددهم ((أذلة)).
ء
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٧٧٣٨ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون))، ويدر ماء
بين مكة والمدينة، التقى عليه نبى الله صلى الله عليه وسلم والمشركون ، وكان أول
قتال قاتله نبي الله صلى الله عليه وسلم = وذكر لنا أنه قال لأصحابه يومئذ: «أنتم
اليوم بعدَّة أصحاب طالوت يوم لقى جالوت)). فكانوا ثلثمئة وبضعة عشر رجلا ،
والمشركون يومئذ ألفٌ، أو راهقوا ذلك.(١)
(١) الأثر : ٧٧٣٨ - مضى بعضه برقم: ٥٧٣٠، وانظر عدة أهل بدر فيما سلف من ٥٧٢٤-
٥٧٣٢. وقوله: ((راحقوا ذلك)) أى: قاربوا ذلك.

١٧٢
تفسير سورة آل عمران : ١٢٣ ٠
٧٧٣٩ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر ، عن عباد ، عن
الحسن فى قوله: ((ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون))،
قال يقول: ((وأنتم أذلة))، قليل ، وهم يومئذ بضعة عشر وثلثمئة.
٧٧٤٠ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع ، نحو قول قتادة .
٧٧٤١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((ولقد نصركم
الله يبدر وأنتم أذلة))، أقل عدداً وأضعف قوة . (١)
#
قال أبو جعفر: وأما قوله: ((فاتقوا الله لعلكم تشكرون))، فإن تأويله، كالذى
قد بيَّنت، كما :-
٧٧٤٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((فاتقوا الله
لعلكم تشكرون))، أى: فاتقونى، فإنه شكر نعمتى.(٢)
(١) الأثر : ٧٧٤١ - سيرة ابن هشام ٣: ١١٣، وهو بعض الأثر السالف قريباً رقم:
٠٧٧٣٣
(٢) الأثر: ٧٧٤٢ - سيرة ابن هشام ٣: ١١٣، وهو أيضاً بعض الأثر: ٧٧٣٣.
وكان فى المطبوعة والمخطوطة هنا ((فعمى)»، وأثبت ما مضى فى المخطوطة والمطبوعة فى الأثر السالف، وهو
مطابق نص ابن هشام .

١٧٣
تفسير سورة آل عمران : ١٢٤، ١٢٥
القول فى تأويل قوله ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ
أَن يُدَّكُمْ رَبْكُمْ بِثَثَةِ ،َفٍ مِّنَ الْمَلَمِكَةِ مُنْزَكِنَ (٦)
◌َّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّنْ فَوْرِمِ مَّذَا يُمْدِدْ كُمْ رَبُّكُمْ
بِمَْةِ،الَّعْنِ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِمِينَ﴾
١٢٥
٤
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره : ولقد نصركم الله بيدر وأنتم أذلة ، إذ
تقول للمؤمنين بك من أصحابك: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من
الملائكة منزلين ؟ وذلك يوم بدر .
٠ ٠
ثم اختلف أهل التأويل فى حضور الملائكة يوم بدر حر بهم، فى أىّ يوم
وُعَدوا ذلك ؟
فقال بعضهم: إن الله عز وجل كان وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدّهم بملائكته،
إن أناهم العدو من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. (١)
. ذكر من قال ذلك :
٧٧٤٣ -حدثی حمید بن مسعدة قال،حدثنا بشر بن المفضل قال ، حدثنا
داود، عن عامر قال: حُدّث المسلمون أن كُرز بن جابر المحاربى يُمِدُ المشركين،
قال : فشق ذلك على المسلمين، فقيل لهم: ((ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة
آلاف من الملائكة منزلين « بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمدد كم
ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين))، قال: فبلغت كرزًا الهزيمة، فرجع،
ولم يمدّهم بالخمسة.
(١) فى المخطوطة: ((ولم يعدوا))، وهو خطأ صرف. هذا والمخطوطة فى هذا الموضع كثيرة الفاً
فيما هو واضح كهذا الحرف الذى أثبته، ولذلك أغفلت كثيراً من أشباهه، وفيهت عليه.

١٧٤
تفسير سورة آل عمران : ١٢٤، ١٢٥
٧٧٤٤ - حدثنى ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ،
عن عامر قال : لما كان يوم بدر بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم = ثم ذكر نحوه،
إلاّ إنه قال: ((ويأتوكم من فورهم هذا)) - يعنى كرزا وأصحابه - ((يمددكم ربكم
بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين))، قال: فبلغ كرزاً وأصحابه الهزيمة ، فلم يمدهم ،
ولم تنزل الخمسة، وأمِدُّوا بعد ذلك بألف ، فهم أربعة آلاف من الملائكة مع
المسلمين .
٧٧٤٥ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد
عن الحسن فى قوله: (( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف
من الملائكة)) ، الآية كلها ، قال : هذا يوم بدر .
٧٧٤٦ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبى
قال : حُدِّث المسلمون أن كرزَ بن جابر المحاربى يريد أن يمدّ المشركين ببدر،
قال: فشق ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله عز وجلّ: ((ألن يكفيكم أن يمدكم
ربكم)) إلى قوله: ((من الملائكة مسوِّمين))، قال: فبلغته هزيمة المشركين ،
فلم يمدّ أصحابه ، ولم يمدُّوا بالخمسة .
#
وقال آخرون: كان هذا الوعد من اللّه لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون واتقوا الله،
فأمدهم بملاکته على ما وعدهم .
ذكر من قال ذلك :
٧٧٤٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن
إسحق قال ، حدثنى عبد الله بن أبى بكر ، عن بعض بنى ساعدة قال : سمعت
أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما أصيب بصره يقول : لو كنت معكم ببدر الآن

١٧٥
تفسير سورة آل عمران : ١٢٤، ١٢٥
ومعى بَصَرى، لأخبرتكم بالشّعب الذى خرجت منه الملائكة، لا أشُك ولا أتمارى.
٧٧٤٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحق ، وحدثنى
عبد الله بن أبى بكر ، عن بعض بنى ساعدة ، عن أبى أسيد مالك بن ربيعة ،
و کان شهد بدراً : أنه قال بعد إذ ذهب بصره : لو كنت معكم اليوم ببدر ومعی
بصرى ، لأريتكم الشُّعبَ الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارَى. (١)
٧٧٤٩ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحق قال ،
حدثنى عبد الله بن أبى بكر : أنه حُدِّث عن ابن عباس : أنّ ابن عباس قال :
حدثنى رجل من بنى غفار قال : أقبلت أنا وابن عمّ لى حتى أصعدنا فى جبل
يُشرف بنا على بدر ، ونحن مشركان ، ننتظر الوقعة، على من تكون الدَّبْرة فننتهِبُ
مع من ينتهب . (٢) قال : فبينا نحن فى الجيل ، إذ دنت منا سحابة ، فسمعنا فيها
حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم. (٣) قال: فأما ابن عمى
فانكشف قناع قلبه فمات مكانه ، (٤) وأما أنا فكدتُ أهلك، ثم تماسكت .(٥)
٧٧٥٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق قال ،
وحدثنى الحسن بن عمارة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن مقسم مولى عبد الله بن
الحارث ، عن عبد الله بن عباس قال: لم تُقاتل الملائكة فى يوم من الأيام سوى
يوم بدر ، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون.(٦)
٧٧٥١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، قال محمد بن إسحق ،
(١) الأثران : ٧٧٤٧، ٧٧٤٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٦، وانظره بإسناد آخر يأتى
برقم : ٧٧٧٧ مع اختلاف فى لفظه ، ومع نسبته إلى يوم أحد، لا يوم بدر. وانظر التعليق عليه هناك .
(٢) الدبرة ( بفتح الدال وسكون الباء، وبفتحتين أيضاً) والدابرة : الهزيمة فى القتال ، وهى
اسم من ((الإدبار)). يقال: على من الدبرة؟ أى الهزيمة. ثم يقال: لمن الدبرة ؟ أى لمن الدولة والظفر.
(٣) قوله: ((أقدم)) هى كلمة زجر تزجر بها الخيل، وأمرلها بالتقدم. وحيزوم: اسم
فرس من خيل الملائكة يومئذ. ويقال هو فرس جبريل عليه السلام. هذا وفى المخطوطة: ((إذ دهب منا
محابة)» وهو تصحيف .
(٤) قناع القلب: غشاؤه، تشبيهها له بقناع المرأة الذى تلبسه .
(٥) الأثر : ٧٧٤٩ - سيرة ابن هشام ٢ : ٢٨٥.
(٦) الأثر: ٧٧٥٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٦.

١٧٦
تفسير سورة آل عمران : ١٢٤، ١٢٥
حدثنى أبى إسحق بن يسار، عن رجال من بنى مازن بن النجار ، عن أبى داود المازنى ،
٥١/٤ وكان شهد بدراً قال: إنى لأتبعُ رجلامن المشركين يوم بدر لأضربه ، إذ وقع
رأسه قبل أن يصل إليه سيفى ، فعرفت أن قد قتله غيرى . (١)
٧٧٥٢ - حدثی ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، قال محمد ، حدثنى
حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة مولى ابن عباس قال :
قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب،
وكان الإِسلام قد دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ .
وكان العباس بهاب قومه ويكرَهُ أن يخالفهم ، وكان يكتم إسلامه ، وكان ذا مال
كثير متفرق فى قومه . وكان أبو لهب عدوّ اللّه قد تخلّف عن بدر وبعث مكانه
العاصىّ بن هشام بن المغيرة . وكذلك صنعوا ، لم يتخلّف رجل إلا بعث مكانه
رجلا . فلما جاء الخبرُ عن مُصاب أصحاب بدر من قريش كبته اللّه وأخزاه ،
ووجدنا فى أنفسنا قوة وعِزًّا. (٢) قال: وكنت رجلا ضعيفاً، وكنت أعمل القداح،
أنحتها فى حجرة زمزم ، فوالله إنى لجالس فيها أنحت القداح وعندى أم الفضل
جالسة ، وقد سرَّنًا ما جاءنا من الخبر ، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرُّ رجليه بشرٍّ
حتى جلس على طُنُب الحجرة، (٣) فكان ظهره إلى ظهرى. فبينا هو جالس إذ
قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم ! قال : قال
أبو لهب: هلُمّ إلىّ يا ابن أخى، فعندك الخبر! قال : فجلس إليه والناس
قيام عليه، فقال: يا ابن أخى أخبرنى، كيف كان أمرُ الناس ؟ قال: لا شىء
واللّه، إن كان إلا أن لقيناه فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا ! وايم الله،
(١) الأثر : ٧٧٥١ - سيرة ابن هشام ٢٨٦:٢
(٢) فى المطبوعة: ((قوة وعونة))، وليست بشىء، وفى المخطوطة ((قوه وعبدا)) وصواب قراءتها
ما أثبته من سيرة ابن هشام .
(٣) طنب الحجرة: جانبها المسدل. أخذ من طنب الخباء، وهو الحبل يشد به إلى الأرض.

١٧٧
تفسير سورة آل عمران : ١٢٥،١٢٤
مع ذلك ما لمتُ الناس ، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق ما بين السماء والأرض
ما تُلِيق شيئاً ، ولا يقوم لها شىء. (١) قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدى
ثم قلت : تلك الملائكة ! (٢)
٧٧٥٣ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن محمد قال ، حدثنى
الحسن بن عمارة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : كان
الذى أسر العباس أبو اليَسَركعب بن عمرو أخو بنى سليمة، (٣) وكان أبو اليسر
رجلا مجموعاً، (٤) وكان العباس رجلا جسيما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لأبى اليسر : كيف أسرت العباس أبا اليسر ؟! قال: يا رسول اللّه، لقد أعاننى
عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا! (٥) قال رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم: لقد أعانك عليه ملك كريم .(٦)
٧٧٥٤ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين))، أمدوا
بألف ، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف = (( بلى إن تصبروا
وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمدد كم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين))،
(١) يقال الكريم: ((فلان لا يليق شيئاً)) من ((ألاق))، أى: ما يحبس شيئاً ولا يمسكه.
ويقال للسيف: ((سيف لا يليق شيئاً))، أى: ما يرد ضربته شىء. وهذا الأخير هو المراد هنا. وكان
فى المطبوعة: ((ما يليق لها شىء)) بدل ما فى المخطوطة، إذ لم يفهمه. وأثبت ما فى المخطوطة والسيرة.
(٢) الأثر: ٧٧٥٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٠١، مع اختلاف يسير فى بعض اللفظ.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أبا اليسر ... أخا بنى سلمة))، وأثبت ما فى التاريخ، فهو
أجود عربية .
(٤) قوله: ((مجموعاً))، يعنى: قد اجتمع خلقه فلم يبسط ، وهو نقيض الجسيم ، كما يظهر
من سياق الأثر . ولم أجده فى كتب اللغة التى بين يدى .
(٥) فى المخطوطة: ((هيئته كذا، هيئته كذا))، وتركت ما فى المطبوعة على حاله، لأنه مطابق
لما فى التاريخ .
(٦) الأثر: ٧٧٥٣ - لم أجده فى المطبوع من سيرة ابن هشام، وهو فى تاريخ الطبرى ٢: ٢٨٨،
٢٨٩ .
ج ٧ ( ١٢ )

١٧٨
تفسير سورة آل عمران: ١٢٥،١٢٤
وذلك يوم بدر، أمدّ هم الله بخمسة آلاف من الملائكة .
٧٧٥٥ - حدثت عن عمار ، عن ابن أبى نجيح ، عن أبيه ، عن الربيع
بنحوه.
٧٧٥٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى ،
قال، حدثنى أبى، (١)عن أبيه، عن ابن عباس فى قوله: ((يمددكم ربكم
بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين))، فإنهم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم مسومين.
٧٧٥٧ - حدثنى محمد بن بشار قال، حدثنا سفيان ، عن ابن خثيم ،
عن مجاهد قال : لم تقاتل الملائكة إلاّ يوم بدر.
٠٠ ٠
وقال آخرون : إن الله عز وجلّ: إنما وعدهم يوم بدر أن يمدّهم إن صبروا
عند طاعته وجهاد أعدائه ، واتقوه باجتناب محارمه ، أن يمدهم فى حروبهم كلها ،
فلم يصبروا ولم يتقوا إلا فى يوم الأحزاب ، فأمدَّهم حين حاصروا قريظة .
* ذكر من قال ذلك :
٧٧٥٨ - حدثنى محمد بن عمارة الأسدى قال ، حدثنا عبيد الله بن موسى
قال ، أخبرنا سليمان بن زيد أبو إدام المحاربى، عن عبد الله بن أبى أوفى قال :
كنا محاصرى قريظة والنضير ما شاء الله أن نحاصرهم ، فلم يفتح علينا، فرجعنا،
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فهو يغسل رأسه، (٢) إذ جاءه جبريل صلى
اللّه عليه وسلم فقال: يا محمد، وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها ! فدعا
رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلفَّ بها رأسه ولم يغسله ، ثم نادى فينا فقمنا
(١) ((قال حدثنى أبى)) هذه، سقطت من المطبوعة، والصواب من المخطوطة، وهو إسناد دائر
فى التفسير .
(٢) فى المطبوعة: ((فبينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى بيته يغسل رأسه))، وهو تصرف
لاشك فيه من ناشر أو ناسخ آخر، فإن الذى فى المخطوطة: «فدعا رسول الّه صلى اله عليه وسلم فهو
يغسل رأسه))، لما سقط من الجملة قوله: ((بماء)، تصرف الناسخ، وما كان له أن يفعل! والصواب
كما أثبته، مطابقاً لما فى الخصائص الكبرى السيوطى وانظر البغوى (بهامشى ابن كثير) ٢: ٢٣٥.

١٧٩
تفسير سورة آل عمران : ١٢٥،١٢٤
كالّيْن مُعْيِينَ لا نعبأ بالسير شيئاً، (١) حتى أتينا قريظة والنضير. فيومئذ أمدنا الله
عز وجل بثلاثة آلاف من الملائكة ، وفتح اللّهُ لنا فتحاً يسيراً ، فانقلبنا بنعمة
من اللّه وفضل. (٢)
٠ ٠
وقال آخرون بنحو هذا المعنى ، غير أنهم قالوا : لم يصبر القوم ولم يتقوا ولم
يُمدوا بشىء فى أحد .
• ذكر من قال ذلك :
٧٧٥٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، حدثی عمرو بن دینار، عن عكرمة، سمعه يقول: (( بلی إن تصبروا
وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا))، قال : يوم بدر. قال : فلم يصبروا ولم يتقوا فلم
يمدوا يوم أحد، ولو مُدُّوا لم يُهزموا يومئذ.
(١) فى المخطوطة: ((فقمنا كالبر معين)) غير منقوطة، فلم يحسن الناشر أن يقرأها، فجعلها
فى المطبوعة: ((كالزمعين))، فجاء معلق على التفسير ففسر الكلمة تفسيراً لا يصلح أن يكون كلاماً
ههنا ، فخرج الكلام تصحيفاً وخلطاً معاً ! ! وأما السيوطى فى الخصائص الكبرى ، فالظاهر أنه لم
يحسن هو أيضاً قراءة المخطوطة ، أو كانت فى نسخة مصحفة عنده كمثل هذا التصحيف ، فأسقط الجملة
كلها وساق الكلام هكذا: ((فقمنا حتى أتينا بنى قريظة)). وكذلك فعل البغوى. وصواب القراءة هو
ما أثبت ، وهو مطابق لصفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مخرجهم إلى بنى قريظة . يقال
(( كل الرجل يكل من المشى فهو كال)): إذا بلغ منه التعب والإعياء، ويقال: ((أعى الرجل والبعير
وغيره يعبى إعياء فهو معي))، إذا أكله السير وطلحه وبرح به . يقول : فقمنا وقد بلغ منا ومن دوابنا
التعب .
(٢) الأثر: ٧٧٥٨ - أخرجه السيوطى فى الخصائص الكبرى !: ٢٣٣ نقلا عن ابن
جرير فى تفسيره هذا . و ((عبيد الله بن موسى بن أبى المختار العبسى))، مضت ترجمته برقم : ٥٧٩٦،
وكان فى المخطوطة والمطبوعة: (عبد الله بن موسى))، وهو خطأ. وأما ((سليمان بن زيد أبو إدام المحاربى))
فهو مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ١٥/٢/٢، وابن أبى حاتم ١١٧/١/٢، قال يحي بن
معين ((ليس بثقة، كذاب، ليس يسوى حديثه فلساً)). وقال النسائى: ((متروك الحديث)). وكان
فى المطبوعة: ((أبو آدم)) وهو خطأ، ومثله فى التهذيب فى ترجمته، وهو خطأ أيضاً صوابه ما أثبت من
المخطوطة. و((عبد الله بن أبى أوفى الأسلمى))، شهد بيعة الرضوان، ومات رضى الله عنه سنة ٨٨،
كما صححه الذهبى فى تاريخه .
وهذا الأثر، وإن كان إسناده لا يقوم ، فإن معناه يشبه أن يكون حقاً ، لموافقته ما جاءت به
الرواية عن غزوة بنى قريظة فى الروايات الصحيحة عن غير عبد الله بن أبي أوفى .
٠٢/٤

١٨٠
تفسير سورة آل عمران : ١٢٤، ١٢٥
٧٧٦٠ - حدثنا ابن بشارقال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان بن
عيينة، عن عمروبن دينار قال : سمعت عكرمة يقول: لم يمدوا يوم أحد ولا بملك
واحد = أو قال : إلا بملك واحد ، أبو جعفر يشك .
٧٧٦١ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، سمعت
عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: ((ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف))
إلى ((خمسة آلاف من الملائكة مسوّمين))، كان هذا موعداً من الله يوم أحد عرضه
على نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: أنّ المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة
آلاف من الملائكة مسوّمين؛ ففرّ المسلمون يوم أحد وولّوا مديرين، فلم يمدهم الله .
٧٧٦٢٠ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله:
((بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا)) الآية كلها. قالوا لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وهم ينظرون المشركين : يا رسول الله، أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم
بدر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة
آلاف من الملائكة منزلين)»، وإنما أمدكم يوم بدر بألف؟ قال : فجاءت الزيادة
من اللّه على أن يصبروا ويتقوا ، قال : بشرط أن يأتوكم من فورهم هذا يمددكم
ربكم ، الآية كلها .
٥
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : إن اللّه أخبر عن
نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة
آلاف من الملائكة؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مدداً لهم ، ثم وعدهم
بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله. ولا دلالة فى
الآية على أنهم أمِدُّوا بالثلاثة آلاف ولا بالخمسة آلاف ، ولا على أنهم لم يمدوا
بهم . وقد يجوز أن يكون اللّه عز وجل أمدهم، على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه
أمدهم = وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك ، ولا خبر