النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ فيه، (١) قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا! (٢) ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره ، فأنزل الله عز وجل فى ذلك من قولهم: (( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات اللّه)) إلى قوله: (((وأولئك من الصالحين)). (٣). ٧٦٤٥ - حدثنا أبو کریب قال ، حدثنا يونس بن بکیر ، (٤) عن محمد بن إسحق قال، حدثنى بن أبى محمد .ولى زيد بن ثابت قال ، حدثنى سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس بنحوه . (٢) ٧٦٤٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، (( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة)) الآية، يقول: ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية . (٥) ٧٦٤٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج: (( أمة قائمة))، عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية، (٦) ومبشر ، وأسَيْد وأسد ابنا كعب . ... وقال آخرون : معنى ذلك : ليس أهل الكتاب وأمة محمد القائمة بحق الله ، سواء عند الله . • ذكر من قال ذلك : (١) فى المطبوعة: ((ومنحرا فيه))، وفى المخطوطة: ((وصحوا)) غير منقوطة، وهى تصحيف لنذى أثبته من سيرة ابن هشام . (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أشرارنا)) كما أثبتها، والذى فى سيرة ابن هشام ((شرارنا)). وهی أجود . (٣) الأثران : ٧٦٤٤، ٧٦٤٥ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٦. (٤) فى المخطوطة والمطبوعة: ((يونس عن بكير))، وهو خطأ، وهذا إسناد كثير الدوران فى التفسير أقربه رقم : ٧٣٣٤. (٥) فى المخطوطة ((له فيهم ملله)) غير منقوطة، وتركت ما فى المطبوعة، لأنه وافق ما فى الدر المنشور ٢: ٦٤، ٦٥. (٦) فى المطبوعة: ((شمية))، وأثبت ما فى المخطوطة. ١٢٢ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ ٧٦٤٨ - حدثنى محمد بن عمروقال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، سن الحسن بن يزيد العجلى ، عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول فى قوله: ((ليسوا سواء من أهل الكتاب أمه قائمة))، قال: لا يستوى أهل الكتاب وأمةُ محمد صلى الله عليه وسلم. (١) ٧٦٤٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: (( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة))، الآية ، يقول : ليس هؤلاء اليهود ، كمثل هذه الأمة التى هى قائمة . قال أبو جعفر: وقد بينا أن أولى القولين بالصواب فى ذلك، قولُ من قال : قد تمت القصة عند قوله: ((ليسوا سواء))، عن إخبار اللّه بأمر مؤمنى أهل الكتاب وأهل الكفر منهم، وأنّ قوله: (( من أهل الكتاب أمة قائمة))، خبر مبتدأ عن مدح مؤدنهم ووصفهم بصفتهم ، على ما قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج. ويعنى جل ثناؤه بقوله: ((أمة قائمة))، جماعة ثابتةٌ على الحق . . . وقد دللنا على معنى (( الأمة)) فيما مضى بما أغنى عن إعادته . (٢) # # وأما ((القائمة)) ، فإن أهل التأويل اختلفوا فى تأويله. فقال بعضهم : معناها : العادلة . . ذكر من قال ذلك : (١) الحديث: ٧٦٤٨ - أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد. مضى فى: ٢١٥٥. عيسى : هو ابن ميمون الجرشى الكى . مضى فى : ٢٧٨. الحسن بن يزيد العجلى: تابعى ثقة . ذكره ابن حبان فى الثقات، وترجمه البخارى فى الكبير ، ٣٠٦/٢/١، وابن أبى حاتم ٤٢/٢/١ - فلم يذكرا فيه جرحاً . وهذا الحديث ذكره ابن كثير ٢ : ٢٢٤، عن ابن أبى نجيح ، غير منسوب لتخريج . وسيأتى له بقية بهذا الإسناد: ٧٦٦٠. وقد جمعهما السيوطى حديثاً واحداً ٢: ٦٥، كما سيأتى هناك (٢) انظر ما سلف قريباً ص: ١٠٦ والتعليق: ٢، وفيه المراجع. ١٢٣ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ ٧٦٥٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدث عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((أمة قائمة))، قال : عادلة . ٠ ٥ ٥ وقال آخرون : بل معنى ذلك : أنها قائمة على كتاب اللّه وما أمر به فيه . • ذكر من قال ذلك : ٧٦٥١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة فى قوله: ((أمة قائمة))، يقول: قائمة على كتاب الله وفرائضه وحدوده. ٧٦٥٢ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ((أمة قائمة))، يقول: قائمة على كتاب الله وحدوده وفرائضه . ٧٦٥٣ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((من أهل الكتاب أمة قائمة))، يقول : أمة مهتدية ، قائمة على أمر الله، لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيّعوه . ... وقال آخرون: بل معنى ((قائمة))، مطيعة . • ذكر من قال ذلك : ٧٦٥٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسبابك، عن السدى: ((أمة قائمة))، الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود كمثل هذه الأمة التى هى قانتة لله. و((القانتة))، المطيعة. ... قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك ، ما قاله ابن عباس وقتادة ومن قال بقولهما على ما روينا عنهم، وإن كان سائر الأقوال الأخر ٣٦/٤ متقاربة المعنى من معنى ما قاله ابن عباس وقتادة فى ذلك . وذلك أنّ معنى قوله : ((قائمة))، مستقيمة على الهدى وكتاب اللّه وفرائضه وشرائع دينه، والعدلُ والطاعةُ ١٢٤ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ وغير ذلك من أسباب الخير ، (١) من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك ، الخبرُ الذى رواه النعمان بن بشير ، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ٧٦٥٥ - (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة))، ثم ضرب لهم مثلا. (٢) فالقائم على حدود اللّه: هو الثابت على التمسك بما أمره الله به، واجتناب ما نهاهُ اللّه عنه. * قال أبو جعفر : فتأويل الكلام : من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب اللّه، متمسكة به، ثابتة على العمل بما فيه وما سن لهم رسوله صلى الله عليه وسلم. # (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((بالعدل والطاعة ... ))، وهو خطأ وفساد كبير فى السياق، والصواب ما أثبت، لأن الطبرى فسر (( قائمة)) بمعنى مستقيمة، ثم ذكر أقوال أهل التأويل التى قالوها قبل من (( العدل)) و((الطاعة)، ثم قال إنها ((من صفة أهل الاستقامة)). فهى بذلك داخلة فى معنى ((قائمة)) كما فسرها. (٢) الحديث: ٧٦٥٥ - هذا حديث صحيح، أشار إليه الطبرى إشارة، دون أن يذكره بيانه، ولم يذكر إسناده. وقد رواه أحمد فى المسند ٤: ٢٦٨ (حلى)، عن أبى معاوية ، عن الأعمش، عن الشعبى، عن النعمان بن بَشِير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ القائم على حدود الله تعالى، والمُدْهِنِ فيها، كَمَثَلِ قوم اسْتَهَمُوا على سَفِينة فى البحر فأصاب بعضُهم أُسْفَلها، وأصاب بعضُهم أَعْلَاها، فكان الذين فى أسفلها يَصْعَدُون فَيَسْتَنُون الماء ، فَيَعْدُبُّون على الذين فى أعلاها، فقال الذين فى أعلاها: لا نَدَعُكم تعتقدون فتؤْدُونتا، فقال الذين فى أسفلها: فإننا نَتَقُبُها من أسفلها فَنَسْتٍَ! قال: ﴿إِن أَخَذُه! مِى أَيدِهِم ◌َمَدَعُومِ ثَوْا جميعاً، وإن تركَومٍ غَرِقُوا جميعاً)). ١٢٥ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ القول فى تأويل قوله ﴿ يَتْلُونَ ،أَيَتِ اللهِ ، أَنَآءَ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (١) قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((يتلون آيات الله))، يقرأون كتاب اللّه آناء الليل. ويعنى بقوله: ((آيات الله))، ما أنزل فى كتابه من العبر والمواعظ. يقول : يتلون ذلك آناء الليل ، يقول : فى ساعات الليل فيتدبّرونه ويتفكرون فيه . ... وأما ((آناء الليل))، فساعات الليل، واحدها ((إنىٌ))، كما قال الشاعر: (١) حُلْوٌ وَمُرٌّ كَطْفِ القِدْحِ مُِّ فِى كُلِّ إِ حَذَاءِ الَّيْلُ ◌َنْتَعِلُ(٣) ثم رواه أحمد أيضاً ٤: ٢٦٩، عن يحيى بن سعيد، عن زكريا، و٢٧٠، عن إسحق بن يوسف، عن زكريا بن أبى زائدة ، و٢٧٣ - ٢٧٤، عن سفيان، عن مجالد - كلاهما ، أعنى زكريا ومجالد ، عن الشعبى ، عن النعمان بن بشير ، نحوه . ورواه البخارى ٥: ٩٤ (فتح) ، عن أبى نعيم ، عن زكريا ، عن الشعبى . ثم رواه أيضاً ه : ٢١٦: ٢١٧، عن عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن الشعبى ، به نحوه . (١) هو المتنخل الهذلى، ولكنه سيأتى فى الطبرى منسوباً إلى ((المنخل المدى)، وهو خطأ حققته فى موضعه بعد . (٢) ديوان الهذليين ٢: ٣٥، ومجاز القرآن ١: ١٠٢، وسيرة ابن هشام ٢: ٢٠٦، واللسان ((أنى))، وسيأتى من التفسير ١٦: ١٦٨ (بولاق)، من قصيدته فى رثاء ابنه أثيلة، والبيت فى صفة ولده ، وقد رواه ابن الأنبارى ، كما جاء فى اللسان : السَّالِكُ الثَّغْرَ تَخْشِيًّا مَوَارِدُهُ بِكُلِّ إِنِيٍ قَضَاءُ الََّلُ يَفْتَمِلُ فذكر الأزهرى رواية ابن الأنبارى، وقال : وأنشده الجوهرى ، ثم ساق البيت كما هو فى التفسير، ثم قال: ((ونسبه أيضاً للمنخل، فإما أن يكون هو البيت بعينه، أو آخر من قصيدة أخرى)). وهذا كلام لا شك فى ضعفه، والذى رواه ابن الأنبارى خلط خلطه من بيت آخر فى القصيدة ، أخطأ فى روايته . وهو قوله قبل ذلك بأبيات : مَْىَ الَلُوكِ عَلَيْها الخَيْعَلُ الفُضُلىُ السَّالِكُ النَّغْرَةَ تَقْظَانَ كَالِثُهَا ١٢٦ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ وقد قيل إنّ واحد(( الآناء )، ((إنّى)) مقصور، كما واحد ((الأمعاء)) ((مِعّى)). ٥٥٠ ٥ واختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم : تأويله : ساعات الليل ، كما قلنا . ذكر من قال ذلك : # ٧٦٥٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ((يتلون آيات الله آناء الليل))، أى : ساعات الليل. ٧٦٥٧ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال: ((آناء الليل))، ساعات الليل . ٧٦٥٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج، قال، عبد الله بن كثير: سمعنا العرب تقول: ((آناء الليل))، ساعات الليل . ٥ وقال آخرون: (( آناء الليل))، جوف الليل. ذكر من قال ذلك : ٧٦٥٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السامى: (يتلون آيات الله آناء الليل))، أما ((آناء الليل))، فجرف الليل . ولا معنى البيت الذى رواء فى التفسير، فإنه يعنى بقوله: ((حلو ومر))، أنه سهل لمن لاينه ، مر حل من عاشة، وقيلهو "كلف القدح))، يريد أنه يطوى كما يطوى القدح ثم يعود إلى شدته إسفات ، والمرة: القبة والشدة، ورواية الديوان والطبرى ((حذاء الليل)»، أى قطعه الليل حذاء ، بوفيه فى الغي بقوله: قضاءه، لأن معنى ((قضاء)): أى صنعه وقدره وفصله. وانتعل الليل: التك للا، بنى سرى فيه و غير حافل بما يلق. عطاء يعد كان في الطبيعة من التغير: ((قضاء الليل))، نقله ناشر من مكان غير التفسير ، لأن ى المخطوطة ((حداء)» غير منقوطة، فلم يعرف معناها، ولم يعرف صوابها فاستبدل بها ما أثبته من الثمان أو غيره . ١٢٧ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ وقال آخرون: بل عنى بذلك قومٌ كانوا يصلون العشاء الآخرة. (١) • ذكر من قال ذلك : . ٧٦٦٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن الحسن بن يزيد العجلى ، عن عبد الله بن مسعود فى قوله: ((يتلون آيات الله آناء الليل))، صلاة العَتّمة، هم يصلُّونها ، ومَنْ سِواهم من أهل الكتاب لا يصلّيها. (٢) ٧٦٦١ - حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، حدثنى يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن سليمان، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال : احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، کان عند بعص أهله ونسائه : فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ليلٌ ، فجاء ومنا المصلى ومنا المضطجع ، فبشَّرنا وقال : إنه لا يصلى هذه الصلاة أحدٌ من أهل الكتاب ! فأنزل الله: ((ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون)). (٣) (١) فى المطبوعة: ((العشاء الأخيرة))، والصواب من المخطوطة. (٢) الحديث: ٧٦٦٠ - هذا تتمة الحديث الماضى بهذا الإسناد: ٧٦٤٨، كما أشرنا هناك. وقد جمعهما السيوطى ٢: ٦٥ حديثاً واحداً، نسبه للفريابي، والبخارى فى تاريخه . وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم . ولم تر من هذه المصادر إلا ابن جرير ، وهو قد رواه مفرقاً حديثين ، كما ترى - وإلا التاريخ الكبير البخارى ، وهو لم يروه كله . بل روى هذا القسم الأخير وحده موجزاً كعادته ، فى ترجمة الحسن بن يزيد ٣٠٦/٢/١، قال: «قال محمد بن يوسف ، عن ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن الحسن بن يزيد العجل، عن ابن مسعود (يتلون آيات الله آناء الليل)، قال: صلاة العتمة. وروى عمر بن ذر، عن الحسن بن يزيد المجلى، مرسلا)». وانظر الحديثين بعد هذا . (٣) الحديث : ٧٦٦١ - عبيد الله بن زحر الضمرى الإفريقى: ثقة، وثقه البخارى فيما نقل عنه الترمذى ، كما فى التهذيب، وكذلك وثقه أحمد بن صالح ، فيما روى عنه أبو داود . وضعفه أحمد ، وابن معين، وابن المدينى. وروى ابن أبى حاتم ٣١٥/٢/٢ عن أبيه، أنه قال: ((لين الحديث)). وعن أبى زرعة، أنه قال: ((لابأس به، صدوق)). ولم يذكره البخارى ولا النسائى فى الضعفاء، ١٢٨ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ ٧٦٦٢ - حدثی یونس قال، حدثنا على بن معبد، عن أبى يحيى الخراسانى، عن نصر بن طريف ، عن عاصم ، عن زر بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ننتظر العشاء - يريد: العَتَمة - فقال لنا، ما على الأرض أحدٌ من أهل الأديان يتنظر هذه الصلاة فى هذا الوقت غيركم ! قال: فنزلت: ((ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون)). (١) ٠ ٠ ونرى أن من تكلم فيه إنما هو من أجل نسخة يرويها عن على بن يزيد الألهانى ، الحمل فيها على على بن يزيد . وانظر التهذيب . و(زحر)»: بفتح الزاى وسكون الحاء المهملة. سليمان : هو الأعمش . وأنا أخشى أن يكون قد سقط من هذا الإسناد ((عن عاصم)) - بين سليمان الأعمش وزر بن حبيش. فإن الأعمش لم يذكر أنه يروى عن زر، وإنما روايته عنه بواسطة ((عاصم بن أبى النجود)) وأقرانه من هذه الطبقة . والحديث سيأتى - نحوه - عقب هذا . وتخريجه هناك . (١) الحديث: ٧٦٦٢ - على بن معيد بن شداد العبدى. الرقى، نزيل مصر: ثقة، روى عنه أبو حاتم ووثقه. وقال الحاكم: ((شيخ من جلة المحدثين)). أبو يحيى الخراسانى: لم أعرف من هو، بعد طول البحث والتتبع. وفى كنية ((أبى يحيى))، وفى نسبة ((الخراسانى)) كثرة. نصر بن طريف ، أبو جزى القصاب الباهل: ضعيف جداً، أجمعوا على ضعفه . ترجمه البخارى فى الكبير (١٠٥/٢/٤، وقال: (سكتوا عنه، ذاهب))، وابن سعد ٤١/٢/٧، وقال: ((ليس بشىء، وقد ترك حديثه)). وقال يحيى: ((من المعروفين بوضع الحديث))؛ وذكره الفلاس فيمن ((أجمع عليه من أهل الكذب أنه لا يروى عنهم )) . وكنيته ((أبو جزى)): بفتح الجيم وكسر الزاى، كما ضبطه الذهبى فى المشتبه، ص ١٠٤ . والحديث ثابت ، بنحوه - بإسناد آخر صحيح ، يغنى عن إسنادى الطبرى هذين: فرواه أحمد فى المسند : ٣٧٦٠، عن أبى النضر وحسن بن موسى ، كلاهما عن شيبان ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود . وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ١: ٣١٢. وقال: ((رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار ، والطبرانى فى الكبير»، ثم ذكره بنحوه، بلفظ يكاد يكون لفظ الرواية الماضية : ٧٦٦١. ثم قال : (( ورجال أحمد ثقات ، ليس فيهم غير عاصم بن أبى النجود ، وهو مختلف فى الاحتجاج به . وفى إسناد الطبرانى عبيد الله بن زحر. وهو ضعيف)). وذكره السيوطى ٢: ٦٥، وزاد نسبته للنسائى، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم . ١٢٩ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ وقال آخرون : بل عُنى بذلك قومٌ كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء. • ذكر من قال ذلك : ٧٦٦٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثورى، عن منصور قال: بلغنى أنها نزلت: ((ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون))، فيما بين المغرب والعشاء. ٥ ٠ قال أبو جعفر : وهذه الأقوال التى ذكرتُها على اختلافها، متقاربة المعانى . وذلك أن الله تعالى ذكره وَصف هؤلاء القوم بأنهم يتلون آيات الله فى ساعات الليل ، وهى آناؤه ، وقد يكون تاليها فى صلاة العشاء تالياً لها آناء الليل ، وكذلك من تلاها فيما بين المغرب والعشاء ، ومن تلاها جوف الليل، فكل تالٍ له ساعات الليل. غير أن أولى الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال: ((عنى بذلك تلاوة القرآن فى صلاة العشاء))، لأنها صلاة لا يصلّيها أحد من أهل الكتاب))، فوصف الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم يصلونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بالله ورسوله . ٣٧/٤ وأما قوله: ((وهم يسجدون))، فإن بعض أهل العربية زعم أن معنى ((السجود)) فى هذا الموضع، اسم للصلاة لا للسجود، (١)لأن التلاوة لا تكون فى السجود ولا فى الركوع. فكان معنى الكلام عنده: يتلون آيات الله آناء الليل وهم يصلون. (٢) ٠ ٠ ٠ وليس المعنى على ما ذهب إليه ، وإنما معنى الكلام : من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل فى صلاتهم ، وهم مع ذلك يسجدون فيها ، فـ ((السجود))، هو ((السجود)) المعروف فى الصلاة. ٠٠ (١) فى المطبوعة: ((لا السجود))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) هذه مقالة القراء فى معافى القرآن ١ : ٢٣١. ج ٧ (١) ١٣٠ تفسير سورة آل عمران : ١١٤ القول فى تأويل قوله ﴿ يُؤْمِنُونَ بِأَشْهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُشْكَرِ وَيَسْرِعُونَ فِى الْغَيْرَتِ وَأَوْ لَنَّكَ مِنَ الصَّلِحِينَ ) (١) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل وعز: ((يؤمنون بالله واليوم الآخر))، يصدّقون باللّه وبالبعث بعد الممات، ويعلمون أن اللّه مجازيهم بأعمالهم ، وليسوا كالمشركين الذين يجحدون وحدانية الله، ويعبدون معه غيره ، ويكذبون بالبعث بعد الممات ، وينكرون المجازاة على الأعمال ، والثواب والعقاب . ٠ ٠ وقوله: ((ويأمرون بالمعروف))، يقول: يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله ، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به (١) = ((وينهون عن المنكر))، يقول: وينهون الناس عن الكفر بالله، وتكذيب محمد وما جاءهم به من عند الله، (٢) يعنى بذلك : أنهم ليسوا كاليهود والنصارى الذين يأمرون الناس بالكفر وتكذيب محمد فيما جاءهم به ، وينهونهم عن المعروف من الأعمال ، وهو تصديق محمد فيما أتاهم به من عند الله = ((ويسارعون فى الخيرات))، يقول : ويبتدرون فعل الخيرات خشية أن يفوتهم ذلك قبل معاجلتهم مناياهم. ٠ ٠٠ ثم أخبر جل ثناؤه أن هؤلاء الذين هذه صفتهم من أهل الكتاب ، هم من عداد الصالحين، (٣) لأن من كان منهم فاسقاً ، قد باء بغضب من الله لكفره بالله وآياته ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وعصيانه ربّه واعتدائه فى حدوده . (١) انظر تفسير ((المعروف)) فيما سلف ص: ١٠٥ تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((المنكر)) فيما سلف ص: ١٠٥ تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((الصالح)) فيما سلف ٣ : ٩١/ ٦: ٢٨٠. ١٣١ تفسير سورة آل عمران : ١١٥ القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرِ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمَتَّقِينَ ) ١١٥ قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأته عامة قرأة الكوفة: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرِ فَلَنْ يُكْفَرُوه)، جميعاً، ردًّا على صفة القوم الذين وصفهم جل ثناؤه بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ٥ وقرأته عامة قرأة المدينة والحجاز وبعض قرأة الكوفة بالتاء فى الحرفين جميعاً : ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرِ فَلَنْ تَكْفَرُوهُ)، بمعنى: وما تفعلوا، أنتم أيها المؤمنون، من خير فلن يكفُرَ كموه ربُكم. وكان بعض قرأة البصرة يرى القراءتين فى ذلك جائزاً بالياء والتاء ، فى الحرفين . ٠ ٠ قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك عندنا: ((وما يفعلوا، من خير فلن يُكفروه))، بالياء فى الحرفين كليهما ، يعنى بذلك الخبر عن الأمة القائمة التالية آيات الله . وإنما اخترنا ذلك، لأن ما قبل هذه الآية من الآيات ، خبر عنهم . فإلحاق هذه الآية = إذْ كان لا دلالة فيها تدل على الانصراف عن صفتهم = بمعانى الآيات قبلها ، أولى من صرفها عن معانى ما قبلها . وبالذى اخترنا من القراءة كان ابن عباس يقرأ . ٧٦٦٤ - حدثنى أحمد بن يوسف التغلبىّ قال، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا حجاج ، عن هرون ، عن أبى عمرو بن العلاء قال : بلغنى عن ابن عباس أنه كان يقرأهما جميعاً بالياء . (١) (١) الأثر: ٧٦٦٤ - ((أحمد بن يوسف التغلبى)) سلفت ترجمته فى رقم: ٥٩٥٤، وأما المطبوعة ١٣٢ تفسير سورة آل عمران : ١١٥ قال أبو جعفر : فتأويل الآية إذاً ، على ما اخترنا من القراءة : وما تفعل هذه الأمة من خير ، وتعمل من عملٍ لله فيه رضّ ، فلن يكفُرهم الله ذلك . يعنى. بذلك : فلن يبطل اللّه ثوابَ عملهم ذلك ، ولا يدعهم بغير جزاء منه لهم عليه ، ولكنه يُجزل لهم الثواب عليه، ويُسنى لهم الكرامة والجزاء. . . وقد دللنا على معنى ((الكفر)) فيما مضى قبل بشواهده، وأنّ أصله تغطية الشىء . (١) فكذلك ذلك فى قوله: (( فلن يكفروه)) ، فلن يغطى على ما فعلوا من خير ٣٨/٤ فيتركوا بغير مجازاة، ولكنهم يُشكرون على ما فعلوا من ذلك، فيجزل لهم الثواب فيه. . . وبنحو ما قلنا فى ذلك من التأويل ، تأوَّل من تأوَّل ذلك من أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك: ٧٦٦٥ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة : ((وما تفعلوا من خير فلن تكفروه))، يقول: لن يضلّ عنكم. ٧٦٦٦ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بمثله . * وأما قوله: ((والله عليم بالمتقين))، فإنه يقول تعالى ذكره: والله ذو علم بمن اتقاه ، لطاعته واجتناب معاصيه، وحافظٌ أعمالهم الصالحة حتى يثيبهم عليها ويجازيهم بها ، تبشيراً منه لهم جل ذكره فى عاجل الدنيا، وحضًا لهم على التمسك بالذى هم عليه من صالح الأخلاق التى ارتضاها لهم . ... فقد حذفت ((التغلبى))، لأن الناشر لم يحسن قراءة الكلمة، فإنها كانت فيها ((العلى)) غير منقوطة ولا بينة ، فحذفها الناشر . (١) انظر ما سلف ١: ٢٥٥، ٣٨٢، ٥٥٢، ثم ما بعد ذلك فى فهارس اللغة من الأجزاء السالفة . ١٣٣ تفسير سورة آل عمران : ١١٦ القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ كُنْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَهُهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُوْ لَنَِّكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهاَ ١ خُلِدُونَ﴾ (١٨) قال أبو جعفر : وهذا وعيدٌ من الله عز وجل للأمة الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب ، الذين أخبر عنهم بأنهم فاسقون، وأنهم قد باؤوا بغضب منه، ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله . يقول تعالى ذكره: ((إن الذين كفروا))، يعنى: الذين جحدوا نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وكذبوا به وبما جاءهم به من عند الله = ((لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئاً))، يعنى: لن تدفع أمواله التى جمعها فى الدنيا، وأولاده الذين ربّاهم فيها، شيئاً من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة، ولا فى الدنيا إِنْ عجَّلها لهم فيها. ٠ ٠ وإنما خصّ أولاده وأمواله، لأن أولاد الرجل أقربُ أنسبائه إليه ، وهو على ماله أقدر منه على مال غيره، (١) وأمرُه فيه أجوز من أمره فى مال غيره . فإذا لم یغن عنه ولده لصلبه ، وماله الذى هو نافذ الأمر فيه ، فغير ذلك من أقربائه وسائر أنسبائه وأموالهم ، أبعد من أن تغنى عنه من الله شيئاً. ٠٠٠ ثم أخبر جل ثناؤه أنهم هم أهل النار الذين هم أهلها بقوله: (( وأولئك أصحاب النار)). وإنما جعلهم أصحابها، لأنهم أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها، (١) فى المطبوعة: ((وهو على ماله أقرب ... ))، وهى فى المخطوطة شبيهة بها، إلا أنها سيئة الكتابة ، ولكن لا معنى لها ، والصواب ما أثبت ، فهو حق السياق . ١٣٤ تفسير سورة آل عمران : ١١٦، ١١٧ كصاحب الرجل الذى لا يفارقه، وقرينه الذى لا يزايله . (١) ثم وكل ذلك بإخباره عنهم أنهم (( فيها خالدون))، أنّ صحبتهم إياها صحبة لا انقطاع لها، (٢) إذْ كان من الأشياء ما يفارق صاحبه فى بعض الأحوال، ويُزايله فى بعض الأوقات ، وليس كذلك صحبة الذين كفروا النارَ التى أصْلُوها، ولكنها صحبة دائمة لانهاية لها ولا انقطاع. نعوذ بالله منها ومما قرَّب منها من قول وعمل. القول فى تأويل قوله ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَّةِ الدُّنياً كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهاَ صِرٌ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍظَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكْهُ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: شَبَهُ ما ينفق الذين كفروا ، أى : شَبَّهُ ما يتصدق به الكافرُ من ماله، (٢) فيعطيه من يعطيه على وجه القُربة إلى ربِّه وهو لوحدانية الله جاحد، ولمحمد صلى الله عليه وسلم مكذب، فى أن ذلك غير نافعه مع كفره، وأنه مضمحلّ عند حاجته إليه، ذاهبٌ بعد الذى كان يرجو من عائدة نفعه عليه = كشبه ريح فيها برد شديد ، أصابت هذه الريح التى فيها البرد الشديد = ((حرثَ قوم))، (٤) يعنى: زرع قوم قد أمَّلوا إدراكه، ورجَوْا رَيْهه وعائدة نفعه = ((ظلموا أنفسهم))، يعنى: أصحاب الزرع، عصوا اللّه وتعدَّوا حدوده == ((فأهلكته))، يعنى : فأهلكت الريح التى فيها الصرُّ زرعهم ذلك، بعد الذى كانوا عليه من الأمل ورجاء عائدة نفعه عليهم . (١) انظر تفسير (أصحاب النار)) فيما سلف ١: ٢٨٦، ٤/٢٨٧: ٥/٣١٧: ٤٢٩ /١٤:٦ (٢) فى المطبوعة أسقط ((أن)) من أول هذه العبارة، وهى ثابتة فى المخطوطة. وفيهما جمعياً بعد: ((إذا كان من الأشياء))، وصواب السياق ((إذ))، كما أثبتها. (٣) انظر تفسير (النفقة)) فيما سلف ٥: ٥٥٥، ٦/٥٨٠: ٢٦٥ (٤) انظر تفسير ((الحرث)) فيما سلف ٤: ٢٤٠، ٣٩٧ / ٦ : ٢٥٧ ١٣٥ تفسير سورة آل عمران : ١١٧ يقول تعالى ذكره : فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته فى حياته ، حين يلقاه، يبطل ثوابها ويخيب رجاؤه منها. وخرج المثل للنفقة، والمراد بـ ((المثل)) صنيعُ اللّه بالنفقة. فبيَّن ذلك قوله: ((كمثل ريح فيها صرٌّ))، فهو كما قد بينا فى مثله قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ [سورة البقرة: ١٧]، وما أشبه ذلك . قال أبو جعفر : فتأويل الكلام ، مثل إبطال الله أجرَ ما ينفقون فى هذه الحياة الدنيا، كمثل ريح فيها صر. وإنما جاز ترك ذكر (( إبطال الله أجر ذلك))، لدلالة آخر الكلام عليه، وهو قوله: ((كمثل ريح فيها صرٌّ))، ولمعرفة السامع ذلك معناه . واختلف أهل التأويل فى معنى ((النفقة)) التى ذكرها فى هذه الآية . فقال بعضهم : هى النفقة المعروفة فى الناس . • ذكر من قال ذلك : ٧٦٦٧ - حدثنى محمد بن عمروقال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((مثل ما ينفقون فى هذه الحياة الدنيا))، قال : نفقة الكافر فى الدنيا . ٣٩/٤ وقال آخرون : بل ذلك قوله الذى يقوله بلسانه ، مما لا يصدِّقه بقلبه . * ذكر من قال ذلك : ٧٦٦٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنى أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((مثل ما ينفقون فى هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته)» ، يقول : مثل ما يقول فلا يقبل ( ١) انظر ما سلف ١ : ٣١٨ - ٣٢٨. ١٣٦ : تفسير سورة آل عمران : ١١٧ منه ، كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون ، فأصابه ريح فيها صر ، أصابته فأهلكته . فكذلك أنفقوا ، فأهلكهم شيرْكهم . ٠ وقد بينا أولى ذلك بالصواب قبل . ٠ ٠ ٠ وقد تقدم بياننا تأويل ((الحياة الدنيا)) بما فيه الكفاية من إعادته فى هذا الموضع. (١) ٠ وأما(الصر)» فإنه شدة البرد، وذلك بعُصُوف من الشمال فى إعصار الطّلّ والأنداء، فى صبيحة مُعْتمة بعقب ليلة مصحية ، (٢) كما : - ٧٦٦٩ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن عثمان ابن غياث قال، سمعت عكرمة يقول: (( ريح فيها صر)»، قال: بردٌ شديد. ٧٦٧٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج ، قال ابن عباس: ((ربح فيها صر))، قال : برد شديد وزمهرير . ٧٦٧١ - حدثنا على بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية ، عن على ، عن ابن عباس قوله: ((ريح فيها صر))، يقول: برد . ٧٦٧٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن هرون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس: ((الصر))، البرد . ٧٦٧٣ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( کمثل ربح فيها صر ))، أى : برد شديد. ٧٦٧٤ - حدثت عن عمار، عن ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله . ٧٦٧٥ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى فى ((الصر))، البرد الشديد . (١) انظر ما سلف ١ : ٣١٤، ٣١٦. (٢) هذا البيان عن معنى ((الصر)) قلما تصيب مثله فى كتب اللغة. ١٣٧ تفسير سورة آل عمران : ١١٧ ٧٦٧٦ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنا عى قال ، حدثی أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: (( كمثل ريح فيها صر)) ، يقول : ريح فيها برد . ٧٦٧٧ - حدثییونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (( ربح فيها صر))، قال: ((صر))، باردة أهلكت حربهم . قال: والعرب تدعوها ((الضَّريب))، تأتى الريح باردة فتصبح ضريباً قد أحرق الزرع، (١) تقول : ((قد ضُرب الليلة )»، أصابه ضريبُ تلك الصر التى أصابته . ٧٦٧٨ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا جويبر، عن الضحاك : (( ربح فیها صر ))، قال : ريح فيها برد . .. اُللهُ وَلَكِنْ أَنَفْسَهُمْ W ٠٠٠٠٠ القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَاَ ظلمهُمُ يُظلِمُونَ﴾ (١٧) قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه : وما فعل الله بهؤلاء الكفار ما فعل بهم ، من إحباطه ثواب أعمالهم وإبطاله أجورها ظلماً منه لهم = يعنى : وضعاً منه لما فعل بهم من ذلك فى غير موضعه وعند غير أهله ، بل وضع فعله ذلك فى موضعه، وفعل بهم ما هم أهله . لأن عملهم الذى عملوه لم يكن لله وهم له بالوحدانية دائنون، ولأمره مُتبعون ، ولرسله مصدقون ، بل كان ذلك منهم وهم به مشركون ، ولأمره مخالفون ، ولرسله مكذبون، بعد تقدُّم منه إليهم أنه لا يقبل عملاً من عامل إلاّ مع إخلاص التوحيد له، والإقرار بنيوة أنبيائه ، وتصديق ما جاؤوهم به، وتوكيده الحجج بذلك عليهم . فلم يكن - بفعله ما فعل بمن كفر به وخالف أمره فى ذلك = بعد (١) الضريب: الصقيع والجليد. ١٣٨ تفسير سورة آل عمران : ١١٧، ١١٨ الإعذار إليه، (١) من إحباط وَفْر عمله = له ظالماً، بل الكافرُ هو الظالم نفسه، لإكسابها من معصية اللّه وخلاف أمره، ما أوردها به نار جهنم ، وأصلاها به سعير سقَرَ . (٢). القول فى تأويل قوله ﴿ يَأََّ الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُواْ بِطَنَةً مِّن دُونِّكُمْ لَا يَأَلُونَكُمْ خَلّ وَذُواْ مَاعَتِّمْ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، وأقروا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم = ((لا تتخذوا بطانة من دونكم))، يقول : لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم = ((من دونكم)) يقول: من دون أهل دينكم وملّتكم، يعنى من غير المؤمنين . وإنما جعل ((البطانة)) مثلا لخليل الرجل ، فشبهه بما ولى بطنه من ثيابه ، لحلوله منه - فى الطُّلاعه على أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقار به ــ محلّ ما ولىَ جَسده من ثيابه. ٤٠/٤ فنهى اللّه المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء ، ثم عرّفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوئل، فحذرهم بذلك منهم ومن (١) فى المطبوعة والمخطوطة: (الاعتذار إليه))، وهو خطأ صرف. وأعذر إعذاراً: أى بلغ الناية فى البلاغ، ومنه قولهم: ((أعذر من أنذر))، أى بالغ فى الإنذار حتى بان عذره، إذا أنزل بمن أنذره ما يسوده. وقوله: ((وفر عمله)) أى كثير عمله ووافره. و((الوفر)) (بفتح فسكون) . وكان فى المطبوعة ((وافر عمله))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) سياق الجملة: ((فلم يكن ... له ظالما)، وما بينهما فصل للبيان متعلق بقوله: ((ظالماً)) ولكنه مقدم عليه . ۔ ٠ ١٣٩ تفسير سورة آل عمران : ١١٨ مخالَّتهم، (١) فقال تعالى ذكره: ((لا يألونكم خبالا))، يعنى: لا يستطيعونكم شرًّاً، من ((ألوت آلوُ ألوا))، يقال: ((ما ألا فلان كذا))، أى: ما استطاع، كما قال الشاعر (٢): جَهْرَاهِ لا تَأُْو، إذَا هِىَ أَظْهَرَتْ، بَصَرًّا، وَلَا مِنْ عَيْلَةٍ تُغْنِى (٣) يعنى : لا تستطيع عند الظهر إبصاراً . ... وإنما يعنى جل ذكره بقوله: ((لا يألونكم خبالا))، البطانة التى نهى المؤمنين (١) فى المطبوعة: ((فحذرهم بذلك منهم عن مخاللتهم))، فك إدغام اللام وحذف الواو قبل ((عن))، وفى المخطوطة ((وعن مخالتهم))، والصواب فى قراءتها ما أثبت، إلا أن يكون سقط من الكلام ((نهاهم)) فيكون ((ونهاهم عن مخالتهم)). (٢) هو أبو العيال الهذلى . (٣) ديوان الهذليين ٢: ٢٦٣، الحيوان ٣: ٥٣٥، المعانى الكبير: ٦٩٠، الان (ألا) (جهر) . من شعر جيد فى مقارضات بينه وبين بدر بن عامر الهذلى، قال بدر بن عامر أبياتاً، حين بلغه أن ابن أخ لأبى العيال، أنه ضلع مع خصمائه، فانتفى من ذلك وزعم أنه ليس ممن يأتى سوءاً إلى أخيه أبى العيال، فكذبه أبو العيال ، فبادر بدر يرده . وكله شعر حسن فى معناه . فشبه أبو العيال شعر بدر فيه وفى الثناء عليه بالشاة فقال له : أبداً !! فَمَا هُذا الَّذِى يُنْسِ؟ أَفْسَمْتَ لا تَنْسَى شَابَ قَصِيدَةٍ تَبَعْ لَآَ بِيَةَ المِصَابِ زَبُونٍ فَلَسَوْفَ تَنْسَاهَا وَتَعْلَمُ أَنَّهَا فَإذَا بِهَا، وَأَبِكَ، طَيْفُ جُنُونٍ وَمَنَحْتَنِى فَرَضِيتُ زِئَّمَنِيحَتى جَهْرَاءَ لَا تَأْلُو والجهراء: هى التى لا تبصر فى الشمس، وهو ضعف فى البصر. ويقال: ((عال يعيل عيلا وعيلة)) افتقر. يقول: أهديت لى شعراً وثناء وقولا، فرضيته، ثم إذا هو لا شىء إلا قول وكلام ، إذا انكشف الأمر وظهر ، عمى هذا الشعر وانطفأ، وإذا جد الجد ، لم يغن قولك شيئاً ، بل كنت كما قلت لك آنفاً : فَإِذَا ، وأنتَ تُعِينُ من يَبْغِيْنِى)) (فَقَدَ رَمَقْتُكٍ فِ الْجَالِسِ كُلَّهَاَ ١٤٠ تفسير سورة آل عمران : ١١٨ عن اتخاذها من دونهم ، فقال : إن هذه البطانة لا تترككم طاقتها خبالا ، أى لا تدع جهدها فيما أورثكم الخيال.(١) ... وأصل ((الخبْل)) و((الخبال))، الفساد، ثم يستعمل فى معان كثيرة ، يدل على ذلك الخبرُ عن النبي صلى الله عليه وسلم: ٧٦٧٩ - ((من أصيب بخبْل = أو: جرّاح)). (٢) ٠ ٠ وأما قوله: (( ودوا ما عنِتُم ))، فإنه يعنى: ودوا عنتكم. يقول: يتمنون لكم العنّت والشر فى دينكم وما يسوءكم ولا يسرُّكم. (٣) وذكر أن هذه الآية نزلت فى قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودّة بالأسباب التى كانت بينهم فى جاهليتهم قبل الإسلام ، فنهاهم اللّه عن ذلك وأن يستنصحوهم فى شىء من أمورهم. ذكر من قال ذلك : # (١) لقد أبعد أبو جعفر المذهب فى احتياله فى تفسير ((لا يألونكم))، فإن بيان أهل اللغة عن معنى هذا الحرف من العربية، أصدق وأكمل من بيانه، فقد ذكروا المعنى الذى ذكره ثم قالوا: ((ما ألوت ذلك: أى ما استطعته؛ وما ألوت أن أفعله: أى ما تركت)) وقالوا: ((هى من الأضداد؛ ألا: فتر وضعف = وألا: اجتهد ))، فراجع ذلك فى كتب العربية . (٢) الأثر: ٧٦٧٩ - رواه أبو جعفر غير مسند؛ ورواه أحمد فى مسنده ٤: ٣١، والبيهقى فى السنن ٨: ٥٣، ورواية أحمد من طريق شيخه ((محمد بن سلمة الحرانى، عن ابن إسحق = ويزيد ابن هرون قال أنبأنا محمد بن إسحق = عن الحارث بن فضيل، عن فضيل ، عن سفيان بن أبى العوجاء - قال يزيد : السلمى - عن أبى شريح الخزاعى قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وقال يزيد : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -: من أصيب بدم أو خبل - الخيل: الجراح = فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : إما أن يقتص، أو يأخذ العقل ، أو يعفو ، فإن أراد رابعة فخذوا على يده ، فإن فعل شيئاً من ذلك ثم عدا بعد فقتل، فله النار خالداً فيها مخلداً)). يعنى بالدم : قتل النفس - وبالحبل أو الجراح: قطع العضو . وقد تركت ما فى الطبرى على حاله : ((أو جراح)) وبينت بالترقيم أنها كأنها رواية أخرى فى قوله: ((خبل))، شك من الراوى. ولكن سياق الخبر يرجح عندى أنها: ((أى: جراح))، لأنه قد جاء فى الحديث نفسه تفسير ((الخبل)) بالجراح. (٣) انظر تفسير ((العنت)) فيما سلف ٤ : ٣٥٨ - ٣٦١.