النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ تفسير سورة آل عمران : ١١٠ إلى المدينة خاصة ، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. • ذكر من قال ذلك : ٧٦٠٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال فى ((كنتم خير أمة أخرجت للناس ))، قال: هم الذين خرجوا معه من مكة . ٧٦٠٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية ، عن قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس))، قال : هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة . ٧٦٠٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر))، قال عمر بن الخطاب: لو شاء اللّه لقال: ((أنتم)) فكنا كلنا، ولكن قال: ((كنتم)) فى خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صنع مثل صنيعهم ، كانوا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . ٧٦٠٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج قال ، عكرمة : نزلت فى ابن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وأبىّ بن كعب، ومعاذ بن جبل . ٧٦١٠ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا مصعب بن المقدام ، عن إسرائيل ، عن السدى عمن حدثه: قال عمر: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس))، قال : تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا . ٧٦١١ - حدثنا الحسن بن یحی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائیل، عن سماك بن حرب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (( كنتم خير أمة أخرجت للناس))، قال: هم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.(١) (١) الأثر: ٧٦١١ - رواه أحمد فى المسند رقم: ٢٤٦٣، ٢٩٢٨، ٢٩٨٩، ٣٣٢١، ١٠٢ تفسير سورة آل عمران : ١١٠ ٧٦١٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب قال فى حجة حجتها ورأى من الناس رِعة سيئة، (١) فقرأ هذه: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس))، الآية . ثم قال : يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤدٌ شرط اللّه منها. (٢) ٧٦١٣ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك فى قوله: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس ))، قال : هم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، يعنى = وكانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم. (٣) ٠٠ وقال آخرون : معنى ذلك : كنتم خير أمة أخرجت للناس ، إذا كنتم بهذه الشروط التى وصفهم جل ثناؤه بها . فكان تأويل ذلك عندهم : كنتم خير أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه، أخرجوا للناس فى زمانكم. • ذكر من قال ذلك : ٧٦١٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن نجيح، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس ))، يقول: على هذا الشرط: أن تأمرُوا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله = يقول: لمن أنتم بين ظهرانيه، كقوله: ﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْ نَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَلَمِينِ﴾ [سورة الدخان: ٣٢]. ٧٦١٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٩٤، وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)»، ووافقه الذهبي. (١) الرعة (بكسر الراء وفتح أنعين) أصلها من الورع، مثل ((العدة)) من ((الوعد)). والرعة: الهدى وسوء الهيئة أو حسن الهيئة، أى هى بمعنى: الثأن والأمر والأدب. وفى حديث الحسن: ((ازدحموا. عليه فرأى منهم رعة سيئة فقال: اللهم إليك))، أى سوء أدب، لم يحسنوا الكف عما يشين. (٢) قوله: ((شرط الله منها))، أى شرط الله الذى طلبه منها . (٣) قد مضى تفسير معنى ((الرواة)) فى الأثر رقم ٧٥٩٧، والتعليق عليه. ١٠٣ تفسير سورة آل عمران: ١١٠ ابن جريج ، عن مجاهد قوله: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس)) ، قال يقول : كنتم خير الناس للناس على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف ، وتنهوا عن المنكر . وتؤمنوا بالله = يقول: لمن بين ظهريه، كقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ} [ سورة الدخان: ٣٢]. ٣٠/٤ ٧٦١٦ - وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن ميسرة ، عن أبى حازم ، عن أبى هريرة: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس ))، قال : كنتم خير الناس للناس ، تجيئون بهم فى السلاسل ، تدخلونهم فى الإسلام. (١) ٧٦١٧ - حدثنا عبيد بن أسباط قال، حدثنا أبى، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية فى قوله: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس))، قال: خيرَ الناس للناس. ... وقال آخرون: إنما قيل: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس))، لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام . . ذكر من قال ذلك : ٧٦١٨ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، (٢) حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، قال : لم تكن أمة أكثر استجابة فى الإسلام من هذه الأمة ، فمن ثم قال: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس)). (١) الأثر: ٧٦١٦ - أخرجه البخارى من طريق محمد بن سفيان عن ميسرة. (الفتح ٨ : ١٦٩) وقال الحافظ: ((ميسرة: هو ابن عمار الأشجعى، كوفى ثقة ماله فى البخارى سوى هذا الحديث وآخر تقدم فى بدء الخلق». و((أبو حازم)) هو ((سلمان الأشجعى الكوفى))، وفى الفتح ((سليمان)»، وهو خطأ وتصحيف، ولفظ البخارى: ((تأتون بهم فى السلاسل فى أعناقهم، حتى يدخلوا فى الإسلام» . وقد استوفى الحافظ فى هذا الموضع، الحديث عن معنى الآية، وذكر أكثر الآثار التى سلفت ، والتى ستأتى بعد . (٢) فى المطبوعة: ((عمار بن الحسين»، وهو خطأ، والسواب فى المخطوطة. ١٠٤ تفسير سورة آل عمران : ١١٠ وقال بعضهم : عنى بذلك أنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس . « ذكر من قال ذلك : ٧٦١٩ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ، عن الحسن فى قوله: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر))، قال : قد كان ما تسمعُ من الخير فى هذه الأمة . ٧٦٢٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان الحسن يقول: نحن آخرُها وأكرمُها على الله . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن ، وذلك أن : ٧٦٢١ - يعقوب بن إبراهيم حدثنى قال ، حدثنا ابن علية ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا إنكم وفيَّم سبعين أمَّة، أنتم آخرها وأكرمها على اللّه. ٧٦٢٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده : أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى قوله: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس))، قال: أنتم تتمُّون سبعين أمة، أنتم خيرُها وأكرمها على الله.(١) (١) الحديثان: ٧٦٢١، ٧٦٢٢ - هما حديث واحد بإسنادين. وقد مصى بالإسنادين معاً مجموعين ، برقم : ٨٧٣ . وقد خرجناه هناك مفصلا، وأشرفا إلى مواضعه هنا فى طبعة بولاق. ونزيد هنا أنه رواه أيضاً الحاكم فى المستدرك٤ : ٨٤، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، بالإسناد الثانى هنا. وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي. ثم أشار الحاكم إلى متابعة سعيد الجريرى، بروايته إياه عن حكيم بن معاوية. ثم رواه من طريق يزيد بن هرون ، عن الجريرى . ورواية الجريرى سبق أن خرجناها هناك من رواية أحمد فى المسند . وذكره الحافظ فى الفتح ٨ : ١٦٩، مشيراً إلى رواية الطبرى إياه، ثم قال: (( وهو حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذى وحسنه، وابن ماجة، والحاكم وصححه)). وقد ورد معناه أيضاً ، ضمن حديث مطول عن أبى سعيد الخدرى ، مرفوعاً ، رواه أحمد فى المسند : ١١٦٠٩ (ج ٣ ص ٦١ حلى). وإسناده صحيح. .. ١٠٥ تفسير سورة آل عمران : ١١٠ ٧٦٢٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذُكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم وهو مسند ظهره إلى الكعبة: نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة ، نحن آخرها وخيرُها . ... وأما قوله: ((تأمرون بالمعروف))، فإنه يعنى: تأمرون بالإيمان بالله ورسوله ، والعمل بشرائعه = ((وتنهون عن المنكر))، يعنى: وتنهون عن الشرك بالله. وتكذيب رسوله ، وعن العمل بما نهى عنه ، كما : - ٧٦٢٤ - حدثنا على بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس )). يقول: تأمرونهم بالمعروف: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، و((لا إله إلا الله))، هو أعظم المعروف = وتنهونهم عن المنكر، والمنكر هو التكذيب ، وهو أنكرُ المنكر . وأصل ((المعروف)) كل ما كان معروفاً فعله، جميلا مستحسناً . (١) غير مستقبح فى أهل الإيمان بالله، وإنما سميت طاعة الله ((معروفاً))، لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله . (٢) ٥ وأصل ((المنكر))، ما أنكره اللّه، ورأوه قبيحاً فعلُه. ولذلك سميت معصية اللّه ((منكراً))، لأنّ أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها، ويستعظمون رُكوبها. (٣) وقوله: ((وتؤمنون بالله))، يعنى: تصدّقون بالله، فتخلصون له التوحيد والعبادة. ٠ ٥ (١) فى المطبوعة: ((كل ما كان معروفاً، ففعله حميل مستحسن))، غير وا فض المخطوطة. فنا منهم أنه غير مستقيم ، وهو أحسن استقامة مما أثبتوا ! ! بل هو الصواب المحض . (٢) انظر تفسير ((المعروف)) فيما سلف قريباً ص: ٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك (٣) انظر تغير ((المنكر)) فيما ملف قريباً ص: ٩١. ١٠٦ تفسير سورة آل عمران : ١١٠ قال أبو جعفر: فإن سأل سائل فقال: وكيف قيل: ((كنتم خير أمة))، وقد زعمتَ أن تأويل الآية : أنّ هذه الأمة خيرُ الأمم التى مضت ، وإنما يقال : ((كنتم خير أمة))، لقوم كانوا خياراً فتغيّروا عما كانوا عليه ؟ قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه، وإنما معناه: أنتم خير أمة ، كما قيل: ﴿وَأَذْ كُرُوا إِذْ أَنْهُ قَلِيلٌ﴾ [سورة الأنفال: ٢٦]، وقد قال فى موضع آخر: ﴿وَاذْ كُرُوا إِذْكُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثََّكُمْ﴾ [سورة الأعراف: ٦ ((كان)) فى مثل هذا وإسقاطها بمعنى واحد، لأن الكلام معروف معناه. (١) ولو قال أيضاً فى ذلك قائل: ((كنتم))، بمعنى التمام ، كان تأويله: خُلقيم خير أمة = أو: وجدتم خير أمة ، كان معنى صحيحاً . ... وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى ذلك: كنتم خير أمة عند الله فى اللوح المحفوظ، أخرجت للناس . ٠٠٠ والقولان الأولان الأذان قلنا، أشبهُ بمعنى الخبر الذى رويناه قبلُ . ٠ وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أهل طريقة. وقال: ((الأمّة))، الطريقة .(٢) ٠ غريب ٧.ار شيربية بلجليون ( بر ٣٩/٤ -------- ( ١) انظر معال القرآن الفراء ١ : ٢٢٩. (٢) انظر تفسير (أمة ي فيا سلف ١: ٢٢١/ ثم هنا ص ٩٠، والمراجع هناك فى التعليق. ١٠٧ تفسير سورة آل عمران : ١١٠ القول فى تأويل قوله: ﴿وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ اَلْكِتْبِ لَكَانَ ٣١/٤ خَيْرًالَّهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَ كُثَرُهُمُ الْفُسِقُونَ﴾ (١) قال أبو جعفر : يعنى بذلك تعالى ذكره : ولو صدَّق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله، لكان خيراً لهم عند الله فى عاجل دنياهم وآجل آخرتهم = ((منهم المؤمنون))، يعنى: من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، المؤمنون المصدّ قُون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به من عند الله، وهم: عبد الله بن سلام وأخوه، وثعلبة بن سَعْة وأخوه، (١) وأشباههم ممن آمنوا بالله وصدقوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واتبعوا ما جاءهم به من عند الله = ((وأكثرهم الفاسقون))، يعنى : الخارجون عن دينهم. (٢) وذلك أن من دين اليهود اتباعُ ما فى التوراة والتصديقُ بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ومن دين النصارى اتباعُ ما فى الإنجيل ، والتصديق به وبما فى التوراة، وفى كلا الكتابين صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ومبعثه، (٣) وأنه نبى الله . وكلنا الفرقتين - أعنى اليهود والنصارى - مكذّبة، فذلك فسقهم وخروجهم عن عن دينهم الذى يدعون أنهم يدينون به، الذى قال جل ثناؤه: ((وأكثرهم الفاسقون)). ٠ ٥ وقال قتادة بما : - (١) فى المطبوعة: ((ثعلبة بن سعيد))، وهو خطأ، والصواب ما أثبته من المخطوطة و((سعية)) بالسين المهملة المفتوحة والياء المنقوطة باثنين. وسيأتى على الصواب فى خبر إسلامه وإسلام أخيه ، بعد قليل ، رقم : ٧٦٤٤ . (٢) انظر تفسيره ((الفق)) فيما سلف ١: ٤٠٩، ٢/٤١٠: ١١٨، ٤/٣٩٩: ١٣٥ - ١٤١/ ٦ : ٩١ (٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وفى كل الكتابين ... )»، وهو تحريف، والصواب ما أثبت. ١٠٨ تفسير سورة آل عمران : ١١٠، ١١١ ٧٦٢٥ - حدثنا بشربن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ((منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون))، ذم اللّه أكثر الناس. ٠ ٥ القول فى تأويل قوله : ﴿لَنْ يَضُرُّوَكُمْ إلََّ أَذِّى ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: لن يضركم ، يا أهل الإيمان بالله ورسوله ، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم وتكذيبهم نبيَّكم محمداً صلى الله عليه وسلم شيئاً = ((إلا أذى))، يعنى بذلك: ولكنهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم ، وقولهم فى عيسى وأمه وعزير ، ودعائهم إياكم إلى الضلالة ، ولن يضروكم بذلك .(١) ... وهذا من الاستثناء المنقطع الذى هو مخالف معنى ما قبله ، كما قيل : ((ما اشتكى شيئاً إلا خيراً))، وهذه كلمة محكية عن العرب سماعاً. وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. « ذکر من قال ذلك : ٧٦٢٦ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((لن يضروكم إلاّ أذى))، يقول: لن يضروكم، إلا أذى تسمعونه منهم. ٧٦٢٧ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ((لن يضروكم إلا أذى))، قال : أذى تسمعونه منهم . ٧٦٢٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن (١) فى المطبوعة: ((ولا يضروفكم))، وفى المخطوطة: ((ولا يضروكم))، والصواب هو ما أثبت. ١٠٩ تفسير سورة آل عمران : ١١١ ابن جريج قوله: ((لن يضروكم إلا أذى))، قال: إشراكهم فى عُزير وعيسى والصَّليب . ٧٦٢٩ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ، عن الحسن فى قوله: ((لن يضروكم إلا أذى)) الآية ، قال : تسمعون منهم كذباً على اللّه، يدعونكم إلى الضلالة . ٠٠ القول فى تأويل قوله: ﴿وَإِن يُقُتِلُوكُمْ يُؤْلُّوكُمُ الْأَذْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ) (١) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: وإن يقاتلكم أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى يهزموا عنكم ، فيولوكم أدبارهم انهزاماً . ٠٠٠ فقوله: ((يولوكم الأدبار))، كناية عن انهزامهم، لأن المنهزم يحوّل ظهره إلى جهة الطالب هرباً إلى ملجأ وموئل يثل إليه منه ، خوفاً على نفسه ، والطالبُ فى أثره. فدُبُر المطلوب حينئذ يكون محاذى وجه الطالب الهازِميه . = (( ثم لا ينصرون))، يعنى: ثم لا ينصرهم اللّه، أيها المؤمنون، عليكم، لكفرهم بالله ورسوله ، وإيمانكم بما آتاكم نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم . لأن الله عز وجل قد ألقى الرعب فى قلوبهم، فأيدكم أيها المؤمنون بنصركم.(١) . ٠ ٠ (١) فى المطبوعة: ((قد أتى الرعب فى قلوب كائدكم))، وهو تصحيح لما فى المخطوطة: ((قد ألتى الرعب فى قلوب فأيدكم))، وظاهر أن ((قلوب)) صوابها ((قلوبهم))، واستقام الكلام على ما فى المخطوطة . ١١٠ تفسير سورة آل عمران : ١١٢،١١١ وهذا وعدٌ من الله تعالى ذكره نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان، نصرَهم على الكفرة به من أهل الكتاب . وإنما رفع قوله: ((ثم لا ينصرون)) وقد جزم قوله: ((يولوكم الأدبار))، على جواب الجزاء، ائتنافاً للكلام ، لأن رؤوس الآيات قبلها بالنون ، فألحق هذه بها ، كما قال: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [سورة المرسلات: ٣٦]، رفعاً، وقد قال فى موضع آخر: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَمُوتُوا﴾ [ سورة فاطر: ٣٦]، إذْ لم يكن رأس آية . (١) ٥ القول فى تأويل قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذَّةُ أَيْنَ مَا ◌ُقِفُواْ إلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ ) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((ضُربت عليهم الذلة))، ألزموا ٣ الذلة. و((الذلة)) ((الفعلة)) من ((الذل))، وقد بينا ذلك بشواهده فى غير هذا الموضع. (٢) ٣٢/٤ . . ((أينما ثقفوا)) يعنى: حيمًا لقوا. (٣) ... يقول جل ثناؤه : ألزم اليهود المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم الذلة أينما كانوا من الأرض ، وبأى مكان كانوا من بقاعها ، من بلاد المسلمين والمشركين = (((إلا بحبل من اللّه وحيل من الناس))، كما : - ٧٦٣٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة قال ، حدثنا عوف ، عن (١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٢٩. (٢) انظر تفسير (ضربت عليهم الذلة)) فيما سلف ٢ : ١٣٦. (٣) انظر تفسير ((ثقف)) فيما سلف ٣ : ٥٦٤. تفسير سورة آل عمران : ١١٢ الحسن فى قوله: ((ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من اللّه وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة))، (١) قال: أدركتهم هذه الأمة ، وإن المجوس لتجبيهم الجزية . ٧٦٣١ - حدثی محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفی قال، حدثنا عباد ، عن الحسن فى قوله: ((ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من اللّه وحبل من الناس))، قال: أذلهم الله فلا مَنْعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين . ٠٠٠ وأما ((الحبل)) الذى ذكره الله فى هذا الموضع، (٢) فإنه السبب الذى يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم ، من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يُثْقَفوا فى بلاد الإسلام ، كما : - ٧٦٣٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((إلا بحبل من اللّه))، قال: بعهد = ((وحبل من الناس ))، قال : بعهدهم . ٧٦٣٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ((ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من اللّه وحبل من الناس))، يقول: إلاّ بعهد من الله وعهد من الناس . ٧٦٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله . ٧٦٣٥ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد ، عن عثمان بن غياث قال، (٣) عكرمة يقول: ((إلا بحبل من اللّه وحبل من الناس))، قال: بعهد من اللّه وعهد من الناس. (١) سقط من الناسخ: ((وباموا بغضب من الله))، ومضت على ذلك المطبوعة، فأثبت وجه التلاوة. (٢) انظر تفسير ((الحبل) فيما سلف قريباً ص: ٧٠، ٧١. (٣) فى المخطوطة: ((عثمان بن عتاب))، والصواب ما فى المطبوعة. ١١٢ تفسير سورة آل عمران : ١١٢ ٧٦٣٦ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط ، عن السدى : (( إلا بحبل من اللّه وحبل من الناس))، يقول: إلا بعهد من اللّه وعهد من الناس : ٧٦٣٧ - حدثت عن عمار قال: حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ((إلاّ بحبل من اللّه وحبل من الناس))، يقول: إلا بعهد من اللّه وعهد من الناس . ٧٦٣٨ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((أينما ثقفوا إلا بحبل من اللّه وحبل من الناس))، فهو عهد من الله وعهد من الناس، كما يقول الرجل: ((ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم))، فهو الميثاق . ٧٦٣٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: ((أينما ثقفوا إلاّ بحبل من اللّه وحبل من الناس))، قال : بعهد من اللّه وعهد من الناس لهم = قال ابن جريج ، وقال عطاء ، العهدُ حبلُ اللّه . ٧٦٤٠ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : (( أينما ثقفوا إلاّ بحبل من اللّه وحبل من الناس))، قال: إلا بعهد، وهم يهود. قال: والحبل العهد. قال: وذلك قول أبى الهيثم بن التَّيَّهان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أتته الأنصار فى العقبة: ((أيها الرجل، إنا قاطعون فيك حبالاً بيننا وبين الناس ))، يقول: عهوداً ، قال: واليهود لا يأمنون فى أرضٍ من أرض الله إلا بهذا الحبل الذى قال اللهعز وجل. وقرأْ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمٍ القِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران: ٥٥]، قال: فليس بلد فيه أحد من النصارى إلاّ وهم فوق يهود فى شرق ولا غرب، هم فى البلدان كلها مستذ ◌ُّون، قال الله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُ ١١٣ تفسير سورة آل عمران : ١١٢ فِى الْأَرْضِ أَمَاً﴾ [سورة الأعراف: ١٦٨]، يهود.(١) ٧٦٤١ - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك فى قوله: (( إلاّ بحبل من اللّه وحبل من الناس))، يقول: بعهد من اللّه وعهد من الناس . ٧٦٤٢ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا يزيد قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك مثله . قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية فى المعنى الذى جلب ((الباء)) فى قوله: ((إلاّ بحبل من اللّه وحبل من الناس))، فقال بعض نحوبى الكوفة: (٢) الذى جلب ((الباء)) فى قوله ((بحبل))، فعل مضمر قد تُرك ذكره. قال: ومعنى الكلام : ضُربت عليهم الذلة أينما ثقفوا ، إلاّ أن يعتصموا بحيل من اللّه = فأضمر ذلك ، واستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر: (٣) ٣٣/٤ رَأَنْنِ بِجَبْلَيْها فَصَدَّتْ تَخَافَةً وَفِ الحَبْلِ رَوْعَاءِ الْفُوَّادِ فَرُوقُ(٤) وقال : أراد : أقبلت بحيليها ، وبقول الآخر : (٥) (١) الأثر: ٧٦٤٠ - مضى مختصراً برقم: ٧١٥٥. (٢) هو الفراء، فى معانى القرآن ١: ٢٣٠. (٣) هو حميد بن ثور الهلالى . (٤) ديوانه: ٣٥، ومعانى القرآن للفراء ١: ٢٣٠، واللسان (نسع) و (فرق) وفى رواية البيت فى مادة (فرق) خطأ قبيح وتصحيف، صوابه ما فى التفسير هنا. وأما رواية الديوان فهى : فَجِثْتُ بِحَبْلَيْهَاَ، فَرَدَّتْ مَخَفَةً إِلى النَّفْسِ رَوْعَاءِ الجنانِ فَرُوقُ و((روعاء الجنان)): شديدة الذكاء، حية النفس، شهمة، كأن بها فزعاً من حدتها وخفة روحها. و ((فروق)): شديدة الفزع. لم يرد ذماً، ولكنه مدح ناقته بحدة الفؤاد، تفزع لكل نبأة من يقظتها، كما قالوا فى مدحها: ((مجنونة)). يقول ذلك فى ناقته: رأتنى أقبلت بالحبلين، لأشد عليها وحلى ، فصدت خائفة . يصفها بأنها كريمة لم تبتذلها الأسفار . ثم قال: فلما شددت عليها الرحل ، كانت فى الحبل ذكية شهمة ، تتوجس لكل نبأة من يقظتها وتوقدها . (٥) هو أبو الطمحان القينى، حنظلة بن الشرق، من فى كنافة بن القين . وهو أحد المعمرين وينسب هذا الشعر أيضاً لعدى بن زيد، والمسحاج بن سباع الضبى . ج ٧ (٨) ١١٤ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ حَنْذْنِ حَنِيَتُ الدَّهْرِ حَتّى كَأَنِى خَلٌ أَدْنُو لِصَيْدٍ(١) وَلَنْتُ مِقَيدًا، أَنَّى بِقِيْدِ قَرِيبُ الخَطْوِيَحْسِبُمَنْرَآنِی يريد : مقيداً بقيد . فأوجب إعمال فعل محذوف ، وإظهار صلته وهو متروك. (٢) وذلك فى مذاهب العربية ضعيف، ومن كلام العرب بعيد . وأما ما استشهد به لقوله من الأبيات ، فغير دالّ على صحة دعواه، لأن فى قول الشاعر: ((رأتنى بحبليها)) دلالة بينة فى أنها رأته بالحبل ممسكاً. ففى إخباره عنها أنها ((رأته بحبيليها))، إخبارٌ منه أنها رأته ممسكاً بالحبلين. فكان فيما ظهر من الكلام مستغنَّ عن ذكر ((الإمساك))، وكانت (الباء)) صلة لقوله: ((رأتنى))، كما قول القائل: (٢) ((أنا بالله))، مكتفٍ بنفسه ، ومعرفةِ السامع معناه، أن تكون ((الباء)) محتاجة إلى كلام يكون لها جالباً غير الذى ظهر، وأن المعنى: (( أنا بالله مستعين)). . .. (١) كتاب المعمرين: ٥٧، ومعانى القرآن الفراء ١: ٢٣٠، والأغانى ٢: ٣٥٣، ٣٥٦، وفيه أيضاً ١٢: ٣٤٧، وحماسة البحترى: ٢٠٢، وأمالى القالى ١: ١١٠، وأمالى الشريف ١: ٤٦، ٢٥٧، ومجموعة المعانى: ١٢٣، والمعانى الكبير: ١٢١٤؛ مع اختلاف كبير فى الرواية، واللسان ( ختل)، وغيرها . هذا ، وقد اقتصرت المطبوعة والمخطوطة على البيت الأول ، وهو عمل فاسد جداً ، وليس من فعل أبى جعفر بلا شك ، ولكنه من سهو الناسخ . لأن أبا جعفر نقل مقالة الفراء فى معانى القرآن، وإسقاط البيت الثانى ، وهو بيت الشاهد، فساد عظيم ، فأثبت البيت ، وأثبت أيضاً تعقيب الفراء عليه، وهو قوله: ((يريد مقيداً بقيد))، ولم أضع هذا بين أقواس ، لأن سهو الناسخ أمر مقطوع به بالدليل البين . وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((أحنو لصيد))، وهو تصحيف لا شك فيه. ذلك أن أبا جعفر إنما ينقل مقالة الفراء، وهو فى كتاب الفراء ، وفيها نقله عنه الناقلون فى المراجع السالفة ، هو الذى أثبته . هذا مع ظهور التصحيف وقربه ، ومع فساد معنى هذا التصحيف ، ومع فقدان هذه الرواية الغريبة. وقوله: ((خاتل))، يعنى صائداً، يقال: ((ختل الصيد))، أى: استتر الصائد بشىء ليرمى الصيد، فهو فى سبيل ذلك يمشى قليلا قليلا فى خفية ، لئلا يسمع الصيد حسه. فهذا هو الختل والمخاتلة . (٢) ((الصلة)) هنا: الجار والمجرور. (٣) فى المطبوعة: ((كما فى قول القائل)) بزيادة ((فى))، وهى أشد إفساداً للكلام من تصحيف هذا الناسخ فى بعض ما يكتب. وقوله: ((مكتف بنفسه)) خبر لقوله: ((كما قول القائل)) وقوله: «ومعرفة السامع)) معطوف على قوله: ((بنفسه)) أى: مكتف بنفسه وبمعرفة السامع معناه .. ١١٥ تفسير سورة آل عمران : ١١٢ وقال بعض نحوى البصرة، قوله: ((إلاّ بحبل من اللّه)) استثناء خارجٌ من أول الكلام. قال: وليس ذلك بأشد من قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَاَ لَغْوًّا إِلَا سَلَامًا} [سورة مريم: ٦٢] وقال آخرون من نحونى الكوفة : هو استثناء متصل، والمعنى: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا ، أى: بكل مكان = إلاّ بموضع حبل من الله ، كما تقول : : الذلة فى الأمكنة إلاّ فى هذا المكان . ضربت عليهم وهذا أيضاً طلب الحق فأخطأ المفصل . وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل ، ولو كان متصلا كما زعم ، لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بحبل من اللّه وحبل من الناس غير مضروبة عليهم المسكنة . وليس ذلك صفة اليهود ، لأنهم أينما ثقفوا بحبل من اللّه وحبل من الناس، أو بغير حبل من الله عز وجل وغير حبل من الناس، فالذلة مضروبة عليهم ، على ما ذكرنا عن أهل التأويل قبل . فلو كان قوله : ((إلا" بجبل من الله وحبل من الناس "، استثناء متصلا، لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بعهد وذمة أن لاتكون الذلةُ مضروبةً عليهم. وذلك خلاف ما وصفهم الله به من صفتهم، وخلافمصربه من الصفة، فقد تبين أيضاً بذلك فساد قول هذا القائل أيضاً . قال أبو جعفر : ولكن الانول عند أن ((الباء» فى قوله:« إلا" جبل من انه»، امساك لأن الكلام اللى كن الاستا منضرر ى التى والباء» . وذلك أن عى قيقة : ( شربت عليم الثان ذاتقوا)) ضويت مليم الذاه بكل مكان عقارات ثم قال : (( إلا" جبل من أوا يجعل من الناس) على غيروجه الاتصال بالأول، ولكنه على الانقطاع عنه ومعناه: ولكن يثقفين بحبل من الله وحبل من الناس، ء ١١٦ تفسير سورة آل عمران : ١١٢ كما قيل: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنَاً إِلََّ خَطَأْ﴾ [سورة النساء: ٩٢]، فالخطأ وإن كان منصوباً بما عمل فيما قبل الاستثناء ، فليس قوله باستثناء متصل بالأول بمعنى: ((إلا خطأ))، فإن له قتله كذلك = ولكن معناه: ولكن قد يقتله خطأ. فكذلك قوله: ((أينما ثقفوا إلاّ بحبل من الله، وإن كان الذیجلب ((الباء )) التى بعد ((إلا)) الفعل الذى يقتضيها قبل ((إلا))، فليس الاستثناء بالاستثناء المتصل بالذى قبله ، بمعنى : أن القوم إذا لُقوا ، فالذلة زائلة عنهم ، بل الذلة ثابتة بكل حال . ولكن معناه ما بينا آنفاً . ٥ القول فى تأويل قوله ﴿ وَآَهُو لِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَشْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بَّأَيْتِ اللهِ وَيْتُلُونَ اْأَنْيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره: ((وباؤوا بغضب من الله))، وتحمَّلوا غضب الله فانصرفوا به مستحقيه. وقد بينا أصل ذلك بشواهده، ومعنى ((المسكنة )) وأنها ذل الفاقة والفقر وخُشوعهما، ومعنى: ((الغضب من اللّه)) فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (١) ٠ ٥ وقوله: (( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله))، يعنى جل ثناؤه بقوله: (( ذلك))، أى: بوْءُهم الذى باؤوا به من غضب الله وضرْبُ الذلة عليهم ، بدل مما كانوا (١) انظر تفير ((باء)) فيما سلف ٢: ١٣٨، ٣٤٥. وتفسير ((غضب الله)) ١: ١٨٨، ٢/١٨٩: ١٣٨، ٣٤٥. وتفسير ((ضربت عليهم)) ٢: ١٣٦/ ١١٠:٧ وتفسير ((المسكنة))٢: ١٣٧، ٢٩٢، ٢٩٣ / ٣: ٤/٣٤٥: ٢٩٥. ١١٧ تفسير سورة آل عمران : ١١٢ يكفرون بآيات الله = يقول: مما كانوا يجحدون أعلام الله وأدلته على صدق أنبيائه ، وما فرض عليهم من فرائضه = ((ويقتلون الأنبياء بغير حق))، يقول: وبما كانوا يقتلون أنبياءهم ورسل الله إليهم، اعتداءً على اللّه وجرأة عليه بالباطل ، وبغير حق استحقوا منهم القتل . * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: ألزِموا الذلة بأى مكان لُقوا، إلا بذمة من الله وذمة من الناس ، وانصرفوا بغضب من الله متحمّليه ، وألزموا ذل الفاقة وخشوع الفقر ، بدلا مما كانوا يجحدون بآيات الله وأدلته وحججه ، ويقتلون أنبياءه بغير حق ظلماً واعتداء . الفول فى تأويل قوله ﴿ ذَلِكَ بِمَ عَصَواْ وَّ كَانُواْ يَنْتَدُونَ﴾ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فعلنا بهم ذلك بكفرهم ، وقتلهم الأنبياء ، ومعصيتهم ربّهم ، واعتدائهم أمرّ ربهم. ٠ وقد بينا معنى (( الاعتداء)) فى غير موضع فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية عن إعادته .(١) فأعلم رُّبنا جل ثناؤه عبادَه ما فعل :هؤلاء القوم من أهل الكتاب، من إحلال الذلة والخزى بهم فى عاجل الدنيا، مع ما ذخر لهم فى الآجل من العقوبة والنكال وألم العذاب، (٢) إذ تعادوا حدود الله واستحلوا محارمه = تذ كيراً منه تعالى ذكره (١) الدار ماسلف ٢: ٢/٣٠٧،١٦٧٠١٤٢: ٣٧٥، ٠٠٣٧٦ ٥٨٠٠٥٦٤ /٠٤ ٥٨٣ ١ ٥٨١، وغيرها . (٢) ق للطوبة: «ما أصدر ف))) بكنت ما ف الخطوة، وصاية فى المعنى. ٤ ٠ ١١٨ تفسير سورة آل عمران : ١١٣،١١٢ لهم، وتنبيهاً على موضع البلاء الذى من قراء أتوا لينيبوا ويذّكروا، وعظة منه لأمتنا أن لا یستنُوا بسنتهم ویر کبوا مناهجهم، (١) فيسلك بهم مسالکھم، وحل بهم من نقم اللّه ومثُلاتہ ما أحل بهم ، کما : - ٧٦٤٣ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة (((ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون))، اجتنبُوا المعصية والعدوان، فإن بهما أهلك منْ أُهْلك قبلكم من الناس . القول فى تأويل قوله ﴿لَيْسُواْ سَوَاءٍ مِّنْ أَهْلِ الْكِتْبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَخْلُون ، اَيْتِ اللهِ ،إِنَآءَ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجْدُونَ ) ) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه ((ليسوا سواء))، ليس فريقًا أهل الكتاب، أهل الإيمان منهم والكفر: سواء . يعنى بذلك : أنهم غير متساوين . يقول: ليسوا متعادلين، ولكنهم متفاوتون فى الصلاح والفساد، والخير والشر. (٢) وإنما قيل: ((ليسوا سواء))، لأن فيه ذكر الفريقين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله فى قوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَ كْثَرُهُ الفَسِقُونَ﴾،١) ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الفريقين عنده، المؤمنة منهما والكافرة فقال: ((ليسوا سواء))، أى : ليس هؤلاء سواء ، المؤمنون منهم والكافرون . ثم أبتدأ الخبرَ جل ثناؤه عن صفة الفرقة المؤمنة من أهل (١) فى المطبوعة: ((منها جهـ))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو أجود. (٢) انظر تفسير ((سواء)) فيما سلف ١ : ٢٥٦. (٣) هى الآية السالفة قبل قليل: ١١٠ من سورة آل عمران. ١١٩ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ الكتاب، ومدحَهم وأثنى عليهم ، بعد ما وصف الفرقة الفاسقة منهم بما وصفها به من الهلع، ونَخْب الجَنان، (١) ومحالفة الذل والصغار، وملازمة الفاقة والمسكنة، وتحمُّل خزى الدنيا وفضيحة الآخرة، فقال: ((من أهل الكتاب أمَّة قائمةٌ يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون))، الآيات الثلاث إلى قوله: ((والله عليم بالمتقين)). فقوله: (٢) ((أمة قائمة)) مرفوعةٌ بقوله: ((من أهل الكتاب)). وقد توهم جماعة من نحوبى الكوفة والبصرة والمقدَّمين منهم فى صناعتهم: (١) أن ما بعد ((سواء)) فى هذا الموضع من قوله: ((أمة قائمة))، ترجمةٌ عن ((سواء)) وتفسيرٌ عنه، (٤) بمعنى: لا يستوى من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وأخرى كافرة . وزعموا أنّ ذكر الفرقة الأخرى ، ترك اكتفاء بذكر إحدى الفرقتين، وهى ((الأمة القائمة))، ومثَّلوه بقول أبى ذؤيب : عَصَيْتُ إِلَيْهَا القَلْبَ: إِنِى لِأَمْرِهَاَ سَمِيعٌ، فَمَا أَدْرِى أَرُشْدٌ طِلَابُهاَ؟(٥) ولم يقل: ((أم غير رشد))، اكتفاء بقوله: ((أرشد)) من ذكر ((أم غير رشد))، وبقول الآخر : (٦) وَذُو الَهُمِّ قِدْمَا خَاشِعٌ مُتَضَائِلُ(٧) أَرَاكِ فَلَا أَدْرِى أَهَمِّ هَسَمْتُه ؟ ٥ (١) النخب (بفتح فسكون): الجبن وضعف القلب. ورجل منخوب الجنان ونخيب الجنان : جبان لا قلب له ، كأنه منتزع الفؤاد فلا فؤاد له . (٢) فى المطبوعة: ((قوله)) بغير فاء فى أولها، والصواب من المخطوطة. (٣) يعنى الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٣٠، ٢٣١، وهذا قريب من نص كلامه، وبعض شواهده . (٤) الترجمة: يعنى البدل، وانظر تفسير ذلك فيما سلف ٢: ٣٤٠، ٣٧٤، ٤٢٠، ٤٢٤، ٤٢٦، وغيرها من المواضع فى فهرس المصطلحات . (٥) سلف البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ١ : ٣٢٧. (٦) لم أعرف قائله . (٧) معانى القرآن الفراء ١: ٢٣١. وكان فى المطبوعة: ((أزال فلا أدرى ... »، وهو ١٢٠ تفسير سورة آل عمران : ١١٣ قال أبو جعفر : وهو مع ذلك عندهم خطأٌ قولُ القائل المريد أن يقول: ((سواء أقمتَ أم قعدت)) =: ((سواء أقمت))، حتى يقول: ((أم قعدت)). وإنما يجيزون حذف الثانى فيما كان من الكلام مكتفياً بواحد ، دون ما كان ناقصاً عن ذلك، وذلك نحو: ((ما أبالى)) أو ((ما أدرى))، فأجازوا فى ذلك: (( ما أبالى أقمت))، وهم يريدون: ((ما أبالى أقمت أم قعدت))، لاكتفاء ((ما أبالى)) بواحد = وكذلك فى ((ما أدرى)). وأبوا الإجازة فى ((سواء))، من أجل نقصانه، وأنه غير مكتفٍ بواحد ، فأغفلوا فى توجيههم قوله: (( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة)) على ما حكينا عنهم، إلى ما وجهوه إليه - مذاهبهم فى العربية = (١) إذْ أجازوا فيه من الحذف ما هو غير جائز عندهم فى الكلام مع ((سواء))، وأخطأوا تأويل الآية. فـ ((سواء)) فى هذا الموضع بمعنى التمام والاكتفاء ، لا بالمعنى الذى تأوّله من حكينا قوله . ٣٥/٤ وقد ذكر أن قوله: ((من أهل الكتاب أمة قائمة)) الآيات الثلاث ، نزلت فى جماعة من اليهود أسلموا فحسن إسلامهم . • ذكر من قال ذلك : ٧٦٤٤ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحق ، قال حدثنى محمد بن أبى محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سَعْية، وأسَيْد بن سعية، وأسد ابن عُبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدَّقوا ورغبوا فى الإسلام، ورسخوا لا معنى له، والصواب من المخطوطة ومعانى القرآن. ولست أدرى أيخاطب امرأة فيقول لها: إن الم يغلبنى إذا رأيتك، فأنا له خاشع متضائل = أم هو يريد الهم والفتك، فيقول: إن الذى يضمر فى نفسه شيئاً يهم به من الفتك، يخفى شخصه حتى يبلغ غاية ثأره بعدوه. ولا أرجح شيئاً حتى أجد إخوة هذا البيت (١) قوله: ((مذاهبهم)) مفعول ((فأغفلوا)). والسياق: فأغفلوا فى توجيههم قوله إلى ما وجهود إليه - مذاهبهم فى العربية ...