النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
تفسير سورة آل عمران : ١٠٣
٣٤/٤
ما عَرَض عليهم من الإسلام، وقالوا له: (١) إنا قد تركنا قومنا ولا قومَ بينهم
من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم فندعوهم
إلى أمرك، ونعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين ؛ فإن يجمعهم الله عليه
فلا رجل أعزّ منك. ثم انصرفوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم راجعين إلى
بلادهم، قد آمنوا وصدّقوا = وهم فيما ذكر لى ستة نفر. قال : فلما قدموا المدينة على
قومهم ، ذكرُوا لهم رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام حتى
قَشا فيهم، فلم تَبقَ دارٌ من دور الأنصار إلاّ وفيها ذكرٌ من رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم. حتى إذا كان العامُ المقبل، وافى الموسمَ من الأنصار اثنا عشر رجلاً ،
فلقوه بالعقبة، وهى العقبة الأولى . فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة
النساء ، (٢) وذلك قبل أن تُفترض عليهم الحرب. (٣)
٧٥٨٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن أيوب، عن عكرمة : أنه لقىَ النبى صلى الله عليه وسلم ستةُ نفرٍ من
الأنصار فآمنوا به وصدّقوه ، فأراد أن يذهبَ معهم ، فقالوا: يا رسول اللّه، إن
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((قالوا)) بإسقاط الواو، والصواب ما فى سيرة ابن هشام.
(٢) بيعة النساء، هى البيعة المذكورة فى [سورة الممتحنة: ١٢]، ونصها فيما رواه ابن إسحق
بإسناديه عن عبادة بن الصامت أنه قال ( ابن هشام ٢: ٧٥، ٧٦): «بايعنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم لَيَةَ العقبة الأولى على أن لا نُشْرك بالله شيئاً ، ولا نَسْرِق، ولا نزنى، ولا
نَقْتُل أولادَنا ، ولا نأتى بِيُهْتَانٍ نَفتريدِ من بين أيدينا وأرجُلنا، ولا نَّعْصِيه فى
معروفٍ = فإِن وَفُْ، فلَكُمُ الجنَّة . وإن غَشِيِمٌ من ذلك شيئاً فَأُخِذْتَم بحدِّه
فى الدنيا ، فهو كفَّارةُ لكم. وإن سترثم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله،
إِن شاء عذب وإن شاء غفر)). وهذه بيعة لم يذكر فيها القتال والجهاد، مما كتبه الله على
الرجال دون النساء، ولذلك سميت بيعة النساء ، لأنها مطابقة لبيعتهن المذكورة فى سورة الممتحنة.
(٣) الأثر: ٧٥٨٦ - سيرة ابن هشام ٢: ٦٩ - ٧٣، وهو تابع الأثر السالف رقم:
٧٥٨٥
ج ٧ (٦)

٨٢
تفسير سورة آل عمران : ١٠٣
بين قومنا حرباً، وإنا نخافُ إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذى تريدُ .
فوعدوه العامَ المقبل، وقالوا: يا رسول اللّه، نذهب، فلعلّ اللّه أن يُصْلح تلك
الحرب ! قال : فذهبوا ففعلوا، فأصلح الله عز وجل تلك الحرب، وكانوا يُرَوْن
أنها لا تَصْلُح= وهو يوم بعاثٍ. فلقوه من العام المقبل سبعين رجلاً قد آمنوا،
فأخذ عليهم النقباء اثنى عشر نقيباً، فذلك حين يقول: ((واذكروا نعمة الله عليكم
إذْ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم)).
٧٥٨٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل ، قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: أما ((إذا كنتم أعداء))، ففى حرب ابن ◌ُسمير (١)
= (( فألف بين قلوبكم))، بالإسلام.
٧٥٨٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان ، عن
معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة بنحوه = وزاد فيه : فلما كان من أمر عائشة ما
كان، (٢) فتثاوَر= الحيَّان، فقال بعضهم لبعض: "مَوْعدُكم الحَرَّة! فخرجوا
إليها، فنزلت هذه الآيةُ: ((واذكروا نعمةَ الله عليكم إذْ كنتم أعداء فألّف بين
(١) فى المخطوطة والمطبوعة ((فى حرب فألف ... )) أسقط ((ابن سمير))، وسيأتى نص قول
المدى ، كما أثبته بعد ص ٨٣ س : ٣
(٢) يعنى ما كان من حديث الإفك فى أمر عائشة أم المؤمنين، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لما خطب الناس فذكر لهم رجالا يؤذونه فى أهله ويقولون عليهن غير الحق، وتولى كبر ذلك رأس
النفاق عبد الله بن أبى ابن سلول فى رجال من الخزرج. فقام أسيد بن حضير الأومى فقال: يا رسول الله،
إن يكونوا من الأوس نكفيكهم ، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج ، فرنا بأمرك، فو الله إنهم لأهل
أن تضرب أعناقهم، فقام سعد بن عبادة الخزرجى، فقال: كذبت لعمر الله، لا تضرب أعناقهم! أما والله
ما قلت هذه المقالة إلا لأنك عرفت أنهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا ! فقال أسيد
ابن الحضير : كذبت لعمر الله: ولكنك منافق تجادل عن المنافقين ! وتشاور الناس حتى كاد أن
يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر (تاريخ الطبرى ٣: ٦٩).
هذا ولم أجد ذكر هذا الخبر فى كتاب ، ولم أجد فى كتب أسباب النزول أن هذه الآية نزلت
فى شأن عائشة رضى الله عنها، ولا ما كان يومئذ بين الأوس والخزرج. ولم يذكر ذلك أبو جعفر
مصرحاً فى هذا الموضع ، ولا ذكر ذلك فى تفسير سورة النور، حيث آيات حديث الإفك وبراءة
عائشة أم المؤمنين .

٨٣
تفسير سورة آل عمران : ١٠٣
قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً))، الآية. فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم
يزل يتلوها عليهم حتى اعتنق بعضهم بعضاً، وحتى إن لهم لجنيناً = يعنى البكاء.(١)
٠
((وُمير)) الذى زعم السدى أن قوله: ((إذ كنتم أعداء» عنى به حربه،
هو ◌ُسمير بن زيد بن مالك، (٢) أحد بنى عمرو بن عوف ، الذى ذكره مالك بن
العجلان فى قوله :
إِنَّ سُمَيْرًا، أَرَى عَشِرَتَهُ قَدْ حَدِبُواْدُونَهُ وَقَدْ أنْفُوا(٣)
إِنْ يَكُنِ الَّنَّ صَادِقِى ◌َبَنِ النَّجَّارِ لَمْ يَطْعَمُوا الَّذِىِ عُلِفُوا(٤)
(١) فى المطبوعة: ((لحنيناً)) بالحاء، وأما فى المخطوطة، فإن الناسخ على غير عادته نقط حروفها
المعجمة جميعاً، كما أثبتها، وهو الصواب الحض. والختين: تردد البكاء فى الأنف والخياشيم حتى
يصير فى الصوت مثل الغنة، لكمن البكاء من ألم وحياه وخجل. وقد ورد فى كثير من الأحاديث من
ذلك: ((أنه كان يسمع خنيته فى الصلاة))، وفى حديث أنس: ((فعلى أصحاب رسول الله صلى اجه
عليه وسلم وجومهم، لم خنين)).
(٢) فى الأغلفى ٣: ٤٠ ((سمير بن يزيد بن مالك))، وذكر فى ٣: ٢١ أنه أخو ((درهم بن
يزيد بن ضبيعة))، وقد رجحت فى التعليق على طبقات فحول الشعراء لابن سلام: ٢٤٧ تعليق : ٦
أنه ((درهم بن يزيد بن مالك)) من بنى ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمر بن عوف . وقد جاء
فى المطبوعتين ((درهم بن زيد)) كما جاء هنا فى ذكر أخيه ((سمير بن زيد)) ..
(٣) جمهرة أشعار العرب: ١٢٣، والأغانى ٢٠، والسان (سمر) وهذا البيت والذى يليه
كتب فى المطبوعة بالقاف ((أبقوا)) ثم ((علقوا)) وهما فى المخطوطة غير منقوطتين، وأوقعهم فى ذلك النقط
ما جاء فى الان (سمر)، ((أبقوا)) بالباء والقاف، وهو خطأ محض ينبغى تصحيحه. فقصيدة مالك
فائية لاشك فيها . رواها صاحب جمهرة أشعار العرب بطولها، ورواها أبو الفرج ، وروى معها
نقائضها، للرهم بن يزيد، ثم لقيس بن الخطيم، فيما بعد هذه الحرب بدهر، ورد حسان
ابن ثابت عليه ومناقضته له، وخبر هذا الشمر طويل، هوفى الأغانى ٣: ١٨ - ٢٦، ثم ٣٩ - ٤٢.
ثم انظر ما قاله الطبرى بعد الأيات .
وقوله: ((حدبوا درقه))، يقال: ((حدب عليه))، إذا تعطف عليه وحنا عليه. وقوله: ((دونه))،
عنى أنهم علقوا عليه وحاموا دونه يمنعوه. وقوله: ((أنفوا))، يقال: ((أنف الرجل من الشىء يأنف
أنفاً))، إذا حى وغضب، وأخذته الغيرة من أن يضام. وكان سمير هذا هو الذى قتل الرجل الثعلبى جار
مالك بن العجلان - فى خبر الحرب - فطالب مالك بنى عمرو بن عرف أن يرسلوا إليه سميراً ليقتله
بجاره، أو يأخذ الدية كاملة، فأبى أولتك، وأبى مالك ، وحدب بنو عمرو بن عوف على صاحبهم
سمير، واستنفر مالك قبائل الخزرج، فأبت بنو الحارث بن الخزرج أن تنصره، فقال هذه الأبيات
يحرض بنى النجار على نصرته .
(٤) فى رواية الجمهرة والأغانى: ((صادقاً)، وهما سواه. وفى شرح هذا البيت قال أبو الفرج فى

٨٤
تفسير سورة آل عمران : ١٠٣
وقد ذكر علماء الأنصار: أنّ مبدأ العداوة التى هيَّجت الحروب التى كانت
بين قبيلتيها الأوسِ والخزرجِ وأولها، كان بسبب قتل مولى لمالك بن العجلان
الخزرجىّ يقال له: ((الحرُّ بن ◌ُمَير)) من مزينة، (١) وكان حليفاً لمالك بن
العجلان ، ثم اتصلت تلك العداوة بينهم إلى أن أطفأها الله بنبيه محمد صلى الله
عليه وسلم. فذلك معنى قول السدى: ((حرْب ابن سمير)).
وأما قوله: ((فأصبحتم بنعمته إخواناً))، فإنه يعنى: فأصبحتم بتأليف الله عز
وجل بينكم بالإسلام وكلمة الحق، والتعاون على نصرة أهل الإيمان ، والتآزر على
من خالفكم من أهل الكفر، إخواناً متصادقين ، لاضغائن بينكم ولا تحاسد ،
كما :-
٧٥٩٠ - حدثنى بشرقال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
أغانيه: ((علفوا الضيم: إذا أقروا به. أى غظنى أنهم لا يقبلون الضيم))، وهذا مجاز قلما تظفر بتفسيره
فى كتب اللغة. وقد جاء مثل ذلك فى هذا المعنى من قول سبيع بن زرارة، أو خالد بن نفلة (الحماسة
١ : ١٨٦ ) .
إِذَا كُنْتَ فى قومٍ عِدّى لَنْتَمِنْهُمُ فَكُلْ مَا عُلِفْتُ من حيثٍ وَطَيّبٍ
وقول العباس بن مرداس (الحماسة ١: ٢٢٥)
ولا تَطْعَمَنْ مَا يَعْلِقُونَكُ إِنَّهُمْ أَتَوْكَ عُلىْ قُرْبَهُمْ، بِالنَّلِ
وكأنهم يريدون بذلك : ما يقدم إليك ، مما يكون حسن الظاهر كأنه رعاية وكرم ، خبيث الباطن
يراد به الأذى والضيم، واستعملوا ((العلف)) لأنه كالاستغفال لمن يقدم إليه، كأنه بهيمة لا تدرك
الخى الباطن .
هذا وقد ترك ناشر و هذا التفسير هذين البيتين على حالها من التصحيف . ثم جاء بعض المعلقين،
فكتب ما لا قبل لذى عقل بقبوله، إلا على قول القائل: ((فكل ما علفت))!
(١) لست على ثقة من هذا الاسم ((الحر بن سمير))، ولكنى لم أجده فى مكان آخر، والذى
يقولونه فى غير هذا الخبر أن اسمه (( كعب بن العجلان))، ويقال غير ذلك.

٨٥
تفسير سورة آل عمران: ١٠٣
قوله: ((فأصبحتم بنعمته إخواناً))، وذكر لنا أن رجلاً قال لابن مسعود : كيف
أصبحتم ؟ قال: أصبحنا بنعمة الله إخواناً .
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَكُنتُمْ عَى شَفَاَ حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
فَأَنْقَذَ كُمْ مِنْهاَ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وكنتم على شفا حفرة من النار))،
وكنتم ، يا معشر المؤمنين ، من الأوس والخزرج ، على حرف حُفرةٍ من النار .
وإنما ذلك مثَلٌ لكفرهم الذى كانوا عليه قبل أن يهديهم اللّه للإسلام. يقول تعالى ٢٥/٤
ذكره: وكنتم على طرف جهنم بكفركم الذى كنتم عليه قبل أن يُنعم الله عليكم
بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخواناً ، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن
تموتوا على ذلك من كفركم ، فتكونوا من الخالدين فيها ، فأنقذكم الله منها بالإيمان
الذیهدا کم له .
و(شفا الحفرة))، طرفها وَحرفها، مثل (شفا الركيَّة والبئر))؛ ومنه قول الراجز:
نَابِتَةٌ فَوْقَ شَفَاهَا بَعْلَةُ (١)
نَحْنُ حَفَرَنَا لِلْحَجِيجِ سَجْلَهُ
(١) لم أجد هذا الرجز بهذه الرواية فى كتاب غير هذا التفسير. أما ((سجلة)» فهى بئر المطعم
ابن عدى بن نوفل بن عبد مناف ، ويقال حفرها عدى بن نوفل ، ويقال حفرها هاشم بن عبد مناف ،
ويقال حفرها قصى. وقد ذكرها ابن هشام فى سيرته ٢ : ١٥٧، والأزرق فى تاريخ مكة ١ : ٦٤،
٦٥ / ٢ : ١٧٥، ١٧٦، والبلاذرى فى فتوح البلدان: ٥٥، ٥٦، والبكرى فى معجم ما استعجم:
٧٢٤، ومعجم البلدان ( مجلة)، والروض الأنف ١: ١٠١، وذكرها المصعب فى نسب قريش:
٣١، ١٩٧، ولم يذكر اسمها بل قال: ((سقاية عدى، الى بالمشعرين، بين الصفا والمروة، وفيها
يقول مطرود الخزاعى ، يمدح عدى بن نوفل :

٨٦
تفسير سورة آل عمران : ١٠٣
يعنى: فوق حرفها. يقال. (( هذا شفا هذه الركية)) مقصور ((وهما شفواها))
وقال: ((فأنقذكم منها))، يعنى فأنقذكم من الحفرة، فرد" الخبر إلى ((الحفرة))،
وقد ابتدأ الخبر عن ((الشفا))، لأن ((الشفا)) من ((الحفرة)). فجاز ذلك، إذ كان
الخبر عن ((الشفا)) على السبيل التى ذكرها فى هذه الآية = خبراً عن ((الحفرة))،
كما قال جرير بن عطية :
رَأَتْ مَرَّ السَِّينَ أَخَذْنَ مِنِّى كما أخَذِ الشَّرَارُ مِنَ الِهِلَالِ(١)
بِأَجْوَدَ سَيْباً من عَدِىّ بن نَوْقَلِ
وَمَا الِيلُ يَأْتِ بِالسَّمِينِ يَكُنُّ
لِحُجَّاجِ بَيْتِ اللهِ أَفْضَلَ مَنْهَلٍ
وأنبطْتَ بين المَشْعَرَيْنِ سِقايةٌ.
ونسب أبو الفرج فى أغانيه ١٣ : ٥ هذا الشعر لقيس بن الحدادية من أبيات . وأما الرجز الذى
يشبه هذا وذكروه فى المراجع السالفة ، فقد اختلف فى نسبته، إلى قصى، وإلى خلدة بنت هاشم ، تقول :
نَحْنُ وَهَبْنَاَ لِعَدِىِّ سَجْلَةَ فِى تُرْبةٍ ذَاتِ عَذَاةٍ سَهْلَهُ
تُرْوِى الحَجِيجِ زُغْلَةٌ فَزَغْلَهْ
أى جرعة فجرعة . ولم يتيسر لى تحقيق ذلك الآن بأكثر من هذا .
(١) ديوانه: ٤٢٦، مجاز القرآن: ٩٨، الكامل ١: ٣٢٤، وغيرها، وسيأتى فى التفسير
١٢: ١٢/٩٤: ١٩/١٠٩: ٣٩ (بولاق)، من قصيدة يهجو الفرزدق، لم تذكر فى نقائضهما،
يقول قبل البيت :
وَجْرِيِبِى، وَشَْيِبِ، وَاكْتِهَلِ
دَعِيْنِى ، إِنَّ شَيْبِ قَدْ نَهَآَنِى
رَأَتْ مَرَّ السِِّينِ ...
وَمَنْ يَبْقَى عَلَى غَرَضِ الْتَغَيَا وَأَيَّامٍ تَمُرُّ مَعَ الَيَالِ؟!
والسرار (بكسر السين وفتحها): آخر ليلة من الشهر، ليلة يستسر القمر، أى يختفى ، وأراد
جرير بالسرار فى هذا البيت : نقصان القمر حتى يبلغ آخر ما يكون هلالا ، حتى يخفى فى آخر ليلة ،
فهذا النقصان هو الذى يأخذ منه ليلة بعد ليلة، أما ((الرار)) الذى شرحه أصحاب اللغة، فهو ليلة
اختفاء القمر ، وذلك لا يتفق فى معنى هذا البيت
-

٨٧
تفسير سورة آل عمران : ١٠٣
فذكر: ((مر السنين))، ثم رجع إلى الخبر عن ((السنين))، وكما قال
العجاج : (١)
طَوَيْنَ طولِ وَطَوَيْنَ عَرْضٍِ(٢)
طُولُ الََّالِ أَسْرَعَتْ فِى نَقْضِى
وقد بيَّنتُ العلة التى من أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل . (٣)
٥
٠ ٥
وبنحو الذى قلنا فى ذلك من التأويل قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٧٥٩١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :
(( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته)»،
كان هذا الحىُّ من العرب أذلَّ الناس ذُلاً، وأشقاهُ عيشاً، (٤) وأبْيَنَه ضلالة، وأعراهُ
(١) وينسب للأغلب المجلى، كما سترى فى المراجع، وقال أبو محمد الأعرابى فى فرحة الأديب.
(( ليس هذا الرجز للأغلب، هو لغيره، من شوارد الرجز)).
(٢) ديوان العجاج: ٨٠، سيبويه ١: ٢٦، كتاب المعمرين: ٨٧، الأغانى ٩٨ :٠ ٠١٦٤
والبيان والتبيين ٤: ٦٠، والخزانة ٢: ١٦٨، العينى (هامش الخزانة) ٣: ٣٩٥، وشرح شواهد
المغنى : ٢٩٨ وغيرها. وقد اختلف فى رواية الرجز اختلاف كثير. ورواية أبى محمد الأعرابى:
مُتَفَّهَا، أَرُوحُ مِثْلَ الْنِقِضِ
أَصْبَحْتُ لا يَحْمِلُ بَعْضِى بَعْضِى
مَرُّ الَّالى .
مُمَّ الْتَحَيْنَ عَنْ عِظَامِ نَحْضِى
أَقْعَدْ نِ مِنْ بَعْدِ طُولِ نَهْضِ
المنفه : الذى غليه الكلال والإعياء. والنقض: البعير المهزول. التحى العود من الشجر: قشر
عنه لحاءه ، وهو قشره. والنحض: اللحم . يقول: تركته الليالى عظاماً، قد أكلت لحمه.
(٣) ٥ : ٧٧، ٧٨
(٤) قوله: ((وأشقاء عيشاً، وأبينه ضلالة ... )) مع عودة الضمير إلى (الناس))، لأن ضمير
المثنى والجمع بعد ((أفعل)» التفضيل، يجوز إفراده وتذكيره، انظر ما سلف من التعليق على الآثار
رقم : ٥٩٦٨ ، ٦١٢٩، ٧٠٢٨، ٧٠٢٩

٨٨
تفسير سورة آل عمران : ١٠٣
جلوداً، وأجوعَه بطوناً، مَكْمُوين (١)، على رأس حجر بين الأسدين فارس
والروم ، لا والله ما فى بلادهم يومئذ من شىء يحسدون عليه. مَنْ عاش منهم
عاش شقيًا، ومن مات رُدِّى فى النار، (٢) يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلاً
يومئذ من حاضر الأرض كانوا فيها أصغر حظًّاً، وأدق فيها شأناً ، منهم ، حتى
جاء اللّه عز وجل بالإسلام ، فورَّتكم به الكتاب ، وأحل لكم به دار الجهاد ،
ووضع لكم به من الرزق، (٣) وجعلكم به ملوكاً على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى
اللّه ما رأيتم، فاشكروا نِعَمه، فإن ربكم منعيمٌ يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر
فى مزيد الله، فتعانى ربُّنا وتبارك.
٧٥٩٢ -حدثی المنی قال،حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر،
:
عن أبيه، عن الربيع بن أنس قوله: ((وكنتم على شفا حفرة من النار)) ، يقول :
كنتم على الكفر بالله = ((فأنقذ كم منها))، من ذلك، وهداكم إلى الإسلام
٧٥٩٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها)) ،
بمحمد صلى الله عليه وسلم. يقول: كنتم على طرف النار، من مات منكم أوبيق
فى النار، (٤) فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فاستنقذكم به من تلك الحفرة.
(١) فى المطبوعة: ((معكومين))، والصواب من المخطوطة: كعم فم البعير وغيره شد فاه فى حياجه
لئلا يعضر. ومنه قيل: ((كعبه الخوف فهو مكعوم)»، أمسك فاه، ومنعه من النطق، وفى حديث على :
((فهم بين خائف مقموع، وساكت مكعوم))، وفى شعر ذى الرمة يصف صحراء بعيدة الأرجاء، يخافها سالكها:
بَيْنَ الرَّجَا والرَّجَا مِن جَنْبِ وَاصِيَةٍ يَهْمَاءَ، خَبِطُهَا بالخوف مَكْمُومُ
(٢) ردى فى النار: ألتى فيها.
(٣) هكذا جاءت الجملتان فى المخطوطة، ولست على ثقة من صوابها، ولا أدرى ما يعنى بقوله:
((دار الجهاد))، والذى نعرف أن الإسلام جاء فأحله للمجاهدين هو ((الغنائم)) غنائم الحرب والجهاد.
فأخشى أن يكون فى الكلام تحريف. وقوله: ((ووضع لكم به من الرزق)) كأنه يمنى بقوله: ((وضع))
بسط، كما فسروه فى حديث التوبة: (( إن الله واضع يده لمىء الليل ليتوب بالنهار ، ولمسىء النهار
ليتوب بالليل)»، أى بسط، كما جاء فى الرواية الأخرى: ((إن الله باسط يده ... )).
(٤) أوبقه: أملكه، وقوله: ((أو بق)) بالبناء المجهول.

٨٩
تفسير سورة آل عمران : ١٠٣
٧٥٩٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
حسن بن حىّ: ((وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها))، قال: عصبية.(١)
القول فى تأويل قوله ﴿كَذَلِكَ يَبُِّ اللهُ لَكُمْءِيَتُهِ لَلَّكُمْ
تَهْدُونَ﴾
١٠٣
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((كذلك))، كما بيَّن لكم ربكم فى
هذه الآيات ، أيها المؤمنون من الأوس والخزرج، من غِلّ اليهود الذى يضمرونه
لكم، (٢) وخشهم لكم، وأمره إياكم بما امركم به فيها، ونهيه لكم عما نهاكم عنه، والحال
التى كنتم عليها فى جاهليتكم، والتى صرتم إليها فى إسلامكم = (٤) مُعَرَّفَكم فى كل ذلك
مواقع نعمة قبلكم وصنائعه لدیکم-(٤) فكذلك يبين سائر حججه لكمفى تنزيله وعلى
لسان رسوله صلى الله عليه وسلم- ((لعلكم تهتدون))، يعنى: لنهدوا إلى سبيل الرشاد
وتسلكوها ، فلا تضلوا عنها . (٥)
٢٦/٤
٠ ٠
(١) الأثر: ٧٥٩٤ - ((الحسن بن حى))، هو: ((الحسن بن صالح بن صالح بن حى،
وهو حيان، الهمدانى)) قال البخارى: ((يقال: جى، لقب))، وكان فى المطبوعة: ((حسن بن
يحيى))، والصواب فى المخطوطة، وهو مترجم فى التهذيب.
(٢) فى المطبوعة: ((من علماء اليهود ... ))، وهو فاسد جداً، والصواب فى المخطوطة،
. ولكنه لم يحسن قرامتها ((من على)) غير منقوطة. والغل (بكسر الغين): الحقد الدفين.
(٣) سياق الجملة: كما بين لكم فى هذه الآيات ... من غل اليهود ... ومن غثهم ....
ومن أمره ... ومن تهيه ... ومن الحال التى كنتم عليها ... )) معطوف بعضه على بعض.
(٤) فى المطبوعة: ((يعرفكم)) بالياء فى أوله، والصواب ما فى المخطوطة، وهو منصوب الفاء،
قصب على الحال .
(٥) عند هذا الموضع، انتهى الجزء الخامس من مخطوطتنا، وفى آخره ما نصه:

٩٠
تفسير سورة آل عمران : ١٠٤
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَشَكُن مِّنَكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْغَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِآلْمَعْرُوفِ وَيْهَوْنَ عَنِالُْشْكَرِ وَأُوْ لَِّكَ مُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (
١٠٤
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((ولتكن منكم)) أيها المؤمنون= ((أمة))،
يقول: جماعة(١) = ((يدعون)) الناس = ((إلى الخير))، يعنى إلى الإسلام وشرائعه
(( نَجَزَ الجزء الخامس من كتاب البيان، بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه ،
وأعان الله على ما بعده بمنه وكرمه، وخفىّ لطفه وسعة رحمته، إنّه وَلِىّ ذلك والقادرُ
عليه. يتلوه فى السادس إنْ شاء الله تعالى: القول فى تأويل قوله: ﴿وَلْتَكُنْ
مِنَكُمْ أمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ .
٠
٥
وكان الفراغُ منه فى شهر الله المحرّم غُرّة سنة خمس عشرة وسبعمئة، أحسن
الله تَقَضِّبها وخاتمتها فى خير وعافية ، بمنّه وكرمه ولطفه ــ على يدِ العبد الفقير إلى
رحمة مولاه، الغنىِّ به عمن سواه : علىّ بن محمد بن عباد (أو : عنان) بن
عبد الصمد بن صالح الدمديلى (؟؟) الشافعى، غفر الله له ولوالديه ، ولصاحب هذا
الكتاب، ولمن قرأ فيه ودعا لهم بالتوبة والمغفرة ورضى الله تعالى والجنة ، والجميع
المسلمين . وذلك بالقاهرة المحروسة ، بحارة المطوفة .
الحمد لله رب العالمين)»
ثم يتلوه الجزء السادس ، وأوله :
((بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ أُعِنْ))
(١) انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف ١: ٣/٢٢١: ٧٤، ١٠٠، ١٢٨، ١٤١ ،
٢٧٥ - ٢٧٧ ٠

٩١
تفسير سورة آل عمران : ١٠٤
التى شرعها الله لعباده(١) = (( ويأمرون بالمعروف))، يقول: يأمرون الناس باتباع محمد
صلى الله عليه وسلم ودينه الذى جاء به من عند الله (٢) = ((وينهون عن المنكر))،
يعنى : وينهون عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد وبما جاء به من عند الله، بجهادهم
بالأيدى والجوارح حتى ينقادوا لكم بالطاعة .
وقوله: (( وأولئك هم المفلحون))، يعنى المنجحون عند الله الباقون فى جناته ونعيمه.
وقد دللنا على معنى ((الإفلاح)) فى غير هذا الموضع ، بما أغنى عن إعادته
ههنا . (٣)
٧٥٩٥ - حدثنا أحمد بن حازم قال ، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عيسى
ابن عمر القارئ، عن أبى عون الثقفى: أنه سمع صُبيحاً قال: سمعت عثمان يقرأ :
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمُ أُمَّهُ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الُشْكَرِ وَيَسْتَعِينُونَاللهَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾.(٤)
٧٥٩٦ - حدثنى أحمد بن حازم قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا ابن
(١) انظر تفسير ((الخير)» فيما سلف ٢ : ٥٠٥ .
(٢) انظر تفسير ((المعروف)) فيما سلف ٣: ٤/٢٩٣: ٥٤٧، ٥٤٨ / ٥ : ٤٤، ٧٦ ،
٠
٩٣، ٥٢٠،١٣٧
(٣) انظر ما سلف ١: ٢٤٩، ٣/٢٥٠: ٥٦١.
(٤) الأثر: ٧٥٩٥ - ((عيسى بن عمر الأسدى)) المعروف بالهمدانى، القارئ الأعمى
صاحب الحروف، كوفى ثقة. مترجم فى التهذيب وطبقات القراء ١: ٦١٢. ((أبو عون الثقفى)) هو:
((محمد بن عبيد الله بن سعيد)) الأعور، كوفى تابعى ثقة. مترجم فى التهذيب، وطبقات القراء ٢ : ١٩٤.
أما ((صبيح))، فلم أجد له ترجمة إلا فى الجرح والتعديل لابن أبى حاتم ٤٤٩/١/٢ قال: «صبيح ،
قال سمعت عثمان يقرأ: ((ولتكن منكم أمة يهذون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
ويستعينون الله على ما أصابهم. روى عيسى بن عمر القارئ، عن أبى عون، عنه)). ولم يزد على ذلك،
وفى الجرح كما ترى ((يهدون إلى الخير)) على غير ما جاء فى الطبرى، فإنه يوافق القراءة الموروثة. وفى
التاريخ الكبير البخارى ((صبيح بن عبد الله العبسى)) أنه قال: ((استعمل عمان أبا سفيان بن الحارث
على الفروض))، ولست أستطيع أن أرجح أنهما رجل واحد. وانظر الدر المنثور ٢: ٦١، ٦٢.

٩٢
تفسير سورة آل عمران ١٠٤، ١٠٥
عيينة ، عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن الزبير يقرأ ، فذكر مثل قراءة عثمان
التى ذكرناها قبل سواءً .
٧٥٩٧ - حدثنا يحيى بن أبى طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر ،
عن الضحاك: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر))، قال: هم خاصة أصحاب رسول اللّه، وهم خاصَّة الرواة. (١)
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ
مِنْ بَعْدِ مَا جَاءُهُمُ الْبَّنَّتُ وَأَوَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٢٠)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((ولا تكونوا))، يا معشر الذين آمنوا =
(( كالذين تفرقوا)) من أهل الكتاب = ((واختلفوا)) فى دين الله وأمره ونهيه = (( من
بعد ما جاءهم البينات))، من حجج اللّه فيما اختلفوا فيه ، وعلموا الحق فيه فتعمدوا
خلافه، وخالفوا أمرَ الله، ونقضوا عهده وميثاقه جراءة على اللّه = ((وأولئك لهم))،
يعنى: ولهؤلاء الذين تفرقوا واختلفوا من أهل الكتاب من بعد ما جاءهم = ((عذاب))
من عند الله = ((عظيم))، يقول جل ثناؤه: فلا تتفرقوا، يا معشر المؤمنين، فى دينكم
تفرُّق هؤلاء فى دينهم ، ولا تفعلوا فعلهم، ونستنوا فى دينكم بسنتهم ، فيكون لكم
من عذاب الله العظيم مثل الذى لهم ، كما :-
٧٥٩٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم
البينات))، قال: هم أهل الكتاب . نهى الله أهل الإسلام أن يتفرقوا ويختلفوا كما
(١) الأثر ٧٥٩٧ - رواه ابن كثير فى تفسيره ٢ ٢٠٩ ولفظه: ((قال الضحاك: هم خاصة
الصحابة، وخاصة الرواة)» ثم بينه فقال. ((يعنى المحاهدين والعلماء))

٩٣
تفسير سورة آل عمران: ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧
تفرق واختلف أهل الكتاب، قال الله عز وجل: ((وأولئك لهم عذابٌ عظيم)).
٧٥٩٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((ولا تكونوا كالذين
تفرقوا واختلفوا)) ونحو هذا فى القرآن، أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنها هم
عن الاختلاف والفرقة ، وأخبرهم أنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات فى
دين الله .
٧٦٠٠ - حدثنى محمد بن سنان قال ، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ،
عن الحسن فى قوله: ((ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات
وأولئك لهم عذاب عظيم »، قال: هم اليهود والنصارى .
القول فى تأويل قوله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهُ فَأَمَّا
الَّذِينَ أُسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُم بَعْدِ إِيَتِكُمْ فَذُوقُوْلْتَذَابَ بِ كُنتُمْ
تَكْفُرُونَ ﴿ وَأَمَّا الّذِينَ أَبْيَضَّتْ وُجُومُهُمْ فِى رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَاَ
خُلِدُونَ﴾
١٠٧
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : أولئك لهم عذاب عظيم فى يوم تبيض
٤
وجوه وتسود وجوه .
...
وأما قوله: ((فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم))، فإن معناه :
فأما الذين اسودت وجوههم، فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم ؟ فذوقوا العذاب بما
كنتم تكفرون . ولا بد ( ((أما)) من جواب بالفاء ، فلما أسقط الجواب سقطت
((الفاء)) معه. وإنما جاز ترك ذكر ((فيقال))، لدلالة ما ذكر من الكلام عليه.

٩٤
تفسير سورة آل عمران : ١٠٦، ١٠٧
وأما معنى قوله جل ثناؤه: ((أكفرتم بعد إيمانكم))، فإن أهل التأويل اختلفوا
فیمن عنى به .
فقال بعضهم : عنى به أهل قبلتنا من المسلمين
* ذكر من قال ذلك :
٧٦٠١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه))، الآية، لقد كفر أقوامٌ بعد إيمانهم كما
تسمعون ، ولقد ذكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (( والذی نفس
محمد بيده ، ليردن" على الحوض ممن صحبنى أقوامٌ، حتى إذا رُفعوا إلىّ ورأيتهم ،
اخْتِلجوا دونى، فلأقولن : ربّ ! أصحابى ! أصحابى ! فليقالن: إنك لا تدرى ما
أحدثوا بعدك)) ! = وقوله: ((وأما الذين ابيضتْ وجوههم فى رحمة الله))، هؤلاء أهل
طاعة الله، والوفاء بعهد اللّه، قال الله عز وجل: ((ففى رحمة الله هم فيها خالدون)).
٧٦٠٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((يوم تبيضُّ وجوه وتسودُ وجوه فأما الذين اسودت وجوههم
أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون))، فهذا من كفر من أهل
القبلة حين اقتتلوا .
٧٦٠٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن حماد بن سلمة والربيع
ابن صبيح، عن أبى مجالد، عن أبى أمامة: ((فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم
بعد إيمانكم))، قال : هم الخوارج.
٠ ٠
وقال آخرون : عنى بذلك : كلّ من كفر بالله بعد الإيمان الذى آمن ،
(١) الأثر: ٧٦٠١ - هذا أثر مرسل، وقد أخرجه البخارى فى محميحه بغير هذا الفظ (الفتح
١١ : ٤٠٨، ٤١٢ وما بعدها) ومسلم فى صحيحه ١٧: ١٩٤، وقوله: ((رقموا إلى))، أى أظهره
ألقه له فرآهم من بعيد . واختلج الشىء : نزعه وجذبه .
٢٧/٤

٩٥
تفسير سورة آل عمران : ١٠٦، ١٠٧
حين أخذ اللّه من صلب آدم ذريته وأشهدهم على أنفسهم بما بيَّن فى كتابه.(١)
• ذكر من قال ذلك :
٧٦٠٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا على بن الهيثم قال ، أخبرنا ابن أبى
جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبى العالية ، عن أبيّ بن كعب فى قوله :
(( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ))، قال: صاروا يوم القيامة فريقين ، فقال لمن
اسودّ وجهه، وعيّرهم: ((أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون »،
قال : هو الإيمان الذى كان قبل الاختلاف فى زمان آدم ، حين أخذ منهم
عهدهم وميثاقهم، وأقرُّوا كلهم بالعبودية ، وفطرهُمْ على الإسلام ، فكانوا أمة
واحدة مسلمين. يقول: ((أكفرتم بعد إيمانكم))، يقول: بعد ذلك الذى كان فى
زمان آدم . وقال فى الآخرين : الذين استقاموا على إيمانهم ذلك ، فأخلصوا له
الدين والعمل ، فبيَّض الله وجوههم ، وأدخلهم فى رضوانه وجنته .
وقال آخرون: بل الذين عنوا بقوله: ((أكفرتم بعد إيمانكم))، المنافقون .
• ذكر من قال ذلك :
٧٦٠٥ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ،
عن الحسن: ((يوم تبيض وجوه وتسود وجوه)) الآية، قال: هم المنافقون ، كانوا
أعطوا كلمةَ الإيمان بألسنتهم ، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم .
٠ ٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التى ذكرناها فى ذلك بالصواب ، القولُ الذى
ذكرناه عن أبى بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفار، وأنّ الإيمان الذى يوبَّخُون
على ارتدادهم عنه ، هو الإيمان الذى أقروا به يوم قيل لهم: ﴿أَلَنْتُ بِرَبِّكُمْ
قَالُوا كَلَى شَهِدْنَا﴾ [ سورة الأعراف: ١٧٢].
(١) يعنى آية ((سورة الأعراف: ١٧٢ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ربكَ مِنْ بِنِ آدَمَ
مِنْ ظُهُورِ هِمْ ذُرِّيْتَهُمْ) الآية .

٩٦
تفسير سورة آل عمران ١٠٦ ، ١٠٧
وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقين أحدهما سوداً وجوهه ،
والآخر بيضاً وجوهه (١) فمعلوم - إذ لم يكن هنالك إلاّ هذان الفريقان - أن
جميع الكفار داخلون فى فريق من سُؤَد وجهه ، وأن جميع المؤمنين داخلون فى فريق
من بُيِّض وجهه. فلاوجه إذاً لقول قائل: ((عنى بقوله: ((أكفرتم بعد إيمانكم))،
بعض الكفار دون بعنص )»، وقد عمّ اللّه جل ثناؤه الخبرّ عنهم جميعهم ، وإذا
دخل جميعهم فى ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها ثم ارتدوا كافرين بعدُ
إلاحالة واحدة، كان معلوماً أنها المرادةُ بذلك. (٢)
٠٠ ٥
فتأويل الآية إذاً: أولئك لهم عذاب عظيمٌ" فى يوم تبيضُّ وجوه قوم وتسودُ
وجوه آخرين. فأما الذين اسودت وجوههم ، فيقال : أجحدتم توحيد الله وعهدَه
وميثاقَه الذى واثقتموه عليه ، بأن لا تشركوا به شيئاً ، وتخلصوا له العبادة - بعد
إيمانكم = يعنى: بعد تصديقكم به ؟ = ((فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون )»، يقول:
بما كنتم تجحدون فى الدنيا ما كان الله قد أخذ ميثاقكم بالإقرار به والتصديق
= ((وأما الذين ابيضَّت وجوههم )). ممن ثبت على عهد الله وميثاقه،فلم يبدِّل دينه،
ولم ينقلب على عقبيه بعد الإقرار بالتوحيد ، والشهادة لربه بالألوهة ، وأنه لا إله
غيره = ((ففى رحمة الله))، يقول: فهم فى رحمة الله، يعنى: فى جنته ونعيمها وما أعد
اللّه لأهلها فيها = ((هم فيها خالدون))، أى: باقون فيها أبداً بغير نهاية ولا غاية.
٢٨/٤
(١) فى المطبوعة: ((سوداء. بيضاء)) والصواب ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((أنها المراد)) بغير تاء، والصواب ما فى المخطوطة.

٩٧
تفسير سورة آل عمران : ١٠٨
القول فى تأويل قوله ﴿تلكَ ءَايَتُ اُللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالْحقِّ
مر
وَمَا اللهُ يُريدُ ظُلْمَاً لِلْعُلَمِينَ) (١٠)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((تلك آيات الله))، هذه آيات اللّه.
...
وقد بينا كيف وضعت العرب ((تلك)) و((ذلك)) مكان ((هذا)) و((هذه))،
فى غير هذا الموضع فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.(١)
وقوله: ((آيات الله))، (٢) يعنى مواعظ اللّه وعبره وحججه = ((نتلوها عليك))، (٢)
نقرؤها عليك ونقصُّها = ((بالحق)) ، يعنى بالصدق واليقين .
وإنما يعنى بقوله: ((تلك آيات الله))، هذه الآيات التى ذكر فيها أمورَ
المؤذنين من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمور يهود بنى إسرائيل وأهل
الكتاب، وما هو فاعل بأهل الوفاء بعهده ، وبالمبدِّلين دينه ، والناقضين عهدَه
بعد الإقرار به . ثم أخبرعز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يتلو ذلك عليه
بالحق، وأعلمه أنّ من عاقبَ من خلقه بما أخبر أنه معاقبه [ به ]: (٤) من تسويد
وجهه ، وتخليده فى أليم عذابه وعظيم عقابه = ومن جازاه منهم بما جازاه : من
تبييض وجهه وتكريمه وتشريف منزلته لديه ، بتخليده فى دائم نعيمه ، فبغير ظلم
منه لفريق منهم ، بل بحق استوجبوه ، (٥) وأعمال لهم سلفت جازاهم عليها ، فقال
تعالى ذكره: ((وما اللّه يريد ظلماً للعالمين))، يعنى بذلك: وليس الله يا محمد =
(١) انظر ما سلف ١ : ٢٢٥ - ٣/٢٢٨: ٣٣٥.
(٢) انظر تفسير ((آية)) فيما سلف فى فهارس اللغة مادة ((أيا)).
(٣) انظر تفسير ((تلا)» فيما سلف ٢ : ٤٠٩ - ٤١١، ٥٦٦ - ٥٧٠ / ٤٦٦:٦
(٤) فى المطبوعة: ((أن من عاقبه))، وأثبت ما فى المخطوطة فهو صواب. وما بين القوسين
زيادة لا بد منها يقتضيها السياق .
(٥) فى المطبوعة: ((بل لحق))، وأثبت ما فى المخطوطة.
ج ٧ (٧ )

٩٨
تفسير سورة آل عمران : ١٠٩،١٠٨
بتسويد وجوه هؤلاء وإذاقتهم العذاب العظيم ، وتبييض وجوه هؤلاء وتنعيمه إياهم
فی جنته = طالباً وضع شىء مما فعل من ذلك فى غير موضعه الذى هو موضعه =
إعلاماً بذلك عباده أنه لن يصلح فى حكمته بخلقه غير ما وعد أهل طاعته والإيمان
به، وغير ما أوعد أهل معصيته والكفر به = وإنذاراً منه هؤلاء، وتبشيراً منه هؤلاء.
٥
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿وَلِهِ مَافِ السَّمُوَّتِ وَمَا فِى
الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : أنه يعاقب الذين كفروا بعد إيمانهم
بما ذكر أنه معاقبهم به من العذاب العظيم وتسويد الوجوه ، ويثيب أهل الإيمان به
الذين ثبتوا على التصديق والوفاء بعهودهم التى عاهدوا عليها بما وصف أنه مثيبهم به
من الخلود فى جنانه ، من غير ظلم منه لأحد الفريقين فيما فعل ، لأنه لا حاجة به
إلى الظلم . وذلك أن الظالم إنما يظلم غيره ليزداد إلى عزه عزة بظلمه إياه ، أو إلى
سلطانه سلطاناً، أو إلى ملكه ملكاً،=(١) أو إلى نقصان فى بعض أسبابه يتمم بها ظلم
غيره فيه ما كان ناقصاً من أسبابه عن التمام . (٢) فأما من كان له جميع ما بين
أقطار المشارق والمغارب، وما فى الدنيا والآخرة ، فلامعنى لظلمه أحداً ، فيجوز
أن يظلم شيئاً ، لأنه ليس من أسبابه شىء ناقصٌ يحتاج إلى تمام ، فيتم ذلك بظلم
(١) فى المطبوعة: ((وإلى ملكه)) بالواو، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((وإلى ملكه ملكاً لنقصان فى بعض أسبابه يتمم بما ظلم غيره فيه ما كان
ناقصاً من أسبابه عن التمام))، وهى جملة تشبه أن تكون مستقيمة، بيد أن الطبرى أراد أن الظالم يظلم
ليزداد عزة إلى عزه - أو سلطاناً إلى سلطانه - أو ملكاً إلى ملكه - أو أن يتم بظلمه ما كان ناقصاً
من أسبابه . وعبارة الطبرى التى أثبتها مستقيمة جدا على طريقته فى العبارة .

٩٩
تفسير سورة آل عمران : ١٠٩
غيره، تعالى الله علوًّاً كبيراً. ولذلك قال جل ثناؤه عَقِيب قوله: ((وما اللّه يريد
ظلماً للعالمين))، ((ولله ما فى السموات وما فى الأرض وإلى اللّه ترجع الأمور)).
٠٠٠
واختلف أهل العربية فى وجه تكرير الله تعالى ذكره اسمه مع قوله: ((وإلى الله
ترجع الأمور)) ظاهراً، وقد تقدم اسمُه ظاهراً مع قوله: (( والله ما فى السموات
وما فى الأرض )).
فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة: ذلك نظيرُ قول العرب: ((أما زيدٌ
فذهب زيدٌ)، وكما قال الشاعر : (١)
نَفَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى وَالفَقِيرَا(٢)
لَا أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَىء
فأظهر فى موضع الإضمار .
وقال بعض نحوبى الكوفة: ليس ذلك نظير هذا البيت، لأن موضع ((الموت))
(١) هو عدى بن زيد، وقد ينسب إلى ولده سوادة بن عدى، وربما نسب لأمية بن أبي الصلت.
(٢) حماسة البحترى: ٩٨، وشعراء الجاهلية: ٤٦٨، وسيبويه ١: ٣٠، وخزانة الأدب
١ : ١٨٣، ٢: ٥٣٤، ٤: ٥٥٢، وأمالى ابن الشجرى ١: ٢٤٣، ٢٨٨، وشرح شواهد
المغنى : ٢٩٦، وهو من أبيات مفرقة فى هذه الكتب وغيرها من حكمة عدى فى تأمل الحياة والموت، يقول
قبل البيت :
إنّ لدَّهْرِ صَوْلَةٌ فَاحْذَرِنْهاَ لَا تَبِيَنَّ قَدْ أَمِنْتَ الدُّهُورَا
قَدْ يَنَمُ الفَتَى صَحِيحًاً فَيَرْدَى، وَلَقَدْ بَاتَ آمِنَا مَسْرُورًا
لَا أَرَى المَوْتَ.
٠
ثم يقول بعد أبيات :
أَيْنَ أيْنَ الفِرَارُ مِنَّ سَيَأْنِى لَا أَرَى طَائِراً نَجَا أَنْ يَطِيرًا
ويقول : غنى الناس وفقيرهم، فى هم مفسد عليه حياته من مخافة هذا الموت ، ومن ترقبه، هذا
يخاف أن يسبقه الموت إلى ماله الذى جمع، وذاك يفزع أن يسبقه الردى إلى ما يؤمل من متاع الدنيا.
وكان هذا البيت فى المخطوطة فاسداً محرفاً ناقصاً ، وهو فى المطبوعة سوى مستقيم .

١٠٠
تفسير سورة آل عمران : ١١٠،١٠٩
الثانى فى البيت موضع كناية، لأنه كلمة واحدة، (١) وليس ذلك كذلك فى
الآية، لأن قوله: ((والله ما فى السموات وما فى الأرض)) خبرٌ ، ليس من قوله:
((وإلى اللّه ترجع الأمور)) فى شىء. وذلك أنّ كلّ واحدة من القصتين مفارق"
معناها معنى الأخرى، مكتفية كل واحدة منهما بنفسها، غير محتاجة إلى الأخرى .
وما قال الشاعر: ((لا أرى الموت)»، محتاجٌ إلى تمام الخبر عنه. (٢)
٠٠
٠٠
قال أبو جعفر : وهذا القول الثانى عندنا أولى بالصواب ، لأن كتاب الله
عز وجل لا توجّهُ معانيه وما فيه من البيان، (٣) إلى الشواذ من الكلام والمعانى،
وله فى الفصيح من المنطق والظاهر من المعانى المفهوم، وجهٌ صحيح موجود".
٠
٠٠
٢٩/٤
وأما قوله: ((وإلى اللّه ترجع الأمور)) فإنه يعنى تعالى ذكره: إلى الله مصير
أمر جميع خلقه ، الصالح منهم والطالح، والحسن والمسئء ، فیجازی کلاًّ على قدر
استحقاقهم منه الجزاء ، بغير ظلم منه أحداً منهم .
٠
◌ُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِلَعْرُوفٍ وَنْهَوْنَ عَنِ الْمُشْكَرٍ وَتُؤْمِنُونَ بِأَِّ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((كنتم خير أمة
أخرجت للناس )» .
فقال بعضهم : هم الذين هاجروا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة
(١) الكناية: هو الضمير فى اصطلاح بقية النحويين.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((كما قال الشاعر))، وهو غير مستقيم، والصواب ما أثبت.
(٣) فى المطبوعة: ((لا يؤخذ معانيه))، وفى المخطوطة: ((لا موحد)» غير منقوطة، وصواب
قراءتها ما أثبت، والناسخ كثير التصحيف كما علمت، والدال هى الهاء فى آخر الكلمة.