النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١
تفسير سورة آل عمران : ٥٠ ، ٥١
القول فى تأويل قوله ﴿ فَأَتَّقُواْ اللهَ وَأَطِعُونِ (٥ إنَّ اللهَ
رَبَى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرِّطٌ مُسَقِيمٌ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك : وجئتكم بآية من ربكم تعلمون بها يقيناً صدقى
فيما أقول = ((فاتقوا اللّه))، يا معشرَ بنى إسرائيل، فيما أمركم به ونها كم عنه فى كتابه
الذى أنزله على موسى، فأوفوا بعهده الذى عاهد تموه فيه =((وأطيعون))، فيما دعوتكم
إليه من تصديقى فيما أرسلنى به إليكم ربي وربكم ، فاعبدوه ، فإنه بذلك أرسلنى
إليكم ، وبإحلال بعض ما كان محرّماً عليكم فى كتابكم ، وذلك هو الطريق
القويمُ، والهدى المتينُ الذى لا اعوجاج فيه، (١) كما : -
٧١١٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد بن
جعفر بن الزبير: ((فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم))، تبرّياً من الذى ١٩٧/٣
يقولون فيه - يعنى: ما يقول فيه النصارى - واحتجاجاً لربه عليهم = (( فاعبدوه هذا
صراط مستقيم))، أى: هذا الذى قد حملتُكم عليه وجئتكم به. (٢)
٠٠ ٠
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((إن الله ربي وربكم
فاعبدوه )) .
فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَعْبُدُوهُ) بكسر
((ألف)) ((إنّ)) على ابتداء الخبر.
وقرأه بعضهم: ﴿ أَنَّ اللهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ﴾، بفتح ((ألف)) ((أنّ))، بتأويل:
(١) انظر تفسير (الصراط المستقيم)) فيما سلف ١: ١٧٠ - ١٧٧ /١٤٠:٣، ١٤١.
(٢) الأثر: ٧١١٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٣١، وهو من بقية الآثار التى آخرها رقم: ٧١١٥.
٤٤٢
تفسير سورة آل عمران : ٥١ ، ٥٢
وجئتكم بآية من ربكم، أنّ الله ربي وربكم، على ردّ ((أن)) على ((الآية))،
والإبدال منها .
٠ ٠
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندنا ما عليه قرأة الأمصار ، وذلك
كسر ألف ((إن)) على الابتداء ، لإجماع الججة من القرأة على صحة ذلك.
وما اجتمعت عليه فحجةٌ، وما انفرد به المنفرد عنها فرأىٌ. ولا يعترضُ بالرأى
على الحجة .
٥
وهذه الآية وإن كان ظاهرُها خبراً ، ففيه الحجة البالغة من اللّه لرسوله
محمد صلى اللّه عليه وسلم على الوفد الذين حاجُوه من أهل نجران ، بإخبار اللّه
عزّ وجل عن أن عيسى كان بريئاً مما نسبه إليه مَن نسبه إلى غير الذى وصفَ به
نفسه، من أنه لله عبدٌ كسائر عبيده من أهل الأرض ، إلا ما كان الله جل ثناؤه
خصَّه به من النبوة والحجج التى آتاه دليلاً على صدقه - كما آتى سائر" المرسلين
غيره من الأعلام والأدلة على صدقهم - وحُجةً على نبوته. (١)
. ..
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿ فَلَمََّ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ
اُلْكُفْرَ قَلَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللهِ قَلَ الْحَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ
ءَامَنَّا بِالْهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((فلما أحسّ عيسى منهم الكفر ))،
فلما وجد عيسى منهم الكفر.
(١) فى المطبوعة: ((والحجة على نبوتهم))، وأثبت ما فى المخطوطة وهو الصواب وقوله: ("وحجة
على نبوته)) معطوف على قوله: ((دليلا على صدقه))، والضمير لعيسى، وما بين المعطوف والمعطوف عليه،
فصل .
٤٤٣
تفسير سورة آل عمران : ٥٢
((والإحساس))، هو الوجود، ومنه قول الله عز وجل: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ
مِنْ أَحَدٍ ﴾ [سورة مريم: ٩٨]
فأما ((الحَسُّ))، بغير ((ألف))، فهو الإفناء والقتل، ومنه قوله:
﴿إِذْ تَحُسُونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٢].
(((والحَسُ)) أيضاً العطف والرقة، ومنه قول الكميت:
هَلْ مَنْ بَكَى الدَّارَ رَاجٍ أَنْ تَحَسَّلَهُ، أَوْ يُبِكِىَ الدَّارَ مَاءِ الَعَبْرَةِ الْحَضِلُ؟(١)
یعنی بقوله : (( أن تحس له )) ، أن ترقّ له .
...
فتأويل الكلام : فلما وَجد عيسى - من بنى إسرائيل الذين أرسله الله إليهم -
جحوداً لنبوته، وتكذيباً لقوله، وصدًّا عما دعاهم إليه من أمر الله، قال: ((مَن
أنصارى إلى اللّه))؟، يعنى بذلك: قال عيسى: من أعوانى على المكذبين بحجة اللّه، (٢)
والمولِّين عن دينه، والجاحدين نبوة نبيه، = ((إلى اللّه)) عز وجل ؟
...
ويعنى بقوله: ((إلى الله))، مع الله .
وإنما حَسُن أن يقال: ((إلى اللّه))، بمعنى: مع اللّه، لأن من شأن العرب
إذا ضموا الشىء إلى غيره ، ثم أرادوا الخبر عنهما بضم أحدهما مع الآخر إذا ضم
إليه، جعلوا مكان ((مع))، ((إلى)) أحياناً، وأحياناً تخبر عنهما: (( مع)) نتقول:
((الذود إلى الذود إبل))، بمعنى: إذا ضممتَ الذود إلى الذود صارت إبلا . فأما
إذا كان الشىء مع الشىء لم يقولوه : ((إلى))، ولم يجعلوا مكان ((مع)) ((إلى)).
(١) معانى القرآن الفراء ١: ٢١٧، ومجالس ثعلب: ٤٨٦، وإصلاح المنطق: ٢٤٠، واللان
(حسبس) . والفضل: المتتابع الدائم الكثير الهمول . يتعجب من الباركى على أطلال أحبابه، وما يرجو
منها : أترق له ، أم تبكى لبكائه؟ يسفه ما يفعل . ثم انظر سائر ما قيل فى هذا الحرف من اللغة فى
المراجع السالفة .
(٢) انظر تفسير ((الأنصار)) فيما سلف ٢ : ٤٨٩ / ٥٨١:٥
٤٤٤
تفسير سورة آل عمران : ٥٢
غيرُ جائز أن يقال: ((قدم فلانٌ وإليه مالٌ))، بمعنى: ومعه مال. (١)
...
وبمثل ما قلنا فى تأويل قوله: ((مَنْ أنصارى إلى اللّه))، قال جماعة من أهل التأويل.
• ذكر من قال ذلك :
١٩٨/٣
٧١٢٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى قوله: ((من أنصارى إلى اللّه))، يقول: مع اللّه. (٢)
٧١٢١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن
جريج: ((من أنصارى إلى الله))، يقول : مع اللّه.
...
وأما سبب استنصار عيسى عليه السلام من استنصر من الحواريين، فإن بين
أهل العلم فيه اختلافاً .
فقال بعضهم : كان سبب ذلك ما : -
٧١٢٢ - حدثنى به موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ،
عن السدى : لما بعث الله عيسى فأمره بالدعوة، نقتْه بنو إسرائيل وأخرجوه،
فخرج هو وأمُّه يسيحون فى الأرض . فنزل فى قرية على رجل فضافتهم وأحسن
إليهم . وكان لتلك المدينة ملك جبارٌ معتد ، فجاء ذلك الرجل يوماً وقد وقعَ عليه
همّ وحزن، فدخل منزله ومريم عند امرأته . فقالت مريم لها : ما شأن زوجك؟
أراه حزيناً ! قالت: لا تسألى! قالت: أخبرينى! لعل الله يُفرِّج
كربته ! قالت: فإن لنا ملكاً يجعل على كلّ رجل منا يوماً يُطعمه هو وجنوده
(١) انظر ما سلف ١: ٢٩٩، ثم انظر معانى القرآن للفراء ١: ٢١٨، وهذا مختصر مقالته.
(٢) الأثر: ٧١٢٠ - مفى هذا الإسناد قديماً برقم: ٢١٠٠، ((محمد بن الحسين بن موسى
ابن أبى حنين الكوفى))، روى عن عبيد الله بن موسى، وأحمد بن المفضل، وأبى غسان مالك بن إسماعيل.
وهو صدوق قاله ابن أبى حاتم فى كتابه ٢٣٠/٢/٣. و((أحمد بن المفضل القرشى الأموى)) الكوفى
الحفرى. روى عن الثورى ، وأسباط بن نصر ، وإسرائيل . روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وغيرهما
قال أبو حاتم: ((كان صدوقاً، وكان من رؤساء الشيعة)). مترجم فى التهذيب، وابن أبي حاتم
٠٧٧/١/١
٤٤٥
تفسير سورة آل عمران : ٥٢
ويسقيهم من الخمر ، فإن لم يفعل عاقبه، وإنه قد بلغت نوبتُه اليوم الذى يريد أن
نصنع له فيه ، وليس لذلك عندنا سعة ! قالت : فقولى له لا يهتم ، فإنى آمر ابنى
فيدعُوله ، فيُكْفَى ذلك. قالت مريم لعيسى فى ذلك، قال عيسى: يا أمَّهْ،
إنى إن فعلت كان فى ذلك شرٌّ. قالت: فلا تُبال ، فإنه قد أحسنَ إلينا وأكرمنا !
قال عيسى : فقولى له : إذا اقترب ذلك ، فاملأ ◌ُقُدُورك وخوَابيك ماء ، ثم
أعلمنى. (١) قال: فلما ملأهنَّ أعلمه، فدعا اللّه، فتحوَّل ما فى القدُور لحماً
وَمَرَقاً وخبزاً، وما فى الخوابى خمراً لم ير الناس مثله قطّ وإياه طعاماً. (٢) فلما جاء
الملك أكل ، فلما شرب الخمرَ سأل : من أين هذه الخمر؟ قال له : هى
من أرض كذا وكذا . قال الملك : فإنّ خمرى أوتى بها من تلك الأرض ، فليس
هى مثل هذه ! قال : هى من أرض أخرى . فلما خلَّط على الملك اشتدّ عليه ،
قال: فأنا أخبرك، عندى غلام لا يسأل الله شيئاً إلا" أعطاه إياه، وإنه دعا الله
نجعل الماءَ خمراً. قال الملك = وكان له ابنٌ يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك.
بأيام ، وكان أحب الخلق إليه = فقال: إن رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمراً ،
ليُستجابَنّ له حتى بحىَ ابنى! فدعا عيسى فكلمه، فسأله أن يدعو الله فيحي
ابنه ، فقال عيسى: لا تفعل"، إنه إن عاش كان شراً. فقال الملك : لا أبالى،
أليس أراه ؟ فلا أبالى.، كان. فقال عيسى عليه السلام : فإن أحييته تتركونى أنا
وأمى نذهب أينما شئنا ؟ قال الملك: نعم. فدعا اللّه فعاش الغلام. فلما رآه أهل
(١) الخوابى جمع خابية: وهى الحب ( بضم الحاء)، والحب: جرة ضخمة يجعل فيها الماء
والخمر وغيرهما .
(٢) هذه الكلمة ((واماه طعاماً)) هكذا هى غير منقوطة فى المخطوطة، وأما المطبوعة، فإنها
جعلتها ((وإياه طعاماً))، ولم أجد لها وجهاً أرتضيه. وقد رأيت كل من نقل خبر السدى قد أسقط هذه
الكلمة من روايته ، فأسقطها الثعلبى فى قصص الأنبياء : ٣٤١، والبغوى فى تفسيره ( بهامش ابن كثير )
٢ : ١٤٦، والدر المنثور ٣٤:٢، وغيرهم. وأنا أستبعد أن تكون زيادة من الناسخ، وأقطع بأنها
ثابتة فى أصل أبى جعفر، ولكنى لم أجد لها وجهاً من وجوه التصحيف أحملها عليه، ولكنها ولا شك تعنى :
(((وهيأ لطعاماً)). وأرجو أن يوفق غيرى إلى معرفة صوابها، وأسأل الله أن يوفقنى إلى مثله .
٤٤٦
تفير سورة آل عمران : ٥٢
مملكته قد عاش ، تنادَوْا بالسلاح وقالوا : أكلنا هذا ، حتى إذا دنا موته يريد
أن يستخلف ابنه، فيأكلنا كما أكلنا أبوه ! !فاقتتلوا، وذهب عيسى وأمُّه، وصحبهما
يهودى . وكان مع اليهودى رغيفان ، ومع عيسى رغيف ، فقال له عيسى :
شاركنى ، فقال اليهودى : نعم. فلما رأى أنه ليس مع عيسى إلاّ رغيف ندم ،
فلما ناما جعل اليهودىّ يريد أن يأكل الرغيف ، فلما أكل لقمة قال له عيسى :
ما تصنع ؟ فيقول : لا شىء ! فيطرحها ، حتى فرغ من الرغيف كله. فلما
أصبحا قال له عيسى: هلمّ طعامك ! فجاء برغيف ، فقال له عيسى : أين
الرغيف الآخر ؟ قال : ما كان معى إلاّ" واحد. فسكت عنه عيسى ، فانطلقوا ،
١٩٩/٣ فمرّوا براعى غنم، فنادى عيسى: يا صاحب الغنم، أجزرْنا شاةً من غنمك. (١)
قال : نعم ، أرسل صاحبك يأخذها . فأرسل عيسى اليهودىّ ، فجاء بالشاة فذبحوها
وشوَوْها ، ثم قال لليهودى: كل، ولا تكسِرِنَ عظماً. فأكلا. (٢) فلما شبعوا،
قذفَ عيسى العظام فى الجلد ، ثم ضربها بعصاه وقال : قومى بإذن اللّه ! فقامت
الشاة تَنَغُو، فقال: يا صاحبَ الغنم، خذ شاتك. فقال له الراعى: من
أنتَ؟ فقال: أنا عيسى بن مريم. قال: أنت الساحر ! وفرّ منه . قال: عيسى
اليهودى : بالذى أحبى هذه الشاة بعدَ ما أكلناها ، كم كان معك رغيفاً ؟ فحلف
ماكان معه إلاّ رغيف واحد، فمرُّوا بصاحب بقر، فنادى عيسى فقال:
يا صاحب البقر ، أجزرنا من بَقرك هذه عجلاً . قال: ابعث صاحبك يأخذه .
قال : انطلق يا يهودىّ فجى به. فانطلق فجاءَ به. فذبحه وشواه وصاحبُ البقر
ينظر، فقال له عيسى: كَلْ ولا تكسيرَن عظماً. فلما فرغوا ، قذف العظام فى
الجلد ثم ضربه بعصاه ، = وقال: قم بإذن الله. فقام وله 'خُوَارٌ، قال: ◌ُخذ
(١) فى المخطوطة: ((اجزر شاة))، والصواب ما فى المطبوعة: أجززه شاة: أعطاه شاة تصلح
الذبح . وستأتى مرة أخرى على الصواب فى حديث البقرة الآتى ، فى المخطوطة .
(٢) خالف بين الضمائر، فقال ((فأكلا)) يعنى عيسى وصاحبه، ثم قال: ((فلما شبعوا))،
يعنى عيسى وصاحه وأمه مريم عليهما السلام . وهذا سياق لا بأس به فى مجاز العربية .
٤٤٧
تفسير سورة آل عمران : ٥٢
عجلك. قال : ومن أنت ؟ قال : أنا عيسى. قال: أنت السحَّار! ثم فر منه.
قال اليهودى : يا عيسى أحييته بعد ما أكلناه! قالَ عيسى: فبالذى أحيى الشاة
بعد ما أكلناها ، والعجلَ بعد ما أكلناه ، كم كان معك رغيفاً ؟ فحلف بالله
ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقاً، حتى نزلا قريةً ، فنزل اليهودى أعلاها
وعيسى فى أسفلها ، وأخذ اليهودى عصا مثل عصا عيسى وقال : أنا الآنَ أحبى
الموقى ! وكان ملك تلك المدينة مريضاً شديد المرض، فانطلق اليهودى يُنادى:
من يبتغى طبيباً؟ حتى أتى ملك تلك القرية ، فأخبر بوجعه ، فقال : أدخلونى
عليه فأنا أبرئه ، وإن رأيتموه قد مات فأنا أحييه . فقيل له : إن وجع الملك قد
أعيّى الأطباء قبلك ، ليس من طبيب يداويه ولا يُفىء دواؤه شيئاً إلاّ أمر به
فصلب. (١) قال: أدخلونى عليه ، فإنى سأبرته . فأدخل عليه تأخذ برجل الملك
فضربه بعصاه حتى مات ، فجعل يضربه بعصاه وهو ميت ويقول : ◌ُم بإذن الله!
فأخذ ليُصْلب ، فبلغ عيسى، فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة ، فقال: أرأيتم إن
أحييت لكم صاحبكم ، أتتركون لى صاحبى؟ قالوا: نعم. فأحبى اللهُ الملكَ
لعيسى ، فقام وأنزل اليهودى فقال: يا عيسى أنتَ أعظم الناس علىّ منةً ، واللّه
لا أفارقك أبداً. قال عيسى = فيما حدثنا به محمد بن الحسين بن موسى قال ،
حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى = لليهودى : أنشُدك
بالذى أحرى الشاة والعجلَ بعد ما أكلناهما ، وأحيى هذا بعد ما مات ، وأنزلك
من الجِذْع بعد ما رُفعت عليه لتصلب ، كم كان معك رغيفاً ؟ قال : فحلف
بهذا كله ما كان معه إلاّ رغيف واحد، قال: لا بأس ! فانطلقا ، حتى مرّا
على كنز قد حفرته السباع والدواب ، فقال اليهودى : يا عيسى ، لمن هذا المال ؟
قال عيسى: دعه ، فإنّ له أهلاً يهلكون عليه. فجعلت نفسُ اليهودى تطلّعُ
(١) أفا يفوء: رد وأرجع. يعنى: لا يرد عليه عافيته. وفى المخطوطة: ((لا يفى))، وهذا
صواب قراءتها .
٤٤٨
تفسير سورة آل عمران : ٥٢
إلى المال ، ويكره أن يعصى عيسى ، فانطلق مع عيسى . ومرّ بالمال أربعة تفر ،
فلما رأوه اجتمعوا عليه ، فقال : اثنان لصاحبيهما : انطلقا فابتاعا لنا طعاماً وشراباً
ودوابَ نحملُ عليها هذا المال . فانطلق الرجلان فابتاعا دوابٌ وطعاماً وشراباً ،
٢٠٠/٣ وقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نجعل لصاحبينا فى طعامهما سمّا، فإذا أكلاماتا،
فكان المال بينى وبينك ؟ فقال الآخر: نعم ! ففعلاً . وقال الآخران : إذا ما أتيانا
بالطعام ، فليقم كل واحد إلى صاحبه فيقتله ، فيكون الطعامُ والدوابّ بينى وبينك.
فلما جاءا بطعامهما قاما فقتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلامنه، فماتاً . وأعلم ذلك
عيسى، (١) فقال لليهودى : أخرجه حتى نقتسمه. فأخرجه ، فقسمه عيسى بين
ثلاثة ، فقال اليهودى: يا عيسى ، اتق الله ولا تظلمنى، فإنما هو أنا وأنت !!
وما هذه الثلاثة؟ قال له عيسى : هذا لى، وهذا لك، وهذا الثلث لصاحب
الرغيف . قال اليهودى : فإن أخبرتك بصاحب الرغيف ، تعطينى هذا المال ؟
فقال عيسى: نعم. قال : أنا هو. قال عيسى: خذ حظى وحظَّك وحظًّ صاحب
الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة. فلما حمله مَشى به شيئاً، فخُسف به.(٢)
وانطلق عيسى بن مريم، فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك ، فقال : ما تصنعون؟
فقالوا: نصطاد السمك. فقال : أفلا تمشون حتى نصطادَ الناس ؟ قالوا: ومن
أنت ؟ قال : أنا عيسى بن مريم. فآمنوا به وانطلقوا معه . فذلك قول الله عز وجل:
((َمَنْ أنصارى إلى اللّه قال الحواريون نحنُ أنصارُ اللّه آمنا باللهواشهد" بأنا مسلمون)).
(١) فى المطبوعة: ((أعلم ذلك لعيسى))، والصواب ما فى المخطوطة.
(٢) قوله: ((شيئاً))، أبى قليلا، كقول سالم بن وابصة الأسدى:
فإن زادَ شيئاً، عَادَ ذَاكَ الغِنَى فَقْرًا
غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ خَلَّةٍ
وكقول عمر بن أبي ربيعة :
وَإِن لَامَنى ◌ِفِيمَا أَرْ تَأَيْتَ مُلِيمُ
وقالت لَهُنَّ: أُرْبَعْنَ شيئاً، لَعَلَّنِى
وهذا من نوادر اللغة، مما أغفلت بيانه المعاجم .
٤٤٩
تفسير سورة آل عمران : ٥٢
٧١٢٢ م - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى، عن عباد بن
منصور ، عن الحسن فى قوله: (( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى
إلى الله ))، الآية قال: استنصر فنصرَه الحواريون ، وظهر عليهم.
٠٠٠
وقال آخرون : كان سببُ استنصار عيسى من استنصرّ ، لأن من استنصرّ
الحواريِّين عليه كانوا أرادُوا قتله .
ذكر من قال ذلك :
٧١٢٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((فلما أحس عيسى منهم الكفر))، قال : كفروا
وأرادُوا قتله ، فذلك حين استنصر قومه = ((قال من أنصارى إلى اللّه قال الحواريون
نحن أنصارُ الله)) .
۵
((والأنصار))، جمع ((نصير))، (١) كما ((الأشراف)) جمع ((شريف))،
(( والأشهاد )) جمع (( شهيد)).
وأما ((الحواريون))، فإن أهل التأويل اختلفوا فى السبب الذى من أجله
سموا ((حواريين)).
فقال بعضهم : سموا بذلك لبياض ثيابهم .
• ذكر من قال ذلك :
٧١٢٤ - حدثنى محمد بن عبيد المحاربی قال: مما روی أبی قال ، حدثنا
قيس بن الربيع ، عن ميسرة ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير قال :
إنما سمُّوا ((الحواريين))، ببياض ثيابهم.
٠ ٥
(١) انظر تفسير ((الأنصار)) فيما سلف قريباً: ٤٤٣، تعليق: ٢. والمراجع هناك.
ج ٦ (٢٩)
٤٥٠
تفسير سورة آل عمران : ٥٢
وقال آخرون : سموا بذلك : لأنهم كانوا قَصّارين يبيِّضون الثياب .
* ذكر من قال ذلك :
٧١٢٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن
ابن أبى نجيح، عن أبى أرطاة قال: ((الحواريون))، الغسالون الذين يحوّرون
الثياب ، يغسلوبها .
#
وقال آخرون : هم خاصّة الأنبياء وصفوتهم .
* ذكر من قال ذلك :
٧١٢٦ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن روح بن
القاسم : أن قتادة ذكرَ رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كان
من الحواريين . فقيل له : من الحواريُّون ؟ قال : الذين تصلح لهم الخلافة .
٧١٢٧ - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا بشر ،
عن عمارة ، عن أبى روق، عن الضحاك فى قوله: ((إذ قال الحواريون))، قال :
أصفياء الأنبياء .
قال أبو جعفر: وأشبه الأقوال التى ذكرنا فى معنى ((الحواريين))، قولُ من
٢٠١/٣ قال: ((سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسّالين)).
وذلك أن ((الحوَر)) عند العرب شدة البياض، ولذلك سمى ((الحُوَّارَى)) من
الطعام ((حُوَّارَى)) لشدة بياضه، (١) ومنه قيل للرجل الشديد بياض مقلة العينين
((أحور))، وللمرأة ((حوراء)). وقد يجوز أن يكون حواريو عيسى كانوا ◌ُوا
بالذى ذكرنا ، من تبييضهم الثيابَ ، وأنهم كانوا قصّارين ، فعرفوا بصحبة
عيسى ، واختياره إياهم لنفسه أصحاباً وأنصاراً، فجرى ذلك الاسم لهم ، واستُعمل
(١) الحوارى ( بضم الحاء وتشديد الواو، وراء مفتوحة): هو ما حور من الطعام ، أى
بيض ، ودقيق حوارى : هو الدقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه .
٤٥١
تفسير سورة آل عمران : ٥٢
حتى صار كل خاصّة للرجل من أصحابه وأنصاره: ((حواريُّه))، ولذلك قال النبى
صلى الله عليه وسلم.
#
٧١٢٨ - ((إنّ لكلّ فى حواريًّا، وَحَوَارىّ الزبير)).(١)
...
= يعنى خاصته. وقد تسمى العرب النساء اللواتى مساكنهن القرَى والأمصار
(("حَوَارِيَّات))، وإنما سمين بذلك لغلبة البياض عليهن، ومن ذلك قول أبى جَدْدة
اليشكرى : (٢)
فَقُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَاَ
وَلَا تَبْكِنَا إِلَّ الْكِلَابُ التَّوَابِعُ(٣)
...
ويعنى بقوله: ((قال الحواريون))، قال هؤلاء الذين صفتهم ما ذكرنا ، من
تبييضهم الثياب: ((آمنا بالله))، صدقنا بالله، واشهد أنتَ يا عيسى بأنها مسلمون.
قال أبو جعفر : وهذا خبرٌ من الله عز وجل أن الإسلامَ دينُه الذى ابتعثَ به
*
(١) الأثر: ٧١٢٨ - ذكره الطبرى بغير إسناد، وهو من صحيح الحديث . أخرجه البخارى
فى مواضع (الفتح ٦: ٧/٣٩: ٦٤، ٤١٢ / ١٣: ٢٠٣، ٢٠٤)، وأخرجه مسلم فى صحيحه
١٥: ١٨٨. وكان فى المطبوعة: ((إن لكل ذى حوارى))، وصوابه ما أثبت. والرواية الأخرى
بحذف: ((إن)) أى: ((لكل نبي حوارى)).
(٢) هو أبو جلدة بن عبيد بن منقذ اليشكرى، من شعراء الدولة الأموية، كان من أخص
الناس بالحجاج ، ثم فارقه وخرج مع ابن الأشعث ، وصار من أشد الناس تحريضاً على الحجاج . فلما
قتل وأتى الحجاج برأسه ووضع بين يديه، مكث ينظر إليه طويلا ثم قال : كم من سر أودعته هذا الرأس
فلم يخرج منه حتى أتيت به مقطوعاً ! !
(٣) المؤتلف والمختلف للآمدى: ٧٩، والأغانى ١١: ٣١١، والوحشيات: ٣٦، وحماسة
ابن الشجرى : ٦٥، واللسان ( حور )، وبعده .
رِمَاحُ النَّصَارَى والسُّيُوفُ الجوارحُ
بَكَيْنَ إِلَيْنَاَ خَشْيَةً أَنْ تُبِيحَهَاَ
وَتَأْبَى قُلُوبٌ أَضْمَرَنْها الجَوَائِحُ
بَكَيْنَ لِكَيْمَا يَمِنْعُوهُنَّ مِنْهُمُ
يقولها تحريضاً وتحضيضاً على قتال أهل الشام .
٤٥٢
تفسير سورة آل عمران : ٥٢، ٥٣
عيسى والأنبياءَ قبله ، لا النصرانية ولا اليهودية = وتبرئةٌ من الله لعيسى ممن انتحل
النصرانية ودان بها ، كما برّأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام. وذلك احتجاجٌ
من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على وفد نجران ، كما : -
٧١٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق ، عن
محمد بن جعفر بن الزبير: ((فلما أحسّ عيسى منهم الكفر)) والعدوان (١) = ((قال
من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله))، وهذا قولهم الذى
أصابوا به الفضلَ من ربهم = ((واشهد بأنا مسلمون))، لا كما يقول هؤلاء الذين
يحاجونك فيه - يعنى وفدَ نصارى نجران. (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿رَبََّآءَ امَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَاَ الرَّسُولَ
فَاكْتُبْنَا مَعَ الْقَّهِدِينَ) )
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله عز وجل عن الحواريين أنهم قالوا :
((ربنا آمنا))، أى: صدّقنا = ((بما أنزلت))، يعنى: بما أنزلتَ على نبيك عيسى
من كتابك = ((واتبعنا الرسول))، يعنى بذلك : صرنا أتباع عسى على دينك الذى
ابتعثته به، وأعوانه على الحق الذى أرسلتَه به إلى عبادك = وقوله: ((فاكتبنا مع
الشاهدين))، يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق ، وأقرُّوا لك
بالتوحيد ، وصدّقوا رسلك ، واتبعوا أمرك ونهيك ، فاجعلنا فى عدادهم ومعهم فيما
تكرمهم به من كرامتك ، وأحيلَّنا محلهم، ولا تجعلنا ممن كفر بك ، وصدّ عن
سبيلك ، وخالف أمرك ونهيك .
(١) فى سيرة ابن هشام: ((والعدوان عليه)).
(٢) الأثر: ٧١٢٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٠، وهو تتمة الآثار التى آخرها رقم: ٧١١٩.
٤٥٣
تفسير سورة آل عمران : ٥٣، ٥٤
يعرّف خلقه جل ثناؤه بذلك سبيل الذين رضى أقوالهم وأفعالهم ، ليحتذوا
طريقهم ، ويتبعوا منهاجهم، فيصلوا إلى مثل الذى وصلوا إليه من درجات كرامته =
ويكذّب بذلك الذين انتحلوا من الملل غير الحنيفية المسلمة ، فى دعواهم على
أنبياء الله أنهم كانوا على غيرها = ويحتجُّ به على الوفد الذين حاجوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم من أهل نجران: بأنّ قِيلَ مَنْ رضى الله عنه من أتباع عيسى
كان خلاف قِيلهم، ومنهاجهم غير منهاجهم ، كما : -
٢٠٢/٣
٧١٣٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن جعفربن الزبير: (( ربنا آمنا بما أنزات واتبعنا الرسول فا كتبنا مع الشاهدين»،
أى: هكذا كان قولهم وإيمانهم. (١)
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَكَّرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ
الْمُكِرِينَ) (٦)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : ومكر الذين كفروا من بنى إسرائيل ،
وهم الذين ذكر الله أنّ عيسى أحسّ منهم الكفر.
٠٠٠
وكان مكرهم الذى وصفهم الله به ، مواطأة بعضهم بعضاً على الفتك بعيسى
وَقَتْلُه. وذلك أن عيسى صلوات الله عليه، بعد إخراج قومه إياه وأمّه من بين
أظهُرِ هم ، عاد إليهم ، فيما : -
٧١٣١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى : ثم إن عيسى سار بهم = يعنى : بالحواريين الذين كانوا
(١) الأثر: ٧١٣٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٠، هوتتمة الآثار التى آخرها رقم : ٧١٢٩.
٤٥٤
تفسير سورة آل عمران : ٥٤
يصطادون السمك ، فآمنوا به واتبعوه إذ دعاهم = حتى أتى بنى إسرائيل ليلاً ،
فصَاح فيهم، فذلك قوله: ﴿ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ
طَائِفَةٌ ) الآية [ سورة الصف: ١٤].
وأما مكر الله بهم : فإنه - فيما ذكر السدى - إلقاؤه شبه عيسى على بعض
أتباعه حتى قتله الماكرون بعيسى ، وهم يحسبونه عيسى ، وقد رفع الله عز وجل
عيسى قبل ذلك ، كما : -
٧١٣٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ثم إن بنى إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلاً
من الحواريِّين فى بيت، فقال عيسى لأصحابه : من يأخذ صورتى فيقتل وله الجنة ؟
فأخذها رجل منهم، وصُعد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله: (( ومكرُوا ومكر الله
والله خير الماكرين)). فلما خرج الحواريون أبصرُ وهم تسعةَ عشر، فأخبروهم
أن عيسى قد صُعد به إلى السماء ، فجعلوا يعدّون القوم فيجدُ ونهم ينقصون رجلاً
من العِدّة، ويرون صورةَ عيسى فيهم، فشكُوا فيه. وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم
يُرَوْن أنه عيسى وصلبوه، فذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ
وَلْكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [ سورة النساء: ١٥٧].
وقد يحتمل أن يكون معنى ((مكر الله بهم))، استدراجُه إياهم ليبلغ الكتاب
أجله، كما قد بينا ذلك فى قوله اللّه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [سورة البقرة: ١٥].(٢)
(١) انظر ما سلف ١ : ٣٠١ - ٣٠٦.
٤٥٥
تفسير سورة آل عمران : ٥٥
القول فى تأويل قوله ﴿ إِذْ قَلَ اللهُ يُعِيسَىَ إِّى مُتَوَفِيكَ
وَرَافِعُكَ إِلىَّ وَمُطَهُِّكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: ومكر الله بالقوم الذين حاولوا
قتلَ عيسى = مع كفرهم بالله ، وتكذيبهم عيسى فيما أتاهم به من عند ربهم =
إذ قال الله جل ثناؤه: ((إنى متوفيك))، ف ((إذ)) صلةٌ من قوله: ((ومكر الله))،
يعنى: ومكر الله بهم حين قال اللّه لعيسى إنى متوفيك ورافعك إلىّ ، فتوفاه
ورفعه إليه .
ثم اختلف أهل التأويل فى معنى ((الوفاة)) التى ذكرها الله عز وجل فى هذه
الآية .
فقال بعضهم: ((هى وفاة نَوْم))، وكان معنى الكلام على مذهبهم : إنى
مُنِيمك ورافعك فى نومك.
ذكر من قال ذلك :
٧١٣٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر، عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((إنى متوفيك))، قال : يعنى وفاةً
المنام ، رفعه اللّه فى منامه = قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود:
إن عيسَى لم يمتْ، وإنه راجعٌ إليكم قبل يوم القيامة. (١)
وقال آخرون : معنى ذلك: إنى قابضك من الأرض، فرافعك إلىّ .
قالوا: ومعنى ((الوفاة))، القبض، كما يقال: ((توفَّيت من فلان مالى عليه))، ٢٠٣/٣
بمعنى : قبضتهواستوفیته. قالوا: فمعنى قوله: ((إنىمتوفیك ورافعك ))،أى: قابضك من
(١) الأثر: ٧١٣٣ - هو أثر مرسل، خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٣٦، ونسبه
لابن جرير وابن أبى حاتم ، وساقه ابن كثير فى تفسيره ٢ : ١٥٠ بإسناد ابن أبى حاتم .
٤٥٦
تفسير سورة آل عمران : ٥٥
الأرض حيًّاً إلى جوارى ، وآخذُك إلى ما عندى بغير موت ، ورافعُك من بين
المشركين وأهل الكفر بك .
* ذكر من قال ذلك :
: ٧١٣٤ - حدثنا على بن سهل قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن ابن
شوذب، عن مطر الورّاق فى قول الله: ((إنى متوفيك))، قال : متوفيك من
الدنيا ، وليس بوفاة موت .(١)
٧١٣٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن الحسن فى قوله: ((إنى متوفيك))، قال : متوفيك من الأرض .
٧١٣٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا احسین قال ، حدثی حجاج ، عن ابن
جريج قوله: ((إنى متوفيك ورافعك إلىّ ومطهرك من الذين كفروا))، قال:
فرفعه إياه إليه، توفّيه إياه ، وتطهيره من الذين كفروا .
٧١٣٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح: أن كعب الأحبار قال : ما كان اللّه عز وجل ليميت عيسى
ابن مريم ، إنما بعثه الله داعياً ومبشراً يدعو إليه وحده ، فلما رأى عيسى قيلة من
اتبعه وكثرة من كذّبه، شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه: ((إنى
متوفيك ورافعك إلىّ))، وليس مَنْ رفعته عندى ميتاً، وإنى سأبعثك على الأعور
الدجّال فتقتله ، ثم تعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة، ثم أميتك ميتة الحىّ .
قال كعب الأحبار : وذلك يصدّق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث
(١) الأثر: ٧١٣٤ - ((على بن سهل الرمل))، ثقة. مضت ترجمته رقم: ١٣٨٤. ((ضمرة
ابن ربيعة الفلسطينى الرمل »، قال ابن سعد: (( كان ثقة مأموناً خيراً، لم يكن هناك أفضل منه)).
وقال آدم بن أبى إياس: ((ما رأيت أحداً أعقل لما يخرج من رأسه منه)). وهو رواية ابن شوذب. مترجم
فى التهذيب. ((ابن شوذب)) هو: عبد الله بن شوذب الخراسانى، ثقة. مترجم فى التهذيب. و((مطر
الوراق)» هو: مطر بن طهمان الوراق . مضى فى رقم : ١٩١٣.
٤٥٧
تفسير سورة آل عمران : ٥٥
قال: كيف تهلك أمة أنا فى أوّلها، وعيسى فى آخرها. (١)
٧١٣٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد بن
جعفر بن الزبير : (( يا عيسى إنى متوفيك))، أى: قابضُك.
٧١٣٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((إنى متوفيك ورافعك إلىّ))، قال: ((متوفيك)): قابضك = قال:
((ومتوفيك)) و((رافعك))، واحدٌ = قال: ولم يمت بعدُ، حتى يقتل الدجال" ،
وسيموتُ. وقرأ قول الله عز وجل: ((ويكلم الناس فى المهد وكهلا))، قال :
رفعه الله إليه قبل أن يكون كهلا = قال : وينزل كهلا .
٧١٤٠ - حدثنا محمد بن سنان قال ، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ،
عن الحسن فى قول الله عز وجل: (( يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلى))، الآية
كلها ، قال : رفعه اللّه إليه ، فهو عنده فى السماء .
٠٠
وقال آخرون : معنى ذلك : إنى متوفيك وفاةَ موتٍ .
ذكر من قال ذلك :
#
٧١٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((إنى متوفيك))، يقول : إنى مميتك.
٧١٤٢ - حدثنا ابن حید قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسـق ، عمن لا يتهم،
عن وهب بن منبه اليمانى أنه قال : توفى الله عيسى بن مريم ثلاث ساعات من النهار
حتی رفعه إليه .
(١) الأثر: ٧١٣٧ - خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٣٦، ونسبه للطبرى وحده،
وقال: ((وأخرج ابن جرير بسند صحيح))، وذكر الأثر، وحديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
حديث مرسل ، ومهما كان سنده صحيحاً، فإن روايته كعب الأحبار إنما هى لا شىء ، ولا يحتج بها .
وصدق معاوية فى قوله فى كعب الأحبار: (( إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل
الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب))، رواه البخارى .
٤٥٨
تفسير سورة آل عمران : ٥٥
٧١٤٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال : والنصارى
يزعمون أنه توفاه سبع ساعات من النهار ، ثم أحياهُ اللّه .
وقال آخرون: معنى ذلك. إذ قال الله يا عيسى إنى رافعك إلىّ ومطهُرك من
الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالى إياك إلى الدنيا . وقال : هذا من المقدم الذى
معناه التأخير ، والمؤخر الذى معناه التقديم .
٠ ٠.٠
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا، قونُ من قال: ((معنى
٢٠٤/٣ ذلك: إنى قابضك من الأرض ورافعك إلى))، لتواتر الأخبار عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث فى الأرض
مدة ذكرها ، اختلفت الرواية فى مبلغها ، ثم يموت فيصلى عليه المسلمون
ويدفنونه .
٧١٤٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن مسلم الزهرى، عن حنظلة بن على الأسلمى ، عن أبى هريرة قال : سمعت
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: ليهبطنّ اللّهُ عيسى بن مريم حكماً عدلاً وإماماً
مُتَسِطاً، يكسر الصَّليب، ويقتل الخنزير، ويضَعُ الجزية، وُيُفيضُ المالَ
حتى لا يجد من يأخذه، وليسلكنّ الرّوْحاء حاجاً أو معتمراً، أو ليُثَنِّينَّ بهما
جميعاً . (١)
(١) الحديث : ٧١٤٤ - سلمة: هو ابن الفضل الأبرش. رجحنا توثيقه فى : ٢٤٦.
حنظلة بن على بن الأسقع الأسلمى - ويقال ((السلمى)) - : تابعى ثقة معروف .
والحديث رواه أحمد فى المسند: ٧٨٩٠ (ج ٢ ص ٢٩٠ - ٢٩١ حلبى)، بنحوه ، مطولا،
عن يزيد ، وهو ابن هرون، عن سفيان ، وهو ابن حسين ، عن الزهرى ، عن حنظلة .
ورواه أحمد قبل ذلك ، مختصراً : ٧٢٧١، عن سفيان ، وهو ابن عيينة . و : ٧٦٦٧، عن
عبد الرزاق ، عن معمر - كلاهما عن الزهرى ، عن حنظلة .
ورواه أيضاً مختصراً : ١٠٦٧١ (ج ٢ ص ٥١٣)، من طريق ابن أبى حفصة . و : ١٠٩٨٧
(ج ٢ ص ٥٤٠)، من طريق الأوزاعى - كلاهما عن الزهرى ، عن حنظلة .
٤٥٩
تفسير سورة آل عمران : ٥٥
٧١٤٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن الحسن
ابن دينار ، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم ، عن أبى هريرة قال : قال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم: الأنبياء إخوَةٌ لعَلاَتٍ، أنَّهاتهم شتى ودينهم واحد . وأنا
أولى الناس بعيسى بن مريم، لأنه لم يكن بينى وبينه أبى ، وأنه خليفتى على أمتى.
وإنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه : فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض ،
سبط الشعر، كأن شعرَه يقطُر، وإن لم يصبه بَللٌ، بينُ مُمصَّرتَين، يدق الصّليب،
ويقتل الخنزير، وُيُفيضُ المال ، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله فى
زمانه المللَ كلها، ويهلك اللّه فى زمانه مسيحَ الضّلالة الكذّاب الدجال ، وتقعُ
فى الأرض الأمَنّةُ حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمر مع البقر ، والذئاب مع
الغنم ، وتلعب الغلمانُ بالحيات، لا يضرُّ بعضهم بعضاً، فيثيت فى الأرض
أربعين سنة ثم يتوفى ، ويصلى المسلمون عليه ويدفنونه . (١)
#
وهذه الرواية المختصرة عند أحمد - رواها مسلم ١ : ٣٥٦ - ٣٥٧.
وروى أحمد معنى هذا الحديث مفرقاً فى أحاديث ، من طرق عن أبى هريرة . انظر المسند : ٧٢٦٧ ،
٧٦٦٥، ٧٦٦٦، ٩١١٠ (ج ٢ ص ٣٩٤)، ٩٣١٢ (ص ٤١١)، ١٠٢٦٦ (ص ٤٨٢ -
٤٨٣)، ١٠٤٠٩ (ص ٤٩٣ - ٤٩٤) ، ١٠٩٥٧ (ص ٥٣٨).
وذكر ابن كثير كثيراً من طرقه ورواياته، فى التفسير ٣ : ١٥ - ١٦ . وانظر أيضاً تاريخه
٢ : ٩٦ - ١٠١
قوله: ((أو ليثنين بهما)) - هذا هو الصواب الثابت فى المخطوطة، والصحيح المعنى. ووقع فى المطبوعة
((أو يدين بهما)) !! وهو تخليط لا معنى له .
(١) الحديث: ٧١٤٥ - إسناده ضعيف جداً. وأصل الحديث صحيح، كما سيأتى.
الحسن بن دينار البصرى : كذاب لا يوثق به . وقد مضت ترجمته فى : ٦٨٢.
عبد الرحمن بن آدم البصرى ، صاحب السقاية ، مولى أم برثن : تابعى ثقة . ذكره ابن حبان فى
الثقات، وأخرج له مسلم فى صحيحه. وترجمنا له فى شرح المسند : ٧٢١٣.
والحديث سيأتى بإسناد آخر صحيح : من رواية سعيد - وهو ابن أبى عروبة - عن قتادة بهذا الإسناد
نحوه ( ج ٦ ص ١٦ بولاق) .
وقد رواه أحمد فى المسند : ٩٢٥٩ (ج ٢ ص ٤٠٦ حلبى)، عن عفان ، عن هماء ، عن قتادة ،
به نحوه .
٤٦٥
تفسير سورة آل عمران : ٥٥
قال أبو جعفر : ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله عز وجل ، لم يكن بالذى
يميته ميتةً أخرى، فيجمع عليه ميتتين ، لأن اللّه عز وجل إنما أخبر عباده أنه
يخلقهم ثم يُميّهم ثم يُحببهم، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿اللهُالَِّىِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ
رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يُحِْكُمْ هَلْ مِنْ شُرَّكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ
مِنْ شَىْءٍ﴾ [سورة الروم: ٤٠].
٠٠ ٠
وكذلك رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٥٩٥، من طريق عفان. وقال: ((هذا حديث صحيح
الإسناد، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي.
وذكر ابن كثير فى التفسير ٣ : ١٦، من رواية أحمد عن عفان. ثم أشار إلى أن أبا داود رواه
من طريق همام ، ثم أشار إلى رواية الطبرى الآتية ، من طريق ابن أبى عروبة.
ورواه أحمد أيضاً : ٩٦٣٠ (ج ٢ ص ٤٣٧) ، من طريق سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة ،
به نحوه .
ثم رواه : ٩٦٣١، من طريق هشام، و: ٩٦٣٢، من طريق شيبان - كلاهما عن قتادة.
ولم يذكر لفظه .
ونقله ابن كثير فى التاريخ ٢: ٩٨ - ٩٩، عن رواية ابن أبى عروبة فى المسند، وأشار إلى ..
روايتى أحمد وأبي داود من طريق همام .
وليس فى هذه الروايات ولا فى رواية الطبرى الآتية - : الكلمة التى هنا فى رواية الحسن بن دينار :
((وإنه خليفى على أمتى)). وهى عندنا كلمة شاذة ، انفرد بروايتها رجل غير موثوق به .
وصدر هذا الحديث رواه أحمد ، والبخارى ، وابن حبان ، من أوجه ، عن أبى هريرة . انظر
تفسير ابن كثير ٣ : ١٦، وتاريخه ٢ : ٩٨ - ٩٩ .
قوله: ((إخوة لعلات)) - بفتح العين المهملة وتشديد اللام - قال ابن الأثير: ((أولاد العلات:
الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد. أراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة)).
قوله: (( وإنه نازل)) - نزول عيسى عليه السلام فى آخر الزمان: مما لم يختلف فيه المسلمون، لورود
الأخبار المتواترة الصحاح عن النبى صلى الله عليه وسلم بذلك. وقد ذكر ابن كثير فى تفسير طائفة طيبة
منها ، ج ٣ ص ١٥ - ٢٤ . وأ معلوم من الدين بالضرورة ، لا يؤمن من أنكره.
قوله: ((مربوع الخلق)» - بفتح الخاء وسكون اللام - المربوع: هوبين الطويل والقصير. يقال :
رجل ربعة ومربوع .
((الشعر السبط » : المنبسط المسترسل .
قوله ((بين ممصرتين)) - الممصرة من الثياب، بتشديد الصاد المهملة المفتوحة: هى التى فيها
صفرة خفيفة .