النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
تفسير سورة آل عمران : ٤٠
القول فى تأويل قوله ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلُمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ
اُلْكِبَرُ وَأَمْرَأْتِىِ عَفِرٌ)
قال أبو جعفر: يعنى أنّ زكريا قال = إذ نادته الملائكة: ((أنّ اللّه يبشرّك
بيحيى مصدّقاً بكلمة من اللّه وسيداً وحصوراً ونبيًّا من الصالحين)) = ((أنى يكون لى
غلامٌ وقد بلغنى الكبر))؟ يعنى: "مَنْ بلغ من السن ما بلغتُ لم يولد لهُ =
((وامرأتى عاقر)).
٠
٠٠
((والعاقر)) من النساء التى لا تلد. يقال منه: ((امرأة عاقر، ورجلٌ عاقرٌ))،
كما قال عامر بن الطفيل :
جَبَانَا، فَمَا عُذْرِى لَدَى كُلّ ◌َخْضَرٍ !! (١)
لَبِفْسَ الفَتَى! إِنْ كُنْتُ أُعْوَرَ عَافِراً
وأما ((الكبر)) فمصدر: ((كبيرَ فهو يَكبَرُ كِبَرَاً)).
وقيل: " بلغنى الكبر))، وقد قال فى موضع آخر: ﴿قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ﴾
(١) ديوانه ١١٩، ومجاز القرآن ١: ٩٢، وحماسة الشجرى: ٧ وغيرها، وسيأتى فى التفسير
١٦ : ٣٧ (بولاق). وعامر بن الطفيل، أحد العوران الأشراف (المحبر: ٣٠٣)، وقد ذهبت عينه يوم
فيف الريح. وأما خبر عقمه، فإنه صدق قول علقمة بن علاثة فيه، فقال: ((فقد والله صدق: ١٥ لى
ولد، وإنى لعاهر الذكر، وإنى لأعور البصر)» ( ديوانه ٩١، ٩٢)، وهذا البيت من أبيات قالها فى
يوم فيف الريح ، يذكر صبره فى قتالهم ، وقد ذهبت عينه حين طعنه مسهر بن يزيد الحارفى بالرمح ،
ففلق وجنته ، وانشقت عين عامر ففقأها. وذكروا أن عامراً طعن يومئذ بين ثغرة نحره إلى سرته عشرين
طعنة ، فقال عامر :
لِقَدْ شَانَ حُرَّ الْوَجْهِ طَعْنَةُ مُسْهِرٍ
لَعَمْرِى ، ومَا عَمْرِى عَلَىّ ◌ِبَهْنِ
فَبْسَ الفَتَى
.
يقول: من يعذرفى إذا هبت عدوى وأحجمت عن حر الطعان ؟

٣٨٢
تفسير سورة آل عمران : ٤٠
[سورة مريم: ٨]، لأن ما بلغك فقد بلغته. وإنما معناه: قد كبرت ، وهو كقول
القائل : « قد بلغنی الجهد )»(١) بمعنى : إنی فی جهد .
فإن قال قائل : و کیف قال زکریا وهو نىّ الله: (( ربّ أنی یکون لی غلام وقد
١٧٦/٣ بلغنى الكبر وامرأتى عاقر))، وقد بشرته الملائكة بما بشرته به عن أمر الله إياها به؟
أشك فى صدقهم ؟ فذلك ما لا يجوز أن يوصفَ به أهل الإيمان بالله ! فكيف
الأنبياء والمرسلون ؟ أم كان ذلك منه استنكاراً لقدرة ربه ؟ فذلك أعظم فى البلية !
قيل : كان ذلك منه صلى اللّه عليه وسلم على غير ما ظننتَ ، بل كان قِيله
ما قال من ذلك ، كما : -
٧٠٠١ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: لما سمع النداء - يعنى زكريا ، لما سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحي -
جاءه الشيطان فقال له : يا زكريا ، إن الصوت الذى سمعت ليس هو من اللّه ،
إنما هو من الشيطان يسخرُ بك! ولو كان من اللّه أوحاه إليك كما يُوحى إليك فى
غيره من الأمر! فشكّ مَكانه، (٢) وقال: ((أنَّى يكون لى غلام))، ذكرٌ؟=
يقول: من أين؟ = (٣) ((وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر)).
٧٠٠٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
أبى بكر ، عن عكرمة قال : فأتاه الشيطان فأراد أن يكدّر عليه نعمةَ ربه فقال :
هل تدری من ناداك ؟ قال: نعم! نادتنى ملائكةُ ربى ! (٤) قال : بل ذلك الشيطان!
(١) فى المطبوعة: ((وقد بلغنى الجهد)) زاد واواً لا خير فيها، والصواب من المخطوطة.
(٢) قوله: ((فشك مكانه))، أى من ساعته، من فوره. ويقال: ((فعل ذلك. على المكان))،
أى من ساعته غير متلبث ولا متصرف ، قبل أن يفارق مكانه .
(٣) فى المطبوعة: ((ومن أين)) بالواو، وفى المخطوطة واو أيضاً، لكنه ضرب عليها.
(٤) فى المطبوعة: ((نادانى))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٣٨٣
تفسير سورة آل عمران : ٤٠
لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك ! فقال: ((رب اجعل
لى آية)).
= فكان قولهُ ما قال من ذلك، ومراجعته ربَّه فيما راجع فيه بقوله: ((أنى
يكون لى غلام ))، للوسوسة التى خالطتْ قلبه من الشيطان حتى خيَّت إليه أنّ
النداء الذى سمعه كان نداءً من غير الملائكة، فقال: ((رب أنَى يكون لى غلام))،
مستثبتاً فى أمره ، ليتقرّر عنده بآية يريها الله فى ذلك - (١) أنه بشارة من الله على
ألسن ملائكته، ولذلك قال: ((رب اجعل لى آية)).
#
وقد يجوز أن يكون قيله ذلك ، مسألةٌ منه ربَّه : من أىّ وجه يكون الولدُ
الذى بُشر به ؟ أمن زوجته؟ فهى عاقر - أم من غيرها من النساء ؟ فيكون ذلك
على غير الوجه الذى قاله عكرمة والسدى ومن قال مثلَ قولهما .
القول فى تأويل قوله ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَايَشَاء) )
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((كذلك اللّه))، أى هو ما وصف
به نفسه أنه هيِّنٌ عليه أن يخلق ولداً من الكبير الذى قد يئس من الولد ، ومن
العاقر التى لا يُرْجى من مثلها الولادة، كما خلقك يا زكريا من قبل خلْق الولد
منك ولم تك شيئاً ، لأنه اللّه الذى لا يتعذر عليه خلق شىء أراده، ولا يمتنع عليه
فعل شىء شاءَه، لأن قدرته القدرةُ التى لا تُشبهها قدرة، كما : -
٧٠٠٣ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
(١) فى المطبوعة: ((يريه اللّه فى ذلك))، والصواب ما فى المخطوطة.

٣٨٤
تفسير سورة آل عمران : ٤١،٤٠
السدى قال: ((كذلك الله يفعل ما يشاء))، وقد خلقتك من قبل ولم تكُ شيئاً .
القول فى تأويل قوله ﴿قَالَ رَبُّ أَجْعَلْ لَىّ ◌َة)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه، خبراً عن زكريا ، قال زكريا : ربّ
إن كان هذا النداء الذى ◌ُنُودِيتُه، والصوتُ الذى سمعته، صوتَ ملائكتك
وبشارةً منك لى ، فاجعل لى آية = يقول: علامةً = أن ذلك كذلك ، ليزول عنِى
ما قد وسوس إلىّ الشيطان فألقاه فى قلبى، من أنّ ذلك صوتُ غير الملائكة ،
وبشارةٌ من عند غيرك ، كما : -
٧٠٠٤ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قال: ((رب اجعل لى آية))، قال: قال - يعنى زكريا -: يا ربّ،
فإن كان هذا الصوت منكَ ، فاجعل لى آية ".
وقد دللنا فيما مضى على معنى ((الآية))، وأنها العلامة، بما أغنى عن إعادته.(١)
*
١٧٧/٣
وقد اختلف أهل العربية فى سبب ترك العرب همزها ، ومن شأنها همزُ كل
((ياء)) جاءت بعد (( ألف)) ساكنة .
فقال بعضهم: ترك همزها، لأنها كانت ((أيَّة))، فتقُل عليهم التشديد ،
فأبدلوه ((ألفاً)) لانفتاح ما قبل التشديد كما قالوا: ((أيْما فلانٌ فأخزاه الله)). (٢)
٠ ٠
وقال آخرون منهم: بل هى (( فاعلة )) منقوصة .
(١) انظر ما سلف ١: ١٠٦، ثم انظر فهرس اللغة مادة (أي) فى الأجزاء السالفة.
(٢) ((أيما))، بمعنى (( أما)) مشددة الميم.

٣٨٥
تفسير سورة آل عمران : ٤١
فسئلوا فقيل لهم: ثما بال العرب تصغرها ((أيَيَّة))، ولم يقولوا ((أوَيَّة)).(١)
فقالوا: قيل ذلك، كما قيل فى ((فاطمة))، ((هذه فطيمة)).
فقيل لهم: فإنهم إنما يصغرون ((فاعلة))، على ((فعيلة))، إذا كان اسماً فى معنى
فلان وفلانة، فأما فى غير ذلك فليس من تصغيرهم ((فاعلة)) على ((فعيلة)). (٢)
...
وقال آخرون: إنه ((فَعْلة)) صيرت ياؤها الأولى ((ألفا))، كما فعل : (( حاجة،
وقامة)).
فقيل لهم: إنما تفعل العرب ذلك فى أولاد الثلاثة . (٣)
وقال من أنكر ذلك من قِيلهم: لو كان كما قالوا: لقيل فى ((نواة )) ناية،
وفى (( حياة)) حاية. (٤)
القول فى تأويل قوله ﴿قَلَ ا يَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَثَةَ
أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًا﴾
قال أبو جعفر : فعاقبه الله - فيما ذكر لنا - بمسألته الآية ، بعد مشافهة
الملائكة إياه بالبشارة ، فجعل آيته = على تحقيق ما سمع من البشارة من الملائكة
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أويية))، والصواب ما أثبت بتشديد الياء.
(٢) قائل ذلك، هو الكسائى وأصحابه. وسائلوه: هم الفراء وأصحابه. انظر لسان العرب مادة
( أيا ) .
(٣) أولاد الثلاثة: يعنى الاسم الثلاثى.
(٤) انظر تفصيل ما سلف، وبعضه بنصه فى لسان العرب ١٨ : ٦٦، وهذه الردود كلها
للفراء ، كما يظهر من نص اللسان، وكأن فى نص الطبرى بعض الاضطراب، فإن قوله: (( فقيل لهم :
إنما يفعل العرب ذلك فى أولاد الثلاثة))، إنما هو رد على قول من زعم إنها ((فاعلة)) منقوصة، مثل
حاجة وقامة ، وأن أصلها حائجة وقائمة . وأخشى أن يكون الناسخ قد أسقط ، أو قدم شيئاً، فاضطرب
الكلام .
ج ٦ (٢٥)

٣٨٦
تفسير سورة آل عمران : ٤١
بيحيى أنه من عند الله = (١) آية من نفسه، جمع تعالى ذكره بها العلامة التى سألها
ربِّه على ما يبيّن له حقيقة البشارة أنها من عند الله، وتمحيصاً له من هفوته وخطل
قِيله ومسألته .
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
٧٠٠٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناسَ ثلاثة " أيام إلاّ رمزاً))،
إنما عوقب بذلك ، لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك، فبشَّرته بيحيى ، فسأل
الآية بعد كلام الملائكة إياه . فأخيِذَ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام
إلا ما أومأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره، كما تسمعون: ((آيتك ألا" تكلم الناس
ثلاثةَ أيام إلا رمزاً)) .
٧٠٠٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((أن اللّه يبشرك بيحيى مصدّقاً))، قال : شافهته
الملائكة، فقال: ((رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام
إلاّ رمزاً))، يقول: إلا إيماءً، وكانت عقوبةً ◌ُعوقب بها، إذا سأل الآية" مع
مشافهة الملائكة إياه بما بشرته به .
٧٠٠٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر
عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((رب اجعل لى آية، قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة
(١) فى المطبوعة: ((على تخصيص ما سمع ... ))، وهو فاسد لا معنى له، وأوقعه فى ذلك أن
كاتب المخطوطة كتب أولا تخصيص)» ثم عاد فطمس الصاد الأولى، ووضع عليها نقطتى القاف ، ثم ركب
على حوض انصاد (ص) دائرة القاف ، فلم يستطع الناشر الأول أن يقرأ ذلك إلا على الوجه الذى هرب
منه الناسخ ! !
وسياق هذه العبارة ((فجعل آيته ... آية من نفسه)) وتلك الآية: أنه حبس لسانه فلم يكلم الناس إلا
كما أمر ، رمزاً .

٣٨٧
تفسير سورة آل عمران : ٤١
أيام إلاّ رمزاً))، قال: ذكر لنا، والله أعلم، أنه عوقب، لأن الملائكة شافهته
مشافهة ، فبشرته بيحيى ، فسأل الآية بعدُ، فأخِذَ بلسانه .
٧٠٠٨ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع قال: ذكر لنا ، والله أعلم ، أنه عوقب ، لأن الملائكة
شافهته فبشرته بيحيى ، قالت: ((أنّ الله يبشرك بيحيى))، فسأل بعد كلام
الملائكة إياه الآية، فأخذ عليه لسانه ، فجعل لا يقدر على الكلام إلاّ رمزاً -
يقول: يومى إيماءً".
٧٠٠٩ - حدثتی أبو عبيد الو صابی قال،حدثنا محمد بن حمیر قال ، حدثنا
صفوان بن عمرو، عن ◌ُجبير بن نفير فى قوله: ((قال رب اجعل لى آيةً قال
آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً))، قال: ربا لسانه فى فيه حتى ملأه، ١٧٨/٣
ثم أطلقه الله بعد ثلاث . (١)
#
قال أبو جعفر: وإنما اختارت القرأة ◌ُ النصبَ فى قوله: ((ألاَّ تكلم الناس))،
لأن معنى الكلام : قال آيتك أن لا تكلمَ الناسَ فيما يستقبلُ ثلاثة أيام =
فكانت ((أن)) هى التى تصحب الاستقبال ، دون التى تصحب الأسماء فتنصبها .
ولو كان المعنى فيه : آيتك أنك لا تكلم الناس ثلاثة أيام = أى : أنك على هذه
الحال ثلاثة أيام = كان وجه الكلام الرفع . لأن (( أن )) کانت تكون حينئذ بمعنى
(١) الأثر: ٧٠٠٩ - ((أبو عبيد الوصابى)) هو: ((محمد بن حفص))، مضى فى التعليق على
رقم: ١٢٩، ٦٧٨٠، وكان فى المطبوعة: ((الرصافى))، وفى المخطوطة (الوصافى))، وكلاهما خطأ.
و ((محمد بن حمير)) مضى أيضاً فى: ١٢٩: ٦٧٨٠. و((صفوان بن عمرو بن هرم السكسكى
الحمصى)) روى عن عبد الله بن بسر المازنى الصحابى وجبيربن نفير، وجماعة. كان ثقة مأموناً، مترجم
فى التهذيب. و ((جبير بن نفير))، أدرك زمان النبى صلى الله عليه وسلم وكان جاهلياً، أسلم زمن أبى بكر
وروى عن رسول اللّه وعن أبى بكر مرسلا، وروى عن أبى ذر وأبى الدرداء وغيرهما من الصحابة. قال
أبو حاتم: ((ثقة من كبار تابعى أهل الشام)). مترجم فى التهذيب. وكان فى المطبوعة: ((جويبر بن
نصير)) !! وهو خطأ لا شك فيه ، والصواب فى المخطوطة .

٣٨٨
تفسير سورة آل عمران : ٤١
الثقيلة خففت . ولكن لم يكن ذلك جائزاً ، لما وصفت من أن ذلك بالمعنى الآخر .
...
وأما ((الرّمز))، فإنّ الأغلب من معانيه عند العرب: الإيماءُ بالشفتين ، وقد
يستعمل فى الإيماء بالحاجبين والعينين أحياناً ، وذلك غير كثير فيهم . وقد يقال
للخفى من الكلام الذى هو مثلُ الهمس بخفض الصّوت: ((الرمز))، ومنه قول
جويّة بن عائذ: (١)
وَكَانَ تَكُمُ الأَبْطَالِ رَمْزًا وَهَنْهَمَةً لَهُمْ مِثْلَ الهَدِيرِ (٢)
يقال منه: ((رَمز فلان فهو يَرْمِزُ ويرُمز رمزاً = ويترمَّزُ ترمُّزاً))، ويقال:
((ضربه ضربةً فارتمز منها))، أى اضطرب للموت، قال الشاعر: (٣)
، خَرَرْتُ مِنْهَاَ لِفَىَ أَزْعِزْ.(٤)
٠
وقد اختلف أهل التأويل فى المعنى الذى عنى الله عز وجل به فى إخباره
عن زكريا من قوله: ((آيتك ألا تكلم الناس ثلاثةَ أيام إلاّ رمزاً))، وأىّ معانى
((الرمز)) عنى بذلك ؟
فقال بعضهم : عنى بذلك: آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلاّ تحريكاً
بالشفتين ، من غير أن ترمز بلسانك الكلام .
* ذكر من قال ذلك :.
(١) فى المطبوعة: ((حوبة بن عابد))، وهو لا معنى له فى الصواب ولا فى الخطأ. وهو فى المخطوطة
بهذا الرسم غير منقوط . والصواب ما أثبت .
وهو جوية بن عائذ النصرى، فيما روى ابن السكيت فى تهذيب الألفاظ : ١٢٥ . أما الآمدى فى
المؤتلف والمختلف : ٨٣، فقد سماه: ((عائذ بن جوية بن أسيد بن جرار بن عبد بن عاثرة بن يربوع بن
واثلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن))، وذكره أيضاً البغدادى فى الخزانة ١ : ٤٧٦.
والعجب لبعض من يعلق على تفسير الطبرى أن يزعم كالقاطع الجازم أنه ((جوية بن عائذ الكوفى النحوى)) !!
(٢) لم أجد البيت فيما بين يدى من الكتب، ولكنى أذكره. وكان فى المطبوعة: ((وكان يكلم))
والصواب ما أثبت .
(٣) لم أعرف هذا الراجز .
(٤) اللسان ( رمز).

٣٨٩
تفسير سورة آل عمران : ٤١
٧٠١٠ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن النضر بن
عربى، عن مجاهد فى قوله: ((إلا رمزاً))، قال : تحريك الشفتين.
٧٠١١ -حدثنى محمد بن عمرو قال،حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ؛
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ثلاثة أيام إلا رمزاً))، قال : إيماؤه بشفتيه .
٧٠١٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن
أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
وقال آخرون : بل عنى الله بذلك: الإيماء والإشارة .
· ذکر من قال ذلك :
٧٠١٣ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن سلمة بن نبيط، عن
الضحاك: ((إلا رمزاً))، قال: الإشارة.
٧٠١٤ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((إلا رمزاً))، قال : الرمز
أن يشير بيده أو رأسه ، ولا يتكلم .
٧٠١٥ -حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((إلا رمزاً))، قال: الرمزُ: أنْ
أخذ بلسانه ، فجعل يكلم الناس بيده .
٧٠١٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((إلا رمزاً))،
قال : والرمز الإشارة .
٧٠١٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلاّ رمزاً)»، الآية، قال:

٣٩٠
تفسير سورة آل عمران : ٤١
جعل آيته أن لا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً، إلا أنه يذكر الله. والرّمز:
الإشارة ، يشير إليهم .
٧٠١٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة: ((إلاّ رمزاً))، إلا إيماءً".
٧٠١٩ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع مثله .
١٧٩/٣
٧٠٢٠ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((إلا رمزاً))، يقول: إشارة .
٧٠٢١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: ((إلا رمزاً))، إلا إشارة .
٧٠٢٢ - حدثنى محمد بن سنان قال ، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ،
عن الحسن فى قوله: ((قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلاّ رمزاً))، قال :
أمسكَ بلسانه، فجعل يومى بيده إلى قومه: أنْ سَبُّحوا بُكرة وعشيًا .
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَذْ كُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْمَتِيِّ
وَالْإِنْكُرِ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك: قال الله جل ثناؤه لزكريا: يا زكريا، ((آبتك
أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلاّ رمزاً))، بغير خرس ولا عاهة ولا مرض ، =
((واذكر ربك كثيراً))، فإنك لا تمنع ذكرَه، ولا يحالُ بينك وبين تسبيحه
وغير ذلك من ذ کره ، (١) وقد : -
(١) انظر تفسير (سبح)) فيما سلف ١: ٤٧٢ - ٤٧٤، وفهارس اللغة.

٣٩١
تفسير سورة آل عمران : ٤١
٧٠٢٣ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
أبى معشر، عن محمد بن كعب قال : لو كان اللّه رخص لأحد فى ترك الذكر ،
الرخَّص لزكريا حيث قال: ((آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر
ربك كثيراً )) ، أيضاً .
وأما قوله: ((وسبح بالعشى))، فإنه يعنى : عَظُم ربك بعبادته بالعشى.
٠
٠
...
و((العَشىّ)) من حين تزُول الشمس إلى أن تغيب، كما قال الشاعر: (١)
فَلاَ الظُّلَّ مِنْ بَرْدِ الضَّحَى تَسْتَطِيعَهُ، وَلاَ الفَىْءُ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ(٢)
فالفىء، إنما تبتدئ أوْبته عند زوال الشمس، ويتناهى بمغيبها .
(١) هو حميد بن ثور الهلالى.
(٢) ديوانه: ٤٠، وهو من قصيدته الجيدة التى قالها، لما تقدم عمر بن الخطاب إلى الشعراء،
أن لا يشبب أحد بامرأة إلا جلده، فخرج من عقوبة عمر بأن ذكر ((سرحة)) وسماها ((سرحة مالك))
فشكا أهلها إلى عمر ، فقال لهم :
جُنُونَاً بها !! ياطُولَ هُذَا التَجَرُّمِ!
تجرَّمَ أهْلُوهَا، لِأَنْ كُنْتُ مُشْعَرًا
سِوَى أَنْنِى قَدْقُلْتُ: ((يَاسَرْحَةُ أُسْلِى))
وَمَا لِيَ مِن ذَنْبٍ إِلَيْهِمْ عَلْتُهُ
ثَلاَثَ تَحِيَّاتٍ ، وإن لم تَكَلَّى
◌َى، فَأَسلِ، ثُمَّ أُسْلِى، ثُمَّتَ أُسلمى،
فكان رحمه الله خفيف الدم ( كما يقول المصريون). أما الأبيات التى منها البيت المستشهد به ، فإنه
ذكر السرحة واستسقى لها ، ووصفها واستجاد لصفتها مكارم الصفات ، ثم قال :
إذَا حَانَ من حَامِى النّهَارِ وُدُوقُ
فَيَاطِيبَ رَيَّاهَا، وَيَا بَرْدَ ظِلِّهَاَ
من السَّرْحِ ، مَسدُودٌ عَلَىَّ طريقُ
وهَلْ أنا إنْ عَلَّلْتُ نَفْسِى بِسَرْحَةٍ
عَلَيْهَاَ غَرَامَ الطَّائِينَ ، شَفِيقُ
◌َى ظَلَّهَا شَكْسُ الخَلِيقَةِ، خَاْفٌِ
وَلَا الَفَيْءُ مِنْهَاَ بِالعَشِّ تَذُوقُ
فَلاَ الِظِلَّ مِنْهَاَ بالضَّحَى تَسْتَظِيمُه
مع اختلاف الروايتين كما ترى .

٣٩٢
تفسير سورة آل عمران : ٤١
وأما (الإبكار)) فإنه مصدر من قول القائل: ((أبكر فلان فى حاجة فهو يُبكر
إبكاراً))، وذلك إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت الضُّحى، فذلك
(((إبكار)). يقال فيه: ((أبكر فلان)) و((بكر يَبكُرُبُكوراً)). فمن ((الإبكار))،
قول عمر بن أبى ربيعة :
• أَمِنْ آلٍ نُعَمِ أَنْتَ غَادٍ فَُبْكِرُ.(١)
ومن « البکور » قول جرير :
أَلاَ بَكَرَتْ سَلْمَى فَجَدَّ بُكُورُهَا وَشَقَّ العَصَابَعْدَ اجْتِمَاعِ أَمِرُهَا(٢)
ويقال من ذلك: ((بكر النخلُ يَبْكُر ◌ُكوراً = وأبكرُ يُبكر إيكاراً))، (٣)
و((الباكور)) من الفواكه: أولها إدراكاً .
٠ ٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
٧٠٢٤ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وسبح بالعشىّ والإبكار))، قال :
(١) ديوانه: ١، من قصيدته النفيسة، يقولها فى ((نعم))، وهى امرأة من قريش، من بنى جمح،
كان عمر كثير الذكر لها فى شعره . وكأن شعره فيها من أصدق ما قال فى امرأة ، وهذا الشطر أول القصيدة
وتمامه :
((غَدَاةَ غَدٍ؟ أمْ رَائِحٌ فَمُهَجِّر؟))
(٢) ديوانه : ٢٩٣، والنقائض: ٧، يجيب حكيم بن معية الربعى، وكان هجا جريراً .
قال أبو عبيدة: (( شق العصا: التفرق، ومن هذا يقال للرجل المخالف للجماعة: قد شق العصا. وأميرها:
الذى تؤامره، زوجها أو أبوها)).
(٣) هذا نص خلت منه كتب اللغة، وحفظه أبو جعفر. وهو صواب، فإنهم قالوا: ((البكيرة
والباكورة والبكور)) من النخل: التى تدرك فى أول النخل، فذكروا الصفات، وتركوا الفعل. فهى
زيادة ينبغى تقييدها .

٣٩٣
تفسير سورة آل عمران : ٤٢،٤١
الإبكار أوّل الفجر ، والعشىّ مَيْل الشمس حتى تغيب. (١)
٧٠٢٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٥
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِذْ قَلَتِ الْمَلَمْكَةُ يُعَرْيَمُ إِنَّ اللهَ
أَمْطَفَكٍ وَطَهَّرَكِ وَأَمْطَفَكِ عَلَى نِسَاءِ الْمُّلَمِينَ) )
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((والله سميعٌ عليم. إذ قالت امرأة
عمران ربّ إنى نذرتُ لك ما فى بطنى محرَّرً))، ((وإذ قالت الملائكة يا مريمُ إن الله
اصطفاك ).
ومعنى قوله: ((اصطفاك))، اختارك واجتباك لطاعته وما خصّك به من ١٨٠/٣
کرامته . (٢)
٠٠
وقوله: ((وطهّرك))، يعنى: طهّر دينك من الرّيب والأدناس التى فى أديان
نساء بنى آدم(٣).
٠٠٠
= (( واصطفاك على نساء العالمين))، يعنى: اختارك على نساء العالمين فى
زمانك، (٤) بطاعتك إياه ، ففضَّلك عليهم ، كما روى عن رسول الله صلى الله
(١) فى المخطوطة ((مثل الشمس حيا يعيب))؛ !!! هكذا كتب وأعجم !!
(٢) انظر معنى ((اصطفى)) فيما سلف ٣: ٩١ / ثم ٣٢٦:٦/٣١٢:٥.
(٣) أنظر معنى (طهر)) فيما سلف ٣: ٣٨ - ٤٠، وفهارس اللغة.
(٤) انظر تفسير ((العالمين)) فيما سلف ١: ١٤٣ - ١٤٦ / ٢: ٢٣ - ٢٦/ ثم ٣٧٥:٥.

٣٩٤
تفسير سورة آل عمران : ٤٢
عليه وسلم أنه قال: (( خيرُ نسائها مريم بنت عمران ، وخيرُ نسائها خديجة بنت
خويلد))= يعنى بقوله: ((خير نسائها))، خير نساء أهل الجنة .
٧٠٢٦ - حدثنى بذلك الحسين بن على الصدائى قال ، حدثنا محاضر بن المورّع
قال ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر قال : سمعت
عليًّا بالعراق يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خيرُ نسائها
مريم بنت عمران، وخيرُ نسائها خديجة. (١)
٧٠٢٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنى المنذر بن
عبد الله الحزامى ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عبد الله بن جعفر بن أبى
طالب : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير نساء الجنة مريم بنت عمران ،
وخير نساء الجنة خديجة بنت خويلد . (٢)
(١) الحديث: ٧٠٢٦ - محاضر بن المورع الهمدانى الكوفى، وكنيته ((أبو المورع)) أيضاً:
ثقة، لينة أحمد وأبو حاتم . ويرجحنا فى المسند: ٣٨٢٣ توثيقه. ووثقه ابن سعد ٦ : ٢٧٨.
و ((محاضر)»: بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الضاد المعجمة. و((المورع)): بضم الميم وفتح
الواو وكسر الراء المشددة وآخره عين مهملة .
والحديث رواه أحمد فى المسند، عن عبد الله بن نمير: ٦٤٠، وعن وكيع: ١١٠٩، وعن محمد
ابن بشر: ١٢١١ - ثلاثتهم عن هشام بن عروة. ورواه ابنه عبد الله، فى المسند: ٩٣٨، عن طريق
أبى خيثمة ، ووكيع ، وأبى معاوية - ثلاثتهم عن هشام بن عروة ، بهذا الإسناد .
ورواه البخارى ٦: ٣٣٩، و ٧: ١٠٠ - ١١٠، ومسلم ٢: ٢٤٣، والترمذى ٤: ٣٦٥
- كلهم من طريق هشام بن عروة ، به .
ورواه الحاكم فى المستدرك ٣ : ١٨٤، عن طريق ابن نمير، ثم من طريق المسند عن وكيع وابن
غير.
وذكره ابن كثير فى التفسير ٢: ١٣٨، وفى التاريخ ٢ : ٥٩، عن رواية الصحيحين.
وذكره السيوطى ٢: ٢٣، ونسبه أيضاً لابن أبى شيبة ، وابن مردويه .
(٢) الحديث: ٧٠٢٧ - المنذر بن عبد الله بن المنذر الحزامى: ثقة، كان من سروات قريش
وأهل الندى والفضل. ترجمه البخارى فى الكبير ٣٥٩/١/٤، وابن أبى حاتم ٤ / ٢٤٣/١ - فلم
يذكرا فيه جرحاً .
والحديث هو الحديث السابق . ولكنه هنا من حديث عبد الله بن جعفر عن النبى صلى الله عليه وسلم،
وهناك من حديثه عن عمه على بن أبى طالب عن النبى صلى الله عليه وسلم. فهو إما مرسل صحابى، وإما قصر

٣٩٥
تفسير سورة آل عمران : ٤٢
٧٠٢٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :
((وإذ قالت الملائكة يامريم إنّ الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين))،
ذكرلنا أن نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: حسبك بمريم بنت عمران وامرأة
فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد، من نساء العالمين =قال قتادة: ذكر لنا
أن نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: ((خيرُ نساء ركبن الإبل صوالحُ نساء
قريش ، أحناهُ على ولد فى صغره، وأرعاهُ على زوج فى ذات يده)) =(١) قال
قتادة: وذكر لنا أنهُ كان يقول: ((لو علمت أنّ مريم ركبت الإبل، ما فضّلت
عليها أحداً)). (٢)
الراوى عن هشام ، فترك ذكر على، والأرجح أن يكون عبد الله بن جعفر سمعه من رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وسمعه عنه بواسطة على . فرواه على الوجهين . وهو صحيح بكل حال .
(١) من العربية العريقة إعادة الضمير المفرد بعد أفعل التفضيل، على الجمع، وقد جاء فى الشعر،
وجاء فى الآثار كقوله: (( كان عمار بن ياسر من أطول الناس سكوتاً وأقله كلاماً)). وقد سلف بيان
ذلك فى رقم : ٥٩٦٨، ٦١٢٩، ( فانظره) .
(٢) الحديث : ٧٠٢٨ - هو حديث مرسل. بل هو فى حقيقته ثلاثة أحاديث ، يقول قتادة فى
أول كل منها: ((ذكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم كان يقول)):
فأولهأ - ((حسبك بمريم ... )) .: ثبت موصولا. فرواه أحمد فى المسند: ١٢٤١٨ (ج ٣
ص ١٣٥ حلبى) - عن عبد الرزاق، عن معمر ، عن قتادة ، عن أنس - هو ابن مالك - مرفوعاً ،
بنحوه .
وكذلك رواه الحاكم فى المستدرك ٣ : ١٥٧ - ١٥٨، عن أبى بكر القطيعى - راوى المسند -
عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن عبد الرزاق. ولكنه ذكر أنه رواه عن القطيعى ((فى فضائل أهل
البيت، تصنيف أبى عبد الله أحمد بن حنبل)). فلم يروه من كتاب (المسند)، إنما رواه من كتاب آخر
لأحمد ٥ والإسناد واحد .
ورواه الترمذى ٤: ٣٦٦، وابن حبان فى صحيحه (٢: ٣٧٥ من مخطوطة التقاسيم والأنواع) -
كلاهما من طريق عبد الرزاق ، به .
وقال الترمذى: ((هذا حديث صحيح)). وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين،
ولم يخرجاه بهذا اللفظ فإن قوله صلى الله عليه وسلم: حسبك من نساء العالمين - يسوى بين نساء الدنيا)).
وقد يوهم كلام الحاكم أن الشيخين روياه من حديث أنس بغير هذا اللفظ . والشيخان لم يروياه من
حديث أنس أصلا .
وفقله ابن كثير فى التاريخ ٢: ٥٩ - ٦٠، من رواية المسند، وفى التفسير ٢: ١٣٨ - ١٣٩،

٣٫٩٦
تفسير سورة آل عمران : ٤٢
٧٠٢٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((يا مريم إنّ الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء
العالمين))، قال: كان أبو هريرة يحدث أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: خيرُ
نساء ركبن الإبل صُلِحُ نساء قُرْيش، أحناه على ولد، وأرعاه لزوج فى ذات يد =
قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بعيراً قط .(١)
من رواية الترمذى. وأشار فى الموضعين إلى رواية ابن مردويه إياه من طريق ثابت عن أنس. وسيأتى من
رواية ثابت : ٧٠٣٠ . وسنذكره هناك ، إن شاء الله.
وأشار الحافظ فى الفتح ٦: ٣٤٠، إلى رواية الترمذى إياه، وقال: ((بإسناد صحيح)).
وثانيها: ((خير نساء ركبن الإبل ... )) - وسيأتى عقب هذا: ٧٠٢٩، من رواية قتادة، عن
أبى هريرة . وسيأتى عقب هذا : ونذكر علته وتخريجه هناك، إن شاء الله.
وثالثها: ((لو علمت أن مريم ركبت الإبل، ما فضلت عليها أحداً)). وهو لفظ منكر، ما علمته
ثبت من طريق متصل . والصحيح أنه من كلام أبى هريرة ، كما سيأتى فى الحديث التالى .
(١) الحديث: ٧٠٢٩ - وهذا إسناد منقطع، لأن قتادة بن دعامة السدوسى لم يدرك أبا هريرة،
لأنه ولد سنة ٦١، بعد وفاة أبى هريرة. ولذلك قال هنا: ((كان أبو هريرة يحدث))، فهو شبيه فى
عبارته بالبلاغ .
ومتن الحديث صحيح :
فرواه أحمد فى المسند : ٧٦٣٧، عن عبد الرزاق، عن معمر ، عن الزهرى ، عن سعيد بن المسيب،
عن أبى هريرة ، بنحوه ، مطولا .
ورواه كذلك : ٧٦٩٥ ، بهذا الإسناد ، مختصراً .
ورواه : ٧٦٣٨، عن عبد الرزاق، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبى هريرة ،
مختصراً .
وذكره ابن كثير فى التفسير ٢: ١٣٨، عن الرواية الأولى من المسند، ثم قال: ((ولم يخرجه من
هذا الوجه سوى مسلم ، فإنه رواء عن محمد بن رافع وعبد بن حميد - كلاهما عن عبد الرزاق، به)). وذكره
أيضاً فى التاريخ ٢: ٦٠، ثم أشار إلى رواية مسلم .
ورواية مسلم، هى فى صحيحه ٢ : ٣٧٠.
ورواه أيضاً البخارى ٩ : ١٠٧ - ١٠٨، و ٤٤٨، ومسلم ٢ : ٣٦٩ - ٣٧٠، من طرق
عن أبي هريرة .
والروايات الصحاح، هى أن أبا هريرة قال من عند نفسه، فى آخر الحديث: ((ولم تركب مريم
بعيراً قط » .

٣٩٧
تفسير سورة آل عمران : ٤٢
٧٠٣٠ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه قوله :
(( وإذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله اصطفاك وطهرك واصفاك على نساء العالمين))،
قال : كان ثابت البنانى يحدث، عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : خير نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة
فرعون، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد. (١)
٧٠٣١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم العسقلانى قال ، حدثنا شعبة قال،
حدثنا عمرو بن مرة قال ، سمعت مرة الهمدانى يحدث ، عن أبى موسى
الأشعرىّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كمل من الرّجال كثيرٌ،
وأما رفع هذا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، باللفظ الذى فى الحديث السابق - فهو كما قلنا: ((لفظ
منكر)) .
قوله ((صلح)) - بضمتين: هكذا فى المخطوطة. وكان ناسخها كتب ((صوالح))، ثم ضرب عليها
وكتب ((صلح)). و((صلح)): جمع ((صليح)). يقال: صالح وصلح، وهو جمع محمول على ((فعيل))
فى الأسماء، فقالوا فى جمع الصفات: ((نذير ونذر، وجديد وجدد))، كما قالوا فى الأسماء ((كثيب
وكتب)) . وهذا حرف لم ينص عليه فى كتب اللغة .
(١) الحديث: ٧٠٣٠ - هذا إسناد ضعيف، الجهالة الشيخ الذى رواه عنه الطبرى، إذ قال
( حدثت)) بالبناء للمجهول .
وابن أبى جعفر : هو عبد اللّه الرازى. وهو ثقة، وثقه أبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهما. مترجم
فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢ / ٢ / ٠١٢٧
أبوه ((أبو جعفر الرازى: اختلف فى اسمه، والراجح أنه ((عيسى بن ماهان)). وهو ثقة ، وثقه
ابن المدينى، وابن سعد ٧ / ٢ / ١٠٩، وغيرهما. ترجم فى التهذيب فى الكنى، وترجمه ابن أبى حاتم
فى ترجمة ((عيسى)) ٣ / ١ / ٢٨٠. وقد أشرنا إلى ترجمته فى: ١٦٤. ولم أستطع أن أجد ما يدل على
أنه أدرك ثابتاً البنانى .
ثم هذا الحديث ذكره ابن كثير فى التفسير ٢ : ١٣٩، والتاريخ ٢ : ٦٠ أنه رواه ابن مردويه،
من طريق عبد الله بن أبى جعفر الرازى ، عن أبيه ، عن ثابت، عن أنس . وزاد فى التاريخ أنه رواه
ابن عساكر من طريق تميم بن زياد ، عن أبى جعفر الرازى ، ولكنه لم يكشف عن سنده فى ابن مردويه
إلى ابن أبى جعفر، ولا عن سنده فى ابن عساكر إلى تميم بن زياد ، فلا نستطيع أن نتبين صحة هذين
الإسنادين أو أحدهما .
وقد مضى فى شرح ٧٠٢٨، أنه رواه أحمد، والترمذى، وابن حبان فى صحيحه، والحاكم - من
حديث معمر ، عن قتادة ، عن أنس . فأغنى ثبوته من ذاك الوجه الصحيح عن هذا الوجه الضعيف ،
أو المشكوك فى صحته . والحمد لله .

٣٩٨
تفسير سورة آل عمران : ٤٢
ولم يكمل من النساء إلاّ مريم، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة
بنت محمد . (١)
١٨١/٣
٧٠٣٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو الأسود المصرى قال ، حدثنا ابن
لهيعة ، عن عمارة بن غزية ، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان: أن فاطمة
بنت حسين بن على حدثته : أن فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالت :
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً وأنا عند عائشة، فناجانى فبكيتُ، ثم
ناجانى فضحكت ، فسألتنى عائشة عن ذلك، فقلت : لقد عَجلْتِ ! أخبرُك
بسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم !! فتركتنى. فلما تُوفى رسول الله صلى الله عليه
وسلم سألتها عائشة فقالت: نعم، ناجانى فقال: جبريلُ كان يعارضُ القرآن
كلّ عام مرة، وإنه قد عارضَ القرآنَ مرّتين؛ وإنه ليس من نبيّ إلاّ مُمِّر نصف
عُمر الذى كان قبله، وإن عيسى أخى كان مُمْه عشرين ومئة سنة ، وهذه لى
ستون، وأحسبنى ميتاً فى عامى هذا، وإنه لم تُرْزأ امرأةٌ من نساء العالمين بمثل
ما رُزئتِ ، ولا تكونى دون امرأة صبراً! قالت : فبكيتُ ، ثم قال : أنت سيدة
(١) الحديث: ٧٠٣١ - آدم العسقلانى: هو آدم بن أبى إياس، شيخ البخارى. مضى
مراراً .
عمرو بن مرة: هو الجملى المرادى. مضى توثيقه: ١٧٥. واسم جده ((عبدالله بن طارق)). فمرة
أبوه، غير ((مرة الهمدانى)) شيخه هنا. فإنه ((مرة بن شراحيل الهمدانى)) الثقة التابعى المخضرم. وقد مضى
مراراً .
والحديث رواه البخارى ٦ : ٣٤٠، عن آدم - وهو ابن أبي إياس العسقلانى، بهذا الإسناد ،
مطولا .
ورواه أيضاً ٦ : ٣٢٠، من طريق وكيع، عن شعبة، ورواه أيضاً ٧: ٨٣، عن آدم، وعن
عمرو - وهو ابن مرزوق - كلاهما عن شعبة .
ونقله ابن كثير فى التفسير ٢ : ١٣٩، عن هذا الموضع من الطبرى، ثم قال: (( وقد أخرجه
الجماعة إلا أبا داود، من طرق عن شعبة، به)). ثم ذكر أنه استقصى طرقه فى التاريخ. ولكنه لم يفعل،
فإنه ذكره فيه ٢: ٦١، منسوباً إلى ((الجماعة إلا أبا داود، من طرق عن شعبة)).
وذكره السيوطى ٢ : ٢٣، وزاد نسبته لابن أبى شيبة .

٣٩٩
تفسير سورة آل عمران : ٤٢
نساء أهل الجنة إلاّ مريم البتول . فتوفى عامه ذلك . (١)
٧٠٣٣ - حدثنى المثنى قال حدثنا أبو الأسود قال ، حدثنا ابن لهيعة ، عن
عمرو بن الحارث: أن أبا زياد الحميرىّ حدثه: أنه سمع عمار بن سعد يقول : قال
(١) الحديث: ٧٠٣٢ - أبو الأسود المصرى: هو النضر بن عبد الجبار بن نصير المرادى.
وهو ثقة . روى عنه يحيى بن معين ، وأبو حاتم ، وغيرهما .
عمارة بن غزية - بفتح الغين المعجمة وكسر الزاى وتشديد الياء التحتية - بن الحارث ، الأنصارى
المازنى المدنى : ثقة، وثقه ابن سعد، والدارقطنى، وغيرهما ، وأخرج له مسلم فى الصحيح .
محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: ثقة، وثقه النسائى، والعجلى ، وغيرهما . وقال ابن
سعد: ((كان كثير الحديث عالماً)). وكان جواداً ممدحاً. وهو المعروف بالديباج، لحسنه. وأبوه
((عبد الله بن عمرو بن عثمان)): هو المعروف بالمطرف، لحسنه أيضاً .
ووقع فى المخطوطة والمطبوعة ((محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن عثمان)). وهو خطأ يقيناً فى اسم والد
((محمد)). فهو ((عبد الله))، لا ((عبد الرحمن)).
وفاطمة بنت الحسين بن على بن أبى طالب: تابعية ثقة. كانت تحت ابن عمها ((الحسن بن الحسن
ابن على بن أبى طالب))، وأعقبت منه، فلما مات تزوجت ((المطرف عبد الله بن عمرو بن عثمان)).
زوجه إياها ابنها عبد الله بن حسن بن حسن، بأمرها، فأعقبت منه أولاداً، منهم ((محمد)) الراوى عنها
هنا . وعمرت فاطمة حتى قاربت التسعين .
وروايتها عن جدتها فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - رواية منقطعة، ظاهرة الإرسال،
لأن الزهراء ماتت بعد أبيها بستة أشهر ، وكان ولدها الحسن والحسين صغيرين .
فهذا الحديث ضعيف الإسناد ، لهذا الانقطاع .
ولم أجده فى شىء من الدواوين غير هذا الموضع .
وقد أشار إليه الحافظ فى الفتح مرتين ، لم ينسبه فيهما لغير الطبرى :
فأشار إليه ٦ : ١٠٤، وجعله ((عند الطبرى من وجه آخر عن عائشة))، وهو وهم، فإنه مز
حديث فاطمة ، كما ترى .
ثم أشار إليه ٧ : ٨٢، على الصواب ، من حديث فاطمة .
ووقع فيه فى الموضعين غلط من ناسخ أو طابع .
وأصل هذه القصة ثابت من حديث عائشة ، فى الصحيحين وغيرهما . ولكن ليس فيه ذكر عيدى
وعمره، ولا أنه (( لم ترزا امرأة .
وعمر عيسى المذكور - فى هذه الرواية - منكر جداً، لم نجد أحداً قال مثل هذا ، فيما نعلم . وهو
من دلائل ضعف هذه الرواية .
وانظر حديث عائشة فى البخارى ٦ : ٤٦٢، و ٧: ٦٣ - ٦٤، و ٨ : ١٠٣ - ١٠٤
( فتح)، ومسلم ٢: ٢٤٨ - ٢٤٩، وابن سعد ٣٩/٢/٢ - ٤٠، و٨ : ١٧.

٤٠٠
تفسير سورة آل عمران : ٤٢
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: 'فُضّلت خديجةُ على نساء أمتى، كما فضلت
مريم على نساء العالمين . (١)
وبمثل الذى قلنا فى معنى قوله: ((وطهرك))، أنه: وطهّر دينك من الدّنس
والرّيب، قاله مجاهد. (٢)
٧٠٣٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: ((إن الله اصطفاك وطهرك))، قال :
جعلك طيبةً إيماناً .
٧٠٣٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
۵
٧٠٣٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن
جريج: ((واصطفاك على نساء العالمين))، قال: ذلك للعالمين يومئذ. (٣)
وكانت الملائكة - فيما ذكر ابن إسحق - تقول ذلك لمريم شفاهاً.
٧٠٣٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق قال :
(١) الحديث : ٧٠٣٣ - هذا إسناد ضعيف بكل حال.
أما أبو زياد الحميرى : فلم نعرف من هو ؟ ولم نجد له ترجمة ولا ذكراً . والغالب أنه محرف عن
شىء لا ندریه .
وأما ((عمار بن سعد بن عابد المؤذن)): فإنه المعروف أبوه بلقب ((سعد القرظ)) المؤذن. وعمار هذا
تابعى ، نص فى التهذيب على أن روايته عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلة . وقد ترجمه الحافظ فى الإصابة
٥ : ٨٣، فى القسم الثانى، الذين ولدوا فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((قال مجاهد)»، والصواب ما أثبت كما يدل عليه السياق.
(٣). انظر ما سلف ص: ٣٩٣ تعليق: ٤، مراجع تفسير ((العالمين)).